-قال تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” سورة السجدة 7فمن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة نستنتج بأن الأرض كانت قد شملت على هذا الكائن الطيني الأرضي من قبل أن يُخلق ويُصبح بالشيء المُستقل في ذاته وكيانه، فكانت طبيعة هذا الخلق الإنسي والذي هو مولود من من رحم الأرض وخرج من عنق الجبال أي عنق هذا الرحم هو جزء لا يتجزء من هذه الطبيعة الكونية فهو وليدها ومشتق من طينها وترابها فأصبح كائن حي وظاهر من خلال هذه المملكة الكونية الحياتية الواسعة، قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” سورة الحجر 26 والحمأ المسنون هو الطين المصهور والذي يخرُج من باطن الأرض على شكل الحمم البركانية السائلة فيتولد من خلاله الجبال، فالأرض هي أصل ومادة صنع هذا الإنسان والجبال هي وليدة هذه الأرض والتي جعلها الله رواسي تحافظ على إستقرارها فكانت منبع وفوهة رحم الأرض التي خرج منها الصلصال ذو الحمأ المسنون والذي شاء الله له لأن يكون هو المادة التي خُلق منها الإنسان …. فاختار الله لان يشق الإنسان عن اصله الأرضي الطيني ويصنع من الطين انسانا ذو خلق مستقل، فالإنسان والمخلوق من هذه الأرض انفصل عنها بخلقه وكيانه الجديد وبالتالي صاحبته ارادته الحرة ولذلك كان لزوماً عليه بتسليم ذاته المخلوقة أي نفسه إلى خالقها، وكان الخيار خياره وذلك لأن يطيع أمر الله أم يعصيه-لقد كان على الرغم من إمتناع السماوات والأرض والجبال لأن يحملن الأمانة وتخوفهن من عواقب حملها بأن أخبرنا الله بحمل الإنسان لها “أي بأن وكَّل نفسه بحفظها” فكان حمله لها ظلم لنفسه ودليل وشهادة على جهله قال الله تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” سورة الأحزاب 72 ولكن فلقد اختلف المفسرين بكيفية حمل الإنسان للأمانة فمنهم من قال بأنه كُلِف بها ومنهم من قال حملها بإختياره ومنهم من قال رضي بحملها ولكن ما هو الصواب يا ترى ..
الإنسان والتكليف بالعبودية
لقد كان الغرض من خلق الله للإنس وكذلك الجن من قبلهم كما أخبرنا الله تعالى هو لغرض عبادتهفقال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” سورة الذاريات 56 فعبودية الله هي الخضوع والطاعة والإستسلام لأمره ومشيئته ومُراده وبالتالي فلقد خلقهم الله حتى يكونوا عابدين، اي فهو لم يخلقهم لأي سبب أو غرض آخر فقال – إلا – وفي ذلك استثناء وحصر وتحديد وذلك حتى يكونوا خاضعين وطائعين وقال تعالى “ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” سورة الإسراء 23 وهنا لم يقُل الله تعالى – وقضى ربكم ألا تعبدوا – بل قال وقضى ربُك – وكأن الخطاب القرآني هنا موجه لفرد بعينه من دون الناس كافة لأن من الطبيعي لأن يسود الإعتقاد بذلك بما أن المخاطب هو فرد ولأن يكون ما يتبعه من القول بدلاً عن – ألا تعبدوا – هو – ألا تعبد إلا إياه – ولكن الآية تتحدث وتُخاطب الإنسان كجنس عام أي فهي تُخاطب كُل ﻤﻥ ﺘﺒﻠﻐﻪ رسالة التوحيد في كُل ﺯﻤﺎﻥ ﻭﻤﻜﺎﻥ، … “وقضى ربُك” أيُها الإنسان والذي كان قد شمله الأمر بالعبودية من قبل خلق الله لآدم ومن بعده بأن لا يكون مربوب وله إله يعبده سوى الله وحده، فقضاء الله هو حُكمه وبالتالي وهو بأن تم وقوع أمر عبادة الله على الإنسان ولذلك فعليكم أيُها الإنسيين والآدميين منهم خاصة لأن تكونوا طائعين لأمر خالقكم ومستسلمين له وخاضعين، وبالتالي فالإنسان كغيره من المخلوقات لم يُخير بالعبودية بل كان قد أُمر بهاقال تعالى “إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا” سورة مريم 93 وبالتالي فإن كل المخلوقات مربوبة لله فالله هو ربُها ومعبودها وبالتالي فمرجعها وتلبيتها لأمره إذا لم يكُن بطوعها واختيارها فسيكون بإكراهها ورغماً عنها وهذا يُذكرنا بعرض الله للأمانة على السماوات والأرض والجبال حين أُمرت لأن تُلبي طلب الله بالإتيان “فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”فاستجابت وأتت من طوعها ولكن الإنسان حين أمر بالطاعة والخضوع إختار العصيان فلم يستجيب ولم يُطع أمر الله فجهله وغريزته وبدائيته لم يمكننه من إدراك حقيقة وجوده، فالإنسان والمخلوق بإرادة حرة وإختيارية أخفق فاختار المعصية “كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ”، فأتى تحذير الله للناس بـ “إن كُل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا” وقال تعالى“أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ” سورة آل عمران 83 إذن فخضوع واستسلام الذات لخالقها هو أمر لا مفر منه فبإمكانك أُيها الإنسان لأن تُسلم نفسك لله من نفسك وتأمن عليها عنده وتجعلها وتُبقي عليها في عهدته بإرادتك وخيارك كمن أسلمها بخياره، أم إن لم تشأ فستُسلمها مرغماً كمن أسلمها مرغماً، وبالتالي فالمؤمن هو من يختار ليأتمن الله على حفظ ذاته فيقبل لأن يودعها عند ه بخياره، فيتجسد إيمانه من خلال إعترافه وإقراره بأن الله هو خالقه وهو مُحييه وهو مُميته وهو رازقه فيوقن بعظمته وقدرته ويُقرّ بوحدانيته ويستسلم له ويسلم له نفسه ويؤمن عليهاعنده ليتعهد بأمرها وليحفظها ويُدبر أمرها
-
الإنسان الأول وعدم قضاء أمر الله بالعبادة
لم يقل الله بانه حَمَّلَ الأمانة للانسان أو كان قد كَلَفه بحملها بل قال حَمَلَها الإنسان أي بطوعه وخياره وسنأتي على شرح ذلك ولكن كما نعلم فهو لم يُبلي بلاء حسناقال تعالى، “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)” سورة عبس.فأتت هذه الآيات من سورة عبس تُحاكي قصة الأمس وكان فيها صيغة ما حمل من ماضي الإنسان، فقال الله تعالى: “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) فبدأت هذه الآية الكريمة بتقبيح الله للإنسان الأول وكأن اللعنة لاحقته نتيجة كفره الذي تسبب به عن ظلم وجهل ففيها أدان الله الإنسان ولعنه ووبخه وتوعده نتيجة ما أحاط بنفسه من الكفر الشديد، واضاف الله قائلاً: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) فعرّف برحلته للحياة مبتدءاً من النطفة البالغة الدقة في الحجم، فكيف له لأن يعصي خالقه ويكقر به بعد أن جعل الله منه واقع وحقيقة ومبتدأ قصة إنسانية، ثم أضاف الله قائلاً: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) وهنا وبعد أن كان قد خلقه الله وسَهَل له طريق الصراط المستقيم وقاده إليه ووضعه عليه، فحسب لسان العرب: السَّبيلُ: الطريقُ وما وَضَحَ منه، وكُلُّ ما أَمَرَ الله به من الخير فهو من سَبيل الله أَي من الطُّرُق إِلى الله، فأراد الله لأن يسيره ويقوده إلى طريق الصلاح والخير ولما في ذلك خير له فقال تعالى “ثم السبيل يسّره” ويسّر أي قاده للسبيل وأوصله وعرّفه عليه وهذا يختلف عن قوله تعالى مُخاطباً الناس، قال تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)” سورة الإنسان.فقال في الإنسان الأول “ثم السبيل يسره” وقال في الآدميين “إنا هديناه السبيل”، وقال في الأول “لمّايقض ما أمره” أي عصى أمر الله ولم يعمل به فوصفه الله بالكفر ولعنه وقال في الآدميين بأن كان هداه للسبيل بعد أن جعله سميعاً بصيرا وتركه ليتحكم في مصيره حتى يبتليه أي يمتحنه بما آتاه فإما أن يكون شاكراً أو يكون كفوراً بربه، ولم يلعنه كما كان في وصف الإنسان الأول والذي كان فيه شهادة على كفر كل جنسه وضلالهم الشديد، ولكن كيف تعرفنا على أن آيات سورة الإنسان تُشير على آدم وذُريته والجواب على ذلك وهو لأنها تُحدثنا عن الإنسان المُدرك والذي وقعت عليه التسوية والجعل فأصبح يتمتع بالقدرات والتي تمكنه من اتخاذ القرار الحكيم والصائب فعليه تقع مسؤولية حفظ ذاته وهو من يؤتمن عليها فالطريق أمامه واضحة وجلية وما عليه سوى لأن يُخضع لأمر الله ولا يعصيه، فهذا آدم والذي مكنه الله بالعلم والقدرات الذكية المُدركة على العكس من سابقه الجهول ثم أضاف الله قائلاً: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) سورة عبس، أي انهى حياته بالحكم عليه بالموت وتغليفه وسدل الستارة عليه وحجبه عن الأنظار فجعل له قبر وسكن وموضع لا يغادره فأخفاه عن الوجود وجعله غامض حتى إن اراد الله وشاء ويأتي موعد أعادة نشره وإظهاره والإعلان عنه، فهذا حديث بالماضي يخبرنا الله ويطلعنا عليه كان قد صاحب وجود الخلق البدائي الأول والذي على الرغم من أن الله كان قد قاده إلى الطريق ووضعه عليه ألا أنه لم يعمل بما أمره الله سبحانه وتعالى، ثم أضاف قائلاً: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) أي أعاد إحياءهوأقامته من الموت والقبر “المواراة”، وكنّا قد تعرضنا إلى هذا الموضوع بالكامل من خلال موضوع – موت الإنسان ثم إعادة إحياءه ونشره”فأمات الله الإنسان وواراه وأخفاه عن الوجود وابقى على نشره واعادته لهذه الحياة رهن مشيئته وامره، ثُمَّ ينتهي الله من هذه الآيات مُضيفاً قوله تعالى “كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ” أي كلا إلا يقضي ما أمره الله أي لابد من ذلك وفيها يُعرفنا الله أولاً على ان الإنسان لم يقضي أمر الله، وثانياً بأن الله سيعيده ليتم أمر الله فيه ولذلك فلا سبيل امامه سوى الرضوخ والإستجابة للأمر، وذلك تماما كما كان أمر الله للسماوات والأرض والجبال “إتيا طوعاً أو كرها” وبالتالي فهو لن يفلت من قضاء الله عليه بالعبودية وهنا نُعيد ونُذكر بقوله تعالى “إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا” وقوله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” ، ولذلك فلقد أعاد الله خلق الإنسان بصورة آدم ليبتليه، وفي لسان العرب: قال ابن بري: وحكى سيبويه نَشدْتُك الله لَمّا فَعَلْت بمعنى إلاّ فعلت، وقال تعالى : إن كُلُّ نَفْس لَمّا عليها حافظٌ؛ أي ان كل نفس إلا عليها حافظ.-لقد تخلف الإنسان وقصَّر عن عبادة خالقه وما الزمه به من مشروع العبودية وبالتالي فشل الإنسان في ابقاء ذاته تحت امر الله ليقودها ويحفظها فلم يُتم أمر الله وأنقطع عن عبادته وبالتالي فهو إذن كان قد عصى الله ورفض أمره والضمير يعود على الإنسان الأصل والمتمثل بالأجناس الإنسية البدائية بأكملها ويرمز إليها وكانت الإشارة هنا تحمل التعميم وهذا التعميم لا يمكن لأن يكون يُشير على الآدميين من الإنس لأن منهم كما أخبرنا الله تعالى الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين والمتقين والوجهاء والمقربين ومنهم من هو مهتد ومنهم من هو بالضال وليس كلهم، ومنهم من يتقبلهم الله في عباده وجنته ومنهم الأحياء عنده ومنهم من هو السعيد ومنهم من هو الشقي ومنهم من هو الكافر ومنهم من هو المؤمن والشكور، وبالتالي إذن كانت تشير على الخلق البدائي الأول من الإنس والذي لم يقضي ما أمره الله وتخلف عن عبادته والذي سبق خلق الآدميين فهو الذي يسّره الله إلى السبيل وهو الذي أماته الله وهو الذي أقبره الله أي تم إحتواءه وإحكام الإغلاق عليه وطي صفحته وزمانه إلى أن عاد ونشره، فكان سبب فناءه وأقباره نتيجة ومن جرّاء عدم إمتثاله لأمر الله وبقيت عملية إنشاءه هي جزء من خطة الإبتلاء والتي وضعها الله ليمتحن فيها الإنسان، فكان بأن سبق بقوله لمّا يقض ما أمره النفي التام فقال كلا أي نفى عنه الخضوع للأمر حتى لا يعتقد البعض بأن هذا يخص حادثة عابرة أو شخص معين فرد أو جماعة لأن الحديث عن عموم هذا الإنسان البدائي، فهو كلا لمٓا يقضي ما أمره الله فكلا هي زيادة في التأكيد والمبالغة والتشديد على عدم طاعته لأمر الله والتشديد على تقصيره وبما أنها تحدثنا عن الإنسان فهي ليست حصريا على قوم أو أفراد بعينهم بل تشير على الجنس والذي اخبرنا الله بموته ومواراته عن الأنظار أي أخفاءه وإقصاءه عن الوجود بعد فشله في إبقاء ذاته على طريق الله فقُضي بذلك أجلهقال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ مَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ” سورة الأنعام 2 لقد قال الله تعالى “ثم السبيل يسّره” ويسّر أي قاده للسبيل وأوصله وعرّفه عليه ووضعه عليه ومع ذلك لم يقضي ما أمره الله، فلقد كفر الإنسان الأول بخالقه لأنه لم يسعى للإتمان على نفسه أو ليحفظها في رعاية الله ويدخرها عنده وبالتالي حاد عن صراطه حتى بعد أن وضعه الله على السبيل وقاده إلى ما فيه الخير له حيث ساعده في رحلته وطريقه وعبوره في هذه الدنيا ومع ذلك كان ناكراً لأوامر الله، فأنهى الله على وجوده الحي وجعل منه ماضي مُغلف ومحكم الإغلاق وبقي على ذلك الحال حتى إختار الله لأن يُعيده ثانياً بخلق آدم وفي ذلك كان قوله تعالى “ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14 ) سورة المؤمنونإن حمل الأمانة كان ناتج عن تحميل الإنسان لنفسه بها وليس تحميل الله له إياهاقال تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” سورة الأحزاب 72أولاً: رأينا بأن موقع “كان” في قوله تعالى “كان ظلوماً جهولا” هي أولاً زمنية أي عبّرت عن الزمن والفعل الماضي والمُنقضي، وثانياً خبرية بيانية خبَّرت عن ما كان عليه حال الإنسان وهو بكونه ظلوماً جهولا ولذلك فإن حمل الإنسان للأمانة كان ناتج عن قرار الإنسان وخياره فهو لم يُحمَّل بها بل وبكُل بساطة هو من حَمَلَها من نفسه، فكان نتيجة ذلك ظلوماً لنفسه، فلو حُمِّل الأمانة لما كان قد أوقع الظُلم على نفسه بل لكان الظُلم قد أُوقع عليه وبالتالي سيكون مظلوماً لا ظلوماً … ولكن فالله ليس بالظالم حتى يظلمه .. فلقد نزّه سبحانه وتعالى نفسه عن الظلم وكذلك حرّمه على نفسه وعلى عباده ونهاهم لأن يظلموا أنفسهم أو يتظالموا فيما بينهم،فقال تعالى “إن الله لا يظلم مثقال ذرة” سورة النساء 40 وقال تعالى “وما ربك بظلام للعبيد” سورة فصلت 46.وقال تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” سورة يونس 44 عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) أخرجه مسلم في صحيحه.فالظلوم هو من ملأ وجوده الحياتي بالظلم وأحاط نفسه به، وبما أنه هو من أوقع الظلم على نفسه إذن هو من استباحها وبما ان الله خص بالقول ما نتج عن حمله للأمانة بالظلم لنفس الإنسان من نفسه فتكون الأمانة هي نفسه فالظلم وقع عليها.ثانياً: إن عرض الأمانة كما وضّحنا لا يعني التخيير بحملها كما هو دارج بين العلماء لأن العرض لغويا هو البيان والوضوح، أما مسالة حملها فالإنسان حملها من نفسه ولم يُكلف بها ودليل ذلك بأن الله لا يكلف نفس الا وسعها والإنسان الجهول هو إنسان ضعيف وتحكمه الغريزة والشهوات وهو ليس حمل للمسؤولية وفي ذلك كان قوله تعالى “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” سورة البقرة 286 فالإنسان الذي لا تتوفر فيه القدرات العقلية الذكية ويفتقر لدور الضمير الحي في المراجعة والمحاسبة والتحكيم كما كان عليه الإنسان البدائي الأول يبقى مخلوق ضعيف، قال تعالى “وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا” سورة النساء 28 .فمن لم يوظف قواه العقلية الذكية وحاسب نفسه “النفس اللوامة” أي جعل دور لضميره للتقدير والمسائلة وترك نفسه على هواه تقودها الشهوات فإن من المتوقع بأنه سيضعف ويتهاوى تحت تأثيرها،قال تعالى “وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا” سورة النساء 27 .فالضعيف عادة تسوده وتحكمه خصائص وصفات لا ترتقي إلى مستوى تَحَمُل المسؤولية فما بالك بهذا المخلوق البدائي والذي هو في أساسه ضعيف وزيادة على ذلك أخبرنا الله بانه كان “ظلوماً وجهولا” فهو لم يكُن ظلوماً وجهولا نتيجة حمله للأمانة فقط ولكنه كان ظلوماً وجهولا في كُل مراحل حياته البدائية وتعدد صوره أي في اختلاف أجناسه وفي كُل الأزمنة التي عبر بها حياته البدائية القديمة والمنصرمة، بالإضافة على أن النفس كما أخبرنا الله هي في طبيعتها امارة بالسوء وصاحبة مفسدة وهذه دلالة أُخرى على ضعفه،قال تعالى “… إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” سورة يوسف 53 . فالله يعلم بقدرة النفس الإنسانية على الإفساد ويعلم ضُعفها وبالتالي فمن الطبيعي إذن لأن نستنتج بان الله لن ولم يُسلمها الأمانة أو يُكلف الإنسان بصيانة وحفظ نفسه طالما إتصفت نفسه بالظلم والجهل والضعف وذلك دون وقبل أن يُعالجها ويوقع عليها التحسين والتسوية.ثالثاً: أما بالنسبة لبيان حقيقة جهله أي “إنه كان .. جهولا” فنحن نعلم بأن الله هو من علم الإنسان والذي لم يكُن بالعليم من قبل أن علمه الله فقال تعالى “خلق الإنسان علمه البيان” وقال تعالى “علم الإنسان مالم يعلم” وقال تعالى “علم آدم الأسماء كلها” وبالتالي فالجهل والذي هو احد العوامل التي تسببت بحمله للأمانة كان على غير من الظلم لأن الظلم تسبب في ظلمه لنفسه وبالتالي أوقع الأذى على نفسه وبما أن الله اختار لأن يوصف لنا حاله بعد قراره هذا أي كان ظلوماً جهولا إذن فكان هذا الوصف يعود على ما انتهى عليه حاله نتيجة حمل الأمانة إذن فالأمانة تعود على حاله وماذا كان سيحل بها فالأمانة هي نفسه والذي أوقعها ضحية ظلمه لها،… ولكن ومع أنه كان ظلوما ألا أن ختم الله الحديث عنه بقوله جهولا فأخبرنا عن واقعه المتخلف والغير مبني على العلم والبصيرة حيث وكان حين أشار الله على ظُلمه وجهله قدّم الظلم وأخّر الجهل فكان تدني وشُح قدراته العلمية والمعرفية إلى جهله وهو الذي أدى إلى ظلمه لنفسه وتسبب فيه. فالإنسان الجهول هو وبكُل بساطة بغير العليم لأن الجهالة هي وصف لمن نقصه العلم وكان يخلوا من المعرفة والبيان،قال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” سورة الحجرات 6 . وعلينا هنا ملاحظة قوله تعالى “فتبيَّنوا” أي فعليكم بالبيان أي تقصي الحقيقة وذلك حتى لا تُصيبوا الناس بجهالة فتحكموا عليهم من دون علم وبيان، وبالتالي فالجاهل إذاً عليه لأن يتبين الأسباب ويتقصى الحقيقة أما في حالة الإنسان والذي لم يكن قد مكنه الله وعَلَمَه فهو وبكُل بساطة لا يقدر على تبيانها نتيجة عدم إلمامه بالعلوم والمعرفة، وبالتالي فلقد كان الإنسان الأول هو من أوقع الظلم على نفسه والظلم هو التقصير بإداء الحقوق وإنتقاصها فحين لا يؤدي الفرد ما لنفسه عليه من الحق فهو يظلمها، فالظلم هو نقيض العدل وهو أحد أهم مظاهر السقوط الإنساني والإجتماعي وهو أشد على الإنسان من الجهل ولذلك لربما كان سبباً في تقديم الله له على الجهل ومع ذلك لم تكن هذه هي خطة الله في خلقه للإنسان ولم يكن هذا ما أراد الله له فأبقى له الله على فرصة لإنقاذه من هذا الثقل الكبير فختم حديثه عنه بالقول “جهولا” وذلك رحمة به أي وكأن الله عَذَرَه نتيجة جهلة وقلة علمه وأتى وصف الله له بجهولا لتُعَبر وتشرح حاله على مر الزمان والذي كان عليه فلم يكُن بالعليم، كما ومن المُمكن بأن الله كان قد أخَّر الكلام عن جهله في الآية الكريمة لأن جهله لم يكن قد تسبب به من نفسه وذلك لأنه لم يكن قد تعلم على يدي خالقه بعد ولهذا أُعطي فرصة جديدة وشاء الله لأن ينشره من جديد ويُعيد خلقه وإحياءه
المفضلات