مسألة : موسي بن ميمون
منهج بن ميمون في فهم النصوص
1- اعلم ان مفتاح فهم جميع ماقالته الانبياء عليهم السلام ومعرفة حقيقته هو فهم الامثال ومعناها وتأويل الفاظها
2- فقد علمت قوله تعالي
(وعلي السنة الانبياء مثلت الامثال = هوشع 12-10) ، (الغز لغزا ومثل مثلا = حزقيال 17-2) ،
(انهم يقولون لي اليس انما يتمثل بامثال = حزقيال 20-49)
3- وفي المدراش ( لماذا كانت كلمات التوراة متشابهة ... حتي كان سليمان من مثل لمثل ومن قول لقول حتي فهم اقوال التوراة )
4- فتأمل تصريحهم عليهم السلام بان بواطن اقوال التوراة هي الجوهرة وظاهر كل مثل ليس بشيء
5- فاذا سقطت في بيت مظلم جوهرة لاتراها حتي تسرج السراج ، فهي موجودة ولكنك لاتراها ولاتستفيد منها
6- واعلم ان الامثال النبوية طريقتان
أ- امثال كل كلمة منها تقتضي معني
ب- امثال جملتها تنبيء عن شيء وبها كلمات كثيرة لتحسين المثل وترتيب القول والمبالغة في اخفاء المعني
7- مثال النوع الاول :
تكوين 28-12
وَرَاى حُلْما وَاذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الارْضِ وَرَاسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ وَهُوَذَا مَلائِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا
تكوين 28-13
وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَ
8- في هذا المثل كل جملة لها معني زائد في جملة المثل
9- مثال النوع الثاني :في سفر الامثال (7-4 الي 22
Pro 7:4
قُلْ لِلْحِكْمَةِ: «أَنْتِ أُخْتِي» وَادْعُ الْفَهْمَ ذَا قَرَابَةٍ.
Pro 7:5
لِتَحْفَظَكَ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ مِنَ الْغَرِيبَةِ الْمَلِقَةِ بِكَلاَمِهَا.
Pro 7:6
لأَنِّي مِنْ كُوَّةِ بَيْتِي مِنْ وَرَاءِ شُبَّاكِي تَطَلَّعْتُ
Pro 7:7
فَرَأَيْتُ بَيْنَ الْجُهَّالِ لاَحَظْتُ بَيْنَ الْبَنِينَ غُلاَماً عَدِيمَ الْفَهْمِ
Pro 7:8
عَابِراً فِي الشَّارِعِ عِنْدَ زَاوِيَتِهَا وَصَاعِداً فِي طَرِيقِ بَيْتِهَا.
Pro 7:9
فِي الْعِشَاءِ فِي مَسَاءِ الْيَوْمِ فِي حَدَقَةِ اللَّيْلِ وَالظَّلاَمِ.
Pro 7:10
وَإِذَا بِامْرَأَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ فِي زِيِّ زَانِيَةٍ وَخَبِيثَةُ الْقَلْبِ.
Pro 7:11
صَخَّابَةٌ هِيَ وَجَامِحَةٌ. فِي بَيْتِهَا لاَ تَسْتَقِرُّ قَدَمَاهَا.
Pro 7:12
تَارَةً فِي الْخَارِجِ وَأُخْرَى فِي الشَّوَارِعِ. وَعِنْدَ كُلِّ زَاوِيَةٍ تَكْمُنُ.
Pro 7:13
فَأَمْسَكَتْهُ وَقَبَّلَتْهُ. أَوْقَحَتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ لَهُ:
Pro 7:14
«عَلَيَّ ذَبَائِحُ السَّلاَمَةِ. الْيَوْمَ أَوْفَيْتُ نُذُورِي.
Pro 7:15
فَلِذَلِكَ خَرَجْتُ لِلِقَائِكَ لأَطْلُبَ وَجْهَكَ حَتَّى أَجِدَكَ.
Pro 7:16
بِالدِّيبَاجِ فَرَشْتُ سَرِيرِي بِمُوَشَّى كَتَّانٍ مِنْ مِصْرَ.
Pro 7:17
عَطَّرْتُ فِرَاشِي بِمُرٍّ وَعُودٍ وَقِرْفَةٍ.
Pro 7:18
هَلُمَّ نَرْتَوِ وُدّاً إِلَى الصَّبَاحِ. نَتَلَذَّذُ بِالْحُبِّ.
Pro 7:19
لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ. ذَهَبَ فِي طَرِيقٍ بَعِيدَةٍ.
Pro 7:20
أَخَذَ صُرَّةَ الْفِضَّةِ بِيَدِهِ. يَوْمَ الْهِلاَلِ يَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ».
Pro 7:21
أَغْوَتْهُ بِكَثْرَةِ فُنُونِهَا بِمَلْثِ شَفَتَيْهَا طَوَّحَتْهُ.
10- فحاصل المثل التحذير من اتباع لذة الابدان وشهواتها فشبه المادة بامرأة زانية وهي ذات رجل وامفهوم هو الا يتبع الانسان ماديته
11- والمقصود من ذلك انك اذا وجدتني في فصل من الفصول بينت لك معني الجملة الممثولة فلا تطلب كل جزئيات المعني لان هذا يحيدك عن معني المثل وتتكلف تأويل امور لاتأويل لها فيكفيك ان تعرف جملة المقصود
التعبير بلسان الانسان
1- قد علمت قولتهم الجامعة لانواع التأويلات كلها وهي قولهم ( عبرت عنها التوراة بلسان الانسان)
ويعني ذلك ان كل مايمكن الناس اجمع فهمه وتصوره باول فكرة هم الذي اوجب لله تعالي
2- لذلك وصف باوصاف تدل علي الجسمانية ليدل علي انه تعالي موجود اذ لايدرك الجمهور باول وهلة وجودا الا للجسم وما ليس بجسم فهو ليس موجود عندهم
3- وكذلك كل ماهو كمال عندنا نسب اليه تعالي ليدل عليه انه كمال بانحاء الكمالات كلها ولايشوبه نقص ، فكل مايدرك الجمهور انه نقص او عدم فلا يوصف به ولذلك لايوصف بأكل ولا بشرب ولابنوم ولابمرض ولا بظلم ولا بما يشبه ذلك
4- وكل مايظن الجمهور انه كمال وصف به ، وان كان ذلك انما هو كمال بالنسبة الينا ، اما اليه تعالي فتلك التي نظنها كمالات هي غاية النقص ولكن لو تخيلوا عدم ذلك الكمال الانساني منه تعالي لكان عندهم نقصا في حقه
5- وانت تعلم ان الحركة هي من كمال الحيوان وضرورية في كماله ، فكما هو مفتقر للآكل والشرب فهو مفتقر للحركة ، ولافرق بين ان يوصف تعالي بالاكل والشرب او يوصف بالحركة ، ولكن بحسب لسان الانسان اعني خيال الجمهور كان الاكل والشرب عندهم نقصا في حق الله والحركة ليست نقصا في حقه
6-وان كانت الحركة انما الجأ اليها الافتقار وقد تبرهن ان كل متحرك فذو عظم منقسم بلا شك وسيتبرهن كونه تعالي ليس بذي عظم فلا توجد له حركة ولا يوصف ايضا بسكون لانه لايوصف بالسكون الا من كان متحركا
7- فكل هذه الاسماء الدالة علي انواع الحركة كلها وصف بها تعالي علي الجهة التي قلنا كما يوصف بالحياة ومع ارتفاع الجسمانية يرتفع جميع ذلك اعني (نزل وصعد وسار وانتصب ووقف ودار وجلس وسكن وخرج وجاء وعبر وكل ماشابه ذلك )
نسبة الصفات الي الله
1- اعتري في تعريف الله عز وجل للجمهور في جميع كتب الانبياء وفي التوراة ايضا لما دعت الضرورة لارشادهم اجمعين لوجوده تعالي وان له الكمالات كلها ، اعني انه ليس موجودا فقط كما الارض موجودة والسماء موجودة بل موجودا حيا عالما قادرا فاعلا وسائر ما ينبغي ان يعتقد في وجوده
2- فارشدت الاذهان لانه موجود بتخيل الجسمانية ولانه حي بتخيل الحركة اذ لايري الجمهور شيئا متمكن الوجود صحيحا لاريب فيه الا الجسم
3- وكل ماليس بجسم لكنه في جسم فهو موجود لكنه انقص وجود من الجسم لافتقاره في وجوده الي جسم
4- اما ماليس بجسم ولافي جسم فليس هو شيئا موجودا بوجه في باديء تصور الانسان وبخاصة عند التخيل
5- وكذلك لايتصور الجمهور من معني الحياة غير الحركة وماليس بمتحرك حركة ارادية مكانية فليس هو حيا وان كانت الحركة ليست من جوهر الحي بل عرضا لازما له
6- وكذلك الادراك المتعارف عندنا هو بالحواس
اعني السمع والبصر ، وكذلك لانتصور انتقال المعني من نفس شخص منا لنفس شخص اخر الا بكلام وهو الصوت الذي تقطعه الشفاة واللسان وسائر الات الكلام
7- فلما ارشدت ازهاننا ايضا نحو كونه تعالي مدركا وان تصل معاني منه للانبياء ليوصلوها الينا وصف لنا بانه يسمع ويبصر ومعناه انه يدرك الاشياء المرئية والمسموعة ويعلمها ووصف لنا بانه يتكلم ومعناه انه تصل معاني منه للانبياء وهذا هو معني النبوة
8- ولما لانعقل من ايجادنا غيرنا الا بان نفعله بمباشرة وصف بانه فاعل
9- ولما كان الجمهور لايدرك حيا الا ذا نفس وصف لنا بانه ذو نفس
10- ولما لاتدرك تلك الافعال فينا الا بالات جسمانية استعيرت له تلك الالات التي تكون بها الحركة كالارجل والكفين والالات التي يكون بها الكلام وهي الفم واللسان والصوت ، والالات التي بها يفعل الفاعل منا مايفعله وهي اليدان والانامل والكف والذراع
11- وتلخيص هذا كله انه تعالي عن كل نقص استعيرت له الالات الجسمانية ليدل بها علي افعاله ، واستعيرت له تلك الافعال ليدل بها علي كمال ماليس هو نفس ذلك الفاعل
12- مثال ذلك انه استعير له العين والاذن واليد والفم واللسان ليدل بها علي الرؤية والسمع والفعل والكلام ،واستعيرت له الرؤية والسمع للدلالة علي الادراكعلي العموم ، وتستعمل اللغة العبرية ادراك حاسة بدل ادراك حاسة اخري مثل (انظروا كلمة الرب ) أي ادركوا معني كلامه (شم رائحة ابني ) أي ادرك رائحته
واستعير له الفعل والكلام ليدل به علي فيض ما فائض عنه كما يبين
13- فكل الة جسمانية تجدها في جميع كتب النبوة فهي اما الة حركة للدلالة علي الحياة ، او الة احساس للدلالة علي الادراك ، واما الة بطش للدلالة علي الفعل ، او الة كلام للدلالة علي فيض العقول علي الانبياء
14- فيكون ارشاد تلك الاستعارات للتقرير عندنا ان ثم موجودا حيا فاعلا لكل ماسواه مدرك لفعله ايضا
15- وسنبين اذا اخذنا في نفي الصفات كيف يرجع هذه كله لمعني واحد هو ذاته تعالي فقط
نفي الجسمية
1- ليس الغرض من هذا الفصل الا تبيين معني هذه الالات الجسمانية المنسوبة له تعالي عن كل نقص ، وانها كلها للدلالة علي افعال تلك الالات ، التي تلك الافعال كمال عندنا ، لندل علي كونه كاملا بأنحاء الكمالات كما نبهونا بقولهم : تكلمت التوراة بلسان بني ادم
2- الالات الميكانيكية المنسوبة له تعالي فنحو قوله ( موطيء قدمي ، موضع اخمص قدمي )
3- واما الات البطش المنسوبة له ( يد الرب ، باصبع الرب ، عمل اصابعك ، وجعلت علي يدك ، ولمن اعلنت ذراع الرب ، يمينك يارب )
4- واما الات الكلام المنسوبة له ( فم الرب تكلم ، ويفتح شفتيه لاجابتك ، صوت الرب بالقوة ، ولسانه كنار اكلة )
5- واما الات الاحساس المنسوبة له ( عيناه تبصران وجفناه يختبران بني البشر ، اعين الرب الجائلة ، امل اذنيك يارب واسمع ، اضرمتم نارا في غضبي )
6- ولم يستعر له من الاعضاء الباطنية الا القلب لكونه اسما مشتركا وهواسم العقل ايضا وهو مبدأ حياة الحي ، لان قوله ( حنت احشائي اليه ، زفير احشائك ) يريد به ايضا القلب ، وذلك ان الاحشاء اسم الامعاء بالخصوص واسم كل عضو باطن بالعموم فيكون ايضا اسم القلب ، ودليل ذلك :
قوله ( وشريعتك في صميم احشائي ) مساويا لقوله في قلبي
7- لم يستعر له الكتف لكونه الة نقلان في المشهور ، وناهيك انه لاتستعار له الات الاغتذاء
8- وما اري احدا يشك ان الله تعالي غير مفتقر لشيء يمد وجوده ، فلا الة له ، اعني انه ليس بجسم وانما افعاله بذاته لا بالة
9- وقد قالوا عليهم السلام قولة جامعة دافعة لكل ماتوهمه هذه الاوصاف الجسمانية كلها ، وهي قولة تدلك ان الحكماء عليهم السلام لم يخطر لهم التجسيم ببال يوما قط ولاكان عندهم امر يوهم او يلبس ولذلك تجدهم في جميع التلمود والمدرشوت مستمرين علي تلك الظواهر النبوية لعلمهم ان هذا شيء امن فيه الالتباس ولا يخاف منه غلط بوجه
بل الكل علي جهة التمثيل وارشاد الذهن
10- وتلك القولة هي قولهم في ( براشيت ربه ) قدرة الانبياء كبيرة لانهم يجعلون الصورة علي شاكلة صانعها حيث قيل ( وعلي شبه العرش شبه كمرأي البشر )
11- فقد صرحوا وبينوا ان هذه الصور كلها التي يدركها الانبياء كلهم في مرأي النبوة ، هي صورة مخلوقة الله خالقها
12- فقد صرحوا وابانوا عن انفسهم براءتهم عن اعتقاد الجسمانية
13- انقولوس المتهود رجل كامل في العبرانية والسريانية وقد جعل كده رفع التجسيم فكل صفة توهم الجسمية في الكتاب يتأولها بحسب معناها
ومن ذلك مايدل علي الحركة كالنزول والصعود ..
14- ترجم انا اهبط مصر ( عند كلام الرب مع يعقوب ) بانها ( اذهب معك الي مصر ) وذلك لدقته حيث ان اول الكلام كان ( فكلم الله اسرائيل ليلا في الحلم –تكوين 46-2)
15- ترجم نزل الرب جبل سيناء بالتجلي ونفي الحركة
16- احيانا يتأول الكلمة ( الله) بمعني الملاك
تأثر اليهود بالمسلمين
1- اعلم ان العلوم الكثيرة التي كانت في ملتنا في تحقيق هذه الامور تلفت بطول الازمان واستيلاء الملل الجاهلة علينا وبكون تلك الامور لم تكن مباحة للناس كلهم الا نصوص الكتب فقط
2- من الامور المستفاضة في الملة ( الامور التي اخبرتك بها شفاهة لايجوز ان تكتبها ) فلم يدون شيئا من غوامض التوراة وهذا سبب انقطاع تلك الامور العظيمة في الملة
3- اما هذا النذر اليسير الذي تجده في معني التوحيد ومايتعلق بهذا المعني لبعض القرائيين فهي امور اخذوها عن المتكلمين من الاسلام
4- وكان في الاسلام فرقة المعتزلة فأخذوا عنهم اصحابنا مااخذوا وسلكوا في طريقهم ثم حدثت في الاسلام فرقة اخري هم الاشغرية وحدثت لهم اراء اخري لاتجد عند اصحابنا من تلك الاراء شيء
5- وليس ذلك لانهم اختاروا الرأي الاول علي الثاني ولكن لما اخذوا الرأي الاول وقبلوه وظنوه امرا برهانيا
6- اما الاندلسيون من اهل ملتنا كلهم يتمسكون باقوال الفلاسفة ويميلون لارائهم ما لم تناقض الشريعة ولاتجدهم يسلكون في مسالك المتكلمين
7- فلما نظرت في كتب المتكلمين وكتب الفلاسفة وجدت طرق المتكلمين واحدة فلما تأملت هذه الطريقة نفرت منها لان كل تلك الادلة استعملت فيها مقدمات لم تتبرهن