[COLOR="Red
"]التطرف الديني المسيحي

دور الكنيسة في مواجهة النظام وكيفية تعامل النظام معها


من المعروف أنه توجد جماعات مسيحية تخفي أهدافها وتتبع مبدأ التقية ـ طبقا لكتابات الدكتور رفيق حبيب ـ وترفض المجتمع وتنعزل عنه وتحاول خلق مجتمع بديل, ثم تنعزل عن الكنيسة وتتهمها بالخروج عن الدين وتتجه إلى طريق التكفير فتكفر قيادات الكنيسة ثم تكفر أعضاء الكنيسة لإتباعهم لهذه القيادات وتتسع دائرة التكفير لتشمل الأسرة والمجتمع. والقائد في الجماعات المسيحية يميل إلى الاتجاه الديكتاتوري حيث تكون له سلطة دينية مطلقة " ثيوقراطية" ثم يصبح القائد ممثل الله على الأرض وتتحقق لقادة الجماعات الدينية درجة من السلطة تؤهلهم للتحكم في مصير أعضاء الجماعة حسب إرادتهم الشخصية.

1. كانت مدارس الأحد إتماماً لمشروع حبيب جرجس لمواجهة تأثيرات المنصرين الأجانب وحماية النشء المسيحي من الإرساليات الأجنبية التبشيرية وغيرها، واستطاعت التوسع في مجالات النشاط لتشمل الجوانب الدينية والحياتية والاجتماعية. فكانت مجالاً يجد فيه الأطفال والشباب فرصة لممارسة النشاط الاجتماعي ومن خلال هذه البيئة استطاعت الكنيسة تنشئة جيل كنسي أرثوذكسي له انتماءاته المحددة ومن خلالها تكون الفرد الكنسي أو عضو الكنيسة. وقد أفرزت تلك المدارس أعضاء الكنيسة وقيادتها وكوادرها الجديدة ثم أصبحت المؤسسة التكوينية التي تمد الكنيسة برعاتها، كما خرجت أيضاً جماعة الأمة القبطية من عباءة مدارس الأحد حيث رفعت شعارات "الإنجيل دستورنا" و"القبطية لغتنا" و"الموت في سبيل المسيح أسمى أمانينا" على غرار شعارات الإخوان، واقتحمت دار البطريركية وأجبروا "الأنبا يوساب" على التنازل عن العرش ألبطريركي في 24 يوليو 1954م وقد أثارت الجماعة العديد من الأفكار مثل فكرة القومية المصرية وأن الأقباط البقية الباقية من سلالة المصريين القدماء وأنهم أصحاب الأرض أما المسلمين فدخلاء يجب طردهم. رغم إجماع علماء تاريخ الأجناس على وحدة العنصر المصري منذ ما قبل التاريخ حتى وقتنا الحالي.

2. لقد استغل المسيحيون هجرة الكثير منهم إلى أمريكا وكندا "بلاد المهجر" وتكونت جماعات تحمل أفكار جماعة الأمة القبطية وغالت فيها إلى أقصى مدى فاستعانوا بالغرب واستخدموا الضغط الدولي على الحكومة المصرية وادعوا أن المسيحيين مضطهدون وتميزت دعاواهم بالمغالاة والطائفية وعدم مراعاة مصلحة الوطن وتصوروا أن الدفاع عن مسيحي مصر يكون من المهجر بعيدا عن حق المواطنة والوطن؛ لأنهم اهتموا بالدفاع عن طائفة من أبناء مصر وليس الدفاع عن مصر كلها وبهذا أصبحوا خطراً على الوحدة الوطنية وظهر لبعضهم نزعات تغريبية من حيث التعلق بالنمط الغربي والاستعلاء الحضاري بالحديث عن كونهم القطاع الأرقى أو الجنس الفرعوني النقي. وأصبح للكنيسة امتدادات في الخارج بعيداً عن سلطة الدولة إضافة إلى أن الدولة ليس لها سلطة أصلاً على الكنيسة في داخل مصر فالكنيسة مستقلة في كل شئونها، ولديها الحرية في الاتصال وإقامة علاقات مع الخارج في كل بلاد العالم وأصبح لها فروعاً في كل العالم.

3. وبناء على كل التطورات الجديدة التي طرأت على البناء الكنسي في مصر فقد هاجرت مجموعات من الشباب المسيحي من المجتمع إلى الكنيسة؛ لاعتقادهم أن السيطرة على شئون الكنيسة تتركز في أيدي الرهبان الذين يرأسون الأديرة أو يشغلون مراكز الأساقفة، وبالتالي يكونون المجمع المقدس وكان واضحاً لهؤلاء الشباب أن قوة الكنيسة وقوة المجتمع القبطي تكمن في الأديرة ولكي ينفذوا إلى أعماق المجتمع القبطي فلابد من السيطرة على الإكليروس، كان ذلك في وقت مشاركة الأقباط بقوة في الحياة السياسية من خلال حزب الوفد قبل ثورة 23 يوليو.
فالمجتمع لم يكن هو الذي عزل المسيحيين أو أن السياسيين هم الذين عزلوهم بل المسيحيون هم الذين انسحبوا بناء على عقائدهم ورغبة في اختراق الكنيسة والقضاء على نظامها التقليدي ووصولاً إلى السيطرة على الإكليروس والكنيسة ثم السيطرة على المجتمع، وعلى رأس الرهبان الجامعيين كان نظير جيد روفائيل الذي أصبح فيما بعد "الأنبا شنودة الثالث" وغيره الكثيرون.

4. أما على جانب العلاقات السياسية بين الكنيسة والثورة، فقد تميزت العلاقة بين الرئيس عبد الناصر والبابا كيرلس في إطار من التفاهم والود لأن البابا لم تكن لديه أية تطلعات سياسية أو دنيوية وركز جهوده في رفع مستوى الطائفة دينياً وثقافياً وهى أمور كانت تتماشى مع التقاليد الأصيلة للكنيسة المصرية في الفصل بين الدين والدولة وفى نفس الوقت تتفق مع اتجاه الرئيس عبد الناصر في إبعاد الصبغة الدينية عن شئون الحكم، وتم توظيف التوافق الشخصي بينهما من أجل المصالح المشتركة للدولة والكنيسة. لكن استغل بعض المسيحيين فرصة الحرية الدينية المكفولة لهم من الدولة في محاولة نشر التنصير بين المسلمين واشتركت الكنيسة "الأرثوذكسية" في الهيئات والمنظمات التنصيرية العالمية وفى مجلس الكنائس العالمي الذي هَدَفَ إلى نشر المسيحية بين المسلمين وتمكن من السيطرة على حركة التنصير العالمية.

5. أثبتت الرسالة قيام بعض الجمعيات المسيحية بنشاط تنصيري، وانتشار كتب تشكك في عقيدة المسلمين صادرة من الكنيسة الأرثوذكسية وبعضها صادر عن دور نشر تنصيرية في أوروبا والولايات المتحدة مطبوعة باللغة العربية وبعضها الآخر مجهول الهوية، مما أثار المسلمين ومهدت الطريق للعنف الديني، وزاد من التوترات الطائفية قيام بعض الشباب المسيحي بتوزيع المنشورات التنصيرية.

6. كما أنه من المعروف للكل (مسلمين وكافة أجهزة الدولة) ارتفاع مكانة البابا عند المسيحيين إلى حد كبير، وذاك أمر كان له خطورته عندما استخدم سلطاته الدينية في السياسة أو في مواجهة الدولة وعندها انقسمت الأمة وحدث الصدام.
فلقد وجد البابا شنودة نفسه على رأس الكنيسة ومعه مجموعة من أسباب القوة وأبرز عناصرها الشباب الذي تربي علي يديه في مدارس الأحد بالإضافة إلي علاقاته المتينة بمسيحيي المهجر وفروع الكنيسة في المهجر والتي أصبحت مصدراً لموارد مالية ضخمة ـ تساعد وتدعم مادياً ومعنوياً بل وسياسياً أيضاً، بعيدا عن الدولة، ولسوف نعرض لهذا الأمر عندما نتناول قضية السيدة وفاء قسطنطين..

7. كما بالغ المسيحيون في حساب عددهم بهدف زيادة تمثيلهم في الوظائف الكبرى والمجالس النيابية في الدولة، وقد رفض الرئيس الراحل محمد أنور السادات الحديث عن النسبة العددية للمسيحيين في الوظائف العامة حتى لا ينتقل إلى وضع طائفي كما في لبنان ولكنه استجاب لبعض مطالب البابا فكان له رأي مسموع من الحكومة في اختيار أعضاء المجلس الملي، وفي تعيينات مجلس الشعب، وكان رئيس الوزراء يطلب منه ترشيح بعض الأشخاص لكي تختار الحكومة المعينين من بينهم، وزاد السادات من عدد الوزراء المسيحيين، وقام بتعيين اللواء فؤاد عزيز غالي قائداً للجيش الثاني الميداني بعد حرب أكتوبر 1973، ثم محافظاً لسيناء.

8. بدأت أحداث العنف الطائفي بحادث الخانكة الذي ثبت أنه كان مفتعلا وجاء في مرحلة حساسة من تاريخ مصر كانت تحتاج لتضافر الجهود والوحدة من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية لكن رئاسة الكنيسة لم تراع الظرف التاريخي وواجهت الموقف بحدة وقام البابا شنودة باستعراض القوة بأن أرسل الكهنة بالعشرات إلى المبنى الصغير المحترق لإقامة القداس، فغضب الرئيس السادات وخشي من أن انفجار المسألة الطائفية من شأنه أن يعرقل احتمالات المعركة المحتملة مع إسرائيل، ثم عالج الموقف بحكمة وطلب من مجلس الشعب أن يبحث ـ بطريقة محايدة ـ الاحتكاكات الطائفية لخطره على وحدة الأمة، وحلاً لمشكلة بناء الكنائس وعد السادات البابا شنودة ببناء خمسين كنيسة سنويا، وسمح لأول مرة ببناء كنائس في المدن الجديدة حين أمر بوضع حجر الأساس لكنيسة العاشر من رمضان بمشاركة رجال الأزهر، وقد اعترف البابا شنودة بعدم وجود مشكلة في بناء الكنائس فلا يوجد قبطي يفتقد مكانا يتعبد فيه، والواقع أكد أن عدد الكنائس بالأرقام الرسمية وبالمشاهدة يزيد كثيرا عن احتياجات المسيحيين ناهيك عن الحديث عن مساحاتها الضخمة التي تزيد أضعافا عن مساحات المساجد.

9. وكانت سياسة الرئيس الراحل محمد أنور السادات تجاه الأحداث الطائفية المتفرقة بعد تحقيقات النيابة العامة، تتمثل في بحث إيجاد سبيل للمصالحة بين المسلمين والمسيحيين، للقضاء على الضغائن، وكان يجتمع ـ حلا لذلك ـ مع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ومع الأساقفة والمطارنة وأعضاء المجمع المقدس.

10. رفض المسيحيون الشريعة الإسلامية ـ رغم محاولة العلماء المسلمين طمأنتهم بأنه لن تمس عقائدهم ولا شرائعهم ـ واعتبروا أن مصالحة السادات للإخوان المسلمين ومنحه الحرية للجماعات الإسلامية موجهاً ضدهم، ومن ثم تصاعدت ضغوطهم على الدولة منذ إعلان الدستور الدائم 1971م فاستغلوا حادث الخانكة بقوة لتحقيق مطالبهم، وعقدوا المؤتمر القبطي يناير 1977م وقرر البابا شنودة الصيام وأن يظل المؤتمر منعقدا حتى العدول عن التفكير في تطبيق قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية. فأثار ذلك شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود ـ آنذاك ـ الذي رد بعقد المؤتمر الإسلامي في يوليو 1977 وقرر أن أي قانون أو لائحة تعارض تعاليم الإسلام تعتبر ملغاة وكأنها لم تكن، وأعلن أن تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها لا يرتهن بقيام البرلمان بإصدار تشريعاته، وأن التأخير في تطبيق الشريعة الإسلامية مراعاة لمشاعر غير المسلمين لا يمكن قبوله. فضاعف البابا شنودة من ضغوطه وأصر على معارضة قانون الردة ودعا إلى صيام جماعي والصلاة في جميع الكنائس في الأسبوع الأول من سبتمبر 1977 حتى ألغت الحكومة مشروع القانون، وعندما قرر الرئيس السادات تعديل الدستور وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، قرر البابا عدم الاحتفال بذكرى تقلده الكرسي البابوي واعتكف في دير الأنبا بيشوي، ثم استغل البابا حدوث صدام بين الطلاب المسيحيين والطلاب المسلمين في بيت الطلبة في الإسكندرية في 18مارس 1980 واتخذ قراراً بعدم إقامة المراسم والاحتفالات والاستقبالات الخاصة بعيد القيامة وعدم تبادل التهاني المعتادة مع رئيس الجمهورية وأمر كل رجال الكنيسة بعدم تَقَبُل التهاني بعيد القيامة من أي مسئول رسمي تبعث به الدولة لتهنئة الأقباط كما جرى التقليد من قبل، وقد ساء السادات تصرف البابا لأن النزول بالأزمة إلى الشارع يعنى تماماً احتمال وقوع أحداث دامية وخاصة في الأحياء الشعبية أو القرى الصغيرة وإذا تدخلت الدهماء فإنه لا توجد حكومة تستطيع أن توقف أنهار الدماء.

11. كان نتيجة لاعتراض البابا أن استغلت القوى المسيحية الغربية مواقف البابا وانطلقت الحملات الإعلامية الشرسة ضد مصر في العواصم الأوربية وكانت احتجاجات البابا شنودة إيذاناً بهجوم مسيحي المهجر على الرئيس أنور السادات في خطابهم الموجه إلى مصر وخارجها والذي يدور حول الاضطهاد، وعندما سافر السادات إلى الولايات المتحدة الأمريكية في اليوم التالي لعيد الفصح الذي تقرر عدم الصلاة فيه وفوجئ بمنشور يتضمن حيثيات قرار المجمع المقدس يوزع في أمريكا أمام "البليرهاوس" واستقبله الأقباط المسيحيون أمام البيت الأبيض وأمام الأمم المتحدة بالمظاهرات.

12. أيد البابا زيارة الرئيس للقدس وباركها وأعلن أن السادات رجل واحد بملايين الرجال، ولتحسن العلاقة بين البابا والسادات منح السادات الميدالية الذهبية التي حصل عليها من مجلس الكنائس الميثودي العالمي بأمريكا جائزة السلام لعام 1978 للبابا شنودة، لكن العلاقات توترت مرة أخرى عندما رفض البابا تشجيع الأقباط للسفر إلى بيت المقدس، ووجه نصيحة إلى الأقباط البارزين في مجال السلطة بأن يقللوا من ظهورهم في مجال العلاقات مع إسرائيل وقرر حرمان من يسافر إلى إسرائيل من التناول، وبذلك أقام البابا حكومة دينية مسيحية تحكم الشعب القبطي ولا يستطيع أحد أن يخرج على سلطة البابا الذي يتحدى الحاكم وسلطة الدولة.

13. أوجدت مواقف البابا تياراً معارضاً له في الكنيسة القبطية تزعمه متى المسكين الذي رأى أنه كلما خرجت الكنيسة عن اختصاصاتها ونزعت إلى السلطان الزمني وطالبت بحقوق عنصرية وطائفية فشلت في تأدية رسالتها، لذلك يجب عليها ألا تتدخل في الأمور الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية لأنها ليست من اختصاصاتها لكن مقالات متى المسكين وغيره لم تجد صداً واسعاً بين الأقباط بسبب سيطرة البابا على الكنيسة وشعبها.

14. ونتيجة الاعتداءات المسيحية على الدين الإسلامي رفض الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مؤتمرات الحوار بين الأديان وأعلن أنه رغم أن المسلمين يحترمون المسيح وأمه عليهما السلام إلا أن المسيحيين يهاجمون رسول الإسلام ويهاجمون مبادئ الإسلام، ويرفضون مجرد الاعتراف بوجود دين يسمى الإسلام، رغم أن الإسلام هو العامل الأكبر في تثبيت المسيحية حين اعترف بوجود المسيح عليه السلام وحين برأ أمه، وطالب بالاعتراف بالدين الإسلامي وبرسوله حتى ينال المسلمون في أوروبا ما يناله اليهود من الاعتراف بأعيادهم وبشعائرهم.

15. ونتيجة لزيادة الشحن الطائفي شهدت مصر في يونيو 1981 أسوأ حوادث الفتنة الطائفية في حي الزاوية الحمراء، وأهمية الحادثة في كونها أظهرت الاستقطاب الطائفي الشديد الذي جرى في المجتمع المصري. كما أظهرت الأساليب الملتوية للمسيحيين لبناء الكنائس على أرض أوقاف المساجد، وتسبب الحدث في استنفار بين المسلمين واستطاعت قوات الأمن وأجهزة الشرطة السيطرة على الموقف كلياً مما قلل عدد الإصابات والإتلاف في الممتلكات وقد أمر الرئيس السادات بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن أحداث الفتنة الطائفية عام 1981 في مجلس الشعب، وقد ألقت اللجنة بالمسؤولية عن الأحداث الطائفية على الجماعات الإسلامية وعلى سياسة البابا شنودة الذي يسعى للصدام وإشعال الفتنة.

16. إذن هناك قوة دينية كبرى لا يستهان بها وهي قوة مسيحيو مصر ولها المقدرة على افتعال الأزمات ..
وهو على
مطالب ثالثة:[/COLOR]