:: الرئيسية :: :: مقالات الموقع :: :: مكتبة الكتب ::  :: مكتبة المرئيات ::  :: مكتبة الصوتيات :: :: أتصل بنا ::
 
القائمة الرئيسية

 الصفحة الرئيسية

 منتدى الحوار

 نصرانيات

 حقائق حول الأناجيل

 حقائق حول المسيح بالأناجيل

 حقائق حول الفداء والصلب

 مقالات منوعة حول النصرانية

 كشف الشبهات حول الإسلام العظيم

 شبهات حول القرأن الكريم

 شبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم

 شبهات حول السنة المطهرة

 شبهات منوعة

 الإعجاز العلمي
 الأعجاز العلمي بالقرأن الكريم
 الأعجاز العلمي بالحديث الشريف
 الحورات حول الأعجاز العلمي بالإسلام

 كيف أسلم هؤلاء

 من ثمارهم تعرفونهم

Non Arabic Articles
· English Articles
· Articles français
· Deutsches Artikel
· Nederlands

 مقالات د. زينب عبد العزيز

 مقالات د. محمد جلال القصاص

 مكتبة الكتب

 مكتبة المرئيات

 مكتبة التسجيلات

 مكتبة البرامج والاسطوانات الدعوية

 البحث

 البحث في القرآن الكريم

 دليل المواقع

 أربط موقعك بنا

 اتصل بنا

إسلاميات

المتواجدون بالموقع

يوجد حاليا, 37 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

وثيقة"في زماننا هذا" وعلاقات الكنيسة بالإسلام
أرسلت في الأثنين 25 أغسطس 2008 بواسطة webmaster2
د. زينب عبد العزيز

وثيقة "في زماننا هذا"وعلاقات الكنيسة بالإسلام

 

بقلم / دكتورة زينب عبد العزيز

 

أستاذة الحضارة الفرنسية

 

        عقب المحاضرة الشهيرة التي ألقاها البابا بنديكت السادس عشر في راتسبون، والتي سبّ فيها الإسلام بوضوح وتعمّد ، تم رفع وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني (1965) المعروفة باسم "في زماننا هذا"  وإشهارها كالراية في مختلف الصحف ، حتى في الفاتيكان نفسه ، لتهدئة النفوس وإثبات "الاحترام"  الذي يكنه الفاتيكان للمسلمين !

 

        وفى واقع الأمر أن القليل من الناس هم الذين يعرفون نص هذه الوثيقة ، خاصة الجزء المتعلق بالإسلام ، لذلك رأينا أنه من المفيد وضع هذا النص تحت الضوء ، لنراه عن قرب ونوضح للجميع الموقف المزدوج للمسئولين عن الكنيسة الكاثوليكية الرسولية الرومية ...

 

ويمتد نص الوثيقة في حد ذاته على أربع صفحات، والبند الثالث المتعلق بالمسلمين ، يتضمن فقرتين من سبعة عشر سطرا، نصها كما يلي :

 

الديانة الإسلامية :  3 – " إن الكنيسة تنظر أيضا بعين الاعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد ، الحي القيوم ، الرحمن القدير ، خالق السماء والأرض ، الذي تحدث إلى البشر ،  إنهم يحاولون الخضوع بكل قواهم لقرارات الله ، حتى وإن كانت مخفية ، مثلما خضع إبراهيم لله والذي يتخذه الإيمان الإسلامي طواعية مثلا له ، وعلى الرغم من أنهم لا يعترفون بيسوع كإله ، فهم يبجلونه كنبي؛ ويوقرون أمه العذراء ، مريم ، وأحيانا يتوسلون إليها بتضرع ، كما أنهم ينتظرون يوم الحساب، الذي سيجازى فيه الله البشر بعد بعثهم ، وهم يقدرون الأخلاق، ويقدمون عبادة ما لله خاصةً بالصلاة، والزكاة والصوم.

 

        "وإذا ما كانت عبر القرون قد اندلع العديد من الخلافات و العداوات بين المسيحيين والمسلمين ، فإن المجمع يهيب بهم جميعا نسيان الماضي ، وأن يجتهدوا بإخلاص في محاولة للفهم المتبادل، وأن يقوموا معا بحماية ونشر العدل الاجتماعي، والقيم الأخلاقية، والسلام و الحرية ، من أجل كافة البشر " (صفحة 29).

 

 

وما من إنسان يجهل أن مجمع الفاتيكان الثاني يمثل أهم الأحداث قاطبة بالنسبة للكنيسة في القرن العشرين ، فعلى العكس من كافة المجامع السابقة ، التي كان يتم عقدها لتدارس المشكلات الحقيقية التي تمثل أخطارا على نفس الكيان الكنسي ، بما أنها بكلها عبارة عن تهديدات لاهوتية ناجمة من داخل الكنيسة أو من خارجها ، فإن المجمع الفاتيكاني الثاني يعد أول مجمع هجومي في تاريخ الكنيسة، إذ إنه قرر علنا تنصير العالم بقرار لا رجعة فيه.

 

        ومن بين الخمسة عشر وثيقة التي أصدرها المجمع بين 1964 و1965 ، فإن وثيقة "في زماننا هذا" التي تعنينا هنا قد تم التوقيع عليها في 28 /10/1965 . والنص النهائي للوثيقة وكل محاضر الجلسات والتعليق عليها موجودة في الكتاب الصادر عن دار نشر دي سير (du Cerf)، سنة 1966 ، تحت عنوان : مجمع الفاتيكان الثاني وعلاقات الكنيسة مع الديانات غير المسيحية ، وهو يمثل جزءا من المجموعة الكنسية برقم 61 . والكتاب يتكون من 335 صفحة ، ومقسّم إلى ثلاثة أجزاء بخلاف الملحقات. والجزء المتعلق بالإسلام يحتل الصفحات من 200 إلى 236 ، وقد قام بصياغته القس روبير كاسبار، أستاذ "علم اللهوت الإسلامي" بالمعهد البابوي للدراسات العربية في روما ، ومستشار السكرتارية الخاصة بغير المسيحيين ، وأثناء انعقاد المؤتمر كان عضوا في اللجنة الفرعية الخاصة بالإسلام.

 

وعند قراءة الست والثلاثين صفحة المتعلقة بصياغة النص ، لا يمكن للقارئ إلا أن يشعر بالاشمئزاز والقرف بالنسبة لذلك الموقف المتعنت وغير الأمين لهؤلاء الآباء الأجلاء ، الذين تفننوا في استبعاد الإسلام كديانة توحيدية ، أتت لتصويب ما تم في الرسالتين السابقتين من تحريف وانحراف.

 

        و يبدأ الأب كاسبار بتوضيح الجو العام الذي دارت فيه هذه الجلسات ، قائلا: "لا بد لي من الاعتراف أولا بأن الديانات غير المسيحية تحتل مكانة ضئيلة في اهتمامات هؤلاء الأساقفة والمؤسسات المعنية (...) ، وأساقفة البلدان التي بها الإرساليات يتحدثون كثيرا عن المشكلات التي تصادفهم في التبشير ، وقليلا ما يذكرون الديانات غير المسيحية كديانات ، ولا شيء تقريبا يقال عن الإسلام ، والمرء يدهش من ملاحظة الصمت المطبق للكنائس الشرقية حول هذا الموضوع الذي يواجهونه يوميا " ( صفحات 201 و 202 ).

 

 ومن المؤسف رؤية أن التعنت الوحيد لهؤلاء الآباء الأجلاء هو الاهتمام بتدارس كيفية تنصير العالم ، رغم تلك اللافتة المعلنة عاليا والمنادية بحرية العقيدة !

 

 

من ناحية أخرى ، لا نرى ضرورة لفتح هامش نوضح فيه الموقف المثير للاشمئزاز لهؤلاء الآباء الأجلاء ، وخاصة موقف الذين يمثلون الكنائس الشرقية ، أي الأقليات المسيحية التي تعيش بين المسلمين ، وعدم أمانتهم تجاه البلدان التي يعيشون فيها.

 

ويبدأ الأب كاسبار بتلخيص مختلف وجهات النظر التي لاحت منذ أولى الحوارات، والتي يلخصها في نقطتين ، لا بد من أخذهما في الاعتبار : " أن الإسلام عبارة عن شرّ مطلق لا بد من دحضه ، وخطر بالنسبة للكنيسة لا بد من محاربته.

 

 والثانية ترى في الإسلام بصيص من النور  لبعض الحقائق والتشابهات مع المسيحية والتي يجب تنميتها "( صفة 202 ) ،  ( الخطوط  من وضعنا في النص كله).  وأن البطريارك مكسيموس هو الذي أسدى ملاحظة "أنه لا يمكن التحدث عن اليهود دون التحدث عن الديانات الأخرى و خاصة الإسلام"       (صفحة 203 ).

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن واحدا من أهم الأسباب التي دعت إلى اجتماع هذا المجمع هو التنازلات غير المسبوقة التي تمت لليهود أو التي تم فرضها على الكنيسة ، رغم مخالفتها الشديدة للنصوص ، وتدارس كيفية جعل الأتباع يبتلعونها ! واختصارا ، فإن المحاولات الأولى المتعلقة بالإسلام تم اتخاذها في دورة 1964 ، لإدخال فقرة حول المسلمين في نص البيان.

 

وكان النص المبدئي يتضمن العبارة التالية : " وليسوا غرباء أيضا عن التنزيل الذي تم على الآباء ، أبناء إسماعيل ، الذين يعترفون بإبراهيم كأب لهم ، ويؤمنون بإله إبراهيم".

 

        وكانت هناك ملحوظة توضح أن " أبناء إسماعيل " هم المسلمون... إلا أن التصويت على النص الذي كان يتضمن عبارة " أبناء إسماعيل" قد قوبل باعتراض شديد. ويوضح الأب كاسبار ذلك قائلا : " ما الذي حدث ؟ من بحث تعليقات التصويت تبيّن أن النص المقترح، رغم اعتداله ( ليسوا غرباء عن التنزيل الذي تم على الآباء" يمكنه أن يستبق الحكم في حل مسائل صعبة ومسار جدل شديد، من قبيل الانتساب التاريخي للعرب لإسماعيل ، وخاصة ربط الإسلام بالتنزيل الإنجيلي " (صفحة 205). وهو ما يؤكد عدم الأمانة المتعمّد.

 

 

وبعد مداولات ممتدة ، واقتراعات واستبعادات ، يوضح الأب كاسبار أن النص الأصلي المكوّن من بضعة أسطر، والخاص بالمسلمين ، قد تمت زيادته بشكل ملحوظ  : " فهو يستخلص الخطوط الرئيسية لعبادة المسلمين ويدعو إلى نسيان خلافات الماضي ، وإلى الحوار والتعاون بين المسيحيين و المسلمين لصالح الإنسانية العام" (صفحة 206). وقد تم التصويت عليه بعدد 1910 موافقون  و 189 معترضون.

 

وفى الجزء الثاني من نصه التفسيري ، يتحدث الأب كاسبار عن المكانة التي يحتلها الإسلام في تاريخ الخلاص ، موضحا كيف يقوم البيان بوضع الإسلام بين الديانات الكبرى الآسيوية التي تولدت بعيدا عن المسيحية (...). والبيان لا يقول شيئا حول الوضع الديني للإسلام بالنسبة للتنزيل اليهودي-المسيحي (...) وقد أوضحنا أن المجمع كان قد استبعد الصياغة الأولى للبيان والتي كانت تشير بشكل طفيف إلى صلة بين " التنزيل الذي تم على الآباء " و الإسلام (صفحة 213 ). وبتفاديه اتخاذ أي موقف حول هذه المسألة ، فإن النص يضع الإسلام في الصف الأول للديانات التوحيدية غير اليهودية-المسيحية.

 

ويواصل الأب الكريم مضيفا : " من المهم أن نرى جيدا ما الذي يود المجمع أن يقوله ، وما الذي لا يريد قوله و الأسباب التي دعته إلى ذلك " ! (نفس الصفحة السابقة).

 

وفى الجزء الثاني من النص الذي كتبه الأب كاسبار ، يتحدث فيه عن التوحيد الإسلامي ،ويقوم بنوع من شرح النص الرسمي ، وكيفية اختيار الكلمات للنص النهائي للوثيقة. ومن المحبط والمثير للاستفزاز أن نرى كيف تم اختيار كل كلمة بريبة و بحرص شديدين ، وكيف تم اختيار أسماء الله – في تلك الوثيقة، بلؤم ومكر، إذ يقول الأب كاسبار : " وهكذا قام المجمع بوصف إله الإسلام باختيار الملامح الأساسية للإيمان الإسلامي والشبيهة لما هو وارد في المسيحية، فأسماء أخرى كان يمكن أن تؤكد الخلافات بدلا من التشابهات" (صفحة 219).

 

وفى مواصلة شرحه هذا ، يلفت الأب كاسبار النظر إلى أن الوثيقة : " تضع إبراهيم لا كجد في سلسلة نسب العرب المسلمين ، وإنما تضعه كنموذج للإيمان الإسلامي لخضوعه لإرادة الله " (صفحة 221).

 

وإذا ما قام القارئ باسترجاع نص تلك الوثيقة فيما يتعلق بالمسلمين ، ويمكنه الرجوع إلى بداية المقال ، سيلحظ النقاط التالية :

 

 

· أن كلمة " إسلام " غير واردة بهذا النص.

 

 

· أن الكنيسة تنظر أيضا بعين الاعتبار إلى المسلمين ، فلا تشير إليهم على أنهم أتباع الرسالة التوحيدية الثالثة ، وإنما تنظر إليهم فحسب بعين الاعتبار !

 

 

· أن الإله الذي يعبده المسلمون " قد تحدث إلى البشر" ، أي أنه لم يتحدث تحديدا إلى سيدنا محمد !

 

 

· الإصرار المتعمّد لاستبعاد النسب التاريخي للمسلمين إلى سيدنا إسماعيل ، وهنا لا يمكننا إلا أن نتساءل : هل اختفى نص العهد القديم من الوجود، لذلك لم يتمكن هؤلاء الآباء المساكين المجتمعين لصياغة ذلك البيان ، ولا يعرفون تاريخ المسيحية بالنسبة لقرابتها وعلاقتها في سلسلة النسب مع الإسلام والمسلمين ؟! ومع ذلك فالتاريخ المعاش ، ثابت بكل وضوح في الوثائق والنصوص !

 

 

· أن الإيمان الإسلامي يتخذ سيدنا إبراهيم كنموذج ، يتخذه مثلا طواعية ولا ينتسب إليه ! ومن العار أن نرى مواصلة ذلك التعنت بلا خجل !

 

 

· السعي الحثيث لاستبعاد الإسلام من النص الإنجيلي رغم كل الإشارات التي لا تزال في الكتاب المقدس بعهديه ، حتى بعد كل ما أصابه من تعديلات وتغييرات متعددة ، لكي لا نقول تحريفات ، وهو ما أثبته بجدارة رجل القانون الأمريكي جوزيف هويلس ، في  كتابه المعنون : التحريف في المسيحية .

 

 

· عملية التزوير في التاريخ ووضع الإسلام بين الديانات الكبرى الآسيوية التي تولدت بعيدا عن المسيحية ! إن المغالطة من الوضوح بحيث إن أي شخص ملم بجزء ولو ضئيل من المعلومات التاريخية سيدرك التحريف.. وإذا كان هؤلاء الآباء البؤساء لا يعرفون الفرق جغرافيا بين آسيا وبلاد العرب وفلسطين ، فما الذي يمكننا أن نتوقعه من أمثالهم ؟ !

من الجارح والمخيّب للآمال أن نرى كل ذلك التصلّب لهؤلاء الآباء الأجلاء ، وإصرارهم على التزوير وتغيير الحقائق التاريخية ، وخاصة الاعتماد على هذا التزوير لإصدار أحكام ، ووضع توجيهات للتصرف أو فرض قرارات بعينها ! ومن المفزع أن نراهم يجمعون على قول : " إن المسلمين يقدرون الحياة الأخلاقية " ! ولو كان هؤلاء الأجلاء قد سألوا عن المضمون الحقيقي للقرآن فيما يتعلق بالأخلاق ، لأتاهم كرد مفعم رسالة الدكتوراه المكوّنة من 770 صفحة والتي تمت مناقشتها في السوربون سنة 1952، والتي تقدم بها الدكتور محمد عبد الله دراز، تحت عنوان " الأخلاق في القرآن ". وذلك ليروا إلى أي مدى الأخلاق لا تمثل فحسب جزء لا يتجزأ من القرآن ، وإنما هي واحدة من أهم دعائمه التي تنظم حياة المسلم في كافة المجالات ، حتى في المجال الحربي : حيث لا يحق للمسلم أن يبدأ بالاعتداء ولكن بالرد فقط وبقدر الاعتداء نفسه ، والنصوص موجودة لكل من يود معرفة الحقائق بلا التواءات ، فمن السخرية أن نطالع مجرد "أن المسلمين يقدرون الأخلاق" !

 

 

أما فيما يتعلق "بالخلافات والعداوات " التي اندلعت بين المسيحيين والمسلمين ، فمن الثابت في وثائق ونصوص المؤرخين المسيحيين أن الإسلام قد تمت محاربته منذ بداية انتشاره على أنه "هرطقة" من الهرطقات التي كانت ترفض تأليه يسوع ، ومنذ أولى الأيام قام الكتّاب المسيحيون بوصف الإسلام بأقذع وأحط الأوصاف ، ففي النصف الأول من القرن الثامن قام يوحنا الدمشقي بتشبيه الإسلام بحركة هرطقية شديدة القرب من الأريوسية – والأسقف أريوس كان من الذين يرفضون تأليه يسوع وشلحته الكنيسة.

 

 

        وفى منتصف القرن التالي نطالع في حوليات تيوفان قوله : "إنه في عام 622 توفي نبي مزيف من سلالة إسماعيل" (وارد في كتاب فيليب سيناك : صورة الآخر صفحة 30 ). ونطالع في صفحة 97 من نفس الكتاب : " ومنذ ذلك الوقت لن يذكر اسم نبي الإسلام إلا مقرونا بالمسيح الدجال ، وفى منتصف القرن الثاني عشر ، قال القديس برنار الذي كان يحث على الحرب الصليبية الثانية أن نهاية المسيح الدجال قد اقتربت ، وأن المسلمين الذين يتهددون القدس ليسوا سوى أولياء الظلمات ، وقد اجتمعوا من أجل نهايتهم المحتومة " .

 

 

        ومن المحزن ، للأسف ، أن نرى القديسين يسقطون في هاوية التزوير والتحريف للتاريخ ، وعلى أي حال فهذا القديس لم يكن وحده هو الذي انجرف إلى هاوية التحريف والتزوير التي تتواصل حتى يومنا هذا بهوسٍِِ أكثر تسلطا !

 

 

وهل لنا أن نضيف ما قاله الأب كاسبار فى صفحة 209 ، بعد أن استعرض العداوات والخلافات التبريرية المسيحية ، من " أنه طوال القرنين الماضيين (والنص مكتوب في سنة 1965 ) قام الغرب المسيحي بالهجوم والاعتداء على البلدان الإسلامية باستعمارها أو بوضعها تحت الحماية (...) والمسيحيون الذين يعيشون وسط المسلمين ، ولو في تداخل جزئي ، تبيّن أنهم غير قادرين على إدراك ما يكوّن جوهر وعظمة الإسلام ، وهى : التصعيد المطلق لله الواحد ، وكان الوضع في الغرب المسيحي أسوأ ، فلمدة قرون طويلة  سيكتفي الغرب بنشر أسوأ وأحط الأحكام على الإسلام ونبيه ، دون حتى أن يكلفوا أنفسهم بتبين حقائق ذلك المذهب". ولا جدوى من إضافة هنا أنه حتى البابا بنديكت السادس عشر لم يتمكن من إدراك عظمة التصعيد المطلق لله الواحد الأحد في الإسلام ، ووجد أنه أمر لا يتفق مع العقل والمنطق !!!

 

وهنا لا يسعنا إلا أن نتساءل : لماذا إيقاد كل ذلك الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين والإصرار على المحافظة عليه ؟! لماذا ذلك الوجه المزدوج أو التعامل بوجهين، خاصة حينما نقارنها مع التنازلات التي قدمها الفاتيكان لليهود ؟! بل وما الذي يمكن قوله عن ذلك الإصرار على اقتلاع الإسلام كديانة توحيدية  وبكل تلك الضراوة ؟ ومع ذلك فالتاريخ شديد البساطة والوضوح رغم كل عمليات التحريف تلك.

 

فإذا ما استبعدنا كافة التفاصيل لنتخطى الزمن لتناول تاريخ رسالة التوحيد في بضعة كلمات سنجد : أن رسالة التوحيد نزلت على موسى النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم عاد اليهود إلى العجل وقتل الأنبياءة ، فأُنزلت رسالة التوحيد على عيسى النبي عليه الصلاة والسلام موضحا أنه لم يرسل إلا من أجل خراف بني إسرائيل الضالة (متى 15 : 24).

 

 

وفى مطلع القرن الرابع ، في سنة 325 ، قام المتحكمون في الكنيسة الكاتوليكية بتأليه يسوع ، ثم بعمل عقيدة الثالوث وفرضوها غير عابئين بالنصوص والحقائق التاريخية ، واقعين بذلك في هاوية الشرك بالله ، لذلك تم تبليغ الرسالة لثالث مرة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام  ، وكانت رسالته لا من أجل إرجاع الخراف الضالة في الرسالتين السابقتين إلى التوحيد فحسب وإنما للعالمين ، ليسيروا على الصراط المستقيم الحق وعبادة الله الواحد الأحد ، وهو ما نطالعه بوضوح في نص شهادة الإسلام: " لا إله إلا الله " ، لا أشخاص مؤلهة ولا ثالوث يشرك بالله  ، وهذا هو ما يؤكد بوضوح التصعيد المطلق لله الواحد الأحد ، الله الذي ليس كمثله شيء.

 

وعلى عكس ما تقوله وثيقة الفاتيكان الشهيرة حول "أحكام الله المخفية" في الإسلام ، فإن وضوح الأحكام الإلهية الإسلامية ، التي تم الحفاظ عليها سالمة بدقة وحرص شديدين ، ترجع إلى أنه لا توجد معميات مفروضة بظلمات أيا كانت ، لا يوجد إيمان بألوهية المسيح ، لا يوجد تاريخ تم " توضيبه " وفقا للأهواء بعد تغييره وتحريفه، لا يوجد مسيح ولا وساطة منسوجة بين الله والبشر ، لا يوجد خلاص على يد أحد وكلها بدع مختلقة ! لا يوجد فى الإسلام أي شيء من هذه الأحاييل الكنسية ، لا يوجد سوى اختيار واضح بين الخير و الشر ، بين الحلال والحرام ، بين الصراط المستقيم وصراط  معوجّ ملتوي ، إنه اختيار متواصل على كل إنسان أن يقوم به وهو ما يضعه وحده أمام الله، ولا شيء معه سوى أعماله التي قام بها في الدنيا والتي اختارها طواعية ليجزيه الله في يوم الحساب ، ذلك هو الإسلام.

 

إن هذا الوضوح البسيط للأحكام الإلهية في الإسلام ، وهذه النزعة الإنسانية العميقة والعادلة ، هي التي جعلت أنه على مدى اثني عشرة سنة انتشر الإسلام فيما بين النهرين وفلسطين وسوريا ومصر ، مخلّصا شعوبها من الاضطهاد المتعصب ، بفضل الإسلام والمسلمين ، وهو ما يؤكد و يضفى مصداقية واضحة على ظاهرة انتشار الإسلام، وهى من الظواهر الأكثر وضوحا والأكثر تأثيرا على العالم ، منذ مطلع القرن السابع وحتى يومنا هذا.

 

وإذا انتقلنا بإيجاز شديد إلى تاريخ النصوص ، ما الذي سنراه وفقا للأبحاث الحديثة ؟ خاصة أن النصوص العبرية قد احترقت مع المعبد قبل الميلاد بخمسة قرون ، ثم قام عزرا بكتابتها من الذاكرة بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة ، ولم تنته صياغتها إلا في القرن العاشر الميلادي ! ونصوص العهد الجديد قد تمت صياغتها في أواخر القرن الميلادي الثاني ، بأقلام كتبة مجهولون ، وليست الأسماء التي هي معروفة بها ، ثم قام القديس جيروم بصياغتها من بين أكثر من خمسين إنجيلا .

 

 

        والخطاب/المقدمة الذي يوجهه للبابا داماز ، الذي طلب منه القيام بذلك العمل لأكبر دليل على التحريف والتلاعب الذي تم في نصوص العهد الجديد (راجع طبعة البنديكتين سنة 1693 ) ! وعلى أي حال فلم يكن بلا سبب أن تقوم الموسوعة البريطانية بقول أن هناك 150000 خطأ ترجمة وتناقض وعدم توافق في الأحداث ، وقد قام العلماء حديثا برفع هذا الرقم إلى الضعف بفضل الأبحاث التي أجروها.

 

 

        وفى واقع الأمر لا توجد أي وثيقة واحدة أصلية لا بلغة عيسى عليه السلام ولا من عهده : كل هذه النصوص عبارة عن نصوص منقولة عن نصوص منقولة ومعاد نقلها  ، وهو ما يجب أن نضيف عليه إعادة تغيير هذه النصوص والعقائد عبر المجامع ، ومن طبعة إلى أخرى على مر العصور.

 

 

        وعلى العكس من ذلك ، فمن الثابت والمعروف لدى الجميع أن النص القرآني هو النص المنزّل الوحيد الذي تم الحفاظ عليه بلا تحريف أو تغيير ولو حرف واحد من حروف  ، منذ أنزله الله حتى يومنا هذا ، وسيظل محفوظا إلى يوم الدين ...

 

 

وقبل عصر التنوير بكثير ، وفى زمن لم يكن أحد بعد يعرف بما يدور في كواليس المؤسسة الكنسية ، قام القرآن الكريم بإنكار صَلب يسوع ، وبإنكار تأليه يسوع، وبدحض الثالوث، كما قام بكشف مختلف أنواع التلاعب الذي تم في النصوص الإنجيلية ، وهو ما تم إثباته قطعا طوال القرن العشرين خاصة ، بل ومن قبله .. بحيث إن هذه المعلومات في الغرب باتت من المعلومات الدارجة التي نطالعها في الموسوعات والقواميس ، حتى المدرسية منها من أمثال قاموس لاروس الصغير ، وهذه الحقائق هي في الواقع التي تثير أحقاد المتحكمين في المؤسسة الكنسية ، ونذكر مما أورده القرآن الكريم على سبيل المثال :

 

" وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً" ( النساء / 157)

 

" يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلد ..." (النساء/171)

 

" وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (البقرة 42)

 

" فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ " (البقرة / 59 )

 

" أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (البقرة / 75 )

 

ومن الملاحظ طوال النص القرآني أن عيسى عليه السلام يطلق عليه : "عيسى ابن مريم " استبعادا لتلك الهرطقة التي تقول أنه "ابن الله" أو "الله نفسه" !

 

وهنا لا يمكننا إلا أن نتساءل بكل مرارة : ألم تكفِ ألفا عام من التاريخ المضرج بالدماء والحروب الضارية التي قادتها هذه المؤسسة الفاتيكانية لتفرض نفسها بكل ذلك الطغيان ، لكي تفهم أنها ليست على الطريق المستقيم ؟! وبدلا من مواصلة قلفطة التحريف والتزوير والغش لتبشير الشعوب ، لتنصير الشعوب ، خاصة بعد كل تلك الأبحاث الجديدة الجادة والتي عرضنا منها تلك الشذرات الواردة بهذا المقال ، أليس أكثر إنسانية وأكثر منطقية أن تترك الناس في حالها وأن تكرس جهودها لاستبعاد كل تلك الآلام التي تغص بها الأرض ، وكل هذه الأوبئة ، والمجاعات ، والأمراض ، وكل هذه الكوارث الطبيعية أو المفتعلة ، التي تتهدد الحياة على الكرة الأرضية بكلها ، دون الإصرار الأعمى على تنصير الشعوب ؟! إن مليارات الدولارات التي تنفق هباء .. لتنصير العالم سوف تعاون بلا شك على التخفيف أو تحسين ذلك المصير المأساوي الذي ينتظرنا جميعا ..

 

وفى النهاية ، لا يسعنا إلا العودة إلى تلك الجملة البذيئة والظالمة ، لكنها جدّ كاشفة ، والتي تصف الإسلام  " بأنه عبارة عن خطأ مطلق لا بد من دحضه ، وخطر بالنسبة للكنيسة لا بد من محاربته " ، لنسأل تلك المؤسسة الفاتيكانية ، بكل صدق وموضوعية ، أي الديانتين يعد خطأ مطلقا بالنسبة للدنيا : تلك المسيحية الفاتيكانية المتعنتة ، المتصلبة الرأي ، والتي تم اختلاقها تلفيقا عبر المجامع على مر العصور ، أم الإسلام ، الذي لم يهن عليكم حتى ذكر أو كتابة اسمه في تلك الوثيقة ، والذي لم تكفّوا عن محاربته بضراوة وعدم أمانة لا مثيل لهما ؟!

 

 
أكثر مقال قراءة عن د. زينب عبد العزيز:
اعترافات القديس جيروم؛ أخطر وثيقة في تاريخ المسيحية


المعدل: 4.86  تصويتات: 15
الرجاء تقييم هذا المقال:


  'طباعة  ارسال ارسال

المواضيع المرتبطة

من ثمارهم تعرفونهممقالات منوعة حول النصرانيةد. زينب عبد العزيز

عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.
 
 





انشاء الصفحة: 0.05 ثانية