بسم الله الرحمن الرحيم

تكثر في أوقاتنا هذه المحاضرات عن الحج وتقام في شتى المساجد ، وهذا أمر محمود من حيث الجملة ، لكنه من حيث التفصيل غير محمود ، محال أن يحج الناس كلهم ، وإنما يربى الناس على ماذا ؟

الذي ينبغي أن يربى عليه الناس لا أين يكون جسدك في عرفات أو في غيرها ؟

وإنما الذي ينبغي عليه أن نربي عليه أنفسنا أين يكون قلبنا لا أين يكون جسدنا ؟؟

فليس كل أحد يقدر على أن يحج وبعضاً حج أعواماً ربما لو تفرغ للأضاحي والنبي [ عليه الصلاة والسلام ] ضحى عشر سنين وهي من أعظم القربات { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا }

لكن الذي يعنينا في هذا المقام ونحن في بيت من بيوت الله ألا نكون أسرى أعلانات ، ولا أسرى محاضرات ، ولا أسرى خطباء ، ولا يكون الخطيب والمحاضر أسرى تنظيماً لمحاضرة .

وإنما نكون جميعاً عبيداً لله ، فالأصل المهم العظيم أين يكون قلبك في أي مكان كنت ؟


كان يوسف [ عليه الصلاة والسلام ] أبناً مدللاً عند أبيه
وقلبه معلقاً بالله .


ثم أضحى يوسف أسيراً في بئر مهجوره لا يستطيع أن يرقى إلى أعلاها ، تغير الحال ولم يتغير القلب .
ثم أضحى يوسف يباع بدراهم معدودة ، بثمن بخس ويتناوله الباعة والمشترون
وقلبه معلقاً بالله .


ثم نظر في أروقة القصور وأكرمته امراءة العزيز لشيء في نفسها ، وبقي يوسف
قلبه معلقاً بالله .


أخرج يوسف من القصور إلى السجن فبقي
قلبه معلقاً بالله .


أخرج يوسف من السجن إلى كرسي الوزارة وبقي
قلبه معلقاً بالله .


قدم إليه أخوته من أرض كنعان يعتذرون إليه وبقي
قلب يوسف معلقاً بالله .


فما أثنى الله على يوسف لأنه سُجن ، فكم في السجن من مظلوم ؟

وما أثنى الله على يوسف لأنه أضحى وزيراً ، فكم من خلائق الله من نالوا كرسي الوزارة .

وما أثنى الله على يوسف لأن أخوته ظلموه ، فكم من أسرة يظلم فيها أحدهم .

بل أثنى الله في نهاية المطاف وقبله وبعده على يوسف على أن يوسف في سنيّ حياته كلها كان قلبه معلقاً بالله بصرف النظر أين كان جسده [ عليه الصلاة والسلام ].


وهذا الذي ينبغي أن يربي الإنسان عليه ويعرف قدره وأن المثوبة تكون على قدر قلبك .

وربما رجلً في عرفات واقف يراد أن يقال له حج فلان ، وآخر مقعداً بيته عاكفاً على عبادة ربه بقلبه قبل لسانه ، فهذا الآخير له عند الله ما عنده من الكرامة ، والأول – عياذاً بالله – له من الله ما له من النقمة .

فما ينبغي أن يربي الإنسان عليه نفسه :


أين قلبك في أي محفل تكون ؟؟
ولهذا قال البشير النذير [ صلى الله عليه وسلم ] لمن وصاه :
" أتق الله حيثما كنت " .