غايات الناس في الحياة
بعد حمد الله والثناء عليه , وبعد الصلاة والسلام علي نبينا وآله وصحبته ومن اهتدى بهديه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ... اما بعد:-
أيها المسلمون إن القرآن الكريم حدد غايات الناس في الحياة , ومقاصد الخلق فيها,فبين أن قوما همهم من الحياة الأكل والشرب والمتعة فقال تبارك وتعالى : " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تاكل الأنعام والنار مثوى لهم "( محمد أية12) وبين أن قوما آخرين مهمتهم الزينة والعرض الزائل فقال تبارك وتعالى : "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب "(آل عمران أية 14), وبين أن قوما آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن وإحياء الشرور والمفاسد أولئك الذين قال الله فيهم : " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " ( البقرة 204 , 205).
تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها , وبرأهم منها , وكلفهم مهمة أرقى , وألقى علي عاتقهم واجبا أسمى , ذلك الواجب هو هداية البشرية إلى الحق وإرشاد الناس جميعا إلى الخير , وإنارة العالم كله بشمس الإسلام , في قوله تبارك وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا وأعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء علي الناس " (الحج 78,77) .
ومعنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء علي البشرية القاصرة ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة علي الدنيا لخدمة هذه الوصية النبيلة, ووصاية المسلم تضحية لا استفادة ؛ ثم يبين الله تبارك وتعالى أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله فليس له فيها شئ ,وإنما هو وقف علي نجاح دعوته ورسالته وإيصالها إلى قلوب الناس وذلك قوله تعالى : "إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهو الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " (التوبة 111) .
ومن ذلك نرى أن المسلم يجعل دنياه وقفا علي دعوته ليكسب آخرته جزاء تضحيته, فكان المسلم أستاذا في هذه الحياة , يتجلى فيه نور وهداية ورأفة ورحمة , وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين وتحضر وإرشاد وتعليم , فبربكم أيها المسلمون : هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذاالمعنى فسمت نفوسهم , ورقت أرواحهم , وتحرروا من رق المادة , وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء , وترفعوا عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد , ووجهوا وجوهم لله الذي فطر السموات والأرض حنفاء , يعلون كلمة الله , ويجاهدون في سبيله , وينشرون دينه ويذودون عن حياض شريعته, أم أنهم أسرى للشهوات وعبيدا للأهواء والمطامع ,كل همهم لقمة لينة , ومركب فاره , وحلة جميلة , ونومة مريحة , وامرأة وضيئة , ومظهر كاذب , ولقب أجوف . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة"
هذا جزء من محاضرة في أحد مساجدنا وددت أن أقتطف منها هذه الثمرات الجميلة لتشاركوني فهمها وتدبرها والعمل علي التخلق بها في حياتنا لكي نصلح من مقاصدنا في هذه الحياة الفانية.
نسأل الله أن يوفق جميع المسلمين لما فيه خير دنياهم وآخرتهم , وأن يعينهم علي فهم كتاب ربهم وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
