بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فإن تداول الناس للكتاب المقدس واهتمامهم به قد اختلف من عصر إلى عصر، ففي هذا المقال أحاول أذكر تباين اهتمام البشر للكتاب المقدس في جميع العصور المختلفة وإلى عصرنا هذا... وما كان في كلامي من صواب فمن الله عز وجل وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ولا مانع من تصحيحه ممن لديه له خبرة وعلم بتاريخ الكتاب المقدس..

وقد مر الكتاب المقدس بالنسبة لاهتمام البشر له بمراحل مختلفة حتى عصرنا هذا..

المرحلة الأولى: مرحلة العدم: قبل القرن الرابع الميلادي لم يكن الكتاب المقدس شيئا مذكورا، يعني أنه ليس هناك نص على لسان أي نبي من أنبياء الكتاب المقدس عن الكتاب المقدس، أو الترغيب في قراءة هذا الكتاب مثلا:اقرءوا الكتاب المقدس فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، أو من قرأ حرفا من الكتاب المقدس فله حسنة... لأن الكتاب المقدس لم يتم جمعه إلا بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح عليه السلام أي بعد أكثر من ثلاثة قرون من آخر نبي كان على وجه الأرض من أنبياء الكتاب المقدس....

المرحلة الثانية: مرحلة الجمع: الكتاب المقدس ينقسم إلى قسمين العهد القديم وهو مأخوذ كله من اليهود أي بني إسرائيل لأنه كان يخص كل ما تم جمعه عن أنبياء بني إسرائيل، وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي، فجمع كل ما كان منقولا عن أنبياء بني إسرائيل قبل عصر المسيح عليه السلام.. وعلى الرغم من أن اليهود كانوا مشهورين بعداوتهم لبعض الأنبياء في بعض العصور كقتلهم لزكريا عليه السلام ويحيى عليه السلام ومحاولة صلب المسيح عليه السلام، إلا إنه لم يتحر جامعو تلك الأسفار الحرص على معرفة الصحيح المنقول عن الأنبياء من اليهود أو السقيم والفاسد وما نتج عن عداوتهم لبعض الأنبياء مثل نصوص زنا لوط عليه السلام أو مثل نصوص نشيد الأنشاد الفاسدة خلقيا والتي يصرح فيها على عشق نبي الله سليمان عليه السلام لبعض النساء من غير زوجاته...
فالتعريف الصحيح للعهد القديم في ذلك الوقت هو: قصص الأنبياء وأخبارهم وما روي عنهم من نصوص إلهية أو نبوية وما روي عنهم منقول عن بعض أتباعهم الصادقين أو بعض أعدائهم الذين كانوا حريصين على تشويه صورتهم واتهامهم بما لا يليق بأحد من الأنبياء...

وأما العهد الجديد: فتم اختيار تلك الأناجيل الأربعة من حوالي سبعين إنجيلا مشهورا غير الأناجيل التي لم تكن مشهورة.. ولا يمكن أن يُعَرِّف أحد هذه الأناجيل جميعا إلا تعريفا واحدا وهو "سيرة المسيح عليه السلام".. فجميع هذه الأناجيل تتكلم عن سيرة المسيح عليه السلام وهو يوافق عند المسلمين كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم... وهذه الأناجيل اختلط فيها الصحيح بالأساطير عن المسيح عليه السلام التي تم فيها رفع المسيح عليه السلام إلى درجة "مسيا" وهو خاتم الأنبياء ثم إلى درجة "ابن الله" ثم إلى درجة "الله"، ولم يكن هناك علم مثل علم الجرح والتعديل الذي عند المسلمين في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يفرق بين النص الصحيح أي ما يتيقن صحته، والنص الضعيف أي ما يحتمل عدم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولو احتمالا ضعيفا جدا لجهالة أحد الرواه، أو النص الموضوع وهو ما ثبت أو يغلب على الظن فساد نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم..
وعلى كل حال فلم يكن قديما أحد يقول بأن العهد القديم أو العهد الجديد أنه كتاب منزل من السماء أو أنه كله كلمة الله عز وجل، ولذلك لم يطلق عليه قديما أنه كلام الله مثل تعريف القرآن أو التوراة أو الإنجيل عند المسلمين، ولكن أطلق عليه وعرف ب"العهد القديم" وعرف بأنه من كلام بشر من أتباع الأنبياء ومنقول فيه بعض نصوص الأنبياء التي لم يتحر الدقة في تحرير الصحيح من السقيم مما أدى إلى تفرق النصارى إلى فرق كثيرة في العقيدة...
ومثال هذه التعريفات تعريف القس/رفعت فكري سعيد راعي الكنيسية الإنجيلية بأرض شريف بشبرا مصر، ردا على مقال د.زغلول النجار التي ذكر فيها لفظ"بكة" منشور بجريدة الأهرام ص10 الاثنين 27فبراير 2006 ، ما لفظه: " فالتوراة كلمة لا تطلق إلا للدلالة على أسفار موسى الخمسة، والإنجيل هو البشارة المفرحة التي تحكي لنا قصة حياة المسيح وتعاليمه السامية ومعجزاته البينات" فليس فيها أنها كلام الله مطلقا بل ما نقل عن موسى عليه السلام من أسفار فيها بعض نصوص التوراة وبعض كلام النبي الكريم وقد يكون فيها أيضا بعض كلام أتباعه أو بعض كلام أعدائه فليس عليها إمضاء أي أحد ولا قول أي أحد في أولها من هو الذي كتبها أو نسخها أو ترجمها... وكذلك تعريف الإنجيل ما يفيد بأنه سيرة المسيح عليه السلام يعني أنه من كلام البشر، ويبقى لدينا للرد على كل من يزعم أن الكتاب المقدس من كلام الله عز هو أن بقية أسفار الكتاب المقدس بعد ما يسمونه التوراة وقبل ما يسمونه الإنجيل ليس له تعريف موحد مما يؤكد أنه من كلام البشر إما الأنبياء عليهم السلام وإما أتباعهم الصادقين وإما أعداءهم المتربصين المشوهين لهم ولتاريخهم...

وزاد من الاختلاف في الكتاب المقدس أن العهد القديم كله بالعبرية ولهجاتها والعهد الجديد أكثره بالآرامية والعبرية، فلما تخاذل العبريون في الإيمان بالمسيح بل وأظهروا عداوته وحاولوا صلبه ثم بعد رفه اتهموا أمه رضي الله عنها بالفاحشة وكتبوا ذلك في كتبهم ونسبوه إلى يوسف النجار، استبدل الله عز وجل بهم شعوبا أخرى ثم انتقم الله عز وجل منهم وسلط عليهم الرومان فطردوهم من فلسطين في سبعينات القرن الأول الميلادي.. وكان أكثر من آمن بالمسيح عليه السلام ودخل في دينه من اليونان واللاتين.. ثم كانت مشكلة نقل الدين والنصوص من شعوب لا تتكلم بلغة المسيح عليه السلام ولا أنبياء بني إسرائيل التي أدت بعد ذلك إلى تحريف كثير من مفاهيم الدين الأساسية لدى المسيحيين وجميع الأنبياء مثل ترجمة كلمة "خادم الله أو نبي الله أو محب الله أو ولي الله" إلى "ابن الله" لأنها في اليونانية تشترك في نفس اللفظ..
فكان دخول هذه الشعوب التي لا تتكلم السامية في المسيحية لصالح الإيمان ونصر من الله ضد اليهود والوثنية، ولكنه أيضا كان عاملا سوف يكون له أثره في إفساد بعض مفاهيم الإيمان الأساسية... وكان بعض من يقوم بترجمة كتب الأنبياء نيته وهدفه وعزمه نصرة الله عز وجل وأنبيائه بإخلاص ولكنه لم يكن يمتلك القدرة على الترجمة وإتقانها، فكانت النتيجة وجود عشرات الترجمات المختلفة التي يمكن لأي باحث في الكتاب المقدس اكتشافها بمجرد البحث عن نص واحد أو اثنين في هذه الترجمات. وحتى عصرنا هذا لم تنته هذه الترجمات بل إنه بعد وجود كليات متخصصة للترجمة أصبح الشك في الترجمات القديمة يصل إلى درجة اليقين بفساد كثير من هذه الترجمات التي لم يكن فساده أكثرها عن قصد بل عن غير قصد وحسن نية ما عدا الترجمات القديمة التي كانت تتم للانتقال من لهجة من لهجات العبرية إلى لهجة أخرى مثل نشيد الأنشاد ففسادها كان عن قصد، أي في عصر ترجمات اليهود أنفسهم لهذه النصوص...
وأدى ذلك إلى تفرق النصارى إلى فرق كثيرة والاختلاف في أصل العقيدة وهي "تعريف المسيح عليه السلام" هل هو نبي أم إله أم ابن الله، ولا يزال هذا الاختلاف موجودا إلى عصرنا هذا كما هو مشهور، فالكاثوليكية والبروتستانتية تكفر من يقول بأن المسيح هو الله أي تكفر الأرثوذكسيين، وكذلك يكفر الأرثوذوكسيون من لا يعترف بأن المسيح هو الله من الكاثوليكيين والبروتوستانت.. وهذا لم يمكن أن ينكره أحد ولا أن يختلف فيه أحد.. وكل ذلك كان من آثار نقل الإغريق والرومان البيزنطيين والرومان الطليان للمسيحية ومحاولة فهم نصوص جميعها بلغات سامية العبرية والآرامية وهو بعيدة كل البعد عن لغات اليونان والرومان...

المرحلة الثالثة: مرحلة التوحد على الكتاب المقدس: لم تكن المرحلة الثانية مرحلة توحد النصارى على هذا الكتاب لأن الكثير كان عندهم من تلك الأناجيل التي لم تعترف بها الكنيسة، هذا بالنسبة للعهد الجديد، أما بالنسبة للعهد القديم فكذلك نسخ أسفار العهد القديم لم يكن الكثير يحتاج إلى الكتاب المقدس لأن أسفاره كانت ما تزال في أيدي بعض اليهود والنصارى.. ولم تكن جميع فرق النصارى قد توحدت تحت الكنيسة الرسمية كما هو معروف ومشهور في الصراع بين الآريوسية والنيقية حتى القرن الخامس الميلادي، وإلى الآن بعض هذه الفرق القديمة ما تزال موجودة مثل الموحدين الذين لا يعترفون بألوهية المسيح عليه السلام...

ولكن مع مرور الزمن والبعد تدريجيا عن عصر المسيح عليه السلام ودخول الجرمان في المسيحية، أصبحت نظرة النصارى للكتاب المقدس تختلف عن نظرتهم له في العصور الأولى من جمعه...
فهذه الشعوب الجرمانية التي سيطرت على جميع أوروبا تقريبا بما ذلك غرب وشمال وجنوب أوروبا والتي تسمى الآن بإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها من البلاد التي غزتها تلك الشعوب الشمالية وسيطرت عليها سيطرة عسكرية كاملة، لم تكن تعرف القراء ولا الكتابة وكان اللاتين يسمهونهم "البرابرة" والمتبربرة barabians ، ولذلك لما دخلوا في النصرانية سلموا مقاليد أمورهم الدينية كاملة للكنيسة والبابوية والرهبان والقساوسة في الكنيسة واللاهوتيين الذين كان كل دأبهم وجهدهم هو محاولة تفسير نصوص أسفار الكتاب المقدس المكتوبة بلغات قديمة وسامية ليست لها أصول لاتينية ولا يونانية... بل وابتكروا عادة سجود الملوك للبابوات كما هو مشهور التاريخ الأوروبي (انظر معالم تاريخ العصور الوسطى لرأفت عبد الحميد فصل الشعوب الجرمانية)..
فما أقصده أنه لم يكن أحد من الشعوب الأوروبية يقرأ أي حرف من الكتاب المقدس أولا لأنها بلغات قديمة وثانيا لأن أكثرهم لم يكن يعرف القراءة والكتابة أصلا وثالثا لأن الكنيسة كانت تريد السيطرة الدينية الكاملة بل والسياسية والاقتصادية، بإعلان أن كل من يخالفهم في أي شيء فسوف يتعرض للعنة الرب وأنه سوف يكون مخالفا لكلام الرب الذي لم يكن يقرأه غيرهم... وكانت هذه العصور هي عصور سيطرة الكنيسة الاقتصادية والسياسية والدينية والتي يسميها الآن العلمانيون الملحدون -الذين لا يعترفون بوحي السماء ولا بأي نبي من الأنبياء ولا بأي رسالة من السماء- "عصور الظلام في أوروبا" على الرغم من أن الإيمان فيها بالله والأنبياء كان أكثر من العصور الحديثة بعد عصر النهضة...
فلم تكن فكرة كون الكتاب المقدس هل هو كلام الله أو هو كلام الأنبياء أو هو كلام أتباعهم أو هو كلام أعدائهم تخص من قريب أو بعيد أي فرد في أوروبا أو أي ملك، لأن الجميع ملوكا وأمراء وأقنان لا يستطيعون الكلام في الدين إلا عن طريق البابوات والرهبان والقساوسة، بل وكان الجميع يسجد لبابا روما.. وجميع المؤرخين يعترفون بخضوع جميع ملوك أوروبا لبابا روما في ذلك الوقت.

المرحلة الرابعة: بداية عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس والسادس عشر: ابتدأ عصر النهضة وفتحت الكليات اللاهوتية وابتدأ تعليم علوم الترجمة، فأثر ذلك على نظرة الشعوب إلى الكنيسة والشك فيها أحيانا وفي البابوات ومحاولات الملوك في التخلص من السيطرة الكنسية الاقصادية والسياسية، ومحاولة المفكرين وصغار القساوسة التخلص من سيطرة الكنيسة والبابوات الدينية... فأدى ما يسمى بالصراع ضد الكنيسة حتى انتهي بالقضاء التام على سيطرة الكنيسة الاقتصادية والسياسية، وكان ذلك قد بلغ أوضح صورة له في الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.. ولكن طغت العلمانية الإلحادية على النهضة الأوربية، أي عدم الاعتراف بوجود الله عز وجل ولا جميع الغيبيات ولا الأنبياء ولا الشيطان ولا الملائكة ولا وحي السماء ولا أن أصل الإنسان كان هو آدم عليه السلام وأنه كان في الجنة وأنه عمل خطيئة.. وكان في بادئ الأمر يلعن ويكفر البابوات جميع من يتكلم في العلوم الحديثة التي تخالف أو توافق مفاهيمهم وتأمر بحرقه وقتله، ولم تجد أوروبا بدا للتقدم والاختراع والسير في علوم حديثة إلا بإلقاء الفكر النصراني وباباوته في لائحة التاريخ والفكر السوداء في عقول الأوروبيين.... فألقوا بالكتاب المقدس وجميع المفاهيم الكنسية القديمة الصحيحة والفاسدة إلى مكان سحيق في الفكر، وعزلوا بابا روما نفسه في مدينة الفاتيكان بعد أن كان يسجد له الملوك ويخض الجميع لسلطانه..... فكما أنه قبل عصر النهضة لم يكن أحد من الشعب يقرأ أي حرف في الكتاب المقدس ولا يعلم أي شيء عنه لأنه كان بلغات قديمة، فكذلك بعد عصر النهضة لم يكن أي أحد من الشعوب يقرأ هذا الكتاب ولا أن يهتم به لأنهم قد ولوا ظهورهم عن النصرانية وعن الرسالات السماوية كلها.. وظهرت طبقة أخرى وهي طبقة خريجي الكليات الحديثة في الفكر والترجمة واللاهوت وكانت كذلك من أكبر العوامل في التشكيك في البابوات ونصوص الكتاب المقدس القديمة وصلاحية القدماء من اللاتين والإغريق في فهم النصوص التي كانت مكتوبة بلغات بعيدة كل البعد عن لغاتهم وهي اللغات السامية العبرية والآرامية.. وكان تشكيك هؤلاء ونشرهم للثغرات القاتلة لدين النصارى عن قصد علماني لنشر العلمانية أو عن حسن نية من أجل نشر العلم ومن أجل الأمانة العلمية... وأخذ العلمانيون المسيطرون على الجامعات الحديثة في أوروبا التباري والتباهي بما يكتشفونه من أخطاء في الكتاب المقدس واختلافات ومن فضائح البابوات ومن ثغرات في النصرانية الحديثة المحرفة من النصرانية القديمة، فكان بعضهم يفتخر بأنه قد وجد خمسين ألف اختلاف في الكتاب المقدس، ويتباهى الآخر بأنه قد وجد مائة وخمسين ألف اختلاف ويتباهى البعض بأنه قد وجد مخطوطات تهدم الفكر الكنسي رأسا على عقب مثل التي تدل على أن المسيح عليه السلام لم يصلب وغير ذلك..

المرحلة الخامسة: مرحلة السنوات الماضية أي أواخر القرن العشرين الميلادي وأوائل القرن الحادي والعشرين وأوائل القرن الخامس عشر الهجري وحتى يومنا هذا:
وهي مرحلة الانترنت الذي اقترن انتشاره بالهجوم الشديد على الإسلام وعلى القرآن الكريم وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم.. وكان أولا الهجوم من طرف واحد وهو الشعوب والدول التي اخترعت الإنترنت فأنشأت وسهلت مواقع تهاجم الإسلام بكل ضراوة وتنتظر نتيجة واحدة وهي القضاء على الإسلام والفكر الإسلامي وخروج المسلمين من دين الله أفواجا إلى النصرانية أو العلمانية.. وكان مدة هذا الوضع حوالي ثلاث أو خمس سنوات...

ولكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد لا من المسلمين ولا من النصارى أن الانترت سوف يكون أفضل عامل لنشر الإسلام وللدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن دينه وذلك بوجود جميع نسخ الكتاب المقدس باللغات القديمة والحديثة بين أيدي المسلمين مما سهل اكتشاف وفهم وتفسير وإعادة البحث في البشارات القديمة التي كان يقولوها أهل الكتاب عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبل ذلك يتسنى لأحد من المسلمين الاطلاع عليها بهذه الصورة بجميع لغاتها منذ أول بشارة عاصرت نبينا صلى الله عليه وسلم مثل بشارة ورقة ابن نوفل بأنه نبي، وحتى آخرها مثل بشارة عبد الأحد داوود في نبينا صلى الله عليه وسلم: المجد لله في الأعالي وللناس أحمد وعلى الأرض الإسلام... فاكتشف لفظ "محمد" و"حمدا" و"بكة" وخاتم النبوة وغيرها من البشارات القديمة التي كان اليهود في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرون بها المسلمين، مثل عبد الله بن سلام في بشارة صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة... وأصبحت هذه البشارات متاحة لأي مسلم الاطلاع عليها والبحث عنها ومحاولة ترجمتها...
وكانت النتيجة هي أنه لأول مرة في تاريخ النصرانية أن يتصدر الفرد النصراني العادي دون أن يكون من اللاهوتيين أو القساوسة للبحث في الكتاب المقدس للرد على المسلمين أي بعد مرور ألفي عام من ظهور النصرانية ومولد المسيح عليه السلام، ولم يكن هذا قبل ذلك متاحا للفرد العادي من الشعب النصراني ولا في اهتمامه. ولأول مرة كذلك في التاريخ يناقَش بابا من الباباوات في مسألة في الكتاب المقدس التي تدل على فساد بعض نصوصه وأسفاره، فيقف فرد عادي ليقول للبابا: ما هذا الكلام الجنسي الفاضح في سفر نشيد الأنشاد ؟؟
ولأول مرة يجادل فيها أحد الدارسين في اللغات القديمة كالعبرية وهو نصراني واحدا من المسلمين هو أيضا من الدارسين في نفس اللغة في بشارات الكتاب المقدس لنبينا صلى الله عليه وسلم.. وكلا الزميلين يصر على ألا يخسر موقعة الجدال مع الفارق، وهو أنه لو خسرها الزميل النصراني لخسر كل شيء ولأصبحت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ثابتة من قعر دار أعدائه أي الكتاب الذي بين أيدي النصارى، ولو خسرها الزميل المسلم فما خسر أي شيء لكثرة البشارات بنبينا صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس وغيره من الكتب القديمة التي بين أيدي اليهود والهندوس وغيرهم لأنه هو مسيا المنتظر الذي بشر به جميع الأنبياء وفي الكتاب المقدس وحده أكثر من خمسين بشارة به وبأمته أخبر بها القساوسة ورهبان النصارى وأحبار اليهود الذين دخلوا في الإسلام قديما ومؤخرا.. وأيضا لوجود أدلة إجمالية أخرى تثبت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم مثل معجزاته والقرآن الكريم إخباره بالغيبيات والإعجاز العلمي في الكتاب والسنة وغيرها...


والمفاجأة الثانية: هي تعرض المسلمين للثغرات الموجودة في الكتاب المقدس التي تدل وتؤكد على أن بعضه غير صحيح أو تم ترجمته ترجمة فاسدة، وهذا يتم من قبل مسلم عادي من غير الباحثين في الجامعات.. فبكل سهولة يمكن أن يكتشف أي مسلم يدخل على النت فساد بعض نصوص الكتاب المقدس عيانا بيانا دون أن يخبره أحد مثل نصوص نشيد الأنشاد وزنى نبي الله لوط –حاشا لله ولنبيه الكريم- أو تضارب ترجمات ونسخ أسفار الكتاب المقدس...

والمفاجأة الثالثة: أن بعض الشبهات التي تعرضها المواقع النصرانية للهجوم على القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، تم اكتشاف مثلها في العهد القديم مثل "باسط الأرض" أو الجهاد في سبيل الله لنشر دين الله الذي يتهم به أعداء الإسلام القرآن والسنة، أو السبي والرقيق وغير ذلك مما اكتشفه المسلمون بفضل الله وبنصرة الله لهم ولنبيه صلى الله عليه وسلم، فكان الكتاب المقدس نفسه من أفضل السبل للرد على الشبهات، وهذا الأمر قد فضح المواقع النصرانية وأكد أن مديري بعضها لا يعرف أي شيء عن الكتاب المقدس وأن هذه الشبهات التي يعرضها هؤلاء النصارى لجذب المسلمين إلى النصرانية ليست من تأليف القساوسة ولا العلماء بالكتاب المقدس من النصارى ولكنها من تأليف علمانيين يزجون بالنصارى والنصرانية ضد الإسلام لإضعاف الاتجاهين لصالحهم ولمصالح سياسية أو اقتصادية أمريكية أو صهيونية... فكان هذا الأمر فضيحة للمواقع النصرانية وكشفا لأغراض خفية يتستر وراءها بعض السياسيين وراء النصرانية لأغراض خبيثة لا يعرفها كثير من النصارى ولا المسلمين...
المفاجأة الرابعة: اطلاع المسلمين على العهد القديم بكل سهولة وبجميع ترجماته، يكشف ويثبت ويبرهن ويؤكد أن الدين الصحيح الموجود الآن على وجه الكرة الأرضية هو الإسلام، لما في العهد القديم من دعوة جميع الأنبياء إلى عبادة الله عز وجل وتعظيمه والثناء عليه وتكبيره والتقرب منه، وليس هناك من يصلي لله عز وجل –الذي أمر جميع أنبياء الكتاب المقدس بعبادته- خمس صلوات في اليوم والليلة إلا المسلمون...
المفاجأة الخامسة: اكتشاف المسلمين بعض أحكام في الكتاب المقدس لا يعلم بها النصارى مطلقا بل ويدعون إلى غيرها، مثل الحجاب وتحريم الخنزير والرشوة والأمر بتكسير الأصنام والأوثان وغيرها، وفي نفس الوقت لا يعمل بها أحد ولا يشرعها أحد إلا المسلمون..

كل هذه المفاجآت قلبت موازين الصراع ضد الإسلام، فأصبح الوضع كالآتي: هو أن المهاجمين للإسلام من النصارى والعلمانيين أصبحوا في وضع الدفاع عن الكتاب المقدس ومحاولة إثبات عدم صحة البشارات بل والدفاع عن أنفسهم وعن النصرانية الحديثة عامة التي تركت أكثر منهج الأنبياء في الكتاب المقدس من أول التوحيد وحتى تحريم الخنزير....
وبدلا من أن يتوقع المهاجمون خروج المسلمين من دين الله أفواجا، أصبح الأمر وكأنه يوحي بدخول الناس في الإسلام أفواجا في المستقبل، وكل ذلك بسبب وجود الكتاب المقدس متاحا للجميع، فأصبح أكبر وأعظم فرصة لإثبات صحة الإسلام ولإثبات صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولنشر الإسلام وأفضل وسيلة للدعوة الإسلامية وخاصة وأن مواضيع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة لزغلول النجار وغيره ما زالت لم تنس من عقول البشر...