علمها بالطب والشعر وأخبار العرب:

وكما كانت عائشة مرجعًا مهمًا في الشؤون الفقهية والتشريعية وكبيرة محدثات عصرها، بل كافة العصور، كانت أيضًا من أبرع الناس في الطب والشعر وأحاديث العرب وأخبارهم وأنسابهم، فهذا ابن أختها عروة بن الزبير، يصف عائشة خبيرة في هذه الفنون فيقول: (لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدًا قــط كان أعلــــم بآيـــة نزلــت، ولا بفريضة، ولا ســـنة، ولا بشعـر ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكــــذا ولا كذا، ولا بقضــاء ولا طب منها، فقلت لها:يا خالة! الطب من أين تعلمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء، أو يمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه)، فلم يعجب عروة من علم عائشة بأنساب العرب وأيامهم، فإنها ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس في هذا الفن، كما أنه لم يعجب من فقهها وعلــمها وأدبها، فهي زوجـــة نبــي -و(ما ظنـــكم بــأدب النبـــــوة) كما يقول الشعبي- فلا عجب بعد ذلك كله أن تكون عائشة أفقه النساء، لذلك شاع علمها وانتشر فضلها في الأقاليم، وفاقت غيرها في الفرائض والسنن والفقه.

كما امتازت بفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم، وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم، فعن الأحنف ابن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء هلم جرّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن من فِي عائشة.

كما كان لأم المؤمنين دورها في حياة المسلمين في مختلف مجالات الحياة، ولم تكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بالمسلمين خلال حياتها التي اقتربت من السبعين إلا قليلاً. وكانت لها مواقف مشهورة، وآثار معروفة في الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالمسلمين بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، وقــد سجلــت كتــب التــاريخ كثــيرًا من الأحــداث التي تركــت فيها أم المؤمنين لمسات بارزة تشير إلى صورة العصر آنذاك، فما ظننا بعالمة ربانية، وفقيهة موسوعية، وأديبة أخذت من كل علم بطرف، إلا أن تكون منارة يهتدى بها وقد كان.