تجاهل أسباب إجلاء بني قينقاع :
بعد أن تحدثت الموسوعة عن المكاسب الهامة التي حققها المسلمون بعد الانتصار في غزوة بدر الكبرى، انتقلت إلى الحديث عن حصارهم لبني قينقاع بأسلوب يوحي بأن المسلمين أعجبوا بقوتهم فذهبوا ليستعرضوها على هذا الحي من اليهود.
جاء في الموسوعة الإسلامية "أن محمداً صلى الله عليه و سلم بعد أن أنهى الإجراءات المتعلقة بفداء أسرى بدر، بدأ في حصار يهود بني قينقاع في حصونهم، وترك المنافقون مساندتهم، وتخلت عنهم المجموعات اليهودية الأخرى، ومن ثم أجبروا على مغادرة مساكنهم في المدينة".
بهذا الأسلوب تجاهلت الموسوعة الإسلامية أسباب هذا الحصار، وهي أسباب معروفة تناقلتها كتب السيرة والتاريخ، ومن تلك الأسباب أنهم نقضوا العهد، وأظهروا الحسد والعداوة للمسلمين بعد انتصارهم على كفار مكة في بدرٍ. قال ابن عباس، رضي اللَّه عنهما " : كان من حديث بني قينقاع أن رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال : يا معشر يهود احذروا من اللَّه مثل ما نزل بقريش وأَسلِموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللَّه إليكم، قالوا يا محمد : إنك ترى أنا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا واللَّه لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".
ولا نريد بإيراد هذا الحديث أن سبب إجلاء بني قينقاع من المدينة يعود إلى رفضهم الإسلام، ففي هذه المرحلة كان الإسلام يقبل التعايش السلمي معهم، بل إن نصوص المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه و سلم معهم، تؤكد أنهم كانوا يتمتعون بحريتهم الدينية. وإنما يعود سبب الجلاء إلى ما أظهروه للمسلمين من روح عدائية انتهت إلى الإخلال بالأمن في المدينة والاعتداء على حرمات المسلمين.
فقد تناقلت مصادر السيرة النبوية الصحيحة أن بعض سفهائهم اعتدوا على امرأة مسلمة، واحتالوا على كشف عورتها حينما كانت تقضي بعض حاجاتها في السوق، فاستغاثت بالمسلمين، فوثب رجل منهم على يهودي فقتله، واجتمعت اليهود على المسلم فقتلوه، ولهذا لم يجد النبي صلى اللَّه عليه وسلم بداً من غزوهم بعد أن نقضوا العهد بهذا الاعتداء الشنيع على امرأة مؤمنة. فحاصرهم المسلمون خمسة عشر يوماً حتى نزلوا على حكم اللَّه ورسوله، وهو الجلاء.
هذا هو السبب وقد تجاهلته الموسوعة الإسلامية. وبهذا قابل اليهود سماحة الإسلام بالغدر والأذى.
وكان المشركون و اليهود في المدينة يؤذون المسلمين كثيراً فأمرهم اللَّه تعالى بالصبر والعفو عنهم، وفي ذلك أنزل اللَّه تعالى قوله : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ }.
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )
ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد ، معرفا عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض ، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه ، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض ، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم ، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى وعاطفا بذلك بعضهم على بعض ، ليتناصفوا ولا يتظالموا ، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له (تفسير الطبرى)
المفضلات