حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

  1. #1
    الصورة الرمزية Ahmed_Negm
    Ahmed_Negm غير متواجد حالياً مُراسِل المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

    حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

    بقلم: د. عمر فروخ لبنان

    المقصود بكلمة إنسان هنا ((الفرد من الناس))، كبيراً كان أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، آمراً أو مأموراً، قريباً أو غريباً، موافقاً لنا في الدين أو مخالفاً. ثم إن النظر في إعطاء كل ذي حق حقه جاء ـ أول ما جاء ـ في الإسلام. قال الله تعالى:

    ((إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس، أن تحكموا بالعدل)).

    (4: 58 سورة النساء)

    لقد قال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس. ولم يقل ((إلى المؤمنين أو بين المؤمنين أو المسلمين)). أما الشرائع الوضعية القديمة فقد انطلقت من مبدأين أثنين ومن قاعدة. أما المبدءان فهما:

    حفظ حق المجموع في مقابل الفرد ثم حفظ حق الوالي (الأب، الحاكم، رئيس القبيلة، رب العمل، السيد) على المتولى عليه (المحكوم: الابن، المواطن، الشخص من أفراد القبيلة، العامل، العبد الرقيق). فمن الأمثلة على ذلك في الشريعة السومرية والشريعة البابلية (في حمل الذنب على غير المذنب):

    إذا بنى بناء بيتاً ثم أتفق أن تهدم هذا البيت وقتل فيه ابن لصاحب هذا البيت؛ قتل ابن للبناء، ولم يقتل البناء.

    إذا قتل رجل سيد عبداً رقيقاً لرجلٍ سيدٍ آخر، قتل احد عبيد السيد القاتل لا الرجل السيد الذي قتل.

    وأما القاعدة فهي التي تلي:

    إن المعتدي ت القاتل السارق، الظالم، المغتصب ـ يكون في العادة قوياً، بينما المعتدى عليه يكون في العادة المألوفة ضعيفاً من أجل ذلك كان العرف إذا التجأ مظلوم إلى القضاء القديم، حاول القاضي القديم أن يسترضي المظلوم بشيء من التعويض أو بالكلام اللين العاطفي وأن يسكت عن ظالمه.

    ثم إن من الأمثلة على ذلك من التوراة الموجودة بأيدي الناس:

    ((قال يهوذا لإخوته: ما الفائدة (من) أن نقتل أخانا (يوسف) ونخفي دمه؟ تعالوا فنبيعه للإسماعيليين…. واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوه للإسماعيليين بعشرين من الفضة…. أما المديانيون فباعوا يوسف في مصر لفوطقيار خصي فرعون رئيس الشرطة.

    (التكوين 37: 27 ـ 36).

    أما اليونان فكانوا ـ برغم ما كان عندهم من الفكر الفلسفي ومن الكلام في الحقيقة وفي الحرية وفي القانون ـ يرون أن الاستعباد حالة طبيعية من أحوال المجتمع الإنساني. والفيلسوف الكبير أفلاطون كان في أول أمره عبداً رقيقاً فاشتراه صديق له وأعتقه.

    وأما الرومان ـ وهم عمالقة التشريع في العالم القديم ـ فقد كانوا يأخذون بالسلطة الأبوية، فكان الأب هو الحاكم المطلق في الأسرة يقتل أولاده أو يبيعهم أو يرهنهم.

    ثم نأتي الى النصرانية. ففي الإنجيل الذي بأيدي الناس تعطيل لدور القضاء في المجتمع الإنساني وإلغاء لحقوق الإنسان:

    قال واحد من الجمع للمسيح: يا معلم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث: فقال له المسيح: يا إنسان، من أقامني عليكما قاضياً أو مقسما؟ (لوقا 12: 13 ـ 14).

    ثم ان النصرانية المسيحية كانت منذ نشأتها تأخذ بالتعميد أو المعمودية (غمس المولود في الماء لتطهيره من الخطيئة الأولى على آدم). والمعمودية هذه أول أسرار الدين المسيحي وباب النصرانية ـ أي لا يكون الإنسان نصرانياً، إلا اذا تلقى المعمودية ـ. وفي الانجيل الذي بأيدي الناس أن المسيح نفسه قد تلقى هذه المعمودية (إنجيل متى 4: 13 وما بعد). ثم ان المسيح نفسه أرسل رسله ليعمدوا الذين يدخلون على أيديهم في النصرانية (راجع رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 13 وما بعد).

    ويكفي أن نأخذ من جاهلية العرب مثلين جاهلي، طرفة بن العبد، وعنترة بن شداد.

    كان الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد من بني بكر من جهة أبيه. ولكن أباه كان قد تزوج امرأة اسمها وردة ـ وكانت نصرانية من بني تغلب وليست بكرية وثنية مثله. وولد طرفة من هذا الزواج المختلط. ثم مات الأب وشيكا. فلم يرض أعمام طرفة أن يعطوه شيئا من إرث أبيه لأن أباه قد أضر بالعصبية القبلية في بني بكر بزواجه امرأةً غريبة. فاذا نحن قبلنا أن يكون الأب قد أضر بالقبيلة، فما ذنب الأبن في أن يمنع حقاً من حقوقه؟

    وأما عنترة فكان شاعر بني عبس وفارسهم، ولكن أمه كانت جارية رقيقة، فنشأ هو عبداً رقيقا: يخوض المعارك دفاعا عن بني عبس أو في سبيل بني عبس فيغنم الغنائم فلا يقسم له شيء من تلك الغنائم لأنه عبد رقيق كل جهوده لسده. وسيده هنا هو قبيلته. ثم أن عنترة أحب ابنة عمه عبلة، فلم يستطيع أن يتزوجها لأنه عبد رقيق وهي حرة.

    أما اذا تجاوزنا الأعصر في الغرب إلى العصر الحديث وجدنا أن الانكليز يورثون الأبن البكر كل مال أبيه ولقب أبيه أيضاً، وليس لإخوته ولا لأخواته حق فيما كان يملك أبوهم.

    وكذلك المرأة الفرنسية ـ إلى اليوم ـ إذا هي تزوجت فانها تفقد حقوقها على ما كانت تملك قبل الزواج ثم تستطيع التصرف فيما كانت تملك من قبل، بل يصبح هذا التصرف لزوجها.

    في الإسلام:

    أما في الإسلام، فان الإنسان الفرد ـ كائناً ما كان مقامه في البيئة الاجتماعية ـ كانت له جميع حقوقه، ولم يكن يعاقب بذنب جناه غيره ففي القرآن الكريم (6: 164 سورة الأنعام؛ 35: 18 سورة فاطر): ((ولا تزرو وازرة وزر أخرى)) (أي لا يحمل رجل بريء ذنب رجل مخطئ). فلإنسان الفرد في الإسلام مسؤول عما يعمل هو، أخيراً كان ذلك العمل أم شراً، بينما في اليهودية يعاقب الإنسان بالذنب الذي ارتكبه غيره قبل سبعة أجيال. وفي النصرانية يولد كل مولود من البشر نجساً لأن آدم أبا البشر ارتكب خطيئة.

    والإنسان الفرد في الإسلام مسؤول عن عمله هو. والآيات في ذلك كثيرة أورد هنا منها آيتين:

    ((وكل إنسان ألزمناه طائره (أي عمله) في عنقه)) (17: 13 سورة الاسراء).

    وقول الله تعالى في أن الإنسان نفسه يكسب الخير أو يكسب الخير أو يكسب الشر ثم يجازى (يثاب أو يعاقب) بما كسب فكثير في القرآن الكريم.

    ثم أن الإنسان الفرد نفسه قد اختار أن يحمل التبعة عن نفسه وعن غيره.

    قل الله تعالى: ((إنا عرضنا الأمانة (مما في عمله ثواب وفي تركه عقاب) على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن (أي خفن) منها وحملها الإنسان انه كان ظلوماً )(لنفسه) جهولاً (بحقيقة تلك الأمانة) (33: 72، سورة الأحزاب).

    ومعنى هذا ن الإنسان الفرد ـ فيما يتعلق بالعدل الإلهي وبالعدالة في الناس ـ مختار في سلوكه وأنه مسؤول عما يفعل هو نفسه بنفسه أو بالآخرين، فمن حق الإنسان على الإنسان أن يعيش كل واحد منهما في إطار ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات.

    بعد هذا الاستعراض العاجل نأتي الى ((حقوق الإنسان)) لنتوفر منها على جانب ((العدالة والقضاء)). ان حقوق الإنسانية الأساسية أربعة: المساواة والحرية والأمن والكرامة. وموضوعنا يقع في نطاق الحق الأول: ((المساواة)).

    غير أن المساواة أنواع: المساواة الطبيعية (من الطبيعة والصحة والقوة والجمال والفكر والطبائع) وهذه المساواة قليلة الاتفاق في البشر، إذ هي ترجع الى عناصر وعوامل من الوراثة والبيئة لا سلطة للإنسان عليها. ثم هنالك المساواة الاجتماعية في المكان والزمان (من النسب والثروة والجاه والحضارة والثقافة ونوع العمل). وهذه أحوال يسيطر الإنسان على أجزاء قليلة منها. ثم هنالك المساواة أمام القانون. وهذه مدار بحثنا على الحصر. غير أن هذا المدار ليس ضيقاً كما يتخيل نفر من الناس.



    حق العدالة في التعامل والقضاء.

    أما حق العدالة في التعامل (بين الناس) فيكاد وحده يتناول موضوع حقوق الإنسان كله (المساواة والحرية والأمن والكرامة). ثم يأتي حق الإنسان الفرد أمام الق القضاء.

    إن العدالة بين البشر منتشرة لا ضابط لها. وهي لا تتحقق إلا إذا بلغ كل فرد في الأمة مستوى سامياً من الوعي العام ومن الثقافة الشخصية ومن الأمانة الخلقية. والبلوغ إلى هذا المستوى يحتاج إلى تربية الأفراد والجماعات مدة طويلة من الزمن مع بذل الجهد الكثير وإقناع الناس. والصعوبة في وجه تحقيق هذا الغرض أن البشر في كل مكان وزمان من أسنان، أي أعمار، مختلفة: فيهم الطفل والمراهق والناضج الذي بلغ أشده، والشيخ الحكيم والشيخ الخرف، ثم فيهم الغني والفقير المحتاج، وفيهم القوي الظالم والضعيف الذي يخاف ظلم الأقوياء كما أن فيهم العالم والجاهل.



    الهجرة من مكة الى المدينة:

    إن الأوس والخزرج في المدينة قد أغمضوا عيونهم عما كان بينهم من الخصام والنزاع وطلبوا من محمد رسول الله أن يهاجر إليهم ويتولى أمورهم. واحتمل أفراد المسلمين المشقات في سبيل ذلك. فالمهاجرون المسلمون الذين كانوا يتسللون سراً من مكة الى المدينة كانوا يلاقون مشقة في السفر كما كان أهلهم الباقون خلفهم في مكة يلاقون اضطهاداً من المشركين. ولقد احتمل الجميع ذلك في سبيل المصلحة العامة… في سبيل الإسلام. وكذلك لما نام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. في ليلة الهجرة في فراش محمد رسول الله وكان المشركون يراقبون البيت ويحاصرونه، قد قام بمغامرة شديدة الخطر على حياته.

    ولما استقر المهاجرون المسلمون من أهل مكة في المدينة وآخى الرسول بين المهاجرين (من أهل مكة) والأنصار (من أهل المدينة)، قاسم نفر كثيرون من أهل المدينة أولئك المهاجرين أملاكهم وأموالهم في سبيل المصلحة العامة. لقد وقف كل رجل من أهل المدينة موقف القاضي الحكم فوجد أن للمهاجرين الذين تحملوا العبء الأثقل من تاريخ الدعوة الإسلامية ثم جاءوهم (أهل المدينة) يقطفون ثمرة تلك الدعوة يانعة وهم آمنون في بلدهم وأهلهم ومالهم، أن لأهل مكة حقاً في أموال المدينة، فقاسم كل مدني غني أخاً له في الإسلام من أهل مكة أملاكه وماله.

    ثم برز ذلك المثال الرائع على لسان أحد المهاجرين (عبد الرحمن بن عوف) لما قال للمدني الذي اراد ان يدفع إليه نصف ما يملك من مال ومتاع: ((أبق، يا أخي، عليك مالك ودلني على السوق)).

    وأصبح عبد الرحمن بن عوف فيما بعد من كبار الأغنياء في الحجاز. ولما كان عام الرمادة، في السنة السابعة عشرة للهجرة (638م) واغبرت الأرض حتى أصبحت تشبه الرماد. وامتد القحط لانقطاع المطر، وعمت المجاعة؛ اتفق أن وصلت إلى عبد الرحمن بن عوف من تجارته قافلة دفع التجار له في محمولها مبالغ جسيمة حباً ان يبيعها أولئك التجار بأثمان يفرضونها ويجمعون منها ثروات طائلة.

    ولكن عبد الرحمن بن عوف وهب محمول هذه القافلة لأهل المدينة طلبا للأجر من الله.

    للخلفية أو الملك أو رئيس البلاد حق في تسيير الأمور كما يرى لأنه يحمل تبعة ما يرى وما يعمل. وكان الخليفة الأول أبو بكر الصديق قد عين خالد بن الوليد قائداً لخوض معركة اليرموك. ثم توفي أبو بكر وشيكا قبل نشوب المعركة وخلفه عمر بن الخطاب. وقد كان عمر منذ أيام أبي بكر مخالفاً لخالد بن الوليد في شأن مقتل مالك بن نويرة: يرى عمر بن الخطاب أن خالد بن الوليد قد قتل مالك بن نويرة ظلماً. من أجل ذلك أراد عمر بن الخطاب أن يعزل خالد بن الوليد وأن يولي مكانه أبا عبيدة عامر بن الجراح. ولقد كان ذلك حقاً من حقوق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين والخليفة وعلى المسلمين. وفعلاً أرسل عمر بن الخطاب كتاباً الى أبي عبيدة بتوليته على الجيش الواقف على اليرموك وبعزل خالد.

    نظر أبو عبيدة في الأمرين: في أمر عمر بعزل خالد وفي أن يتولى هو مكانه ثم في أمر معركة اليرموك التي كان خالد قد رتب منهاجها.

    اجتمع أبو عبيدة وخالد فلم يريدا كلاهما مخالفة أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولم ير أبو عبيدة أن يتخلى خالد عن قيادة المعركة وقد رتب خطتها. وقد تنشب المعركة قريباً قبل أن يكون أبو عبيدة قد وضع خطة جديدة للمعركة أو قبل أن يستطيع استيعاب تفاصيل الخطة التي كان خالد قد وضعها.

    من أجل ذلك اتفق أبو عبيدة وخالد على الحل التالي:

    يكون أبو عبيدة القائد الرسمي لقيادة معركة اليرموك (كيلا يخالف أمر الخليفة عمر بن الخطاب) ثم يكون خالد بن الوليد القائد الفعلي للمعركة حفاظاً على المصلحة العامة (فلا يحدث شقاق بين الجنود المجاهدين المشتركين في المعركة فينقسمون في الرأي بين ما يعتقدونه خطأ أو صواباً في عزل خالد، ثم حباً في سير المعركة سيراً واحداً اعتقاداً من أبي عبيدة أن خالداً كان أقدر على تنفيذ خطة وضعها في مدة من الزمن قضاها في درس أرض المعركة وفي أحوال جنوده وأحوال جنود الروم).

    ان هذا الادراك للعدالة في التعامل بين أفراد الناس أمر نادر في التاريخ. ثم أن معركة اليرموك كانت معلماً من معالم التاريخ الحضاري في العالم. وكذلك كان من نتائجها أنها دلت على مقدرة المسلمين في خوض المعارك الخارجية، كما كانت سبباً في القضاء على إمبراطورية كانت تخطط للقضاء على الإسلام منذ ظهوره. أما في التعامل بين أفراد الناس فقد حفظ لنا التاريخ تلك الجملة الخالدة التي قالها خالد بن الوليد الذي خاض المعركة وهو معزول عن قيادتها: ((أنا لا أحارب من أجل عمر)).

    وكان عمر بن عبد العزيز خليفة أموياً في مكانه من التاريخ. ولكن المؤرخين ـ لما نظروا إليه في مسلكه في الحكم ـ عدوه خامس الخلفاء الراشدين. واقتدى الناس بعمر بن عبد العزيز في تقواه ومسلكه في الحكم فعم الإنصاف وحب الخير في زمانه، وهانت سبل العيش حتى كان المسلم يحمل زكاته على كفه ويطوف بها في العالم الإسلامي فلا يجد لها مستحقاً. ذلك كان التكافل الاجتماعي والعدالة الشخصية في المسلمين في ذلك الحين.



    قصة من المغرب

    في سنة 591 للهجرة (1195م) أراد المنصور الموحدي سلطان المغرب أن يسير إلى الجهاد في الأندلس، إذ كان النصارى يمعنون في دفع المسلمين عن أراضيهم وديارهم. فأبى الفقهاء أن يعينوه على حشد المجاهدين وجعلوا يثبطون الناس عن الاستجابة له بحجة أنه يقرب إليه الفلاسفة وبأنه صديق للفيلسوف ابن رشد. فاضطر المنصور إلى استرضاء الفقهاء والعامة فأمر بجمع عدد من نسخ الكتب الفلسفية من تأليف ابن رشد وأحرقها علنا. ثم أنه نفى بن رشد الى قرية أليسانة على مقربه من قرطبة في الأندلس ـ وكان معظم سكانها من اليهود ـ وكذلك أمر المنصور نفراً من الشعراء فأكثروا في ذلك الحين من هجاء ابن رشد.

    وجمع المنصور الموحدي جيشاً كبيراً وسار على رأسه الى الأندلس وحارب ملك الأسبان ومن كان معه من الصليبيين الذين كانوا آتين الى الحرب في الشام فنزلوا في الاندلس ليساعدوا في قتال المسلمين فيها. وكانت معركة الأرك قرب بطليوس (في منتصف الحدود بين اسبانيا والبرتغال اليوم). فانتصر المنصور على جموع الفرنجة من الأسبان ومن الصليبيين انتصاراً عظيماً، ورد أذى الأسبان عن مسلمي الاندلس زمناً طويلاً.

    بعد هذه المعركة استدعى المنصور الموحدي ابن رشد من منفاه واصطحبه إلى عاصمته في مراكش وأكرمه.

    لعلي تناولت في الأحداث الأربعة السابقة نطاقاً أوسع قليلاً مما قصد في الجدول المقترح لموضوعات المؤتمر. ولكن هذه الأحداث الأربعة تدل على التعامل العاقل في الأحوال الاجتماعية التي تنشأ بين فريقين أو أكثر في الحياة. والحكم فيها حكم قريب من الأحكام الشريعة العدلية. وأنا أرى أن كثيراً مما قصد في باب التعامل في العدالة ينطوي في الجانب التالي من العدالة في القضاء.

    العدالة في القضاء

    العدالة في القانون تقتضي أن يذهب الخصمان (أي المدعي والمدعى عليه) إلى القاضي وهما كلاهما مطمئنان: المدعي مطمئن إلى أنه سينال حقه والمدعى عليه مطمئن أنه لن يظلم.

    أن آيات الأحكام في القرآن الكريم كثيرة، حتى ان استعراض ما يتعلق منها بالإنسان الفرد وحدها تملأ صفحات كثاراً. وسأشير هنا الى ما يقصد الى المحافظة على حقوق الإنسان الفرد، وخصوصاً إذا كان ذلك الإنسان الفرد ضعيفا. اما الإنسان القوي فإنه قادر على الاحتفاظ بحقوقه جميعاً وبالاستيلاء على حقوق من هم أضعف منه. من أجل ذلك جعل الإسلام للضعاف حقاً في أموال الاقوياء. قال الله تعالى (51: 19 سورة الذاريات ثم 70: 24 سورة المعارج): ((وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)) و ((والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)).

    ويلحق بهاتين الآيتين آية تتعلق بالمطلقات. ولا شك في أن المطلقة تكون في العادة ضعيفة، إذ هي تكون قد كبرت في السن أو خسرت من جمالها أو من مالها أو كانت عاقراً، فجاء قول الله تعالى في ذلك (2: 241 سورة البقرة): ((وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين)). والمتاع هنا مبلغ من المال يدفعه الرجل الذي يريد طلاق امرأته ـ فوق صداقها الذي يسميه الناس اليوم ((المهر المتأخر)).

    وحينما يأتي الناس إلى القضاء يكون منهم الصغير والجاهل بأصول المحاكمات والغافل عن عدد من دقائق القوانين، فأراد الإسلام لهؤلاء ألا يغبنوا أو يخدعوا، فقال الله تعالى (2: 282 سورة البقرة) في أمر الدين الذي يعقده الضعيف المحتاج:

    ((يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولايأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً (مبذراً قليل الاحتياط للأمور) أو ضعيفاً (لا يعرف الإملاء لصغر سنه مثلا أو لجهل القراءة والكتابة) أولا يستطيع أن يمل هو (لأنه أخرس) فليملل وليه بالعدل…)). إن هذا الاحتياط الوارد في هذه الآية، بعدد من وجوده الاحتياط، غايته حفظ حقوق الإنسان الفرد، وخصوصا إذا كان هذا الإنسان الفرد ضعيفاً.

    وفي هذه الآية نفسها احتاط الإسلام احتياطاً آخر هو من باب ((سد الذرائع)) (أي حماية الناس من الوقوع في المعاصي). فقال الله تعالى في الآية السابقة نفسها:

    ((… واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحدهما فتذكر إحداهما الأخرى…)).

    إن الشاهدين في أمر من أمور القضاء والحقوق (وهي أمور مهمة ودقيقة في الوقت نفسه، وفيها منافع مادية أحياناً وأسباب من الإغراء) تحتاج أحياناً الى تداول جهراً وسراً، في المجتمع وفي خلوة. فإذا كان الشاهدان، في مثل هذه الأحوال، رجلاً وامرأة جاز أن يدخل بينهما الشيطان فيقعان في معصية.

    ـ ومن باب الاحتياط المادي أن يشهد الوصي على اليتيم إذا بلغ اليتيم رشده وأراد الوصي أن يدفع إليه ماله، فقال الله تعالى (4: 6) ((… فإذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا)). ان ذلك حق لليتيم الضعيف على الوصي القوي ـ وأصحاب الحقوق الضعفاء وكثيرون. قال الله تعالى (17: 26 ثم 30: 38):

    ((…وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل…)) و ((فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل…)).

    وحقوق الإنسان ليست قاصرة على الإنسان وحده، بل هي تتصل أيضاً بالأشياء التي يستخدمها الإنسان لينتفع بها. ويتجلى هذا كله في خطبة لأبي بكر الصديق يوصي فها أسامة بن زيد بن حارثة لما وجهه الى الفتح في الشام:

    ((يا أيها الناس، قفوا اوصكم بعشر فاحفظوها: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله وسوف تمرون بأقوام فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له …)). في هذه الخطبة من حقوق الإنسان أشياء: السلوك السليم نحو الآخرين (لا تخونوا، الخ) ـ ترك الابتداء بالاعتداء (لا تقتلوا طفلا، الخ) ـ لا تفسدوا (لا تقطعوا شجرة مثمرة، الخ، فإن هذه الأشياء حق للإنسان، فاحترامها كاحترام الإنسان نفسه) ـ ترك الاعتداء على من لا يبدأكم بالقتال كالرهبان مثلاً فإن هؤلاء إذا لم يتعرضوا لأحد بأذى فلا يجوز لأحد أن يبدأهم بالاعتداء).

    وكان النظر إلى حقوق الإنسان واضحاً جداً في خلافة عمر بن الخطاب: في مسلكه في عام الرمادة وفي موقفه من نزاع ابن لعمرو بن العاص مع ولد قبطي في مصر ثم في عهده إلى أبي موسى الأشعري لما ولاه القضاء في العراق.

    ـ في السنة الثامنة عشرة للهجرة (639م) كان عام الرمادة: اغبرت الأرض من قلة المطر حتى صار لونها لون الرماد، فكان قحط ومجاعة. فلم يشأ عمر بن الخطاب ان يأكل المآكل الدسمة التي كان قادراً ـ بوصفه أميراً للمؤمنين وحاكماً في البلاد ـ على الحصول عليها، بل فضل أن يصيبه ما يصيب عامة الناس حتى يظل يشعر بما يعانون فلا يضيع حقهم عليهم. حتى اسمر وجهه من النحول وسوء الغذاء.

    ـ كان عمرو بن العاص عاملا (وكيلا على جمع الضرائب) في مصر. ففي يوم من الايام تنافر ولد لعمرو بن العاص مع ولد قبطي، فغضب ولد عمرو بن العاص من الولد القبطي فلطمه. فجاء والد الولد القبطي الى المدينة وشكا أمره الى عمر بن الخطاب. فأرسل عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص يستدعيه مع ابنه. وأجلس الخليفة عمر بن الخطاب الخصمين أمامه. ولما ثبت له أن ولد عمرو بن العاص قد اعتدى على الولد القبطي إقتص من ولد عمرو بن العاص ثم توجه إلى عمرو بن العاص نفسه بتلك الجملة التي ذهبت مثلاً في ((حقوق الإنسان)): ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)) وولى عمر بن الخطاب، سنة سبع عشرة للهجرة أبا موسى الأشعري على قضاء البصرة وكتب له الكتاب التالي الذي هو دستور في القضاء:

    أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا ادي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له. وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع الى الحق، فان الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة. ثم أعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها. واجعل لمن ادعى حقاً او بينة أمداً ينهي اليه، فإن أحضر بينته اخذت له بحقه، وإلا أستحلت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في نسب أو ولاءٍ، فأن الله سبحانه عفا عن الأيمان ودرا بالبينات. وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر. والسلام.

    في هذه الرسالة يجعل عمر بن الخطاب حقاً للمتقاضي (للإنسان الفرد) على القاضي (على الحاكم):

    ـ على القاضي أن يواسي ( يساوي) في مجلس القضاء بين جميع الناس فلا يجعل للشريف الخصم المعروف بالقوة والوجاهة فضلاً على خصمه الضعيف فيظلمه.

    ـ واذا اتفق أن أخطأ القاضي في الحكم يوماً فيجب أن يستأنف (يعيد النظر فيما أخطأ فيه) كيلا يقع ظلم من جراء حكمه على أحد المتقاضيين.

    ـ واذا لم تكن دعوى أحد المتخاصمين واضحة فيجب أن ينظره (يؤخر الحكم له أو عليه) حتى يأتي ذلك لخصم ببينته (بحجته أو دليله على ما له من حق).

    ـ وجميع المسلمين ـ الشريف منهم والوضيع والغني والفقير والمواطن والبعيد في السكنى والنسيب والغريب ـ كلهم عدول (صالحون متساوون) تقبل دعوى بعضهم على بعض كما تقبل شهادة أحدهم على الآخر، إلا إذا كان أحدهم قد أتى عملاً مخلاً بالاجتماع الإنساني ومخالفاً للدين.

    وإذا نحن استعرضنا وقائع القضاء في الإسلام وجدناها كلها تنحو نحو العدل العملي (انصاف صاحب الحق وحفظ الوازع الاجتماعي).

    ـ الإنسان مطلقاً بريء غير مسؤول عن ضرر يلحق بالآخرين إذا لم يثبت ن شخصاً ما معينا قد قام به: ولذلك قالت المادة الثامنة من ((مجلة الأحكام العدلية)): ((الأصل براءة الذمة)). وفي القانون الأجنبي (الإنكليزي والفرنسي ـ وقد جاءا فيما بعد): ((الإنسان بري حتى تثبت إدانته)).

    ـ وفي الإسلام جاء الشرع لمصلحة البشر، فما كان صالحا للبشر في زمن من الأزمان يجوز ألا يبقى صالحاً في الزمن الذي يليه. من أجل ذلك قالت المادة التاسعة والثلاثون من مجلة الأحكام العدلية: ((لا ينكر تغير الاحكام بتغير الأزمان)). وقد جاءت لمادة الحادية والعشرون فقالت: ((الضرورات تبيح المحظورات)). إن لحم الخنزير مثلاً محرم أكله في الإسلام. ولكن اذا اتفق أن كان شخص في مكان ولم يجد في سوى لحم خنزير فانة يأكل منه لدفع الجوع عن نفسه وللإبقاء على حياته. وكذلك إذا جاع إنسان في مكان وهو لا يملك ما يشتري به طعاما، فانه يباح له أن يأكل طعاما لا يملكه ولا يسمح له أصحاب الطعام بأكله. ولكن إذا ملك فيما بعد مالاً وجب عليه أن يدفع ثمن ما كان قد أكله اختلاساً أو اغتصاباً.

    ثم ان منفعة الفرد ومصلحة المجموع مقدمتان (مفضلتان) على نص القانون، ذلك لأن القانون وضع لمصلحة البشر ولم يجعل البشر عبيداً لنصوص لقوانين. من أجل ذلك جاء في المادة الثلاثين: ((درء (أي دفع، منع) المفاسد أولى من جلب المنافع)). هذه قاعدة عامة من القواعد الاجتماعية، فان عملا ما قد يجلب نفعاً لقوم ثم يجلب ضرراً أكبر لأولئك القوم أنفسهم أو قد يضر بجماعة أخرى أكثر عدداً. إن الاتجار مثلاً من حقوق كل فرد في المجتمع. ثم أن حرية الفرد تجيز له أن يتجر بما يشاء كما يشاء. فإذا كانت حرية الاتجار في نوع من الكماليات (في صنع حلوى على شكل مخصوص أو تزيين حديقة على هيئة معينة)، جاز لكل فرد أن يفعل في ذينك الأمرين ما يشاء كما يجوز لكل فرد آخر أن يشتري من تلك الحلوى أو أن يطلب العناية بحديقته على ذلك الشكل اذا هما أرادا.

    أما إذا تعلقت حرية الاتجار بنوع من الحبوب أو بإجراء الماء الى البيوت أو ببيع النسيج العادي، ثم نشأ من ذلك ضرر عام أو كثير، فان حرية التجارة بهذه الأنواع وبأمثالها يجب أن تلغى.

    وهنا تأتي المادة التاسعة عشرة: ((لا ضرر ولا ضرار)). أي لا يجوز لأحد أن يضر بغيره قصداً أو عفواً. اذا أضر أحد بجار له (كأن هدم له جداراً أو قطع شجرة له، فلا يجوز للمتضرر أن يهدم جداراً لجاره أو يقطع شجرة من بستانه. ومؤدى هذه المادة من الناحية القانونية أنه لا يجوز لأحد أن يتولى إحقاق حق نفسه بنفسه لئلا تعم الفوضى في المجتمع.

    وتؤكد هذه المادة التاسعة عشرة مادة بعدها هي المادة الخامسة والعشرون: ((الضرر لا يزال بمثله)). أن هذه المادة إصلاح للشرائع القديمة كالشريعة البابلية وشريعة التوراة اللتين كانتا تجيزان للمتضرر أن يفعل بخصمه ما فعله خصمه به. مثال ذلك ان الشخص إذا اتفق أن قلع عين شخص آخر (عفواً أو قصدا)، فان تلك الشرائع القديمة كانت تجيز للذي قلعت عينه أن يقلع عين المعتدي عليه.

    وهنا لك مثل مقابل لهذا المثل: لو أن جماعة كانوا يصنعون متاعاً من الحاجيات أو الكماليات ويعيشون منها هم وعيالهم. ثم اتفق أن جاء إلى بلدهم و الى سوقهم من يصنع ذلك المتاع صنعاً أجود و يبيعه بثمن أقل، فلا يجوز أن نمنع الصانع الجديد من ممارسة عمله والإضرار به، ذلك لأن عمله أنفع لمجموع الناس من عمل القوم الآخرين. هذا بالإضافة إلى العدالة القانونية في التعامل.

    ويبدو أن هذه الحال الاجتماعية والاقتصادية معاً (مع أن الاقتصاد فرع من فروع الاجتماع) قد لفتت نظر الشارع لفتاً شديداً، فجاء في مجلة الأحكام العدلية عدد من المواد الكلية ثم عدد آخر من المواد الفرعية في هذا المعنى لتأكيد المواد التي سبقت لنا في هذا الموضوع. من ذلك مثلا: ((يحتمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام)) (المادة السادسة والعشرون) ثم ((الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)) (المادة السابعة والعشرون) ثم ((يختار أهون الشرين)) (المادة التاسعة والعشرون). وأظن أن هذه المواد لا تحتاج إلى شرح هنا ولا الى ضرب أمثلة جديدةٍ.

    إن المجتمع مؤلف من مجموع من الناس، وإن مجموع الناس مؤلف من جماعات. ثم إن كل جماعة مؤلفة من أفراد. وقد يتفق في حين من الأحيان أن تقوم جماعة من أهل ذلك المجتمع أو يقوم فرد من أفراد إحدى جماعات المجتمع بعمل ضار بقوم من الأقوام أو بشخص من الأشخاص. فلا يجوز في مثل هذه الحال أن نعاقب جماعة من الأبرياء انتقاماً منهم أو من غيرهم قام بعمل مضر بنا ثم لم نعرف من كان ذلك الشخص. إن مثل هذه المقابلة بالضرر ليست عقاباً للمعتدي، بل اعتداء على قوم أبرياء، في سبيل شفاء حقد شخصي في صدور المنتقمين.

    والمثل عل ذلك من تاريخ الإسلام قديم ومعروف و واضح.

    كان في شمالي لبنان (في مطلع الدولة العباسية) جماعة من المردة (المتمردين الثائرين والخارجين على القانون) لجأوا إليه من بلاد الروم (اليونان). فاتفق أن جماعة من هؤلاء، بالاشتراك مع جماعة من الموازنة الذين كانوا قد لجأوا الى جبل لبنان قبل نحو قرن من الزمن ـ وكانوا كلهم نصارى ـ أغاروا على جماعة من المسلمين كانوا يعيشون في سهل البقاع. وذلك سنة 142 للهجرة (759م).

    واستطاع الوالي العباسي (صالح بن علي) أن يهزم المغيرين المعتدين ويشتت شملهم. حينئذ أقر من كان قد بقي من أهل شمال لبنان في قراهم على دينهم ثم رد الباقين إلى قراهم بعد أن أجلى جماعة منهم عن قراهم ممن ظن أنهم كانوا يمالئون المغيرين المعتدين.

    عرف الإمام (عبد الرحمن الأوزاعي) بذلك فكتب الى (صالح بن علي) يلومه على أنه عاقب جماعة قد يكونون أبرياء، وقال في رسالته الى الوالي العباس: "وقد كان في إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ـ ممن لم يكن ممالئا لمن خرج على خروجه ـ ممن قتلت بعضهم ورددت بعضهم إلى قراهم ما علمت ـ فكيف تأخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله: ((ألا تزر وازرة وزر أخرى)).

    إن الإمام الأوزاعي قد وجد في عمل صالح بن علي مجانبة للعدل الكامل، واعتدءً على جانب من حرية قوم ربما لم يكن لهم ذنب.

    ومن قواعد الإسلام في القضاء أن الإمام (الخليفة، الملك) لا يحكم لنفسه ولا يشهد لنفسه، ولكن إذا كانت له قضية فيجب أن يحتكم إلى القاضي ـ ولو كان القاضي أدنى منصباً منه ـ فإن في القضية الواحدة يتساوى الخصمان ولو كان أحدهما في الاصل أعلى مرتبة من الآخر.

    من أمثلة ذلك ان رجلاً جاء الى مجلس عمر بن الخطاب وادعى على الإمام علي بن ابي طالب في قضية. واتفق أن الإمام علياً كان ساعتئذ في مجلس عمر بن الخطاب. فالتفت عمر الى علي وقال له: قم، يا أبا الحسن، واجلس مع خصمك. فقام علي وقعد الى جانب المدعي وتناظرا في القضية التي بينهما. ثم انصرف المدعي ورجع علي الى مكانه. وهو ممتقع اللون. ولما سأله عمر عما به أجاب: ((كنيتني (أي ناديتني بكنيتي "أبي الحسن".) (والمناداة بالكنية في عرف العرب تشريف للمنادى)، فهلا قلت: قم، يا علي، فاجلس مع خصمك؟ فقام عمر فاعتنق علياً وقبل وجهه. ثم قال له: بأبي أنتم (يا آل البيت)، بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمة إلى النور)) (شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة، مستشهد بها من ((تراث الخلفاء)) لصبحي المحمصاني (ص 59).

    لا يجوز للقاضي أن يجتهد في قضية واحدة باجتهادين مختلفين، ولكن يجوز له ـ إذ عرضت عليه قضيتان متشابهتان في زمنين مختلفين ـ أن يجتهد فيهما اجتهادين مختلفين. ذلك لأن حكم القاضي يتعلق به حق أحد الخصمين، ولا يجوز سلب إنسان حقه بعد أن أعطاه إياه القضاء. فالحكم الصادر في زمن ما عن أحد القضاة يثبت، ولو كان خطأ، إذ كل إنسان معرض لأن يخطئ، لأن العصمة الكاملة المطلقة لله وحده. من أجل ذلك نصت المادة السادسة عشرة على أن ((الاجتهاد لا ينقض بمثله)). (في القضية الواحدة).

    قال صبحي المحمصاني (الأوزاعي، ص 82 ـ 83):

    اذا قضى القاضي بجور (مقصود) أو بخلاف (ما قاله) أهل العلم فحكمه مردود عند جمهور الفقهاء. أما إذا كان خطأه هذا صادراً على وجه الاجتهاد، فلا إثم عليه ولكنه مسؤول وضامن. فاذا وقع الخطأ (من قاض) في قضية قتل أو جراح، فالضمان في مذهب الأوزاعي تتحمله عاقلة (ذلك) القاضي ـ أي قبيلته ـ (إذا كان هو عاجزاً عن أداء ذلك الضمان). وقد وافقه على ذلك الشافعي وصاحبا أبي حنيفة (أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفى سنة 142 للهجرة ثم أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني المتوفي سنة 189للهجرة). أما أبو حنيفة واحمد (بن حنبل) فقالا إن الضمان يقع على بيت المال. وقد قال الإمام (عبد الرحمن) الأوزاعي (ت: 157هـ): إذا حكم القاضي خطأ في قضية تمليك أو عقد زواج أو (في) طلاق أو ما شابه ( ذلك) فلا ينفذ حكمه… وقد وافقه على ذلك سائر أئمة المذاهب باستثناء أبي حنيفة فقال بان هذا الحكم نافذ ظاهراً وباطناً. (ويعلق صبحي المحمصاني على ذلك فيقول): إن قول الأوزاعي وجمهور الفقهاء أصح دينياً وإنسانياً وأعدل نظريا، ولكن قول أبي حنيفة أوفق عملياً وقضائياً لأنه يضع حداً للمنازعات، ولأن القضاء مبني بالضرورة على الظاهر (من قضايا النزاع) اذا تعذرت معرفة الباطن. ولقد تبنت القوانين العصرية ما يقرب من قول أبي حنيفة فعدت الحكم الصادر في قضية ما يتمتع بقوة القضية المحكمة، ولكنها (ولكن تلك القوانين) احتاطت بأن فتحت باباً للطعن على الحكم بطرق المراجعة العدلية قبل أن يصبح (ذلك الحكم) مبرماً صالحاً للتنفيذ.

    من كل ما تقدم يتضح لنا أن القوانين قد وضعت في الأصل وأن الشرائع قد جاءت كلها من قبل لنفع الإنسان وتسهيل حياته ومعاشه في هذه الدنيا، وان كان البشر أنفسهم هم الذين جانبوا الحق والواقع حينما أراد نفر من الناس أن يميلوا مع الهوى اجتذاباً للمصالح.

    غير أن حقوق الإنسان الفرد تبقى مقيدة بالوازع الاجتماعي، أي بألا يبطل الحق الشخصي لفرد من أفراد الناس حقاً للجماعة، وبألا يفسد سلوك العقلاء ـ إذا هم عملوا بحقائق الأمور ـ حياة الصغار الناشئين وحياة القاصرين الجاهلين الذين لا يرون من الأمور إلا ظاهرها. من أجل ذلك جاء القول المأثور: خاطبوا الناس على قدر عقولهم، (أتحبون) أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ إذا كان آمرؤ مسلم مريضاً مرضاً يمنعه الصوم فإنه يفطر. وهذا حق له بنص القرآن الكريم في قوله تعالى (2:184): ((… فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه (لا يحتملون الصوم أو يحتملونه بجهد كبير يضر بهم) فدية طعام مسكين…). ولكن لا يجوز لمثل هذا الرجل أن ((يستخدم حقه علناً، لأن عوام الناس لا يدركون حقيقة حاله فيفطرون هم بلا سبب يدعوهم إلى ذلك أو يشكون في الحكمة من الصوم وفي الأمر الديني به. وحينئذ يكون ((حق الإنسان الفرد)) قد ابطل الوازع الاجتماعي العام)). فيكون الخير القليل قد أبطل خيراً كثيرا، وهذا خلاف ما جاء به الإسلام به وخلاف ما نزلت به الشرائع. إن حقوق الإنسان الفرد يجب أن تعلق (آنيا على الأقل) حيث تبدأ حقوق المجموع. بهذا النظر وبالسهر عليه يستمر الاجتماع الإنساني صالحاً وسليماً.

    د. عمر فرّوخ

    لبنان

  2. #2
    الصورة الرمزية السيف البتار
    السيف البتار غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    14,148
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    14-12-2017
    على الساعة
    11:22 PM

    افتراضي

    أحسنتالأختيار

    جزاك الله خيراً

    نسأل الله عز وجل ان يهدي من ضل عن طريقه
    إن كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس رسول الله لمدة 23 عاماً .. فلماذا لم يعاقبه معبود الكنيسة ؟
    .
    والنَّبيُّ (الكاذب) والكاهنُ وكُلُّ مَنْ يقولُ: هذا وَحيُ الرّبِّ، أُعاقِبُهُ هوَ وأهلُ بَيتِهِ *
    وأُلْحِقُ بِكُم عارًا أبديُا وخزْيًا دائِمًا لن يُنْسى
    (ارميا 23:-40-34)
    وأيُّ نبيٍّ تكلَّمَ باَسْمي كلامًا زائدًا لم آمُرْهُ بهِ، أو تكلَّمَ باَسْمِ آلهةٍ أُخرى، فجزاؤُهُ القَتْلُ(تث 18:20)
    .
    .
    الموسوعة المسيحية العربية *** من كتب هذه الأسفار *** موسوعة رد الشبهات ***

حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الرد على : إنتهاك حقوق الإنسان
    بواسطة السيف البتار في المنتدى شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-12-2007, 02:14 PM
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-03-2007, 11:49 AM
  3. وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام
    بواسطة الفجر القادم في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-01-2006, 04:33 AM
  4. الشيخ الزنداني: أمريكا تذبح شعاراتها من حقوق الإنسان
    بواسطة احمد العربى في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 13-10-2005, 12:42 AM
  5. إعلان عن كتاب قيم (حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام )
    بواسطة احمد العربى في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 27-09-2005, 09:49 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء

حقوق الإنسان في الإسلام في العدالة والقضاء