

-
الوقاية الأخلاقية :
ولأجل أن يضع الاسلام حدّاً لهذا الاسـتهتار بالقيم والأخلاق ، ولكي يخفِّف ويزيل الكثير من الانعكاسات والآثار السلبية الاجتماعية والفردية للتبرّج ، ولكي لا يستهلكنا علاج الحالات الصعبة أو التي فاتَ عليها الأوان فلم ينفع معها العلاج ، رأى المشرِّع الاسلامي أن يحصِّن الفـتاة داخلياً وخارجياً في برنامج وقـائي أثبت نجاحه حيثما كانت هناك فرصة لتجريبـه ، وحيثما كانت هناك استعدادات ذاتية وموضوعية لتطبيقه .
ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الاسلام لا يلغي ولا يصادر الحرِّيات ، بل يتحفّظ على بعضها حتى لا يُساء استغلالها ، ويضع الحدود هنا وهناك من أجل أن يحمي الانسان من نفسه الأمّارة بالسوء تارة ، ومن المجتمع الذي يحيط به أخرى .
فعلى صعيد المناعة الذاتية ، اتّخذ الاجراءات التالية :
ـ طلب من الفتاة أو المرأة عموماً أن تحكِّم إرادتها في أفعالها كلّها ، كما طلب ذلك من الشبّان أو الرجال عموماً .
ـ وحذّرها من أن تقع فريسة لتسويلات الشيطان الذي قد يملك أن يوسوس لها بالسوء ويزيِّنـه لها ، ولكنّه لا يملك أن يعطِّل أو يشلّ إرادتها كإنسانة واعية (إنّ كيدَ الشيطانِ كان ضعيفاً ) ( النساء / 76 ) .
ـ وألزمها بالستر الشرعي ( الحجاب) لا ليضعها كما يقول المغترّون في ( كيس أسـود ) وإنّما ليحصِّـن أنوثتها بما يبعد عنها غائلـة السوء والتعدِّي ، وبما يساهم في نشر حالة العفاف في المجتمع كجزء من حالة الأمن الاجتماعي الذي يحرص على استتبابه ونشره على أوسع نطاق .
ـ كما منعها من أن تبدي زينـتها إلاّ ما ظهر منها ، حتى لا تحرِّك أجواء الإغراء بالمعصية .
ـ وزرع في داخل تكوينها الانساني خصلة ( الحياء ) التي تعمل بمثابة الكابح الذي يكبح جماح النفس والشهوة والنزوة ، كما يجعل المرأة محبوبة أكثر ومُقدّرة أكثر .
ـ ودعاها إلى تربية حالة ( التقوى ) في داخلها والتي تقابل ما يُصطلح عليه بـ ( الضمير ) ، حتى لا تندفع مع تيار النفس الجامحة التي تأمر بالسوء والشيطان الذي يُزيِّن ذلك السوء .
ـ كما دعاها إلى احترام سمعتها ومكانتها في المجتمع حتى لا تطالها الألسن بالسوء والرِّيبة والانتقاص والتسقيط ، فتلك مريم (عليها السلام) مثال العفّة والصون للمرأة المسلمة الملتزمة تقول في صدد رعايتها لسُمعتها الأنقى من الزلال : (يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّاً ) ( مريم / 23 ) ، خاصّة بعدما عرفها قومها بعـفافها الذي كان يُضرَب مثلاً للنسـاء : (قالوا يا مريمَ لقد جئتِ شيئاً فريّاً * يا أختَ هارون ما كان أبوكِ امرأ سوء وما كانت أمُّكِ بَغِيّاً ) ( مريم / 27 ـ 28 ) .
وأمّا من جهة المناعة الاجتماعية ، فقد اتخذ المشرِّع الاسلامي الاحتياطات التالية :
1 ـ فلقد حرّم إطالـة النظر من الرجل للمرأة : (قُل للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارِهِم ويحفظوا فروجهِم ذلك أزكى لهم إنّ اللهَ خبيرٌ بما يصنعون ) ( النور / 30 ) ، ومن المرأة للرّجل : (وقُل للمؤمناتِ يغضضنَ من أبصارهنّ ) (النور / 31 . ) . فلقد اعتبرت العين نافذة القلب ، والنظر رسول الفتنة ومقدّمة الزِّنا .. وقديماً قال الشاعر :
كلّ الحوادث مبدأها من النظرِ***ومعظم النار من مستصغر الشّرر
كم نظرة فتكت في قلبِ صاحبها***فتك السِّهام بلا قوس ولا وترِ
وقال آخر :
نظرةٌ فابتسـامةٌ فسـلامُ***فكـلامٌ فمـوعدٌ فلِــقاءُ
2 ـ وحرّم النظر بريبة ، تلك النظرة التي تمثِّل الانجذاب الغريزي أي الشهوة الجنسية ، ولقد اعتبرت هذه النظرة محرّمة ولو لم يكن بعدها الزِّنا لأ نّها تشتمل على مفاسد ذاتية مثلها مثل اللمسة والقبلة .. وفي الحديث الشريف : «العينان تزنيان ، وزناهما النظر » ، وجاء في حديث آخر : «النظرة سهمٌ من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرة أورثت حسرةً طويلة» ، وفي حديث آخر : «أوّل النظرة لك والثانية عليك والثالثة في الهلاك» ، لأنّ في الثالثة تحقيقاً للنظر وإمعاناً له ، وهو النظر بريبة .
3 ـ وحرّم الخلوة بالأجنبية ، وهي التي لا تحلّ إلاّ بالزواج ، مُعتبراً ذلك مسرباً من مسارب الشيطان : «ما اختلى رجل وامرأة إلاّ وكان الشيطان ثالثهما» .
من خـلال ذلك ، نفهم أنّ العـلاقة بين ( السـتر ) وبين ( النـظر ) مترابطة ، فكما نطلب من الفتيات أن يستترن ، نطلب من الشبّان أن يغضّوا الطّرف ، وحتى تكتمل دائرة العفّة ، سدّ الاسلام الطرق الموصلة إلى الزِّنا ، ولذا جاء قوله تعالى : (وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ ) (الأحزاب / 53 . ) ، فالغرض المطلوب من الستر هو طهارة القلوب ، قلوب الشابّات وقلوب الشبّان معاً .
ولقد جاء في سبب نزول الآية الكريمة : (قُل للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارهم ) أنّ شابّاً من الأنصار استقبل امرأة بالمدينة ، فلمّا جاء نظر إليها ودخل في زقاق وجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة ، فشقّ وجهه ، فلمّا مضت المرأة ، فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: والله لآتينّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأخبرنّه. فهبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية : (قُل للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارهم ) .
فالشاب هنا قد افتتن بالنظر الشهوانيّ فاتّبع المرأة بالسّـير خلفها لأ نّه حرّك مخيّلته في الجانب الجنسي، ولم تكن النظرة عابرة أو سطحية. وقد قيل إنّ معنى غضّ البصر ليس هو إقفال البصر تماماً وإنّما خفضه وعدم إرسـاله طليق العـنان يلتهم الغاديات والرائحات . ولذا قال الشاعر ناصحاً :
وأنتَ إذا أرسلتَ طرفكَ رائداً***لقلبكَ يوماً أتعبتكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلّه أنتَ قادرٌ***عليه ولا عن بعضهِ أنتَ صابرُ
ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثة : عين بكت من خشية الله ، وعين غضّت عن محارم الله ، وعين باتت ساهرة في سبيل الله» . وفي الحديث : «مَن نظر إلى إمرأة ورفع بصره إلى السماء ـ أي صرفَ بصره عن النظر الحرام ـ لم يرتدّ إليه بصره حتى يزوِّجه الله من الحور العين» .
وكلّ ذلك من أجل أن يعيش المجتمع المسـلم العفاف في نظراته وكلماته وتصرّفاته
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة عمرصديق مصطفى في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 23-08-2012, 05:48 AM
-
بواسطة دعاء الرحمه في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 05-05-2010, 01:32 AM
-
بواسطة 3abd Arahman في المنتدى منتديات الدعاة العامة
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 20-10-2009, 02:40 PM
-
بواسطة ياسر محمد المصرى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 13-10-2009, 08:53 AM
-
بواسطة المنتقبة في المنتدى منتديات المسلمة
مشاركات: 13
آخر مشاركة: 24-05-2009, 08:17 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات