الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
بقلم د.سعد الدين ابراهيم ٨/٣/٢٠٠٨
وصلت إلي تركيا يوم ٢٠ فبراير ٢٠٠٨، تلبية لدعوة من كلية العلاقات الدولية، بجامعة استانبول الثقافية، لإلقاء سلسلة محاضرات عن «الشرق الأوسط في عصر العولمة». وهذه هي المحطة الثالثة في سفر المنفي، الذي بدأ في أوائل يونيو ٢٠٠٧، بعد حملة الكراهية واغتيال الشخصية والملاحقات القانونية، التي وصلت إلي ٢١ بلاغاً وقضية، تطالب برأسي، أو حبسي، أو تجريدي من جنسيتي، أو إغلاق مركز ابن خلدون. المهم لموضوعنا أن اتحاد المحامين الليبراليين المصريين، الذي تصدي أعضاؤه لمهمة الدفاع عني، هو الذي نصحني بعدم العودة إلي الوطن،
إلي أن تنتهي هذه القضايا، إما بالشطب والإسقاط، أو بالبراءة. فهؤلاء المحامون لا يأمنون للنظام المصري الحاكم، في ضوء استمرار حالة الطوارئ، التي تجيز له إلقاء القبض علي أي مواطن، وحبسه تحفظياً علي «ذمة التحقيق»، والذي قد يطول لعدة سنوات. وكان ذلك هو نفس رأي الأسرة، وزملائي في الجامعة الأمريكية، ومركز ابن خلدون، ومستشارين بمحكمة النقض.
وحينما انتشر خبر خطورة عودتي إلي أرض الكنانة، انهالت علي الدعوات من أطراف عديدة، لاستضافتي، في مقدمتها دولة قطر، وكندا، وهولندا، وجامعات ومراكز بحثية في تركيا ورومانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولأنني أريد أن أظل قريباً من مصر، حتي تستطيع الأسرة و الأهل والزملاء زيارتي، فإنني لبّيت دعوات الاستضافة في بلدان يهمني شأنها، ودراسة تجاربها الفريدة،
والكتابة عنها في الوقت الراهن. وربما يلاحظ ذلك من يقرأون هذه المقالات الأسبوعية بانتظام. أي أنني أردت أن أحوّل «سفر المنفي» إلي شيء إيجابي، يفيدني قطعاً، وأملي أن يفيد القراء أيضاً. وكنت قد فعلت شيئاً قريباً من ذلك، خلال تجارب السجن الثلاث، والتي انتهزت الفرصة فيها لكتابة مذكراتي من ناحية، والدخول في حوارات ممتدة مع الإسلاميين من ناحية ثانية، وتعليم الأميين في السجن (من السجّانين والمسجونين) القراءة والكتابة، من ناحية ثالثة.
إن المقدمة السابقة هي لتبصير القارئ المهتم بالسياق العام لهذا المقال. فالتجربة التركية هي تجربة فريدة في شرقنا الأوسطي، وعالمنا الإسلامي. فتركيا الحديثة، هي أحد ورثة الإمبراطورية العثمانية، التي امتد أجلها ستة قرون (من أوائل القرن الرابع عشر إلي أوائل القرن العشرين)، وقد تدهورت أحوالها في قرنها الأخير. لذلك أطلق عليها الغرب تعبير «رجل أوروبا المريض». بل كانت حركة «تركيا الفتاة»،
هي التي أطلقت رصاصة الرحمة الأخيرة علي رمز السلطة في تلك الإمبراطورية، بإلغاء الخلافة والسلطة، وتغيير اسم الإقليم الرئيسي فيها ـ وهو الأناضول والجزء الأوروبي حول أكبر مدنها استانبول ـ إلي تركيا، أي أرض الأتراك (الطورانيين). وكان أحد أهم قيادات «تركيا الفتاة»، ضابطا ملهما ذا شخصية كاريزمية، اسمه مصطفي كمال، والذي يعتبره الأتراك المحدثون المؤسس لدولتهم الجديدة، فأطلقوا عليه «أتاتورك»، أي «أبو تركيا».
وكان لمصطفي كمال أتاتورك رؤية تحديثية ثورية، أراد بها قطيعة سياسية وحضارية مع الماضي ـ العثماني الشرقي الإسلامي ـ وإقامة دولة حديثة ومجتمع عصري، علي الطراز الأوروبي عموماً والفرنسي خصوصاً. ومن ذلك أنه غير حروف اللغة من العربية إلي اللاتينية، وكذلك رسم الأرقام. وقامت لجان خاصة من اللغويين بتنقية لغة الحديث السائدة والمكتوبة من الكلمات ذات الجذور العربية.
كذلك غير مصطفي كمال الزي التقليدي العثماني، والذي كان «الطربوش» أهم رموزه، إلي الزي الأوروبي، الذي كانت «القبعة» هي أهم رموزه، وألغي الحجاب (اليشمك) وتبني السفور والملابس الأوروبية في أزياء النساء. كما تبني النظام القانوني الأوروبي، بديلاً للشريعة وأنظمة القوانين العثمانية، التي كان قد أبدعها أحد سلاطين الإمبراطورية الأوائل، وهو «سليمان القانوني».
لقد كان صُلب مشروع أتاتورك التحديثي لتركيا ـ مجتمعاً ودولة وثقافة ـ هو «العلمانية»، علي الطريقة الفرنسية، لا علي الطريقة «الأنجلو سكسونية»، ولا علي الطريقة البلشفية.
وهذه نقطة تستحق بعض التفصيل، لا فقط لعلاقتها بالصراع المعاصر في تركيا، ولكن أيضاً لعلاقتها باللغط والاضطراب اللذين لايزالان يحيطان بهذا المفهوم في لغة الخطاب العربي المعاصر. ففي أساسها المشترك، إنجليزياً ـ ألمانياً، وفرنسياً ـ إيطالياً، فإن العلمانية هي الفصل بين ما هو «ديني ـ مقدّس ـ مطلق»، وما هو «دنيوي ـ بشري ـ نسبي». الأول «روحي» بين الإنسان والله عز وجل،
ولا دخل للدولة أو السياسة فيه. والثاني، دنيوي توفيقي أو تساومي أو صراعي، لا دخل للكنيسة أو رجال الدين فيه. وهذا هو ما يلخصه القول الشائع «لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة». وفي قول آخر، «إن الدين قداسة، والسياسة نجاسة»، وبالتالي لا ينبغي الخلط بينهما.
حسناً، إذا كان ذلك هو الأصل المشترك لكل العلمانيات (بما فيها البلشفية الماركسية) فما الفروق في الفروع؟
* الفرع الأنجلو ساكسوني ـ وهو السائد في بريطانيا وألمانيا والمجتمعات الاسكندنافية (السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا) لا يعادي الدين، أو الكنيسة أو رجالها. هو فقط يبعدهم عن السياسة وشؤون الدولة.
ويكتفي برمزية الدين، مثل ظهور الصليب في بعض أعلام هذه البلدان، أو القسم علي الإنجيل، عند تقلد المناصب الرسمية. ولأن هذا الفرع الأنجلو ـ ساكسوني للعلمانية لا يعادي الدين ورجاله، وإنما فقط ينأي بهم عن المعترك الدنيوي للسياسة، فإن الملك أو الملكة في بعض هذه البلدان هو رأس الكنيسة رمزياً.
ومثلما هو رأس الدولة رمزياً، يملك ولا يحكم، فهو كذلك رأس الكنيسة رمزياً، ولكن دون تدخل في وظائف أو شعائر الكنيسة. وقد تعايشت السياسة والدين سلمياً في هذه البلدان الأنجلو ـ ساكسونية، طيلة القرون الثلاثة الأخيرة. وهي نفس القرون التي ترسّخت فيها «الديمقراطية».
* الفرع الفرنسي ـ اللاتيني ـ وهو الذي يعود إلي «اليعاقبة» في الثورة الفرنسية (١٧٨٩)، الذين اقتلعوا الملكية، وأعدموا آخر ملوكها في فرنسا (لويس السادس عشر)، واعتبروا الكنيسة ورجالها جزءاً من النظام الملكي ـ الإقطاعي ـ الرجعي الفاسد. لذلك لم يكتف يعاقبة الثورة الفرنسية بإبعاد الدين ورجاله عن السلطة والسياسة، وإنما ناصبوهم العداء،
وألغوا أي دعم مادي أو معنوي كانت الدولة تقدمه للدين أو الكنيسة. كما ألغوا تدريس الدين في المدارس الحكومية، كذلك ألغوا الإجازات والاحتفالات والأعياد الدينية الرسمية. وهذا هو نوع العلمانية المشتطة، الذي تأثر به مصطفي كمال أتاتورك، ومن قاموا معه بالثورة التركية في عشرينيات القرن الماضي.
* الفرع الماركسي البلشفي، وهو الفرع العلماني الذي لم يكتف بإبعاد الدين عن السياسة، مثل الفرع الأول. ولم يكتف حتي بمعاداة الدين ورجاله مثل الفرع الثاني، ولكنه اشتط أكثر لدرجة «إبادة» الدين ومؤسساته من الفضاء العام. فعند كارل ماركس،
مؤسس «ومُنظر» هذا الفرع، فإن «الدين هو أفيون الشعوب». وهو المسؤول عن استمرار الظلم والاستغلال للمستضعفين في الأرض. حيث استخدمه الأقوياء في الأرض (الملوك والأباطرة والسلاطين، والرأسماليون) لتغييب وعي الكادحين. ورجال الدين هم «الوسطاء»، أو تجار هذا «الأفيون». لذلك، لا تعايش، ولا حتي معاداة، ولكن اقتلاع وإبادة لتجار المخدرات!.
وليس هنا مجال التفصيل، فيما حدث لكل من فروع «العلمانية» الثلاثة خلال القرن الأخير. حيث ثبت أن الدين قوة عصية علي العداء أو الاستعداء، كما هي عصية علي الاقتلاع والإبادة. وهذا ما اكتشفه الجيل الثالث من أبناء يعاقبة الثورة الفرنسية، وأبناء الثورة الماركسية البلشفية. وهو الآن ما يكتشفه الجيل الثالث من أبناء الثورة الكمالية ـ التركية.
وما يحاول حزب «العدالة والتنمية» (AKP)، أن يفعله بحذر وحصافة، فهو تقليم أظافر العلمانية التركية، وقد نجح الحزب، بزعامة رجب طيب أردوغان، في هذه المهمة إلي حد كبير. فكيف فعل ذلك؟ وللحديث بقية.
http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=96520