المروءة وخوارمها

الدكتور عمر عبد الكافي


خوارم المروءة :
يُقصد بالخوارم جمع خُرم : تلك النقائص التي تفقد الشيء تمامه .يقولالشاعر :
مررتُ على المروءةِ وهي تبـكي فقلتُ : عَلامَ تنتـحبُ الفتاة؟
فقالت : كيف لا أبـكي وأهلي جمـيعاً دون خَـلق الله مـاتوا
·كثرة المزاح والمداعبة القولية والفعليةولاسيما مع من لا يعرفهم الإنسان ؛ لما في ذلك من إسقاطٍ هيبته ، والإقلال منمكانته ، و لأن كثرة المزاح مدعاةٌ لحصول الخصام ، وإثارة الأحقاد في النفوس . قالالشاعر :
فإيـاك إيـاك المزاحَ فـإنه يُجري عليك الطفل والرَجل النذلا
ويُذهب ماء الوجه بعد بهـائهِ ويورث بعـد العـزِ صاحبـه ذُلا
وهنايجدر التنبه إلى أن هذا لا يعني أن يكون الإنسان عبوساً منقبضاً ؛ فإن هذا مما يُذمو يُكره ، ولكن هدي الإسلام أن يكون الإنسان جاداً في قوله وعمله وكل شأنه ، معشيءٍ من البشاشة وطلاقة الوجه لما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : قال ليالنبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئاً ، ولو أن تلقى أخاكبوجهٍ طَلْقٍ " . ( مسلم ، الحديث رقم 6690 ، ص 1145)كما ورد عن عمر بنالخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عُماله :" امنعوا الناس المزاح ؛ فإنه يذهببالمروءة ، ويوغر الصدور ". وما ذلك إلا لما ينتج عن كثرة المزاح - فيالغالب - من الاستخفاف وقلة الهيبة وذهاب الحشمة .
·أن يأكل الإنسانطعامًا أو يشرب شراباً وهو يمشي في الأسواق والطرقات ، فهذا فعلٌ وطبعٌ يتنافى معكمال المروءة ، ولا يتفق ومكارم الأخلاق ومحاسن الصفات . ولذلك فقد ورد أثرٌ عن ابنسيرين أنه قال : " ثلاثةٌ ليست من المروءة : الأكل في الأسواق ، والإدِّهان عندالعطار ، والنظر في مرآة الحجام " . ويتبع لذلك عادة قضم ما يُسمى(الفصفص أو الحب وغيره من أنواع المكسرات المعروفة) أمام الناس ، ولا سيما في أماكنالتجمعات والشوارع والأسواق والميادين العامة والمجالس لما في ذلك من مخالفةٍللمروءة ، وعدم احترامٍ للآخرين في هذه الأماكن .
·عدم احترام الصغارللكبار سواءً أكان ذلك في المجالس أم في المناسبات ، وعدم توقيـر كبار السن وإنزالهم منازلهم ، حتى أصبحنا في وقتنا الحاضر نرى الصغار يُسابقون الكبار في كل شئ، وقد يعارضونهم في الكلام ؛ أو يسخرون منهم والعياذ بالله ، وهذا أمرٌ محرمٌ ؛ لأنالله تعالى وهو رب العالمين يُكرم ويُجل ذي الشيبةٍ المسلم .فقد روي عن أبي موسىالأشعري رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من إجلالالله إكرام ذي الشيبة المُسلم " ( أبو داود ، ج 4 ، الحديث رقم 4843 ، ص 261)وهنا تجدر الإشارة إلى أن على الآباء تربية أبنائهم على آداب المروءة وتعويدهمإياها منذ نعومة أظفارهم حتى لا تسبق إليهم الأخلاق والطباع السيئة فتحول بينهموبين مكارم الأخلاق وجميل الطِباع قال الشاعر :
إذا المرءُ أعيتْهُ المروءةُناشِئاً فمطلبُها كهلاً عليه عَسِيـرُ
·أن يعتاد الإنسان التبولواقفاً لغير حاجة لاسيما في دورات المياه العامة ونحوها ؛ لأن الأولى أن يتبولالإنسان جالساً لما في ذلك من المنافع الصحية ، والاحتياط لعدم انتشار النجاسة أوالتلوث بها . أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك من مرضٍ ونحوه فلا بأس في ذلك إن شاء الله .
·الإكثار من تناول الطعام والإقبال عليه بنهمٍ شديدٍ لاسيما عندمايكون الإنسان مدعواً إلى وليمةٍ أو نحو ذلك ؛ لما في ذلك من منافاةٍ للأدب ، ولمافيه من مخالفة لهدي الإسلام عند تناول الطعام " وقد ذكر ابن عبد البـر عن علي بنأبي طالبٍ رضي الله عنه أنه كان إذا دُعي إلى طعامٍ أكل شيئاً قبل أن يأتيه ، ويقول : قبيحٌ بالرجل أن يُظهِر نُهمته في طعام غيره " .
·التجشؤبصوتٍ مرتفعٍ أو ما يُعرف بعادة " التَكَـعُّرْ " ، ويُقصد بذلك إخراج صوتٍ مرتفعٍومزعجٍ من الفم في حضرة الناس ، وعادةً ما يكون التجشؤ نتيجةً للشِبع وكثرة الأكل . وهنا تجدر الإشارة إلى أن من أسوأ العادات وأكثرها أذى في الصلاة أن يتجشأ آكلالثوم ، أو البصل ، أو الكُراث في صف المصلين فيُزعجهم ويقطع خشوعهم وتخرج من فمهرائحة كريهةٌ يؤذي بها عباد الله من الملائكة والمصلين ؛ فعن ابن عمر ( رضي اللهعنهما ) قال : تجشأ رجلٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " كف عنا جُشاءك فإنأكثرهم شِبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة " ( الترمذي ، ج 4 ، الحديث رقم 2478 ، ص 649)
·أن يأتي الإنسان ببعض الأقوال أو الأفعال الهزليةالتي تُضحك منه الناس كأن يُقلد شخصاً في كلامه ، أو حركاته ، أو نحو ذلك لغرضالسخرية منه وإضحاك الآخرين عليه .ويعظُم أمر هذا السلوك الخاطئ عندما يكونالمُقَلَّد مبتلىً بذلك الشيء أو تلك الصفة . فعن بُهز بن حكيم قال : حدثني أبي عنجدي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ويلٌ للذي يُحدِّث بالحديثليُضحك به القوم فيكذب ، ويلٌ له ، ويلٌ له " ( الترمذي ، ج 4 ، الحديث رقم 2315 ،ص 557)
·ارتداء بعض الناس وبخاصة من هم في سن الشباب للملابسالغريبة الوافدة ، لما قد يكون فيها من التشبه بأهلها ، أو لأنها لا تليق بالإنسانالمسلم العاقل المُتزن لا سيما في المساجد ، والأسواق ، و المجالس ، والأماكنالعامة . ومن هذه الملابس القبعات ، و الأقمصة الملونة ، والملابس الشفافة ،والملابس غير الساترة ، والبنطلونات والسراويل القصيرة ، وغيرها من الملابس المضحكةالمزرية التي وفدت إلينا من مجتمعاتٍ غير محافظة على القيم والأخلاق الإسلامية ،والتي قد تكثُر عليها الرموز والشعارات والعبارات المخالفة لتعاليم ديننا الحنيف ،أو المخلة بالآداب ، والمنافية للأذواق السليمة .
·إضاعة الوقت بالجلوسلوقتٍ طويلٍ في المقاهي والاستراحات وما في حكمها لغير حاجةٍ مُلحة . وكلنا نعلم أنالمقاهي وما شابهها تُعد – في الغالب - من الأماكن التي يجتمع فيها أراذل الناسورفاق السوء . وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال : " آفةالمروءة إخوان السوء " . يُضاف إلى ذلك ما في ارتياد هذه الأماكنمن هدرٍ للوقت وإضاعته فيما لا فائدة منه ولا نفع فيه ، ولا سيما في هذا الزمانالذي كثُر فيه الفساد والانحراف ؛ وهنا يجدر بنا أن نتذكر ما روي عن أبي هريرة رضيالله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما جلس قوم مجلساً لميذكروا الله فيه إلا كان عليهم تِرَة ( أي حسرة وندامة ) ، وما مشى أحدٌ ممشى لميذكر الله فيه إلا كان عليه ترة ، وما أوى أحدٌ إلى فراشه ولم يذكر الله فيه إلاكان عليه ترة " ( ابن حبان ، ج 3 ، الحديث رقم 853 ، ص 133)
·كشفالعورات أمام الناس ، وهذا أمرٌ محرَّمٌ ومخالفٌ للمروءة سواءً أكان ذلك الكشفصادراً عن الرجال أم النساء ، ولا سيما في الاحتفالات والأعراس ، وعند ممارسةالألعاب الرياضية في الملاعب والمسابح والصالات المغلقة . وهنا تجدر الإشارة إلىأنه لا يجوز كشف الفخذ ، ولا الصدر ، ولا الظهر ، ولا الأكتاف ونحوها لما في ذلك منالمخالفة الصريحة لأمر الله الذي أمر بالستر والعفاف والاحتشام . فعن زُرعة بن عبدالرحمن عن جده جُرهد أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَ به وقد كشف فخذه فقال : " غطها فإنها عورة " ( الترمذي ، ج 5 ، الحديث رقم 2795 ، ص 110)
·قصشعر الرأس بأشكالٍ غريبةٍ وغير مألوفة ، وكُلنا يعلم أنه قد انتشرت في هذا الزمانبعض قصات الشعر المضحكة المبكية وخاصة بين الشباب والشابات ، والتي يعلم الله أنهاتُشوه الشكل ، وتدل – دلالةً واضحةً - على فساد الذوق ، وحب التقليد ؛ كما تؤكد أنمن يفعلها عامداً مُتعمداً ضعيف العقل ممسوخ الهوية ، لأنه مُقلدٌ للآخرين ممن لادين لهم ولا مروءة ولا حياء .
·كثرة الضحك والقهقهة بصوتٍ عالٍ ولاسيما في الأماكن العامة ؛ فقد جاء عند بعض أهل العلم قوله : " ويُكره مضغ العِلكلأنه دناءة ". ويتبع ذلك عادة مضغ العلك ( اللبان ) أمام الناس ، وفيالأسواق ، وأماكن التجمعات ؛ وهو أمرٌ لا يليق بالرجال على وجه الخصوص ؛ فقد ورد عنبعض السلف قولهم : " يُكره العِلكُ للرجل للتشبه بالنساء ، ما لم يكن للتداوي ، أوكان خالياً ببيته ونحوه لا في حضرة الناس "
·أن يتحدثالإنسان إلى جُلسائه ببعض الأحاديث المخلة بالآداب ، وأن يُخبرهم ( صادقاً أوكاذباً ) ببعض القصص والمغامرات والأحداث الفاضحة بحجة الإمتاع و المؤانسة . وهذاأمرٌ مخالفٌ لما أمر الله به عباده من الستر وعدم نشر الفاحشة بين المسلمين .كمايتبع هذه المخالفة أن يتحدث الإنسان عن ما يقع بينه وبين امرأته من أُمور خاصة ، أووصف تفاصيل ذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : " إن من أشر الناس عند الله منـزلةً يوم القيامة ، الرجليُفضي إلى امرأته ، وتُفضي إليه ، ثم ينشر سرها " ( مسلم ، الحديث رقم 3542 ، ص 609). وما ذلك إلا لما في هذا الأمر من خيانةٍ للأمانة ومخالفةٍ للمروءة وآداب المسلمالتي تمنعه من مجرد التعرض لهذا الأمر تصريحاً أو تلميحاً " وأما مجرد ذكر الوقاعفإذا لم يكن لحاجةٍ فذكره مكروه لأنه خلاف المروءة " .
·الرقص والتصفيق والتمايل مع الأنغام المحرمة ، وهز بعض أعضاء الجسم أو تحريكها وغيرذلك من الحركات الساقطة التي يؤديها البعض في الاحتفالات والأعراس ونحو ذلك مما لايليق بالإنسان المسلم ذكراً كان أو أُنثى . حتى إنّ بعض أهل العلم وصف الرقصوالتصفيق والتمايل إذا صدر عن الرجال بأنه : " خِفَّةٌ ورعونةٌ مُشبِهةٌ لرعونةالإناث لا يفعلهما إلا أرعن .
·امتهان الشحاذة و مدُّاليد للناس من غير حاجةٍ ضروريةٍ تدعو إلى ذلك . وما عُدَّ التسول مما يُخالفالمروءة إلا لما في ذلك الفعل من احتمال الكذب ، والخداع ، والتحايل ؛ الأمر الذييُسقط مروءة الإنسان ويُذهب ماء وجهه في الدنيا ولحمه في الآخرة ؛ فقد روي عن حمزةبن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزالُ المسألةُ بأحدكمحتى يلقى اللهَ ، وليس في وجْهِهِ مُزْعَةُ لحمٍ " ( مسلم ، الحديث رقم 2396 ، ص 418). وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
وما شـيءٌ إذا فـكَّرت فيهبأَذهب للمروءةِ والجمالِ
من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاءِ منالرجالِ
كما قال بعض أهل العلم : " إن من كان أكثر عمره سائلاً ، أو يَكْثُرذلك منه ؛ فينبغي أن تُرَدَّ شهادته لأن ذلك دناءةٌ وسقوطُ مروءةٍ و هنا تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الشحاذين و المتسولين الذين اتخذوا سؤالالناس مهنةً لهم ، وممن يتنقلون بين المساجد والجوامع وهم يحملون الأوراق والصكوكوالتقارير الطبية ليستشهدوا بها على فقرهم وحاجتهم الزائفة ، وقد يحمل بعضهمأطفالاً صغاراً أو معاقين ليستدروا بهم عطف الناس وشفقتهم ، أكثرهم من الكاذبينوالمحتالين الذين يحتاجون إلى تأديبٍ وردعٍ من الجهات المعنية ، فالواجب على الناسعدم الانخداع بهم أو التعاطف معهم ؛ لاسيما أنهم يحدثون كثيراً من التشويش والفوضىفي بيوت الله تعالى ، ويتسببون في قطع خشوع الناس ومنعهم من الانشغال بالتسبيحوالذكر بعد الصلاة .
وبعد ؛ فهذه بعض آداب المروءة وخوارمها التي تكثُر فيمجتمعنا ، والتي اتضح لنا -مما سبق -أن من آدابها ما يوافق الشرع ولا يتعارض معالأعراف والعادات و التقاليد الحسنة ، وأن من خوارمها ما يُخالف ذلك كله ؛ ولذلكفهو إما حرامٌ بيِّنٌ لا يجوز ولا يُباح ؛ وإما أنه ليس بحرامٍ إلا أنه غير مقبولٍوغير مستحب . وهذا يعني أن هذه الصور المخالفة للمروءة تحتاج منَّا إلى أن نعيدالنظر فيها متى وجدت عندنا ، وفي كل الأفعال والأقوال والتصرفات التي لا يُقرهاشرعٌ ولا يقبلها عقل .كما أن علينا أن نجتهد جميعاً في تصحيح أخطائنا ، وأن نُجددالعهد مع الله سبحانه وتعالى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القول والعمل، والالتزام بتعاليم الدين ، وتوجيهات سُنَّة رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمالتسليم ، وآداب تربيتنا الإسلامية السامية . وما أجمل قول الشاعر :
تأدبغير مُتكِلٍ على حسبٍ ولا نسبِ
فإن مروءة الرجل الشـريف بصالح الأدب
وختاماً ؛ نسأل الله جل في عُلاه أن يوفقنا جميعاً لجميل القول ، وصالحالعمل ، وأن يهدينا لما فيه الخير.
المقالات