حقيقة الكفر
أخي القارئ قد تتغير بعض مفاهيمك الاساسية ، بعد إنتهائك من قراءة الموضوع ، فتابعنا حتى النهاية .
هذا الموضوع عبارة عن مجلد أنقله لكم حتى تعم الفائدة إن شاء الله .
والله المستعان
عرض للطباعة
حقيقة الكفر
أخي القارئ قد تتغير بعض مفاهيمك الاساسية ، بعد إنتهائك من قراءة الموضوع ، فتابعنا حتى النهاية .
هذا الموضوع عبارة عن مجلد أنقله لكم حتى تعم الفائدة إن شاء الله .
والله المستعان
حقيقة الكفر
القسم الأول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾
الكفر لغةً: السَّتْر والتَّغطية، وجَحْدُ النِّعمة وتناسيها،
وحينئذٍ لم يبق التقابل بين الإيمان والكفر لغة إلا باعتبار اللازم، فإنّ جحود النعمةِ والتناسي لا يجتمع مع التَّصديق بأحد،
وبمعنى أدق، فإن الجحود يطمس معالم التصديق، أو يحول بينه وبين القلب،
ففي الحالة الأولى، اقتنع الكافر بالحق وتبين له الهدى، ولكنه شاقق،
وفي الثانية أبى الحق ابتداء، وتصديقه لا يجتمع معه جحود نعمتِهِ، ولولا وجود نقيضٍ سَتَرَهُ نقيضُهُ، أو غطاه وحجبه، ما سُمي كفرا،
وقد قلنا: لا يجتمعا، وهذا لا يعني أن المعرفة التي قد ينتج عنها التصديق لم تتواجد قبل أن يسترها ويغطيها ويطمس محاسنها الكفر،
فرب كافر عرف وشاقق، وأما ضِدُّ الإيمان الصريح فهو الخيانة، كما أن ضِدّ الكفر هو الشكر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ وَلَا يَجْتَمِعُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا وَلَا تَجْتَمِعُ الْخِيَانَةُ وَالْأَمَانَةُ جَمِيعًا مسند أحمد باقي مسند المكثرين.
وعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ
قَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلَافِهِ وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ
فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ
وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ
وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ
وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ
فَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ. مسند أحمد باقي مسند المكثرين.
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:
الكاف والفاء والراء: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية. يقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه.
والـمُكَفِّر: الرّجل المتغطِّي بسلاحه.
ويقال للزَّارع كافر، لأنَّه يُغطِّي الحبَّ بتُراب الأرض.
قال الله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد 20]. ورَمادٌ مكفور: سَفَت الرِّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه. قال: * قد دَرَسَتْ غَيرَ رمادٍ مكفورْ *
والكافر من الأرض: ما بَعُد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمرّ به أحد؛ ومَن حلّ بتلك المواضع فهم أهل الكفور.
والكُفْر: ضِدّ الإيمان، سمِّي لأنَّه تَغْطِيَةُ الحقّ. وكذلك كُفْران النِّعمة: جُحودها وسَترُها.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: الْكُفْرُ فِي اللُّغَةِ:
السِّتْرُ، يُقَال: كَفَرَ النِّعْمَةَ، أَيْ: غَطَّاهَا، مُسْتَعَارٌ مِنْ كَفَرَ الشَّيْءَ: إِذَا غَطَّاهُ، وَهُوَ أَصْل الْبَابِ.
وَالْكُفْرُ نَقِيضُ الإْيمَانِ، وَالْكُفْرُ: كُفْرُ النِّعْمَةِ، وَهُوَ نَقِيضُ الشُّكْرِ، وَكَفَرَ النِّعْمَةَ وَبِالنِّعْمَةِ: جَحَدَهَا، وَكَفَرَ بِكَذَا تَبَرَّأَ مِنْهُ،
وَفِي التَّنْزِيل: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي﴾، وَيُقَال: كَفَرَ بِالصَّانِعِ: نَفَاهُ وَعَطَّل، وَهُوَ الدَّهْرِيُّ الْمُلْحِدُ، وَكَفَّرَهُ - بِالتَّشْدِيدِ: نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ: إِذَا فَعَل الْكَفَّارَةَ، وَأَكْفَرْتُهُ إِكْفَارًا: جَعَلْتُهُ كَافِرًا.
وَالْكُفْرُ شَرْعًا: هُوَ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَإِنْكَارِ وُجُودِ الصَّانِعِ، وَنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسِّلاَمُ، وَإنكار حُرْمَةِ الزِّنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ )1(
)1( المنثور في القواعد 3 / 84
يتبع ----
الانتقال من الكفر إلى الايمان:
سنبين بعد قليل أن شاء الله بم تكون الردة، أي الخروج من الايمان إلى الكفر، ولا بد أن نبين قبلها بم يكون الانتقال من الكفر إلى الإيمان، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
أمر الله تعالى العقل بالتفكر ليصل إلى حقائق الإيمان، ووضَعَ الدلائل والعلامات والآيات الموصلة إلى تلك الحقائق، وجعلها واضحة بينة جلية، من تفكر فيها وتدبر علم الحق،
:007:﴿قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ ومن عرف الحق، وتبين الهدى، فهو أمام خيارين: إما أن يتبع، فيقر ويسلم ويذعن ويؤمن، أو يشاقق، فيستمر على الكفر،
:007: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ 115 النساء، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (32) محمد،
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (109) البقرة،
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)﴾ محمد. فمن تبين له الهدى ولم يتبع الحق ولم يذعن له، دخل في الشقاق وبالتالي كفر.
مهم أن نفهم ذلك، فالمشاققة، أن يكون المرء في شق غير الشق الذي فيه الرسول :salla-y:، فهو تبين له الحق، لكنه أصر على أن يتبع غير دين الحق، أصر على أن يكون في الشق الآخر، فالمؤمنون اتبعوا سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم:
﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (108)يوسف.
فهناك سبيل معينة واضحة من دخل فيها اتبع ودخل في الايمان ومن حاد عنها اتبع هواه وضل وخرج من الايمان، وهذه السبيل هي الصراط المستقيم .
:007:﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هذه السبيل قوامها أن من وصل إلى الحق، لزمه أن يتبعه، أي أن ينقاد له، وأن لا يتولى على أعقابه، كي لا يشاقق:
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (138)﴾ البقرة.
يتبع ----
تسجيل متابعه ... بارك الله فيك :p015:
إذن فبعد أن يتبين للمرء الحق، والهدى، وتنجلي معالمه، وتقوم أدلته الدامغة في نفسه، فيستيقن أنه الحق، لا بد له في المرحلة التالية من انشراح الصدر للاسلام، ليدخل في هداية انشراح الصدر للإيمان، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)﴾ الأنعام.
فإن أنعم الله عليه بهذه الهداية، حين يجد منه سعيا وراء الحق بقلب راغب في الوصول إليه، فإن عليه أن يعاقد على إطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويصدق بأصل الايمان، فلا ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ولا يشاقق، أي أنه آمن بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في الجملة، وعاقد على التصديق بأن كل ما جاء به هو الحق، فهذا هو أصل الايمان،
ثم إذا بلغه شيء من تفصيلاته زاد إيمانا بالتصديق به وبتجديد المعاقدة على اتباعه فيه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ 2محمد.
فخص هذا الإيمان بالتشريف والتعريف به لأهميته، فالمعاقدة على الايمان بما نزل على محمد بأنه هو الحق تنقل المرء من الكفر إلى الايمان، فينطق حينها الشهادتين ويعلن توبته عن الكفر وندمه عليه.
يقول الكشميري ناقلا رأي الإمام أبي حنيفة: أن الإيمان عند الإمام رحمه الله تعالى إرادةٌ على إطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم بجميع ما جاء به. إ.هـ.،
وقال ابن حزم: لأنه قد اعتقد المسلمون في أول إسلامهم أنهم مصدقون بكل ما يأتيهم به نبيهم –عليه الصلاة والسلام- في المستأنف فلم يزدهم نزول الآية تصديقاً لم يكونوا اعتقدوه، إ.هـ.
هذا يعني أن أصل الإيمان إرادة على طاعة النبي، أو كما وصفها الإمام أحمد: معاقدة قال الكشميري: وإليه يشير ما نُقل عنه، [أي الإمام أحمد] أن الإيمان معاقدةٌ على الأعمال، أي أنه عقدٌ على التزام الطاعات على نفسه، والعقد يكون وسيلةً للمعقودِ عليه. إ.هـ.
فبهذا الإيمان لا تحصل المشاققة بعد أن تبين الهدى.
يتبع ----
قال الكشميري رحمه الله تعالى: كما يدل عليه عبارة الطحاوي في «عقيدته»، وهي أثبتُ شيءٍ في هذا الباب.
قال: الإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل في الخشية، والتَّقى ومخالفة الهوى، وملازمة التقوى... إلخ
فجعل للإيمان أصلاً، وجعل الناسَ كلهم فيه سواء، وهو الذي لو انحط عنه الإيمان لجاء الكفرُ مكانَهُ، وأبقى.
ثم رأيتُ حكايةً في «الفتح» عن أحمد رحمه الله تعالى لا أرى في نقلها بأساً، وأريد أن أنبه على ما استفدت منها.
قال أحمد رحمه الله: بلغني أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وكيف يكون هذا مع أنه رُوي عن ابن مسعود في الصحيحين، أن المرء إذا أسلم فأحسن في إسلامه، فهو كفارة له، وإلا فيؤخَذُ بالأول والآخر،
فإنه يدل على أن الإسلامَ لا يهدم ما كان قبله مطلقاً، بل تبقى عليه المؤاخذة بعده أيضاً. واستفدت منه أن الإيمان عند أحمد رحمه الله كالتوبة الكلية،
وهي عزمٌ على الإقلاع عن المعصية فيما يأتي، فمن أحسن بعد إسلامه، فقد صحت توبتُهُ وصار إسلامه كفارةً له، ومن أساء بعده ولم يقلع عن المعصية لم تصح توبته،
فيؤخذ بالأول والآخر، وإذا كان الإسلام عنده كالتوبة، يكون وسيلة للأعمال، والأعمال مقصودة، فإنها المقصودة من التوبة، وإليه يشير ما نُقل عنه، أن الإيمان معاقدةٌ على الأعمال، أي أنه عقدٌ على التزام الطاعات على نفسه، والعقد يكون وسيلةً للمعقودِ عليه
فيض الباري للكشميري كتاب الإيمان.
يتبع ----
:007:﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ 5 التوبة،
وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 11 التوبة،
وقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا 59 إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ 60 مريم،
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ 82 طه،
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ 70 الفرقان.
في هذه الآيات سبقت التوبة الإيمان، وذلك أن الشرك والكفر ذنب أي ذنب!،يتبع ----
فإذا كان الذنب الأقل يتطلب توبة واستغفاراً، فمن باب أولى الذنب الأعظم، فتقدمت التوبة على الإيمان لهذا الغرض، والله أعلم،
ولعلنا نقول هنا أن الدخول في الإيمان يتطلب التخلية قبل التحلية، أي التخلي عن كل أفكار الكفر وأحكامه ومقاييسه،
وليس التخلي فقط بنبذها بل المطلوب التوبة عنها واعتبارها من الرجس ولا بد من الندم على حملها، من هنا فالتوبة تجلو القلب من كل هذه الشوائب وتمهده للاستسلام الكامل لما جاء به الحبيب المصطفى :salla: .
ينتقل المرء من الكفر إلى الإيمان بالتفكير في قضايا معينة، تتعلق بمفاصل ثلاثة رئيسة:
البرهان على وجود الله
والبرهان أن القرآن معجز،
مما يثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في أنه رسول،
فهذه الثلاثة تمثل أصل الإيمان،
وتتفرع عنها قضايا الايمان كلها،
فمن صدق بها وعاقد على إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي به انتقل من الكفر إلى الايمان،
وتتفرع عنها قضايا الاعتقاد الأخرى من اعتقاد وحدانية الله، وأنه الخالق الرازق... الخ، واعتقاد أن القرآن كلام الله وفيه الهداية التي أراد الله من البشر الاهتداء بها، واعتقاد بالآخرة، واعتقاد أن محمدا رسوله يبلغ رسالاته، وأنه يصدقه في كل ما يثبت عنه أنه من الدين، ولا يشاقق، فيدخل في حياض المؤمنين، ويبدأ بتعلم الإسلام وأحكامه من الكتاب والسنة.
هذه المعرفة بأصل الإيمان، التي نقلته من الكفر إلى الإيمان، والتي نقلت تصديقه إلى الجزم بصدق الإسلام، هي أصل الايمان الذي لا يتفاضل
والذي عبر عنه الإمام الطحاوي بجملة مهمة قال فيها: الإيمان واحد، وأهله في أصله سواء،
وقال فيها الكشميري رحمه الله كلمة مهمة إذ قال في تعريفه للإيمان بأنه: تصديق بأمور مخصوصة عُلِم كونُها من الدين ضرورة،
أقول: هذا نوع من الإيمان، ولدينا إيمان تفصيلي، بكل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم مما جاء به من وحي، وأمر باعتقاده، وعلى كل قضية من قضاياه أدلة جازمة،
كالإيمان مثلا بالجنة ونعيمها، وتفاصيل الحشر والحساب، وما شابه، فهذه الأمور التفصيلية يتفاوت الناس في إدراك تفاصيلها، والإلمام بأدلتها.
يؤمن بحقية كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلّم إجمالاً قبل أن تبلغ إليه الشرائع تفصيلاً، ثم تبلغه فيؤمن بها تفصيلاً بعدما آمن بها إجمالاً، فيزداد إيمانه
وقال الكشميري: والإمام (يعني أبا حنيفة رضي الله عنه) لما لم يقل: إن الإيمانَ لا يزيد بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية،
عُلم أنه لم يَرد بنفي الزيادة إلا الزيادة في مرتبة محفوظة، ولذا لم ينف الزيادة في الانبساط بالطاعات، وإنما نفاها عن أصل الإيمان الذي يحصل قبل الأعمال،
وأبقى الزيادةَ والنقصانَ في الخشية والتقوى، كما مر عن الطحاوي رحمه الله تعالى، فلم يكن مورِد النفي عين مورِد الإيجاب،
فمعنى قوله: لا يزيد ولا ينقص: أي أصله، ومعنى قولهم: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، أي بهائه ونمائه، فأين الخلاف؟
نعم أدى كلَّ حِصة صحيحة. ولذا صرح الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى بكون مقولتِهِ من بدعة الألفاظ، فكأنه لم يجد بُداً من تسليم صحة مقولة الإمام رحمه الله تعالى.
ونذكّر بقول الامام تقي الدين النبهاني رحمه الله:
ومما يجب أن يُلفت النظر إليه أن اعتناق العقيدة الإسلامية معناه الإيمان بكافة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالاً وما ثبت بالدليل القطعي تفصيلاً، وأن يكون تقبل ذلك عن رضى وتسليم. ويجب أن يعلم أن مجرد المعرفة لا يغني، وأن التمرد على أصغر شيء ثابت يقيناً من الإسلام يخرج الشخص ويفصله من العقيدة. والإسلام كلٌ غير قابل للتجزئة من حيث الإيمان والتقبل فلا يجوز في الإسلام إلا أن يُتقبل كاملاً، والتنازل عن بعضه كفر،..
الشخصية الاسلامية الجزء الأول لتقي الدين النبهاني فصل الثغرات في السلوك
يتبع ----
أَقْسَامُ الكُفْر
قد علمتَ أنّ الكفرَ بالمعنى اللغوي، لا يقابل الإيمان. نعم، يقابلُهُ بالمعنى الشرعي.
قال الوَاحِدِيّ : وهو كفرُ إنكارٍ، وكفر جحودٍ، وكفر معانَدَةٍ، [واستكبار]، وكفر نفاقٍ، فمن لقيه بشيء من ذلك لم يُغفَر له.
أما كفر الإنكار:
فهو أن يكفر بقلبه، ولسانه، ولا يعتقد بالحق، ولا يقر به،
أي أن لا يقر بالله أصلاً ولا يعترف به، ولا يقر بالنبوة والميعاد، أي أن يخلو قلبه من تصديق الحق والاعتقاد به ، وسنرى بعد قليل ان شاء الله تعالى أن هذا الإنكار له حالات منها:
حالة عرف فيها ولم يقتنع، أو لم يحسن التعامل مع الدليل فأنكر وجه دلالته،
وحالة عرف إجمالا أن ثمة دين هنالك ، وخالق، ونبي وقيامة، وأنكر ذلك دونما دخول في تفاصيل أدلتها،
فالأول أنكر بعد الوقوف على أدلة تفصيلية لقضايا الإيمان،
والثاني أنكر بعد الوقوف على أدلة مجملة،
ولكن في الحالتين، فإن الإنكار يسبقه معرفة،
وسنبين ذلك بعد قليل بإذن الله،
وحالة ثالثة آمن بنقيض الاعتقاد الحق، وناكر الحق وناصبه العداء، بلسان الحال أو بلسان المقال، بعد وجود النذارة.
:007:﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ 83 النحل؛
ويتفرع عن الإنكار: الإعراض عن الآيات البينات
:007:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ 57 الكهف
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا 99 مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا 100 خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ 101 طـه والإعراض منه ما يكون كفراً ومنه ما يكون دون ذلك).
والله أعلم.
يتبع ----
وأما كفر الجحود:
فهو أن يعرف الحقَ بقلبه، ولا يُقر بلسانه،
ككفر علماء أهل الكتاب،
وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ (البقرة: 89)،
وكفر قوم فرعون: :007: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ 14النمل؛، يعني كفرَ الجحود،
وهذا حال علماء بني إسرائيل ممن عرف الحق بقلبه، ولم يقر بلسانه به، وترتب على ذلك أنه لم يتبعه، ولم يخضع له، وشاققه.
:007: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ 32 لقمان؛
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ 47 العنكبوت؛
يتبع ----
وأما كفرُ المعاندة، والاستكبار:
فهو أن يعرفَ بقلبه، ويقرَّ بلسانِهِ، ولا يقبلُ ولا يتدينُ به،
ككفرِ أبي طالب. وككفر إبليس،
فَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يُكَذِّبْ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالسُّجُودِ وَإِنَّمَا أَبَى الِانْقِيَادَ كُفْرًا وَاسْتِكْبَارًا،
فهذا النوع من الكفر قد يكون نتاج العناد الخالي من الاستكبار كحال أبي طالب،
إذ أن اعتباراته في ذلك الكفر خشية مقالة الناس، وخشية ترك دين الآباء،
أو قد يكون نتاج الاستكبار على الحق، كتمرد إبليس على أمر الله تعالى،
ففي الحالتين كما ترى توجد معرفةُ القلب، ويوجد الإقرار باللسان، ولكن المعاندة حالت بين المرء وبين الانقياد للحق، وبقي في صف المشاققين.
:007: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ 24 ق ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ 16 المدثر؛
﴿بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ 59 الزمر؛
وينضوي أيضا تحت كفر المعاندة:
من كره الدين أو ما عُلم منه بالضرورة أو كَرِهَ شيئا من شرائع الإسلام:
:007: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ 8 ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ 9محمد؛
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ 25 ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَالله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ 26محمد،
فإذا كان حكم الذين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر أنهم ارتدوا على أدبارهم كافرين؛ فما يكون القول في الذين كرهوا ما نزل الله؟
وأما أنهم يلحقون بكفر المعاندة،
فلأنهم ارتدوا على أدبارهم بعد إقرارهم وتصديقهم،
أما من كره ما أنزل الله ابتداء ممن ذكروا في الآية التاسعة من سورة محمد صلى الله عليه وسلم، فكفرهم كفر إنكار.
ويلحق بهم كافر الاستحلال: وهو الذي يستحل ما حرم الله وهذا جعل نفسه نداً لله تعالى في التشريع.
ويتفرع عن كفر الاستكبار أيضا:
الاستهزاء بما شرع الله من أحكام أو بالرسول عليه سلام الله ، :007: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ 65 لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ 66 التوبة؛
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ 140 النساء؛
يتبع ----
وأما كفرُ النِّفاق، فبأن يقرَّ بلسانِهِ، ويكفرَ بقلبه. ،
وصاحبه لا يخلو من أن يكون سبب كفره الأصلي إما الإنكار، أو المعاندة، أو الجحود،
ولكنه لم يعلن الكفر الصريح كما فعل المنكرُ والجاحدُ والمعاندُ والمستكبرُ، بل إنه تظاهر بالإيمان،
فكفْرُ النفاقِ أن ينتَفَي عَمَلُ الْقَلْبِ مِنَ التصديقِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِذْعَانِ مَعَ وجود انْقِيَادِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ،
:007: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: 8-20].
يتبع ----
أما مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فإنه بهذا لا يَصيرُ كَافِرًا
:007:﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة النحل 106،
على أننا يمكن كذلك أن نقسم الكفر إلى كفر شك، وكفر اعتقاد، وكفر فعل، وكفر قول،
وسيأتي تفصيل معنى كل منها في فصل الردة في باب يكفر المسلم بأربع، فينطبق على الكافر معناها أيضا من وجه أنه كافر لأنه يشك بصدق الحق دون أن يعتقده،
أو كافر لأنه يعتقد نقيض الحق الذي أمر اعتقاده، أو كافر لأنه لم يعتقد ما أمر اعتقاده، أو كافر لأنه يقول قولا مكفرا لا يحتمل التأويل،
أو كافر لأنه يفعل فعلا مكفرا لا يحتمل التأويل، على التفصيل الوارد في موضعه فراجعه، ولكن الدقيقة هنا هو أنه في هذا كله كفر بعد وجود النذارة، وقيام الحجة عليه.
يتبع ----
حقيقة الكفر :
حاول الإمام الرازي في تفسيره أن يضع حدا للكفر، يعرفه به، وبين أن ذلك من الأمور الصعبة التي كثر فيها الخلاف بين المتكلمين،
وسأنقل كلامه كما هو ثم أبين قولا فصلا في ذلك ان شاء الله تعالى بعده:
قال الرازي رحمه الله تعالى:
اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر، وتحقيق القول فيه:
أن كل ما ينقل عن محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد.
أما القسم الأول: وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن،
ومن لم يصدقه في ذلك، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر،
فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به،
ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالماً قادراً مختاراً أو كونه واحداً أو كونه منزهاً عن النقائص والآفات،
أو أنكر محمداً صلى اللّه عليه وسلم أو أنكر صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم
كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً، لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه.
فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالماً بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني،
بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلًا في ماهية الإيمان فلا يكون موجباً للكفر،
والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة،
ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر،
فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر،
ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل.
وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه. فهذا قولنا في حقيقة الكفر .
بالتأمل في قول الرازي رحمه الله، نرى أن حد الكفر لديه عدم التصديق، سواء لم يصدق بالجميع، أو لم يصدق بالبعض، وعدم التصديق هذا مدخل شائك للموضوع، لعلي أحسن وضع مدخل أدق منه عليه فتأمل، يا رعاك الله:
البلاغ المبين، والنذارة تسبق العذاب
لو أردتُ تلخيص ما سأبينه في الأبواب القادمة عن مفهوم حقيقة الكفر،
فاعلم أن الكفر تكذيبٌ، :007:﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)﴾
والتكذيب له ثلاث صور:
1- صورة تعرَّضَ صاحبها للحق المبين القطعي، أو تعرَّضَ الحقُّ المبين له، فأنكره كله، أو جحده أو عانده، أو استكبر عليه،، أو اعتقد نقيضه، أو لم يستيقنه، أو شك فيه فهذا كافر،
2- وصورةٌ تعرض فيها للحق المبين فصدق ببعض وكذب ببعض، وأعني بالبعض هنا القطعيات أو ما علم من الدين بالضرورة، فهذا كافر لتبعيضه الإيمان، لا يُقبل منه البعض ولا الكل،
3- وصورةٌ اعتقد فيها الحق، وأتى بفعل مكفر أو قول مكفر أو ارتد عن الحق بعد أن عرفه واتبعه، فالصورتان الأوليان تمثلان الكافر ابتداء والثالثة تمثل المرتد.
وفي كل ذلك فإن الكافر هو المكذب، بعد وصول النذارة إليه،
ودليل ذلك:007:: ﴿ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ﴾
وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل.
سنستعين بالله تعالى، ثم بالربط بين خمسة مفاهيم لتحقيق معنى الكفر، وهي:
1. مفهوم إقامة الحجة، ووجوب وجود النذير، ويتفرع عنها التحقيق في: هل المطلوب وصول النذارة إليه بشخصه؟ أم يكفي وجود النذير؟ وهل كلف بالبحث عن الحق بنفسه؟ وهل كلف غيره بإيصال الحق له، فيحاسَبَ كُلٌّ على تقصيره؟ ثم إننا نجد الحق سبحانه قد أوضح طريق الوصول إلى الحق، وسد ثغراتها، فلم يترك الحق حبيس الصدور، بل أوجد آلية للوصول إليه، إقامةً للحجة، وتيسيرًا لسبيل وصول الحق للناس، سنحقق في ذلك ان شاء الله.
2. ومفهوم المعجزة،
3. والبلاغ المبين،
4. والتكليف بالنظر، ويتفرع عنه البحث في
أ- هل يعذر بالجهل
ب- وهل يعذر بالغفلة،
ت- والبحث في دور العقل وحده هل يجب عليه وهل يستطيع الوصول لأصل الإيمان كله، فلا يُعذر حينها إن قصر في النظر، أم يجب أن يبلغه شيء من الوحي لتقوم عليه الحجة؟ فهل لو تفكر وعَبَدَ غير الله من دون أن تصله النذارة بالإسلام، هل يعذر أم لا؟
ث- والبحث في توزع المسئوليات عن إيصال الدعوة، وإقامة الحجة، بين المخاطَب بالنظر، وحامل الدعوة، والدولة الاسلامية، وبالتالي توزع إثم التقصير في النظر عليهم كل بقدر قصوره في أداء ما حُمِّلَ من أمانة، وبمقدار إمكانات كل منهم.
5. وأهل الفترة، وأنه لا عذاب إلا بعد إرسال الرسل.
يتبع ----
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى في سورة الأنعام ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) وقال الله تعالي بحق فرعون وقومه في سورة النمل( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستقينتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) وقال الله تعالي في سورة البقرة ( إلا أبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) وغيره من الآيات التي تبين أصل الكفر هو العلم بالدين ثم تركه والردة عنه وعدم التدين به كما قال الله تعالي في سورة البقرة ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال الله تعالي في سورة المائدة ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) أما التكذيب الذي يخرج المرء من الدين هو كما قال الله تعالي في سورة الماعون ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) ولا يقر به دينا له بوصل نصوص الوحي العظيم بعضها ببعض كم قال الله تعالى في سورة الرعد ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) .
وكما قال ترجمان القرآن في تفسير قوله تعالى في سورة الممتحنة { يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم } فقال ابن عباس فأما الذين ءامنوا فأقروا بحكم الله وأمره، وأما الذين كفروا فأبو. انتهي كلامه.
فأصل الكفر هو الجحد ولا يكون الجحد إلا بعد العلم . فإبليس لم يكن مكذبا بل أبي وترك أمر الله له بالسجود لآدم، استكبارا بعد علمه أن هذا أمر الله إليه فأبى فعله .
فقد يكون المرء يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا يتبعه ويدين بدينه كحال عم النبي صلى الله عليه وسلم " أبا طالب " فإنه لم يكذب إبن أخيه لكنه لم يتبعه ويقر له بدينه .
أتمنى أن وضحت لك الفكرة وشكرا .
arafatalali.maktoobblog.com
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله بك اخي الحبيب عرفات على مداخلتك
اخي الحبيب ان هذا الموضوع اوسع مما تتصور ، وقد اوضحت في المشاركة الثانية عشرة ما كتبته بارك الله بك ، ولكن الهدف من هذا الموضوع ان نبين حقيقة الكفر من جميع زواياه مع شرح ميسرٍ يفهمه الجميع ، فتابعنا حتى النهاية .
والله المستعان
نستنبطها من الآيات التالية:
أولا: مفهوم إقامة الحجة على الناس بإرسال الرسل لهم.
:007:﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾ 134 طه.
:007:﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ * قَالُوۤا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِۖ قَالُوا بَلَىٰۚ قَالُوا فَٱدْعُواۗ وَمَا دُعَـٰۤؤُا ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ غافر 49-50،
:007:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ﴾ فاطر 36-37
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)﴾
وهذه الحجة تقام على الناس بأمرين: أولهما البلاغ المبين:
:007:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)﴾
:007:﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)﴾
:007:﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)﴾
وثاني الأمرين: الآيات والمعجزات التي تؤيد الرسل لإثبات رسالتهم:
:007:﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)﴾
﴿فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22)﴾
يتبع ----
ورابع المفاهيم التي ستعيننا على تجلية حقيقة الكفر هو مفهوم أهل الفترة، وأن الله لا يعذب حتى يبعث رسولا، ويقيم الحجة على الناس:
:007:﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾
لنخرج من هذا كله بأن الكافر هو من بلغته النذارة على وجه مبين، سواء نوقش فيها، أم كانت ميسرة له واطلع عليها، وأقيمت عليه الحجة، ولكنه عاند أو أنكر أو جحد أو استكبر، أو نافق، فاستحق بهذا العذاب،
وهنا ينبغي التحقيق في حالتين: حالة من لم يأته نذير، وهم أهل الفترة،
وحالة من كان بين ظهرانيه نذير، ولكن لم تصله النذارة على نحو مبين،
ويتفرع عن هذا حالين: حال من لم يشغل نفسه بالبحث عن الحق، ولم يعرض الاسلام على ميزان الصواب والخطأ، أي الغافل.
وحال من لم يسمع به، أي الجاهل، وحالت حُجُبُ اللغة وبراثن الواقع بينه وبين إدراك ما الاسلام؟
ونمثل على الأول بنصراني يعيش في أوروبا، وعلى الثاني ببوذي ورث دينه عن أبيه، وعاش في لاوس أو كمبوديا، قبل ثورة الاتصالات، في ظل نظام قهر وتعسف منعه من أن يسمع بالاسلام أو أن يدرسه، كمثال لتقريب الصورة لا لتقرير الواقع والإقرار به.
لنر في أي الحالات يقاس فيها على أهل الفترة، وفي أيها لا يقاس؟ وما هو الحد الأدنى الذي يُقال فيه: أقيمت عليه الحجة؟
ثم علينا أن نبحث في بلوغ النذارة، هل التحقيق فيها أن تُقام الحجة على المرء بصفته الفردية، ببلوغ النذارة إليه هو على نحو مبين، كأغلب أهل الأرض اليوم ممن لم يدرسوا الإسلام حق الدرس، ولم يُقدم إليهم الاسلام بصورته الصحيحة المقنعة التي تقوم بها الحجة،
وانشغلوا بحياتهم ومعاشهم ولهوهم، هل نصفهم أم لا نصفهم بالنجاة ولا بالإيمان، فمنهم المشركون، ومنهم الملحدون بالخالق، ومنهم الكافرون، بمعنى أدق هل يُعذرون بالغفلة؟ وهل يختلف حالهم عن حال أهل الفترة لوجود النذير بين ظهرانيهم؟،
أم يكفي وجود النذير؟ ثم ننتقل بعد وجوده إلى البحث في هل كلفوا بالبحث عنه والنظر في أمره، فيكون مجرد وجوده حجة عليهم؟
خصوصا مع وجود آليات الوصول للحق وتكليف المسلمين بحمل الدعوة والقيام مقام النذير.
يتبع ----
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
ويتفرع عن ذلك البحث في واجبنا نحن معاشر المسلمين إذ أننا نتحمل جزءا عظيما من مسئولية حمل الدعوة إليهم، وسيسألنا الله تعالى عنهم يوم القيامة، نسأل الله العافية، فلندقق إذن في مفهوم الكفر ما هو لنجلي حقيقته والله المستعان،
سأسأل السؤال التالي، وهو من المسائل الشائكة، ولكنه يفيدنا لتجلية فهم موضوع حقيقة الكفر ما هي؟
فأقول: الكافر كما بيَّنَّا سابقا، قد يكون كَفَرَ منكرا الحق، أو معاندا، أو جاحدا، أو منافقا،
وفي كل الأحوال رأينا أنه تفاعل مع هذا الحق بشكل ما، فإما أنه لم يقتنع به، أو لم يوله عناية كافية من التفكير والاهتمام،
فلم يقف على وجه الدلالة في الأدلة، ليتبين دلالتها على الحق، فأنكره،
أو أن يكون اقتنع به ولكنه جحد، أو أن يكون استكبر عليه بعد أن عرفه،
أو أن يكون عرفه وأصر على الكفر أو نافق،
في كل الأحوال تجد أن هنالك عنصر المعرفة قد توفر، سواء معرفة إجمالية أم تفصيلية.
يتبع ----
المعرفة الإيجابية والمعرفة السلبية كلاهما يفضي للكفر:
فالإنكار: يكون بعد معرفة، والجحود يكون بعد معرفة، والعناد والاستكبار يكونان بعد معرفة، سواء معرفة إيجابية، بأن يعترف بهذا الحق ويتبين له الهدى على حد تعبير القرآن، ثم يشاقق،
أو المعرفة السلبية بأن لا يقتنع، ولا يرى أن هذا هو الحق،
ففي الحالتين أقيمت عليه الحجة ويكون كافرا، والنفاق قد يكون ثمرة أي من الأمور الثلاثة السابقة ولكن صاحِبَهُ تظاهر بالإيمان وقلبه منه خاو.
إننا حين نتفكر في معنى كلمة كافر وكفر، نراه غطَّى الحقَّ بغطاءِ الكفرِ، وسَتَرَ الحقيقةَ عن نفسه برداءِ الجحود أو الإنكار،
فحتى يغطي الحقيقة، لا بد أن يكون عرفها،
وَأَعْرَضَ عنها، ليسمى كافرا،
أو تعرض للحق ولكنه لم يأخذ به، كأن لم يعتقد أنه هو الحق،
في كلا الحالتين لا بد أنه تفاعل مع الحق ثم كفر به، وكذَّب به،
تماما كمن يكفر النعمة، فإنه حصل عليها أولا، ثم كفر بها، ولا يكون كافرا بالنعمة قبل أن يحصل عليها،
هذا هو إنزال المعنى اللغوي على الواقع، ولكننا نريد أن نبين حقيقة الكفر من جهة الشرع،
وهو بحث أعمق من الوقوف على معنى الكلمة اللغوية، فنقول:
مقدمة مهمة لمسألة التصديق والمعرفة:
إننا إذ نبحث في كيفية ستر الكفر للإيمان [كحال الكافر المرتد، غطى الكفرُ على إيمانه في قلبه ونفاه]،
أو ستر الكفرِ للتصديق [كحال الجاحد استيقَنَ وشاقَقَ]،
أو ستر الكفر للمعرفة [كحال من عانَدَ أو أنكَرَ، عَرَفَ وأنكَرَ وأبَى] عند الكافر، وطمْسه لمعالمه في قلبه،
ينبغي لنا أن نسأل أنفسنا إن كان في قلب هذا الكافر نوعٌ من المعرفة أو التصديق، تمَّ سترهما بحجاب الكفر،
ويتبادر للذهن أكثر صورة الكافر الذي أنكر الحق ولم يصدقه، وكذب به، ولم يقتنع به،
ولكننا سنرى نوعا آخر إذ نتأمل في أحوال بعض الكافرين، ممن بين لنا القرآن الكريم خبايا نفوسهم، وأن قلوبهم صدَّقت ببعض قضايا الحق، تصديقا جازما، ولكنهم ستروا هذا التصديق وغطوه بحجب كثيفة من الجحود والعناد، فكفروا:
نقول هذا، لنتبين الترابط بين الكفر وضده في نفس المرء، وكيف ينفي الضدُّ ضدَّهُ ويمحوه:
قبل الشروع بتفصيل هذه القضايا المهمة علينا أن نتدبر في هذا النص لأهميته القصوى هنا:
لننظر إلى الصورة الكبيرة للإيمان، حيث أنه هو نقيض الكفر،
وعلى المرء أن يقوم بأمور معينة لينتقل من الكفر إلى الإيمان:
فهو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، بكافة ما جاء به الرسول إجمالاً وما ثبت بالدليل القطعي تفصيلاً، وأن يكون تقبل ذلك عن رضى وتسليم.
فإن لم يتقبل ذلك، أو لم يتقبل بعضه، عن رضى وتسليم، لا يتحقق فيه وصف: التصديق،
لاحظ أننا نتكلم عن الإيمان بكل ما جاء به الرسول، عليه سلام الله،
فمثلا: عندما جاء موسى عليه سلام الله قومَ فرعون بالآيات المبصرات، استيقنوها، أي استيقنوا هذه الأدلة، فكان لديهم التصديق الجازم بصدقه في تلك الآيات المعجزات،
لكنهم لم يصدقوا باليوم الآخر، على الصورة التي أمرهم بالإيمان بها عليها، ولم يتبعوا رسولهم، فهم استيقنوا أشياء وكذبوا بأشياء،
ومثلا، علماء بني إسرائيل عرفوا محمدا عليه السلام بكل علاماته،
لكنهم فرقوا بين أنبياء الله، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم،
فتصديقهم لم يكن بكل ما جاء به الرسول، وهذه عادتهم فلا تستغربنها، فهم رأوا من موسى عليه السلام الآيات العظيمة ولكنهم عبدوا العجل عند أول سانحة،
فهذا يدل على أن التصديق إن توفر ببعض حقائق الاعتقاد، فإنه قد لا يتوفر في البعض الآخر،
فلا يكون لدى صاحبه: التصديق الذي هو حدٌ من حدود تعريف الإيمان، وهذا لا ينفي وجود التصديق لديه بالحقائق التي استيقنها، كالآيات المبصرات عند قوم فرعون، وهو في المحصلة كافر.
يتبع ----
كذلك، عندما بحث أهل العلم في المعرفة، وعلاقتها بالإيمان، انطلقوا من زوايا متعددة،
فمنهم من انطلق من زاوية: هل يحتاج المؤمنُ تعلمَ أدلة المتكلمين، وموجبات العقول، حتى يعرف، ويدخل في حياضِ المؤمنين، أم يكتفي بالأدلة الجُمْلية؟
تلك التي تقضي على الشك لديه، وتكفيه ليجعل إيمانه راسخا؟
فالمعرفة إذن: هل هي متعلقة بكل ما فيه موجبات العقول، والأدلة والشبهات، والردٍّ عليها، أم هي متعلقة بمعرفة عامة، تتعلق بأصل الإيمان، وبقضاياه الرئيسة وخطوطه العريضة، توصل المرء إلى الجزم، وتكفيه؟
وهو ما نراه،
فعلى هذا، تكون المعرفة المطلوبة لتحقق وجود الايمان: عِلما مجملا يثبت صحة هذا الدين، لا معرفة تفصيلية.
والزاوية الثانية هي هل المعرفة هي العلم؟
فقد أطلقها تعالى وصفا لما عند علماء بني إسرائيل في حق الرسول :salla: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ 20 الأنعام
فهذه المعرفة عِلم عن دليل خبري أو سمعي حيث كانت كتبهم تحوي بشائر عن نبوة محمد عليه السلام،
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ 114 الأنعام
فعبر عن نفس الشيء مرة بالعلم ومرة بالمعرفة، فما لدى العالم معرفة، فهي التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، فكل قضية عرفتها فقد علمتها، على تفاوت في الاستعمال اللغوي ليس هنا موضعه.
يتبع ----
إذا تبين لك هذا، فمرادي من ذكره هنا هو أنني سأثبت بعد قليل إن شاء الله، أن لدى بعض الكفار تصديقٌ جازم مطابق للواقع عن دليل بقضايا معينة، كقوم فرعون، إذ جاءتهم الآيات المبصرة،
وكعلماء بني إسرائيل، عرفوا قضايا معينة من المطالب الخبرية التي لديهم خبرها في كتبهم،
إلا أنه ليس لديهم التصديق الجازم بكل ما جاء به الرسول عليه سلام الله، وليست لديهم المعرفة بقضايا بعَّضوا فيها الإيمان،
فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كتبعيضهم في الإيمان بالرسل،
فنفي التصديق بكل ما جاء به الرسول عليه السلام لا يعني نفي التصديق بما أخبر الحق سبحانه أنهم عرفوه أو استيقنوه،
فحتى لا يظنن أحد أنني وقعت في التناقض استفتحت هذا الباب بهذا الشرح فافهمه،
وأضيف عليه، أن تتوفر المعرفة ولكن يتبعها إنكار أو جحود أو استكبار أوعناد، أو عدم اقتناع، أو قد تتوفر المعرفة بأن كل ما جاء به الرسول حق، ولكن يحول بين المرء وبين الإيمان الإنكارُ أو الجحودُ أو الاستكبارُ أو العنادُ، أو الفعل المكفر، أو القول المكفر، أو الشك بحقيقة أُمِرَ تيقُّنَها، أو اعتقد بحقيقة ما أُمِرَ باعتقاد نقيضها،
ومع ذلك فهو عارف عالم، ببعض حقائق الايمان دون بعض، ولكنه في المحصلة كافر.
فهذه العلاقة بين حال الكفر، وتفاعل هذا الكفر مع قضايا الحق، تفاعلا سلبيا، أدى بالمرء إلى ستر الحق بحجاب الكفر الكثيف، فسمي لذلك بالكافر، لأنه نفى الحق سواء بالإنكار أو الجحود أو العناد.
لنفصل أكثر، حتى نتبين برهانَ هذا ودليله من كتاب الله تعالى:
يتبع ----
إستنتجت من آية:007: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النمل 14،
أن فرعونَ وقومَهُ حصل عندهم التصديق المقابل للتكذيب وذلك من كلمة ﴿استيقنتها﴾ كون اليقين عندي هو نفسه التصديق الجازم.
ولندقق لنر أن القرآن يقول مفرقا بين التصديق المعتبر في الإيمان والتصديق المعتبر في اليقين:
:007:﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ* فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ* فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ المؤمنون 45-48
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ الأنفال54
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ طه 56 ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى* فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ النازعات 20-21
والتكذيب عكس التصديق،
فهم لم يصدقوا مع أنهم استيقنوا،
فدل على أن التصديق الذي تحصَّلَ لديهم من تلك الآيات المبصرة، مغاير للتصديق المطلوب للإيمانِ، فسُمُّوا بالمكذبين حين مقابلة الايمان بالكفر، أي أنهم كذبوا بالإيمان.
مع أنه وصفهم باليقين،
ولكن لأنهم لم يصدقوا بكل ما أمروا به انتفى عنهم التصديق المعتبر في الإيمان ووصفوا بالمكذبين،
مع أنهم وصفوا أيضا بالموقنين،
فالتصديق المعتبر في الإيمان تصديق بكل ما جاء به الرسول،
أي معاقدة على التصديق،
بينما التصديق المعتبر في اليقين والمعرفة والعلم هو تصديق بقضايا تفصيلية،
قد لا يكون مصحوبا بتصديقٍ بكافة القضايا التي بها يصح الإيمان،
فيبقى المرء على الكفر،
أو يطمسُ الجحودُ والإنكارُ معالمَ هذا التصديق وتأبى النفس أن تنقاد له،
لذلك يوصف صاحبه باليقين، أو بالمعرفة، أو بالعلم، ولا يوصف بالإيمان، إلا أن يجمع إليه ما ينقله للإيمان،
من هنا قلت قبل قليل أن الرازي رحمه الله اختار مدخلا صعبا شائكا لبحث حقيقة الكفر.
يتبع ----
قال الألوسي: (والإيمان في اللغة التصديق أي إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً، وهو إفعال من الأمن كأنّ حقيقة آمن به آمَـنَهُ التكذيب والمخالفة،
ويتعدى باللام كما في قوله تعالى ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ 111 الشعراء،
وبالباء كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله" الحديث،
قالوا: والأول باعتبار تضمينه معنى الإذعان والثاني باعتبار تضمينه معنى الاعتراف إشارة إلى أن التصديق لا يعتبر ما لم يقترن به الاعتراف،
وقد يُطلق بمعنى الوثوق من حيث أن الواثق صار ذا أمن، وهو [الإيمان] فيه حقيقة عرفية أيضاً كما في الأساس،
وأما في الشرع فهو التصديق بما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به ضرورة وتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا)
إذن: فالإذعان الذي به يتحقق الاتباع، جزء من تعريف التصديق الذي به يدخل المرء بالإيمان، الإذعان بكل ما جاء به الرسول، والتصديق بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
فمن عرف ولم يذعن، كفر لأنه شاقق، وعدم الإذعان هذا قد يكون نتاج الجحود، أو العناد، أو الاستكبار، أو الإنكار.
بقي أن نبين العلاقة بين الإنكار وبين المعرفة، وبين الجحود وبين المعرفة، لنخرج من ذلك بأن الكفر ينشأ بعد المعرفة بالأمر المجمل الكلي الذي يُعتبر أساس الدخول في الإيمان والخروج من الكفر، كما بينا سابقا في تفصيل ما به يحصل الانتقال من الكفر إلى الإيمان، فراجعه:
يتبع ----
المعرفة والإنكار والجحود:
عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ قَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلَافِهِ وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ فَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ. مسند أحمد باقي مسند المكثرين.
وفي صحيح الإمام البخاري: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلا رجلا ويسميهم، فقلت: ما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذا.
وفي صحيح الإمام مسلم: إنه يستعمل عليكم أمراء. فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضى وتابع، قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلهم؟ قال (لا. ما صلوا) (أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه). وفي رواية: بنحو ذلك. غير أنه قال (فمن أنكر فقد برئ. ومن كره فقد سلم.).
وفي صحيح مسلم: جاء هذا إلى ابن عباس (يعني بشير بن كعب). فجعل يحدثه. فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا. فعادله. ثم حدثه. فقال له: عد لحديث كذا وكذا. فعادله. فقال له: ما أدري، أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه.
وفي صحيح مسلم: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.
فالإنكار والجحود سبقتهما معرفة،
قد لا تكون معرفة تامة، ولكن قدْرا ما من المعرفة لزم ليتبعه تصرف يتصرفه الكافر بأن ينكر، أو يجحد، فالكفر لم يأت من فراغ وخواء فكري، بل سبقه اطلاع مهما كان على الحق، ثم إنكار له.
إنك قبل أن تنكر المنكر لا بد أن تعرف أنه منكر ثم تقوم بإنكاره! لذلك كان إنكار المنكر صنو الأمر بالمعروف، تعرف المعروف فتأمر به، وتعرف المنكر فتنكره أو تغيره!
فلنحقق إذن في مسألة البلاغ المبين والمعجزة، لنتبين باقي معالم حد الكفر،
يتبع ----
البلاغ المبين:
معنى البلاغ المبين الإجمالي، أن يُؤتى على كل قضية من قضايا الاعتقاد بالأدلة القاطعة الواضحة التي تثبت صحتها، فلا يملك العقل بعدها إلا أن ينقاد للحق انقيادا عن رضا واختيار.
وأن تُسد كافة ذرائع الكفر،
فلا تبقى للمرء من حجة يحتج بها أمام الله تعالى،
فمن تغافل عن تلك الحُجة، فمشكلته هو أنه تعامى عنها، لكن الحق سبحانه وتعالى أقام دعائمها، عَلِمَها من عَلِمَها، وجهلها من جهلها،
ونبَّه الحق سبحانه إلى آلية الوصول لتلك الحقيقة،
سواء بسؤال أهل الذكر، أو بالتفكر،
أو بالأدلة القاطعة التي هدمت أركان الباطل وأقامت دعائم الحق،
أو بتطبيق الاسلام عمليا في الواقع،
أو من خلال إيجاب التبليغ وحمل الدعوة، وما إلى ذلك
حتى لا تبقى حجة لمحتج أمام الله تعالى، سواء الغافل اللاهي، أو الجاهل الذي قد سنحت له سانحة للتعرض لنفحات الحق،
فكلاهما أقيمت عليه الحجة،
أما الجاهل الذي لم تسنح له سانحة للتعرض لنفحات الحق، وحجب عنه بحجب كثيفة من القهر والإضلال، ولم تصله الدعوة بأي صورة من الصور، فقد يُعذر على جهله بالحق، وأمره إلى الله وقد يقاس على أهل الفترة والله أعلم.
يتبع ----
يتبع :
التبليغ والإنذار وإقامة الحجة
والله المستعان