بسم الله الرحمن الرحيم
******************
كتب السيف البتار

شبهة
مميزات المصحف العثماني.

لقد نجح عثمان في تحقيق هذفه بفرض مصحفه على كل الأمة الإسلامية مُنَحِّياً في الوقت ذاته ما عداه من المصاحف. لا يتوفر العالم الإسلامي الآن إلا على مصحف واحد لكن هذا لا يعني أنه نسخة طبق الأصل لما جاء به محمد بل هناك مصاحف أخرى كانت تنافسه المصداقية و الموثوقية. الترتيب الذي جاء عليه النص القرآني لم يكن أمرا إلهيا لأن زيد كان هو المسؤول عنه حيث تُرِكت له حرية القيام بذلك و كذلك عملية الجمع التي أمر بها عثمان و ليس محمد و كان هذا مرتين تم على إثر المحاولة الثانية حرق كل المصاحف التي كانت تختلف مع مصحف زيد رغم كونها جُمِعت من طرف صحابة لا مجال للشك في مصداقيتهم و درايتهم بمجال القرآن كما يشهد على ذلك الحديث الصحيح.

حتى بعد عملية الجمع الأخيرة للمصحف في عهد عثمان استمرت النزاعات بين المسلمين حول مصداقية هذا النص. مثال جيد على هذا يتجلى في تعدد القراءات للآية 238 من سورة البقرة التي توجد في المصحف العثماني على الشكل التالي : "حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين"

ورد في موطأ الإمام مالك الحديث التالي :
"حدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى اللهم عليه وسلم" (موطأ مالك 288)

هذه عائشة زوج محمد رسول الإسلام تؤكد وجوب إضافة عبارة "و صلاة العصر" بعد عبارة "و الصلاة الوسطى" مستشهدة في ذلك بمحمد نفسه. في نفس الموضع من الموطأ هناك حديث آخر مفاده أن حفصة بنت عمر بن الخطاب التي هي كذلك من بين زوجات محمد طلبت أيضا من كاتبها عمرو بن رافع أن يقوم بتعديل مماثل لمصحفها. لا يجوز أن يكون هذا هو نفس المصحف الذي جمعه زيد بن ثابت وورثته حفصة من والدها بل من المحتمل أن يكون مصحفا كُتِب لها خِصِّيصا من قبل لأن بن رافع هذا أوضح أنه كان يكتب النص بأمر منها (أي حفصة). أشار بن أبي داود إلى هذا النص على أنه مصحف مختلف عن سائر المصاحف. في فقرة من كتاب المصاحف تحت عنوان "مصحف حفصة زوج النبي صلعم" يعطينا أسانيد الروايات التي عرضنا مشيرا في نفس الوقت إلى أنها كانت مشهورة في أوساط المسلمين دون أن يعطي مزيدا من التفاصيل حول القرآءات الأخرى التي من المحتمل أنها كانت موجودة في هذا المصحف. إحدى هذه الروايات تقول : "حدثنا عبد الله حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا يزيد محمد يعني ابن عمرو عن أبي سلمة قال أخبرني عمرو بن نافع مولى عمر ابن الخطاب قال مكتوب في مصحف حفصة زوج النبي صلى الله عليه و سلم -حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر" (كتاب المصاحف ص 87)

لقد قيل كذلك في نفس الكتاب إن القراءة المتجلية في إضافة عبارة "و صلاة العصر" إلى عبارة "و الصلوة الوسطى" كانت أيضا في مصحف أبي بن كعب و كذلك في مصحف أم سلمة زوج محمد (كتاب المصاحف نفس الصفحة). الصحابي بن عباس هو كذلك شَهِدَ على وجود هذه القرآءة التي كانت بالتأكيد موجودة قبل جمع المصحف العثماني لأن مصحف هذا الصحابي كان من بين المصاحف التي أحرِقت بأمر من عثمان و التي من المحتمل أنها كانت أيضا تحوي هذه القراءة. خبر وجودها لم يكن من الإمكان إخفاءه و محيه حيث أن البعض قال إنها كانت بمثابة تأكيد على وجوب إقامة صلاة العصر زيادة على صلاة الظهر و قال آخرون أن هذه القراءة ليست إلا تفسيرا للنص المشهور (أي أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر بعينها). مثال على هذا التأويل ورد في النص التالي :
"قال أبو عبيد في فضائل القرآن : المقصود من القراءة الشادة تفسير القراءة المشهورة و تبيين معانيها‚ كقراءة عائشة و حفصة: والصلاة الوسطى صلاة العصر" (الإتقان ص 178)

لقد كان فشل عثمان في القضاء نهائيا على كل الدلائل على وجود هذه القراءات المختلفة هو ما دفع مروان بن الحكم حين كان عاملا لبني أمية على المدينة إلى إتلاف المصحف الذي بقي بحوزة حفصة. لما كانت حفصة لا تزال على قيد الحياة رفضت بشدة تسليمه لمروان على الرغم من إصراره (كتاب المصاحف ص 24) و لذلك لم يتمكن من تحقيق غرضه إلا بعد موتها حيث قام أخوها عبد الله بن عمر بن الخطاب بتسليمه له من أجل تنحيته نهائيا. علل مروان فعلته هذه بخشيته أن يؤدي إلى انتشار القراءات التي أراد عثمان تنحيتها. هناك روايات عديدة غير تلك التي وردت في كتاب المصاحف تفيد بوجود قراءات أُخَر. في مصحف حفصة على سبيل المثال كانت تُقرأ "في ذكر الله" شأنها في ذلك شأن بن مسعود عوض "في جنب الله" (الآية 56.39)

قد يكون المشروع العثماني قد نجح فعلا في توحيد المسلمين على نص قرآني واحد‚ لكنه في نفس الوقت كان السبب في ضياع كنز من المصاحف كانت شائعة و مقبولة لدى فئة عريضة من المسلمين و كانت لها نفس مصداقية مصحف زيد بن ثابت.

روى الطبري أن الناس أعابوا على عثمان كونه أسقط المصاحف من أجل الإبقاء على مصحف واحد (1.6.2952). هذا يدل على أن مصحف زيد لم يكن يتمتع بصفة خاصة و استثنائية بالمقارنة مع باقي المصاحف من حيث الموثوقية و الشرعية. بالرغم من أن هذه المصاحف قد انقرضت فإن عددا كبيرا من القراءات بقي شائعا وتم تدوينه حيث ورد ذكره في مؤلفات عدة. ستُتاح لنا في الفصل المقبل فرصة الإطلاع على بعض من هذه القراءات و كذلك المصاحف التي وردت فيها و على الخصوص مصحفي عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب.






الرد



مصاحف الصحابة
مصاحف الصحابة وجمع القرآن

بسم الله الرحمن الرجيم

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ

فإذا سألنا : ما معنى حافظوا ؟ الجواب – إذن – يقتضي أن نفهم أن عندنا (( حفظاً )) يقابل (( النسيان)) ، و(( حفظا )) يقابله (( التضييع )) ، والاثنان يلتقيان ، فالذي حفظ شيئاً ونسيه فإنه قد ضيعه .
والذي حفظ مالاً ثم بدده ، لقد ضيعه أيضاً ، وإذن كلها معان ٍ تلتقي في فقد الشيء ، فالحفظ معناه أن تضمن بقاء شيء كان عندك ، فإذا ما حفظت آية في القرآن فلا بد أن تحفظها في نفسك ، ولو أنعم الله عليك بمال فلا بد أن تحافظ عليه.

فما العلة هنا في تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص ؟

إن (( وسطى )) هي تأنيث (( أوسط )) ، والأوسط والوسطى هي الأمر بين شيئين على الاعتدال ، أي أن الطرفين متساويان ، ولا يكون الطرفان متساويين في العدد – وهي الصلوات الخمس – إلا إذا كانت الصلوات وتراً ، أي مفردة ، لأنها لو كانت زوجية لما عرفنا الوسطى فيها ، ومادام المقصود هو وسط الخمس ، فهي الصلاة الثالثة التي يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان ، هذا إن لاحظت العدد ، باعتبار ترتيب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس
وإذا كان الاعتبار بفريضة الصلاة فإن أول صلاة فرضها الله عز وجل هي صلاة الظهر ، هذا أول فرض ، وبعده العصر ، فالمغرب ، فالعشاء ، فالفجر .

فإن أخذت الوسطى بالتشريع فهي صلاة المغرب وهذا رأي يقول به كثير من العلماء .

وإن أخذت الوسطى بحسب عدد ركعات الصلاة فستجد أن هناك صلاة قوامها ركعتان هي صلاة الفجر وصلاة من أربع ركعات هي صلاة الظهر والعصر والعشاء ، وصلاة من ثلاث ركعات هي صلاة المغرب .

والوسط فيها هي الصلاة الثلاثية ، وهي وسط بين الزوجية والرباعية فتكون صلاة المغرب أيضاً .

وإن أخذتها بالنسبة للنهار ، فالصبح أول النهار والظهر بعده العصر والمغرب والعشاء ، فالوسطى هي العصر .
وإن أخذتها على أنها الوسط بين الجهرية والسرية فيحتمل أن تكون صلاة الصبح أو صلاة المغرب ، لأن الصلوات السرية هي الظهر والعصر ، والجهرية هي المغرب والعشاء والفجر . وبين العشاء والظهر تأتي الصبح ، أو صلاة المغرب باعتبار أنها تأتي بين الظهر والعصر من ناحية ، والعشاء والصبح من ناحية أخرى .

وإن أخذتها لأن الملائكة تجتمع فيها فهي في طرفي النهار والليل فذلك يعني صلاة العصر أو صلاة الفجر (الصبح) .
إذن ، فالوسط يأتي من الاعتبار الذي تُحسب به إن كان عدداً أو تشريعاً ، أو عدد ركعات ، أو سرية أو جهرية أو بحسب نزول ملائكة الليل والنهار ، وكل اعتبار من هؤلاء له حكم .

ولماذا أخفى الله ذكرها عنا ؟ نقول :
أخفاها ليتنبه كل منا ويعرف أن هناك فرقاً بين الشيء لذاته ، والشيء الذي يُبهم في سواه ، ليكون كل شيء هو الشيء فيؤدي ذلك إلى المحافظة على جميع الصلوات .

فما دامت الصلاة الوسطى تصلح لأن تكون الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فذلك أدعى للمحافظة على الصلوات جميعاً

والله أعلم
اللهم تقبل منا صالح الأعمال
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من خواطر الشيخ / محمد متولي الشعراوي
__________________