لابدّ من الرجوع إلى الزهرة ، مبدأ الثمرة ومادتها ، والتي يجتمع فيها غذاء النحل كاملاً ، والى هذا أشارت آية النحل الثانية (كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) فليس في الثمرة ما تأكله ، إنما أكلها من الزهرة التي تبذل الطعام لتحصل على التلقيح ؛ وتتطور بعده الى ثمرة ، ويؤكد الارتباط الوثيق بين الغذاء والتلقيح أن الثمرة بديل من الزهرة ، يؤيد هذا ما جاء في الآية ( 3 ) من سورة الرعد في قوله تعالى : ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) ذكرًا وأنثى ، ومن الواضح أن أعضاء الذكورة والأنوثة ، حبوب اللقاح والبويضات ، خُلقت في الزهرة ولم تُخلق في الثمرة ، وبذلك يتبيّن من هاتين الآيتين بشكلٍ لا لبسَ فيه ولا غموض أن الزهرة هي المقصودة والمعنية بلفظ الثمرة . . وربما جاء ذكر الثمرة إكراماً لها لِما فيها من رزق للأحياء ، وتنبيهاً على عمل النحل في الزهرة لتتحول الى ثمرة ... ومن نحوٍ ثانٍ فإن من المجاز في القرآن أن يُطلق على الشيئ إسم ما يؤول إليه ، فمثلاً أُطلق لفظ ( النار)على ( أموال ) اليتامى التي تؤكل ظلماً ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (النساء10) ، فسُميت تلك الأموال ناراُ بما تؤول إليه ، ومثله جاء في الآية ( 36 ) من سورة يوسف في قوله تعالى ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ) والخمر لا تُعصر إنما يُعصر العنب الذي يؤول إليها . ومن البديهية أن لفظي ( النار و الخمر) أُطلقا في تلك الآيات على ( الأموال و العنب ) مجازاً ، ومثلهما وفي هاتين الآيتين أُطلق مجازاُ لفظ ( الثمرة ) على ( الزهرة ) .