الفرع الثاني
الجمع العثماني ومزاياه
وهو على ثلاثة مباحث
المبحث الأول: عمل عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ في جمع القرآن
المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ
المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث
المبحث الأول: منهج عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ في جمع القرآن
كان المقصود من جمع القرآن زمن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ قطع دابر الفتنة التي طرأت على المسلمين من الاختلاف في كتاب الله، بجمع وتحديد الأوجه المتواترة المجمع عليها في تلاوة القرآن، وإبعاد كل ما لم تثبت قرآنيته، سواء بنسخ، أو بأن لم يكن قرآنًا أصلاً.
قال القاضي الباقلاني: لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُما في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنزيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد. [البرهان في علوم القرآن - بدر الدين محمد بن عبد اله الزركشي - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - بدون تاريخ (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (1/171).].
فأراد عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أن ينسخ من الصحف التي جمعها أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ مصاحف مجمعًا عليها تكون أئمة للناس في تلاوة القرآن.
قال ابن حزم: خشي عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل- رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم. [الفصل في الملل والأهواء والنحل - أبو محمد علي بن حزم الظاهري ت 456 ه - تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ود. محمد إبراهيم نصر - شركة مكتبات عكاظ جدة - الطبعة الأولى 1402 ه 1982م. (2/212-213).].
فلم يكن قصد عثمان جمع ما ليس مجموعًا، فقد كان القرآن زمن الصديق قد جُمِع، وإنما قصَدَ نسخَ ما كان مجموعًا منه زمن الصديق في مصاحف يقتدي بِها المسلمون.
قال النووي: خاف عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة، الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بِها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة، وغيرهم رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم .ـ [التبيان في آداب حملة القرآن - أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي الشافعي ت 665 ه - مؤسسة علوم القرآن بدمشق، ومكتبة دار التراث بالمدينة المنورة - الطبعة الأولى - 1403 ه 1983م ص 96.].
قال البيهقي: ثم نسخ (زيدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ) ما جمعه في الصحف (في عهد أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ) في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ على ما رسم المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .ـ [دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة - أحمد بن الحسين البيهقي - ت 458 ه - تحقيق د. عبد المعطي قلعجي - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م. (7/148).].
2 - خطة العمل
شرع الصحابة الموكلون بجمع القرآن في كتابة المصحف الإمام، الذي نسخوا منه بعد ذلك المصاحف المرسلة إلى الأمصار، وكان الخليفة عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ يتعاهدهم ويشرف عليهم، وكان الموجودون من الصحابة جميعًا يشاركون في هذا العمل.
ويُمكن أن يلخص منهج الجمع العثماني فيما يأتي:
1 - الاعتماد على جمع أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، ويظهر هذا جليًّا في طلب عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ الصحف التي جمع فيها أبو بكرٍ القرآن من حفصة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا ، وقد كانت هذه الصحف -كما مرَّ- مستندةً إلى الأصل المكتوب بين يدي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وبذلك ينسد باب القالة، فلا يزعم زاعم أن في الصحف المكتوبة في زمن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ما لم يُكتب في المصحف العثماني، أو أنه قد كتب في مصاحف عثمان ما لم يكن في صحف أبي بكر. [الكواكب الدرية - محمد بن علي بن خلف الحسيني (الحداد) - مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر - 1344 ه.ص 21.].
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: … فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ. [رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.].
2 - أن يتعاهد لجنة الجمع ويشرف عليها خليفة المسلمين بنفسه:
فعن كَثِير بن أفلَحَ قال: لَمَّا أراد عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار ، فيهم أُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الرَّبْـعَةِ<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>[الرَّبْعَة: جُونة العطَّار، وصندوق أجزاء المصحف. القاموس المحيط (ربع) ص 929.]..التي في بيت عُمَرَ، فجِيء بِها، قال: وكان عثمانُ يتعاهدهم. [رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه . كتاب المصاحف - أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م.
ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه - مطبعة المنار بمصر - 1347 ه. ص 45.].
3 - أن يأتي كلُّ مَن عنده شيءٌ من القرآن سمعه من الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِما عنده، وأن يشترك الجميع في علم ما جُمِع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحدٌ عنده شيء منه، ولا يرتاب أحدٌ فيما يودَع المصحف، ولا يُشَكُّ في أنه جمِع عن ملأٍ منهم. [ انظر البرهان في علوم القرآن (1/238-239).]
ويدل على ذلك ما صحَّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كُفْرًا. قلنا: فماذا ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ، ولا يكون اختلافٌ. قلنا: فنعم ما رأيت. [رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. وقال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري بشرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة - 1407 ه. (8/634).].
وورد كذلك أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ دعا الناس إلى أن يأتوا بِما عندهم من القرآن المكتوب بين يدي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنه كان يستوثق لذلك أشد الاستيثاق.
فعن مصعب بن سعد قال: قام عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ فخطب الناس فقال: أيها الناس! عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة سنةً، وأنتم تَمترون في القرآن… فأَعْزِم على كل رجل منكم ما كان معه من القرآن شيءٌ لَمَا جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرةً، ثم دخل عثمان، فدعاهم رجلاً رجلاً، فناشدهم: لَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم. [ رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ القرآن في المصاحف. كتاب المصاحف - أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م. ص 31.].
4 - الاقتصار عند الاختلاف على لغة قريش.
كما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا. [ رواه البخاري في صحيحه: الجامع الصحيح (مع شرحه فتح الباري) - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت 256 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة 1407 ه.كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.].
والمقصود من الجمع على لغة واحدة: الجمع على القراءة المتواترة المعلوم عند الجميع ثبوتُها عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإن اختلفت وجوهها، حتى لا تكون فرقةٌ ولا اختلاف، فإن ما يعلم الجميع أنه قراءة ثابتة عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يختلفون فيها، ولا ينكر أحدٌ منهم القراءة بِها.
قال أبو شامة: يحتمل أن يكون قوله: نزل بلسان قريش، أي: ابتداء نزوله، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم. [فتح الباري بشرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة - 1407 ه. (8/625).].
فلعلَّ عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ عندما جمع القرآن رأى الحرف الذي نزل القرآن أولاً بلسانه أولى الأحرف، فحمل الناس عليه عند الاختلاف. [فتح الباري بشرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة - 1407 ه. (8/625).].
وقد اختلف الصحابة في كلمة (التابوت) هل هي بالتاء أم بالهاء.
كما قال الزهري: واختلفوا يومئذٍ في (التابوت) و(التابوه)، فقال النفر القرشيون: (التابوت)، وقال زيدٌ: (التابوه)، فرُفِع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه (التابوت)، فإنه بلسان قريشٍ. [ رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ القرآن في المصاحف ص 26، وانظر فتح الباري (8/635).].
على أنه قد ورد أن الذي رأى أنَّها بالتاء هو زيدٌ، كما روى الطحاوي عن زيد ابن ثابت أنَّه لَمَّا بَلَغَ: } إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ{، [ سورة البقرة من الآية 248.]<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْت أَنَا: (التَّابُوتُ)، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ (التَّابُوتُ). [ رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).].
5 - أن يُمنع كتابة ما نُسخت تلاوته، وما لم يكن في العرضة الأخيرة، وما كانت روايته آحادًا، وما لم تُعلم قرآنيته، أو ما ليس بقرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحًا لمعنىً، أو بيانًا لناسخ أو منسوخٍ، أو نحو ذلك. [ انظر البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).].
ومِمَّا يدل لذلك ما ورد عن محمد بن سيرين عن كَثِير بن أفلَحَ قال: فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكَثِيرٍ -وكان فيهم (فيمن يكتب): هل تدرون لم كانوا يُؤَخِّرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت أنَّهم إنَّما كانوا يُؤَخِّرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة، فيكتبونَها على قوله. [ رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن ص 45.].
6 - أن يشتمل الجمع على الأحرف التي نزل بِها القرآن، والتي ثبت عرضها في العرضة الأخيرة [انظر نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.
ص 387-388.]<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>مع مراعاة ما يأتي:
أ- عند كتابة اللفظ الذي تواتر النطق به على أوجهٍ مختلفةٍ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يبقيه الكَتَبَةُ خاليًا عن أية علامة تقصِر النطق به على وجه واحد؛ لتكون دلالة المكتوب على كلا اللفظين المنقولين المسموعين متساوية، [النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (1/33).]<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"></SUP>
فتكتب هذه الكلمات برسم واحدٍ في جميع المصاحف، محتمل لما فيها من الأوجه المتواترة، ومن أمثلة ذلك:
1 - قوله تعالى: ) كَيْفَ نُنْشِزُهَا(،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>[سورة البقرة من الآية 259.] بالزاي المنقوطة، فقد قرأها أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب } نُنْشِرُهَا {، بالراء المهملة. [النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (2/231).].
2 – وقوله عز وجلّ: ( هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ )[سورة يونس من الآية 30.] ،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>بالباء الموحدة من البلوى، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف: ( هُنَالِكَ تَتْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ )، بالتاء المثناة من التلاوة، مكان الباء الموحدة. [النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (2/283).].
3 - وقوله تعالى: ( فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ )،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>[سورة الهمزة، آية 9.] بفتح العين والميم، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف وشعبة: ( فِي عُمُدٍ مُمَدَّدَةٍ )، بضم العين والميم. [النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (2/403)].
ب- ما لا يحتمله الرسم الواحد، كالكلمات التي تضمنت قراءتين أو أكثر، ولم تنسخ في العرضة الأخيرة، ورسمُها على صورة واحدة لا يكون محتملاً لما فيها من أوجه القراء، فمثل هذه الكلمات ترسم في بعض المصاحف على صورة تدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على القراءة الأخرى. [ سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين، للشيخ على محمد الضباع. ص 101-106،وانظر أيضًا شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن لإبراهيم المارغني التونسي ص 436 وما بعدها].
ولم يكتب الصحابة تلك الكلمات برسمين أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية؛ لئلا يُتَوَهَّم أن الثاني تصحيحٌ للأول، وأن الأول خطأ، وكذلك لأن جعل إحدى القراءات في الأصل والقراءات الأخرى في الحاشية تحكُّمٌ، وترجيحٌ بلا مرجِّح؛ إذ إنَّهم تلقَّوْا جميع تلك الأوجه عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست إحداها بأولى من غيرها.[ مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م. (1/259)، والكواكب الدرية - محمد بن علي بن خلف الحسيني (الحداد) - مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر - 1344 ه. ص 22-23].
ومن الأمثلة على ذلك:
1 - قوله تعالى: ( وقالوا اتخذ الله ولدًا )[ سورة البقرة، من الآية 116.] ،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>فقد قرأها عبد الله بن عامرٍ الشامي: ( قالوا اتخذ الله ولدًا ) بغير واو. وهي كذلك في مصاحف أهل الشام. [كتاب المصاحف - أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م.ص 54، والنشر في القراءات العشر (1/11)، تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن - إبراهيم بن أحمد المارغي التونسي - مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة - 1981م. ص 442.].
2 – قوله عز وجلّ: ( وَوَصَّى بِها إِبْرَاهِيمُ )،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>[سورة البقرة، من الآية 132.] فقد قرأها أبو جعفرٍ، ونافعٌ، وابن عامرٍ: ( وَأَوْصَى بِها إِبْرَاهِيمُ ) من الإيصاء. وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة والشام بإثبات ألف بين الواوين. قال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الإمام مصحف عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ، ورسمت في بقية المصاحف بواوين قبل الصاد، من غير ألفٍ بينهما. [كتاب المصاحف - أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م.ص 49، 51، 54، و تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن - إبراهيم بن أحمد المارغي التونسي - مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة - 1981م. الظمآن ص 442.].
3 - وقوله تعالى: ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ )،<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>[سورة التوبة من الآية 100.] فقد قرأها عبد الله بن كثير المكي: ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ )، بزيادة (مِنْ) قبل (تَحْتِهَا). وهي كذلك في المصحف المكي، وفي بقية المصاحف بحذفها. [ النشر في القراءات العشر (1/11)، و(2/280)، و تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن - إبراهيم بن أحمد المارغي التونسي - مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة - 1981م.ص 448، وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 57.].
4 - وقوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ )، [من الآية 71 من سورة الزخرف.] في قراءة أبي جعفر، ونافع، ورواية حفص عن عاصم بِهاء بعد الياء في (تَشْتَهِيهِ)، وقد قرأها بقية القراء: ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ )، دون الهاء الأخيرة. [ النشر في القراءات العشر (2/370)، وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 49، 53، 56.].
قال أبو عمرو الداني: في مصاحف أهل المدينة والشام (تَشْتَهِيهِ) بِهاءين، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك كذلك في مصاحف أهل الكوفة، وغلط.
وقال أبو عبيد: وبِهاءين رأيته في الإمام. وفي سائر المصاحف (تَشْتَهِي) بِهاء واحدة اه.
[ شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 455-456.].
7 - بعد الفراغ من كتابة المصحف الإمام يراجعه زيد بن ثابت ، ثم يراجعه عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ بنفسه.عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِها، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) [سورة الأحزاب، من الآية 23.] ،فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. [ رواه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4988.].
كانت هذه هي المراجعة الأولى لزيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، ويظهر من الروايات أنه عرضه مرتين أخريين، فأظهرت الثانية الاختلاف في لفظ (التابوت)، ولم تكشف الثالثة عن شيء.فعن زيد بن ثابت أنَّه لَمَّا بَلَغَ: ( إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ) قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْت أَنَا: التَّابُوتُ، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ التَّابُوتَ، ثُمَّ عَرَضَهُ -يَعْنِي الْمُصْحَفَ- عَرْضَةً أُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلَى حَفْصَةَ أَنْ تُعْطِيَهُ الصَّحِيفَةَ، وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّ الصَّحِيفَةَ إلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ فَعَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي شَيْءٍ، فَرَدَّهَا إلَيْهَا وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ يَكْتُبُونَ مَصَاحِفَ. [ رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193)].
وفي هذا الأثر ما يدل على أن المعارضة بِما جمعه الصديق كانت بعد الانتهاء من كتابة المصحف الإمام، لِمزيد الاطمئنان، وفي هذا ما يدل على بقاء الأوجه الثابتة من القراءة بغير اختلافٍ بين الحفَّاظ والعلماء.
وقد نفَّذ الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ هذه الضوابط أدقَّ تنفيذٍ، فكانوا ربَّما انتظروا الغائب الذي عنده الشيء من القرآن زمانًا، حتى يستثبتوا مِمَّا عنده، على الرغم من أن القائمين بالكتابة والإملاء كانوا من الحفاظ القراء.
عن مالك بن أبي عامر، قال: كنتُ فيمن أملى عليهم، فربَّما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقَّاها من رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولعله أن يكون غائبًا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء، أو يُرسَل إليه. [<SUP style="TEXT-INDENT: 0px !important"> </SUP>رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ القرآن في المصاحف. ص 29.].
ثم أمر عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ بعد ذلك بنسخ المصاحف عن المصحف الإمام، وإرسالها إلى الأمصار، وهي التي عرفت فيما بعدُ بالمصاحف العثمانية.