زادك أيها الخطيب

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

زادك أيها الخطيب

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى ... 2 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 34

الموضوع: زادك أيها الخطيب

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    141
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    01-05-2013
    على الساعة
    02:32 AM

    افتراضي

    جزاك الله خيراً أخى وجعله الله فى ميزان حسنات كل من شارك معك فى هذا العمل الذى هو من الأعمال الجاريات فالنتخيل أن خطيباً واحداً قد أخذ خطبه واحده وألقاها فى خطبة الجمعه فلسوف يستمع له بأقل تقدير 500 مسلم هم فى ميزان حسنات صاحب الخطبه على الموقع وأيضا فى ميزان حسنات أخونا GLHOM لأنه صاحب الفكره . وتقبل الله منا صالح أعمالنا وغفر لنا ما دونها . قل آمين
    ولكن لى تعليق أتمنى بقدر الإمكان عدم مسح شئ من أى خطبه وهذه هى مشاركتى

    أهم امرأة في الدنيا
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    أما بعد
    فإن المرأة تملك مجموعة من المواهب الضخمة الجديرة بأن تبني أو تهدم أمة.
    وإن للمرأة المسلمة في بيتها وظيفة مقدسة ورسالة سامية، تجعل بيتها قلعة من قلاع العقيدة، وحصنا من حصون الإسلام. إن المرأة المسلمة ليست بمخلوق ضعيف يستهان به.
    إننا إن قلنا المرأة؛
    فإن المرأة إن افتخرت، فإنها تفتخر بأن أول قلب نبض بالإسلام، نبض بالتوحيد بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قلب امرأة؛ألا وهي "خديجة" رضي الله عنها..
    وإن أول شهيدة في الإسلام امرأة، ألا وهي "سمية" رضي الله عنها..
    وإن أول حبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة. فقد سئل: من أحب الناس إليك؟ فقال: "عائشة"..
    فالمرأة لها دور عظيم، وبدونها لا يمكن أن تقوم الدولة المسلمة, لأن المرأة نصف الأمة، وتلد لنا النصف الآخر، فهي أمة بأسرها..
    ولما علم الكفرة والفجرة بأهمية المرأة المسلمة، عّزَّ عليهم أن تجود على أمتها، كما جادت من قبل بالعلماء العاملين والمجاهدين الصادقين!
    فصار هَمّ المجرمين أن يعقموها, أن يجعلوها عقيماً لا تلد مثل عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي، وعائشة بنت الصديق، وسمية بنت الصديق، وأسماء ذات النطاقين، والخنساء..
    أعقموها أن تلد أمثال هؤلاء..
    لقد ظلت المرأة في الزمن الماضي؛ طيلة القرون الخالية مصونة متربعة على عرشها، قارة داخل بيتها، تهز مَهد وليدها بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها..
    فراح أعداؤها يحيكون المؤامرة تلو المؤامرة, وينصبون لها الشباك، ويحتالون بشتى الحيل, إلى أن تم لهم في زمن قياسي أن خرجت المرأة من بيتها، ثم نزعت عنها حجابها، وبالتالي حياءها، ثم دينها, ولما ضاع دينها أضاع الرجال الدين, لذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
    "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا ،واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" [مسلم]
    وقال صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" [متفق عليه]
    قال حسان بن عطية: "ما أُتيت أمة قط إلا من قِبل نسائهم"
    بل قال صاحب كتاب "تربية المرأة والحجاب" والذي كان حرباً على قاسم أمين:
    (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في الشرق كله-لا في مصر وحدها- إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التغيير، ولذلك كانت المخططات التي رسمها الأعداء ترمي إلى شل المرأة المسلمة عن أداء وظيفتها، ثم أن تأتي بها إلى مواقع الفتنة وتدمير الأخلاق تحت ستارٍ من المصطلحات البراقة كالتحرير، والتجديد، والتقدم !!
    فها هو أحد المستعمرين يقول: "كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، وألف دبابة، ومئة ألف جندي, فأغرِقوها في حب المادة والشهوات.. وإذا كسبنا المرأة، ومدت يدها إلينا يوماً فُزنا، وتبدد جيش المنتصرين للدين.."
    ومن عجب أن يعلم الأعداء هذه الأهمية للمرأة وتلك الخطورة بوضعها ،ويجهلها أهل الإسلام!!! ) اهـ
    إخوتاه..
    إن المرأة المسلمة لقيت عناية فائقة من الإسلام، بما يصون عفتها، ويجعلها عزيزة الجانب، سامية المكانة. وإن الضوابط التي فرضها الإسلام على المرأة في ملابسها وزينتها وعلاقتها بالرجال لم تكن إلا شرفاً للمرأة، فلا تظن المرأة أن الله عز وجل أمر بسترها لكونها عورة -يعني شيئاً سيئاً- ،بل لكونها جوهرة ينبغي أن تصان وتغطى وتحفظ عن الأعين والأيدي.
    إن أمر الإسلام بقرار المرأة في بيتها شرفٌ لها عظيم, فهو يحفظها مصونة، فلا تتلقفها أيدي المجرمين ،ولا تمزقها أعين المعترضين، ولا تُـترمّى وتُتبذل في الشوارع.
    إن الإسلام أكرم المرأة غاية الكرم، وحفظها غاية الحفظ، ورفعها غاية الرفعة ،ووضعها في أسمى مكانة.. لو كانوا يعلمون.
    إن الإسلام سد ذريعة باب النساء ،وجفف منابع الافتتان بها، فإذا هي تنكبت عن المحجة، وانحرفت عن السبيل، وحطمت تلك الحواجز، وتعدت تلك الضوابط, فثارت على البيت والولد، وانكشفت في المجامع والأندية، وانغمرت في اللهو واللعب، وراحت تعلن عن نفسها بشقاشق القول وفضول اللسان, فهنالك الويل والوبال والفتنة والدمار والداء العضال. يقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
    يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "فقدم الله النساء لعراقتهن في هذا الباب , ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل والنقص من قبل هذه الشهوة, ولعله لأجل ذلك؛ قدم الله عز وجل أيضا النساء في آية الزنى. قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد منهما } ،فقدم الزانية على الزاني لأنها السبب."
    إن الحديث عن المرأة لا ينتهي، لأنها نصف البشرية، ولها من الأهمية مالها.
    وما يهمنا أن نأكده في هذا المقام ،هو أن كل ما نقوله في حق المرأة إنما نقوله من منطلق غيرتنا على أخواتنا بصفتنا مسلمين, وحرصنا على صيانة الأخت وحمايتها ،وليس من منطلق عداوتنا للمرأة!
    إن ثمة توجيهاً خفياً - بل قد صار اليوم معلناً- يستهدف وضع المرأة المسلمة في ظروف مقصودة تسلبها العفة، بل تسلبها الثقة بنفسها ومقوماتها. ولا جرم أن الهدف من وراء ذلك رهيب!
    إنه تحطيم السدود الروحية التي حفظت في الأمة حتى الآن مشاعر العزة والحرية الدافعة إلى الجهاد والبذل في سبيل الله..
    لقد بات وضع المرأة المسلمة في عصرنا في مهب الأعاصير، فليس من الحكمة أن يترك زمام المرأة للأمواج تفتك بها حيث تشاء مع أولي الأهواء.
    لاريب أن الواجب يضع على عاتق كل منا نصيبه في إعادة المرأة المسلمة إلى ما كانت عليه زمن عائشة بنت الصديق؛ زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم, ولا يستثنى من ذلك صغير ولا كبير ولا حاكم ولا محكوم..
    إننا بحاجة جميعا أن نقوم -قومة لله صادقة- بدعوة المرأة لإنقاذها..
    إننا بحاجة حقا إلى المرأة..
    نعم، بحاجة إلى أن نأخذها من أيدي الفسقة والفجرة، وأن تعود إلى أيدٍ أمينة.
    إننا نريد أن نقول لهؤلاء الذين يريدون فقط المرأة راقصة وغانية ومتبذلة ومتبرجة في الشوارع و عارضة أزياء.. نقول لهم: ارتفعوا عن هذه الأوحال !
    فليس في حياة الأمم الجادة مجال لرقاعة السفهاء و ثرثرة السخفاء.
    إننا بحاجة أن نقول للمرأة وبلا مواربة:
    مهلاً .. مهلاً
    لقد ملأتِ الدنيا شراً بجهلك
    ملأتِ قلوب الناس فتنة
    نقول لها هذا لنسلمها حجابها، ولتقر في بيتها.
    وأقول لا داعي للاستعجال؛ فقد قال ربنا سبحانه وتعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}
    فالصبر الصبر مع النساء، فإنهن أرق أفئدة وألين جانبا، ولكن استعمل أيها الرجل ما وصاك الله به: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا }
    أختاه
    نحن لا ننكر أن الهوة فسيحة بين ما نحن عليه ،وما يجب أن نكون عليه , ولكن ما ينبغي أن يكون هذا محبطاً لمعنوياتنا ولا مثبطا لهممنا
    فهيا أختاه ... هيا أختاه
    أخت مضطرة للعمل .. فماذا تفعل؟
    نسأل الله لها العافية .. فوراً تتجه إلى الله، وتسأله أن يعافيها فيعافيها.
    إن صدقت الله فسيصدقها الله ؛ " إن تصدق الله يصدقك " [النسائي وصححه الألباني]
    أخت تلبس (الإيشارب) تنتظر أن يهديها الله !! أخت تتمنى أن تلبس النقاب !!
    مدي يدك إلى الله يهديك
    أخت تعلم معاصيها، ولا تقوى على التوبة منها..
    هيا ارفعي يدك إلى الله، وسيري إليه يأخذ بيدك إليه، ويرفعك من هذا الذي أنت فيه..
    { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }
    فعليكِ أختاه البداية، وعلى الله سبحانه التمام.. اللهم تمم علينا فضلك يا رب.
    يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
    " يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " [البخاري]
    بالله أختاه..
    ما تقولين في امرأة الله يذكرها في نفسه سبحانه وتعالى
    وفي خير ملإ
    ويتقرب إليها أكثر مما تتقرب إليه
    ويأتيها جل جلاله هرولة..؟
    أليست بحق
    أهم امرأة في الدنيا ؟!
    اللهم اهد المسلمين والمسلمات
    اللهم اهد نساء المسلمين
    وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    لقاء الشيخ حازم فى قناة الرحمة
    http://www.youtube.com/watch?v=isOcH0WE6w4&feature=related
    وعلي قناة الحكمة مع وسام عبد الوارث
    http://www.youtube.com/watch?v=p-WsJrgCrLM
    مؤتمر الشيخ بمسقط رأسه (بهرمس
    http://www.youtube.com/watch?v=OP8o6X8Ajdw&feature=relmfu
    عمرو الليثي وحازم صلاح ابو اسماعيل
    http://www.youtube.com/watch?v=DyZmyNlv5eo&feature=related

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    حسن وسوء الخاتمة

    اقتباس
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو ايمانو مشاهدة المشاركة
    فإن المرأة إن افتخرت، فإنها تفتخر بأن أول قلب نبض بالإسلام، نبض بالتوحيد بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قلب امرأة؛ألا وهي "خديجة" رضي الله عنها..
    وإن أول شهيدة في الإسلام امرأة، ألا وهي "سمية" رضي الله عنها..
    وإن أول حبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة. فقد سئل: من أحب الناس إليك؟ فقال: "عائشة"..
    فالمرأة لها دور عظيم، وبدونها لا يمكن أن تقوم الدولة المسلمة, لأن المرأة نصف الأمة، وتلد لنا النصف الآخر، فهي أمة بأسرها..
    بارك الله فيك أخى الحبيب على هذه المعانى العظيمة وجمعنى واياكم فى الفردوس الأعلى ونسأله أن يرزقنا حسن الخاتمة وموضوعنا اليوم عن حسن وسوء الخاتمة


    حسن وسوء الخاتمة لإبراهيم الغامدي


    ملخص الخطبة

    1- أهمية ساعة الاحتضار. 2- صور لحسن الخاتمة لسلفنا الكرام. 3-أحاديث في حسن الخاتمة. 4- علامات حسن الخاتمة. 5- سوء الخاتمة وأسبابه. 6- النصيحة بع التشهير بمن توفي من المسلمين على خاتمة سوء. 7- بيان تغرير وسائل الإعلام.

    الخطبة الأولى


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريط له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}( )
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ( )
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} ( )
    أما بعد:
    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد  ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
    وبعد عباد الله : -
    فإن آخر ساعة في حياة الإنسان هي الملخص لما كانت عليه حياته كلها. فمن كان مقيماً على طاعة الله عز وجل بدا ذلك عليه في آخر حياته ذكراً وتسبيحاً وتهليلاً وعبادة وشهادة.
    فهلموا ننظر كيف كانت ساعة الاحتضار على سلفنا الصالح الذين عاشوا على طاعة الله وماتوا على ذكر الله، يأملون في فضل الله ويرجون رحمة الله، مع ما كانوا عليه من الخير والصلاح.
    لما رأت فاطمة رضي الله عنها ما برسول الله من الكرب الشديد الذي يتغشاه عند الموت قالت: واكرب أبتاه، فقال لها : ((ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم)).
    وهذا عبد الله بن جحش عندما خرج لمعركة أحد دعا الله عز وجل قائلاً: (يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلاً شديداً بأسه، شديداً حرده فأقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني ويجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً، قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول صدقت.
    وبعد المعركة رآه بعض الصحابة مجدوع الأنف والأذن كما دعا.
    وطعن جبار بن سًلمي الكلبي عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، فنفذت الطعنة فيه، فصاح عامر قائلا: فزت ورب الكعبة.
    وكان بلال بن رباح يردد حين حضرته الوفاة وشعر بسكرات الموت قائلا: ((غداً نلقى الأحبة: محمداً وصحبه، فتبكي امرأته قائلة: وابلالاه واحزناه فيقول : وافرحاه.
    وعندما خطب رسول الله في أصحابه حاثاً لهم على الاستشهاد في سبيل الله في معركة بدر قال : ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)).
    فسمع عمير بن الحُمام هذا الفضل العظيم وقال: والله يا رسول الله إني أرجو أن أكون من أهلها. فقال ((فإنك من أهلها)).
    فأخرج عمير ثمرات من جعبته ليأكلها ويتقوى بها، فما كادت تصل إلى فمه حتى رماها وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا حييت حتى آكل تمراتي، فقاتل المشركين حتى قتل.
    وعندما حضرت الوفاة معاذ بن جبل قال: مرحباً بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء عند حِلَقَ الذكر.
    ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال لمن حوله: أخرجوا عني فلا يبق أحد. فخرجوا فقعدوا على الباب فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ، ثم قُبض رحمه الله.
    ولما حضرت آدم بن إياس الوفاة ختم ما تبقى عليه من سور القرآن وهو مسجّى، فلما انتهى قال: اللهم ارفق بي في هذا المصرع، اللهم كنت أؤملك لهذا اليوم وأرجوك. ثم قال: لا إله إلا الله وقضى.
    ولما حضرت الوفاة أبا الوفاء بن عقيل بكى أهله، فقال لهم: لي خمسون سنة أعبده، فدعوني أتهنّى لمقابلته.
    قال أنس بن مالك : ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن.
    أول يوم يجيئك البشير من الله، إما برضاه وإما بسخطه.
    واليوم الثاني يوم تعرض فيه على ربك أخذاً كتابك إما بيمينك وإما بشمالك.
    وأول ليلة: ليلة تبيت فيها بالقبر.
    والليلة الثانية: ليلةٌ صبيحتُها يوم القيامة.
    وقال المزني دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، ولسوء عملي ملاقيا. وعلى الله تعالى وارداً، فلا أدري: روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها. ثم بكى.
    ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون.
    وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت، من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت.
    ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم.
    يا من الموت موعده، والقبر بيته والثرى فراشه، والدود أنيسه. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون حاله.
    وكثير من السلف الصالح مات وهو على طاعة داوم عليها فترة حياته.
    فهذا أبو الحسن النساج لما حضره الموت غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ودعا بماء فتوضأ للصلاة ثم صلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات.
    وهذا ابن أبي مريم الغساني، لم يفطر مع أنه كان في النزع الأخير وظل صائماً فقال له من حوله: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، فلما دخل المغرب قال: أذّن، قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات.
    ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى فقيل له: ما يبكيك.
    فقال: أسفاً على الصلاة والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.
    وهذا أبو حكيم الخبري كان جالساً ينسخ الكتب كعادته.
    فوقع القلم من يده وقال: إن كان هذا موتاً، فوالله إنه موت طيب، فمات.
    وعن الفضل بن دكين قال: مات مجاهد بن جبر وهو ساجد.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم


    الخطبة الثانية


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    أما بعد..
    فإن حسن الخاتمة هي أن يوفّق العبد قبل موته للتوبة عن الذنوب والمعاصي والإقبال على الطاعات وأعمال الخير.
    ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.
    ومما يدل على هذا ما روى أحمد في مسنده، قال : ((إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله))، قالوا: كيف يستعمله، قال : ((يوفقه لعمل صالح قبل موته)).
    ومن العلامات التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته فهي ما يُبشّر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاقه كرامته تفلاً منه تعالى. كما قال جل وعلا: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون .
    وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم وفي قبورهم وعند بعثتهم يوم القيامة.
    وفي الصحيحين قال : ((المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه)).
    ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح لما رواه أحمد في مسنده قال : ((من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة. ومن تصدق بصدقة ختم له بها، دخل الجنة)).
    ولكي يدرك العبد المؤمن حسن الخاتمة فينبغي له أن يلزم طاعة الله وتقواه والحذر من ارتكاب المحرمات فقد يموت عليها، والمبادرة إلى التوبة من الذنوب.
    أما الخاتمة السيئة فهي أن تكون وفاة الإنسان وهو معرض عن ربه جل وعلا، مقيم على ما يسخطه سبحانه، مضيع لما أوجبه الله عليه ولا ريب أن تلك نهاية بئيسة، طالما خافها المتقون، وتضرعوا إلى ربهم سبحانه أن يجنبهم إياها.
    ومن أسباب سوء الخاتمة أن يصر العبد على المعاصي ويألفها، فإن الإنسان إذا ألف شيئاً مدة حياته وأحبه وتعلق به، فالغالب أنه يموت عليه.
    قال ابن كثير رحمه الله: (إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت).
    يقول ابن القيم رحمه الله: وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه.
    إنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة ، أو إقدام على العظائم ، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل عليه الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطدم قبل الإنابة والعياذ بالله.
    إخواني: فالواجب علينا إن مات أحد المسلمين ميتة سوء، وهو على معصية من المعاصي ، أن نستعيذ بالله من ميتةٍ كميتته ، وأن ندعو له، وأن لا نشهر به في المجالس ، فقد أفضى إلى ما قدّم.
    ولكن مع ذلك ، فيجب علينا أن لا نمجد ميتته هذه، وأن لا نتكلم في وسائل الإعلام بأنه مات في ساحة النضال وميدان البطولة والشرف، وأن ميتتة كانت من أجمل الميتات.
    لأن هذه الأمة لا تعرف إلا ساحة نضال واحدة وميدان بطولة واحد، وهو جهاد أعداء الله عز وجل، ولأن أجمل ميتة في التاريخ هي الموت على طاعة الله عز وجل.
    ولكن وسائل الإعلام كعادتها درجت على خلخلة المفاهيم الصحيحة في عقول الناس وجعلت المعروف منكراً والمنكر معروفاً وخاصة تلك الفضائيات التي أمسك بزمامها من لا خلاق لهم ولا أخلاق.
    وحملوا على عاتقهم إفساد هذه الأمة وتغيير ثوابها فبئس ما يقولون وما يفعلون.
    ألا وصلوا وسلموا على حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم

    اللهم ارزقنا حسن الخاتمة .
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    الصبر على أقدار الله

    الصبر على أقدار الله للشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم


    ملخص الخطبة

    1- تقدير الله للأرزاق والآجال. 2- سنة الابتلاء والحكمة منها. 3- فضل الصبر عند الشدائد. 4- صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. 5- ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها. 6- انتظار الفرج. 7- الاعتصام بالله عند الشدائد. 8- الحث على الدعاء. 9- التوكل على الله والرضا بقضائه.


    الخطبة الأولى


    أما بعد:

    فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى، فبالتقوى زيادة النعم، ودفع النقم.

    أيها المسلمون، لقد قدر الله مقادير الخلائق وآجالهم، ونسخ آثارهم وأعمالهم، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم، وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. والإيمان بقضاء الله وقدره ركن من أركان الإيمان، وما في الأرض من حركة أو سكون إلا بمشيئة الله وإرادته، وما في الكون كائن بتقدير الله وإيجاده. والدنيا طافحة بالأنكاد والأكدار، مطبوعة على المشاق والأهوال، والعوارضُ والمحنُ فيها هي كالحر والبرد لا بد للعبد منها، {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، والقواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]، والنفس لا تزكو إلا بالتمحيص، والبلايا تُظهر الرجال، يقول ابن الجوزي: "من أراد أن تدوم له السلامة والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف ولا أدرك التسليم"[1].

    ولا بد من حصول الألم لكل نفس، سواء آمنت أم كفرت، والحياة مبنية على المشاق وركوب الأخطار، ولا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم، والمرء يتقلب في زمانه في تحول من النعم واستقبال للمحن.

    آدم عليه السلام سجدت له الملائكة، ثم بعد بُرهة يُخرج من الجنة. وما الابتلاء إلا عكس المقاصد وخلاف الأماني، والكل حتم يُتجرّع مرارته، ولكن ما بين مقِلٍّ ومستكثر، يُبتلى المؤمن ليهذَّب لا ليعذَّب، فتن في السراء، ومحن في الضراء، {وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]، والمكروه قد يأتي بالمحبوب، والمرغوب قد يأتي بالمكروه، فلا تأمن أن توافيك المضرة من جانب المسرة، ولا تيأس أن تأتيك المسرة من جانب المضرة، قال عز وجل: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

    فوطّن نفسك على المصائب قبل وقوعها، ليهن عليك وقعها، ولا تجزع بالمصائب، فللبلايا أمد محدود عند الله، ولا تسخط بالمقال، فرب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان، والمؤمن الحازم يثبت للعظائم، ولا يتغير فؤاده ولا ينطق بالشكوى لسانه، وخفف المصاب على نفسك بوعد الأجر وتسهيل الأمر، لتذهب المحن بلا شكوى، وما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصاب لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء، والمصيبة إن بدت لعدوّ سُرَّ واستبشر بها، وكتمان المصائب والأوجاع من شيم النبلاء، فصابر هجير البلاء، فما أسرع زواله، وغاية الأمر صبر أيام قلائل، وما هلك الهالكون إلا من نفاد الجَلَد، والصابرون مجزيون بخير الثواب، {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96]، وأجورهم مضاعفة، {أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54]، بل وبغير حساب، والله معهم، والنصر والفرج معلق بصبرهم، وما منعك ربك ـ أيها المبتلى ـ إلا لتعطى، ولا ابتلاك إلا لتعافى، ولا امتحنك إلا لتصَفَّى، يبتلي بالنعم، وينعم بالبلاء، فلا تضيّع زمانك بهمّك بما ضمن لك من الرزق، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتيا، قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وإذا أغلق عليك بحكمته طريقاً من طرقه فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه.

    بالابتلاء يُرفع شأن الأخيار، ويعظم أجر الأبرار، يقول سعد بن أبي وقاص قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءٌ؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» [رواه الترمذي وهو حسن صحيح][2].

    وطريق الابتلاء معبر شاق، تعب فيه آدم، ورمي في النار الخليل، وأضجِع للذبح إسماعيل، وألقي في بطن الحوت يونس، وقاسى الضر أيوب، وبيع بثمن بخس يوسف، وألقي في الجب إفكاً، وفي السجن ظلماً، وعالج أنواع الأذى نبينا محمد، وأنت على سنة الابتلاء سائر، والدنيا لم تصفُ لأحد، ولو نال منها ما عساه أن ينال، يقول المصطفى: «من يرد الله به خيراً يصب منه» [رواه البخاري] [3].

    قال بعض أهل العلم: "من خلقه الله للجنة لم تزل تأتيه المكاره"، والمصيبة حقاً إنما هي المصيبة في الدين، وما سواها من المصائب فهي عافية، فيها رفع الدرجات، وحط السيئات، وكل نعمة لا تُقرّب من الله فهي بلية، والمصاب من حُرِم الثواب، فلا تأس على ما فاتك من الدنيا، فنوازلها أحداث، وأحاديثها غموم، وطوارقها هموم، الناس معذبون فيها على قدر هممهم بها، الفرح بها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها، يقول أبو الدرداء : "من هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها" [4].

    فتشاغل بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك، من رفع خلل، أو اعتذار عن زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب، وتلمّح سرعة زوال بليتك تهن، فلولا كرب الشدة ما رُجيت سعة الراحة، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس تكن أغناهم، ولا تقنط فتُخذل، وتذكر كثرة نعم الله عليك، وادفع الحزن بالرضا بمحتوم القضا، فطول الليل وإن تناهى فالصبح له انفلاج، وآخر الهم أول الفرج، والدهر لا يبقى على حال، بل كل أمر بعده أمر، وما من شدة إلا ستهون، ولا تيأس وإن تضايقت الكروب، فلن يغلب عسر يسرين، واضرع إلى الله يزهو نحوك الفرج، وما تجرّع كأس الصبر معتصم بالله إلا أتاه المخرج، يعقوب عليه السلام لما فقد ولداً وطال عليه الأمد، لم ييأس من الفرج، ولما أُخد ولده الآخر لم ينقطع أمله من الواحد الأحد، بل قال: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83].

    وربنا وحده له الحمد، وإليه المشتكى، فإذا تكالبت عليك الأيام، وأغلقت في وجهك المسالك والدروب، فلا ترجُ إلا الله في رفع مصيبتك ودفع بليتك، وإذا ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، قلب وجهك في ظلمات الليل في السماء، وارفع أكف الضراعة، وناد الكريم أن يفرج كربك، ويسهل أمرك، وإذا قوي الرجاء، وجمع القلب في الدعاء لم يرد النداء، {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، وتوكل على القدير، والجأ إليه بقلب خاشع ذليل يفتح لك الباب، يقول الفضيل بن عياض: "لو يئست من الخلق لا تريد منهم شيئاً لأعطاك مولاك كل ما تريد" [5].

    إبراهيم عليه السلام ترك هاجر وابنه إسماعيل بواد لا زرع فيه ولا ماء، فإذا هو نبيٌ يأمر أهله بالصلاة والزكاة، ومضى يونس مجرداً في العراء، ومن فوّض أمره إلى مولاه حاز مناه، وأكثر من دعوة ذي النون: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، يقول العلماء: ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه، يقول ابن القيم: "وقد جُرب أن من قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]، سبع مرات كشف الله ضره"[6]، فألقِ كنفك بين يدي الله، وعلّق رجاءك به، وسلِّم الأمر للرحيم، واسأله الفرج، واقطع العلائق عن الخلائق، وتحرّ أوقات الإجابة، كالسجود وآخر الليل، وإياك أن تستطيل زمن البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، متعبَّد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء، فالفرج قريب، وسل فاتح الأبواب فهو الكريم، {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [يونس: 107]، وهو الفعال لما يريد.

    بلغ زكريا عليه السلام من الكبر عتيا، ثم وُهب بسيد من فضلاء البشر وأنبيائهم، وإبراهيم بُشر بولد وامرأته تقول بعد يأس من حالها: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود: 72]، وإن استبطأت الرزق فأكثر من التوبة والاستغفار، فإن الزلل يوجب العقوبة، وإذا لم تر للإجابة أثراً فتفقد أمرك، فربما لم تصدق توبتك فصححها، ثم أقبل على الدعاء، فلا أعظم جوداً ولا أسمح يداً من الجواد، وتفقد ذوي المسكنة، فالصدقة ترفع وتدفع البلاء، وإذا كشفت عنك المحنة فأكثر من الحمد والثناء، واعلم أن الاغترار بالسلامة من أعظم المحن، فإن العقوبة قد تتأخر، والعاقل من تلمَّح العواقب، فأيقن دوماً بقدر الله وخلقه وتدبيره، واصبر على بلائه وحكمه، واستسلم لأمره.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    --------------------------------------------------------------------------------


    الخطبة الثانية


    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون، الأحوال لا تثبت على حال، والسعيد من لازم التقوى، إن استغنى زانته، وإن افتقر أغنته، وإن ابتلي جملته، فلازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، ولا في المرض إلا العافية، ولا في الفقر إلى الغنى، والمقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يُقدّر لا حيلة في تحصيله، والرضا والتوكل يكتنفان المقدور، والله هو المتفرد بالاختيار والتدبير، وتدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وهو أرحم به منه بنفسه، يقول داود بن سليمان رحمه الله: "يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات"[1]، ومن رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به، ومع هذا فلا خروج عما قُدّر عليك.

    قيل لبعض الحكماء: "ما الغنى؟"، قال: "قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك".

    يقول شريح رحمه الله: "ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان له فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في دينه، وأنها لم تكن أعظم مما كانت، وأن الله رزقه الصبر عليها إذ صبر".

    ثم صلوا وسلموا ـ عباد الله ـ على خير خلق الله محمد بن عبد الله، فقد أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].


    [1] صيد الخاصر (3830) بتصرف يسير.

    [2] أخرجه أحمد (1/185)، والترمذي في الزهد (2398)، وابن ماجه في الفتن (4022) وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بنحوه، وقال الترمذي : "حديث حسن صحيح" ، وصححه ابن حبان (2900)، والحاكم (1/40، 41) والضياء في المختارة (1056)، ورمز له السيوطي بالصحة وعزاه من بين ما عزاه للبخاري، قال المناوي في الفيض (1/519): "وعزوه إلى البخاري تبع فيه ابن حجر في ترتيب الفردوس، قيل: ولم يوجد فيه"، وصححه الألباني في الصحيحة (143).

    [3] صحيح البخاري، كتاب المرضى (5645) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    [4] قال القرطبي في تفسيره (6/415): "روي عن النبي أنه قال" ثم ذكره.

    [5] انظر: جامع العلوم والحكم (ص197).

    [6] الفوائد (ص201).
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    كل منا ممتحن

    كل منا ممتحن


    عباد الله ؛ والأمة تمتحن امتحانات يصنع تاريخها من خلالها . غدًا يخوض أبناؤنا وإخواننا ذكورًا وإناثًا غمار الامتحانات الدراسية ، وبهذه المناسبة تجد القلوب وَجِلَة ، والأذهان قلقة ، والآذان تتلقف الأخبار عن الامتحان ، قلَّمَا تجد منزلا لم تعلن فيه حالات الطوارئ ، كل أب ينتظر بصبر وعلى مضض نتيجة ابنه في هذا الامتحان ؛ لأنه يرجو له النجاح ، تراه يدعو الله بتوفيقه وتسديده وتثبيته ، يعده ويمنِّيه إن نجح ، ويتوعده ويحذره ويهدده إن رسب ، وهذا إحساس من الأحاسيس التي فُطِر عليها البشر . لكن أيها الأب الحنون وقد اهتممت بابنك هذا الاهتمام، فأنت به الآن مشغول، تسعى وتصول وتجول، تهتم به وترعى ، وتحس أنك عنه مسؤول. فهلا كان الاهتمام بآخرته كالاهتمام بدنياه، هلاَّ كان الاهتمام به بعد موته كالاهتمام براحته في حياته ، علمك وما علمك ، مسئوليتك وما مسئوليتك ، أحاطت بعلوم الدنيا فأهملت الأخرى الباقية ، شغلت به في حياته ، وأهملته بعد مماته، بنيت له بيت الطين والإسمنت في دنياه ، وحرمته بيت اللؤلؤ والياقوت والمرجان في أخراه . نظرتك وما نظرتك ، طموحك ، أمَلُك ، غاية مُنَاكَ أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا أو عسكريًا . و يا الله كل الأماني دنيوية! السعي والجد للفانية مع إهمال الباقية ، هذه ليست حالة نادرة ، بل قسم من الناس على ذلك . تأهبوا واستعدوا وعملوا على تربية أبناءهم أجسادًا وعقولا ، وأهملوا تربية القلوب التي بها يحيون ويسعدون ، أو بها يشقون.
    هذا هو الواقع ، والأدلة على ما نقول هاكها أيها الأب الحنون .
    هب أن ابنك تأخر في نومه عن وقت الامتحان ، ما حالتك ؟ ما شعورك ؟ ألا تسابق الزمن ليلحق الامتحان ؟ ألا تنام بعدها بنصف عين لألا يفوته الامتحان ؟ كأن الجواب يقول : بلى . هل كان شعورك حين نام عن صلاة الفجر كشعورك حين نام عن امتحانه ؟ ألا تسأله كل يوم عن امتحانه ؟ ماذا عمل ؟ وبماذا أجاب ؟ وعسى أن يكون الجواب صحيحًا . فهل سألته عن أمر دينه يوما ما ؟ ألا يضيق صدرك ويعلو همُّك حين تعلم أن ابنك قصَّر في الإجابة ؟ فهل ضاق صدرك حين قصَّر في سنن دينه وواجباته ؟ ألا تأتيه بالمدرس الخصوصي إن لم يستطع تجاوز الامتحان ، وتعطيه ما يريد ؟ ألا تمنعه من الملاهي التي رحبت بها في بيتك من فيديو وتلفاز وصحف ومجلات لئلا تشغله عن المذاكرة والاستعداد للامتحان ؟

    فما عساك فاعل أيها الأب الحنون في امتحان ليس له دور ثان ، ولا إعادة ، ولا حمل للمواد ؟ فقط نجاح أو رسوب ، والرسوب معناه الإقامة في النار أبد الآبدين، معناه الخسران المبين ، والعذاب المهين ، ماذا تغني عنه شهادته ومركزه وماله إذا أُوتيَ كتابه بشماله ، ثم صاح بأعلى صوته ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ) ما أغنى عني مركزي ، ما أغنى عني سلطاني ، ما أغنى عني علمي الدنيوي وشهادتي . كل ذلك هَلَك واندَثَر ، هلك عني سلطاني ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) خسارة ورسوب، وأي خسارة، وأي رسوب. تكون في الدنيا طبيبًا أو مهندِسًا أو رسَّامًا أو مُدرِّسا ، أما الآخرة فمؤمن وكافر ، فريقان ؛ فريق في الجنة ، وفريق في السعير .
    لا نقول: أهملوا أبناءكم، ولا نقول : دعوهم ، لا والله، بل نقول : إن الآخرة هي أولى بالاهتمام ، وأجدر بالسعي ، وأحق بالعمل .

    أيها الأحبة مَن أب حرص على جلب مرب لابنه يعلمه القرآن ويدارسه السُّنَّة ، قليل من فعل ذلك ، وليت الذي لم يفعل إذ لم يفعل جَنَّب ابنه عوامل الفساد والإفساد ، لكن البعض حَشَفاً وسوء كيل، جلب لابنه سائقًا وخادمًا وسيارة ، وهيأ له بيتًا ملأه بكل الملهيات عن ذكر الله وطاعته .
    من أب فيكم أعطى لابنه جائزة يوم حفظ جزءًا من القرآن ، أو تعلَّم حديثًا لخير بني الإنسان عليه الصلاة والسلام ، قليل من فعل ذلك ، ونسأل الله أن يبارك في القليل ، لكنَّ البعض منا يَعِد ابنه إن نجح بقضاء أمتع الأوقات على الشواطئ في أي البلاد ، وما وعد ابنه مرة إن نجح بزيارة مسجد رسول الأنام –عليه الصلاة والسلام-.

    فماذا كانت النتيجة ؟ النتيجة أن نشأ نشء منا ، مِن أبنائنا يعرفون بلاد الكفر أكثر مما يعرفون مكة والمدينة النبوية . النتيجة أن اتجه شبابنا إلى الملاعب يوم نادى المنادي حي على الصلاة ، حي على الفلاح . النتيجة أن حلّ محل المصحف مجلة ، ومحل السواك سيجارة . النتيجة أن نشأ فينا نشء كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون .
    إن ابنًا بنيناه جسدًا حَريٌ بنا أن نربي عقله وقلبه ، ونهتم بحياته بعد موته ، وأول خطوة إلى ذلك أن نصلح أنفسنا ؛ ففي صلاحنا وبصلاحنا تكون استقامتهم ، ورعاية الله لهم ، قال تعالى: ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) وثانيها : أن نجعل التربية الإسلامية غاية وهدفًا ، لا مانع من تعلُّم العلوم الدنيوية ، ولكن ليس على حساب الاهتمام بالآخرة. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )

    فيا عبد الله اتقِ الله في رعيَّتك ؛ فأنت عنهم مسئول أمام الله . اتق الله أن يستأمنك الله عليهم فتشرع لهم أبواب الفتن ؛ من أفلام وأجهزة خبيثة عديدة ، ومجلات فاتنة صفيقة .
    يا عبد الله يوم تهتم هذا الاهتمام المادي بابنك يصبح ابنك مركِّزًا كل همِّه في ثوبه و غطرته و مسكنه ومأكله ومشربه وسيارته . جزاك الله خيرًا على اهتمامك به ماديًا ، لكن ماذا فعلت لتؤنسه في وحدته ، إذا ما دفنته في التراب ما أنت صانع بشهادته ؟ قد يرسب الآن في مادة أو مادتين ، قد ينجح فيهما غدًا أو بعد غد، والمجال مفتوح للتعويض ، لكن لا تعويض في الآخرة .
    أعمال العمر كله تعرض الآن للتصحيح في وقت واحد ، عليها لِجَان دقيقة ، وسجلات وثيقة ، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ، لجنة كالمحْكَمَة ؛ رئيس وأعضاء وشهود ومحام ومدعٍ عام ، أما الرئيس – فسبحانه وبحمده – أحكم الحاكمين ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأما أعضاء المحكمة فملائكة الحساب، وأما الشهود فمنك وفيك؛ هم الأعضاء ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يكسبون ) وأما المدَّعي العام فهي الرسالة التي بلغتك من الله، عن طريق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأما المحامي فهو القرآن الذي يأتي يوم القيامة حجيجًا لك أو حجيجًا عليك .
    يا عبد الله يوم غد ليس مضمونًا ، قد تسعى وتتعب وتزرع فلا تحصد ، قد تدرس وتختبر فلا تدرك النتيجة ، أما وقد بلغتك الرسالة فقد وجب الامتحان ووجبت النتيجة . يا أيها الأب الحنون أدعوك إلى التأمل في وصية لقمان لابنه الذي يحبه ، ويفتديه بالغالي والنفيس . هل أوصاه بدنيا ؟ هل أوصاه بزخرف ؟ لا، بل دعاه لما يحييه حياة طيبة ، وينجيه من العذاب الأليم ، نهاه أن يشرك بالله ( إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ ) وأخبره أن الله محيط بكل شيء ، لا يعجزه شيء، ودلَّه على ما ينجيه من الله ؛ ألا هو الهرب منه إليه –تبارك وتعالى- بإقامة الصلاة ، بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بصبر على ما يصيبه من جرَّاء ذلك ، ثم يدلَّه على مكارم الأخلاق التي تسمو بها نفسه ، ويعلو بها مركزه . فلا تكبُّر على الخلق، ولا ذلة مع قصد في المشية ، وخفض في الصوت ( إنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ ) تلك يا عبد الله جملة وصية الأب الحنون حقا .
    فهل رجعت إلى القرآن ، فقرأت هذه الوصايا ، فعملت بهذه الوصية مع ابنك ؟ هل أوصيته ببعضها أو بها جميعها. لا إله إلا الله ! إن ديدن بعض الأباء تثبيط هِمَم أبنائهم ، وتكسير مجاديفهم . أقول ذلك ونحن نعيش التدريس عن كسب ، إذا ما هدى الله ابن بعضهم ذعروا وهبُّوا ووصفوه بالوسواس ، ووسموه بالعُقَدِ النَّفسية، سخروا منه وهزئوا به، ولا أدري أيسخرون من شخصه أم من دينه الذي يحمله ويمثله ( أَفِي قُلُوبِهِم مرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عليهم) أهذه هي الأمانة أيها الأب ؟ " ما من راعٍ استرعاه الله رعية فبات غاشًا لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة". عباد الله ولنا في سِيَر الأخيار عظات وعِبَر ، لقد امتحنوا فنجحوا وتفوَّقوا ، فبهم
    فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبُّه بالكرام فلاح

    هاهو [عمر بن عبد العزيز] -عليه رحمات رب جليل- يعود يومًا بعد صلاة العشاء إلى داره -وهو خليفة المسلمين، مقدرات الأمة بين يديه- يلمح بناته الصغار، فيسلم عليهن كعادته ، وكنّ يسارعن إلى تقبيله ، لكنهن هَرَبْنَ هذه المرة ، وهنَّ يغطين أفواههن ، فقال لزوجه: ما شأنهن ؟ قالت: لم يكن لديهن ما يتعشين به سوى عدس وبصل ، فكرهن أن تشم من أفواههن رائحة البصل ، فبكى وأجهش بالبكاء وهو يئن تحت وطأة المسؤولية ، ميزانية الأمَّة تحت يديه، يقول: يا بنياتي أينفعكن أن تتعشين أطيب الطعام والشراب ، وتكتسين أجمل الثياب من مال الأمة ، ثم يُأمر بأبيكن إلى النار ؟ قلن: لا ، لا ، ثم اندفعن يبكين . فلا والله لا تسمع في البيت إلا الحنين والأنين . لما حلَّت به سكرات الموت –عليه رحمة الله- دخل عليه [مسلمة] وقال : لقد تركت أبناءك فقراء جوعى فأوصِ بهم إلىَّ أو إلى أحد من أهل بيتك ، وكان مُضَّجعًا قال: أسندوني ، ثم صرخ ، والله ما منعت أبنائي حقًا لهم ، والله لن أعطيهم ما ليس لهم ، أما أن أوصي بهم إليك أو إلى غيرك فلا ، إن وصيَّ وولِيَّ فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، إن بنىَّ أحد رجلين ؛ إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجًا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، وإما رجل مكبٌّ على المعاصي فوالله لم أكن لأقويه على معصية الله ، ثم طلب جميع أولاده وهم بضعة عشر فاجتمعوا ، فنظر إليهم ، ثم ذرفت عيناه دموعًا حرَّى ، وقال: أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم ، يا بني إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة ، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، ثم تلا قوله تعالي: ( تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) عباد الله كلنا في امتحان ، فبين راسب وناجح ، والمادة هي لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها ، قالها موقنا محبًا منقادًا مستسلمًا ، صدَّقها قلبه ، وعملت جوارحه بها ، فهو الناجح ، وأي نجاح ! . وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل ، فهو الراسب المنافق . وآخر لم ينطقها ، فإلى جهنم وبئس القرار . هاهي رسالة امتحان ، تأتي لصلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبين يوم ذاك ، واليهود اليوم مع الصليبيين، تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لصلاح الدين :
    يا أيها الملك الذي *** لمعالم الصلبان نكَّس
    جاءت إليك ظِلامَةٌ *** تسعى من البيت المقدس
    كل المساجد طهِّرت *** وأنا على شرفي منجَّس
    امتحان لصلاح قام صلاح الدين فيه يصوم نهاره ، ويقوم ليله ، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية ، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد ، ولا يمزح أحد ، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس ، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر بعد استعداد جيد للامتحان ، فيدمر الصليب ، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى ؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الأخوة ؟ استيقظ اليهود يوم نمنا فدنَّسوه ، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه ، وقالوا : ها قد عدنا يا صلاح الدين، فيا ليت صلاح الدين يرى المؤامرات على أقصانا ، وما هدم العدو وما استباح ، ليته يرى كيف بغى اليهود ، وكيف أحسنَّا الصياح. إن أسئلة الامتحان التي قُدِّمت لصلاح الدين ، أسئلة الآن تُقدَّم لنا ، لكن صلاح الدين حلَّ الأسئلة بنفسه ، ونحن أحلنا حلَّ الأسئلة إلى غيرنا ، فكان ما كان .
    سقوا فلسطين أحلامًا منوِّمَة *** وأطعموها سخيف القول والخُطَب

    لكني أقول يا عباد الله : لا يأس ، لا قنوط ، سَتُحلُّ الأسئلة ، وستبقى طائفة على الحق ؛ لتقود الأمة ليعود الأقصى ، ويعود فلسطين والعاقبة للمتقين .
    لا يأس يسكننا فإن كبر الأسى *** وبغي فإن يقين قلبي أكبر
    في منهج الرحمن أمن مخاوفي *** وإليه في ليل الشدائد نجأر
    وإن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا *** فلِلَّه أوس قادمون وخزرج

    أيها الآباء وأنتم تعدون أبناءكم للامتحان اتقوا الله فيهم ، اعلموا وعلموهم أن سلعة الله أغلى وأعلى . علِّموهم أن الامتحان والنجاح بقَصْر النفس على ما يرضي الله ، علموهم أن السعادة في تقوى الله ، واعلموا أنتم أنه لن ينصرف أحد من الموقف وله عند أحد مَظْلَمَة. يفرح ابنك أن يجد عندك مظلمة ، تفرح زوجتك أن تجد عندك مظلمة ، يأتي ابنك يقف يحاجّك بين يدي الله قائلا : يا رب سل أبي لِمَ ضيعني عن العمل لما يرضيك ، ورباني كالبهيمة ، ما يكون جوابك أيها الأب الحنون ؟ أَعِدَّ للسؤالِ جوابًا.
    يا أيها الابن تيقَّظ وانتبه *** وأقبل بقلب على مولاك تظفر باهتداء
    وقف بالباب واطلب منه فتحًا ***عسى تحظى به صبح امتحان
    اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من الفائزين الناجين يوم القُدُوم عليك يا أكرم الأكرمين . اللهم إنا نسألك التوفيق لأبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا. اللهم لا تضيِّع تعبهم ، ولا تبدِّد جهدهم. اللهم ذكِّرهم ما نسوا، وعلِّمهم ما جهلوا ، ووفِّقهم لخَيرَي الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين . أقول ما تسمعون ، واستغفر الله فاستغفروه ؛ إنه هو الغفور الرحيم .


    وعندها يتبين الصادق من غيره . هل صليت وصمت لله يا عبد الله ؟ هل أطعت الله ورسوله ؟ هل تحب الخير وأهله ؟ هذه أسئلة ، أسئلة تتردد على مسامعكم ، هل تبغض الشر وأهله ؟ هل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ هل تحب للناس ما تحب لنفسك ؟ هل سلمت أعراض المسلمين من لسانك ؟ هل يطمئن قلبك بذكر الله؟ هل يتعلق قلبك بالله في الشدة والرَّخاء ؟ هل نزّهت أذنك عن سماع ما يغضب الله ؟ هل غضضت عن محارم الله؟ هل غضبت لله ؟ هل أحببت في الله ؟ هل أبغضت في الله ؟ هل أعطيت لله ، ومنعت لله ؟ هل استسلمت لأمر الله ؟ هل استسلمت لأمره يوم يأمرك بالحجاب فحجبت أهل بيتك امتثالا لقول الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ) الأسئلة كثيرة تترد عليك صباح مساء ، إن كان الجواب بنعم فأنت من الناجحين الفائزين بإذن رب العالمين ، وإن كان الجواب بلا فعُدْ إلى الله ما دمت في زمن الإمهال ، واندم واقلع وردّ المظالم لأهلها قبل وضع الميزان ، وتطاير الصحف ، وعبور الصراط يوم ينسى الخليل خليله ، والصاحب صاحبه ، وكلٌ يقول: نفسي نفسي ، والرسل تقول : اللهم سلِّم سلِّم .

    أيها المُمْـتَحِن –وكلنا مُمْـتحَن- تذكر وقوفك لاستلام النتيجة ، يوم يوقف العبد بين كفتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق : لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا. ذاك هو النجاح ، عندها يطرب ويفرح ويقول : ( هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَه ) وإن خفَّ ميزانه نادى المَلك بصوت يُسْمع الخلائق : لقد شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا . فذاك هو الرسوب . عندها يقول : ( يَا لَيتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه ) لا إله إلا الله ما عساك فاعل يوم ينادى باسمك يا فلان ابن فلان هلم إلى العرض على الله قمت ولم يقم غيرك يا لضعفك يا لشدة خوفك يا لخفقان قلبك يوم تقف بين يدي الملك الحق المبين وبيدك صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة يا لله لك يوم تقرأ صحيفتك بلسانٍ كليل وقلبٍ كسير و حياءٍ من الله عظيم بأي لسان تجيبه حين يسألك عن عملك القبيح بأي لسان تجيب يوم يسألك يا أيها الممتحن عن عمرك فيما أفنيته و شبابك فيما أبليته و مالك يا من جعلت الربا و الفوائد عنوانا له مالك من أين اكتسبته و فيما أنفقته و عن علمك ماذا عملت فيه بأي قدمٍ تقف غدا بين يديه بأي عين تنظر إليه بأي قلب تجيب عليه ما تقول له إذا قال لك يا عبدي ما أجللتني أما استحييت مني أما راقبتني استخففت نظري إليك ألم أحسن إليك ألم أنعم عليك عندها تكاد تسقط فروة وجهك حياء من الله فكيف بك إن شقيت فيا أيها الممتحنون غدا و كلنا ممتحن لمثل هذه المواقف فأعدوا وتذكروا بامتحان الدنيا وقوفكم بين يدي المولى إذ تعدوا وأعدوا وتزودوا وخير الزاد التقوى . جد واتعب أيها الطالب وانصب فوالذي نفسي بيده لن تجد طعم الراحة إلا عند أول قدم تضعها في الجنة.
    فانتبه من رقدة غفلة فالعمر قليل *** واطرح سوف وحتى فإنهم داء دخيل
    أفق قد بنى الموت الذي ليس بعده *** سوى جنة أو حر نار تضرم
    وتشهد أعضاء المسيء بما جنا *** كذاك على فيه المهيمن يختم
    فاتق الله وقًصِّر أملا *** ليس في الدنيا خلود للمنى

    ألا وصلوا وسلموا على نبينا محمد فقد أمرتم بالصلاة عليه ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وأهله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم دمر أعداء الدين اللهم انصر عبادك الموحدين اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين الله من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره واجعل الدائرة عليه واجعل كيده في نحره وزلزل الأرض من تحت قدميه اللهم لا ترفع له راية واجعله لمن خلفه آية يا كريم يا قوي يا جبار اللهم برحمتك اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم و اغسلهم بالثلج والماء والبرد اللهم ارحمنا برحمتك إذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه اللهم آنس وحشتنا في القبور وآمن فزعنا يوم البعث والنشور سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

    فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأمر بالمعروف


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وأذان صما وقلوب غلفا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا .
    يا أمة الحق والآلام مقبلة متى تعين ونار الشر تستعر
    متى الهواء وقد ضمت مصيبتنا متى الخلاص وقد لمت بنا العبر
    متى يعود إلى الإسلام مسجده متى يعود إلى محرابه عمر
    أكل يوم يرى للدين نازلة وأمة الحق لا سمع ولا بصر


    عباد الله: ونحن نعيش زمنًا عصيبًا، ووقتا دقيقًا وحرجًا، يتعلق بمصير أمتنا، أقول: إن النجاة في انقيادنا لكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلقد كتب الله لهذه الأمة حين تحيد عن كتاب الله أن تتقلب في ثنايا الإهانات، وتتنقل من هزيمة إلى هزيمة، فلنرفع الغطاء عن أعيننا، ولنكن صرحاء مع أنفسنا، كفانا نكبات، وكفانا كوارث، وكفانا نكسات، وكفانا تلمس النصر في ثنايا البشر من دون الله، كفانا كوننا عن كتاب الله بعيدين، وعن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- حائدين، ولنعُد إلى الحق المبين، فاسمعوا إليه يوم يقول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ)
    ألا فاتقوا الله حق تقواه، يا عباد الله، واعلموا أن من أسباب النجاة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن أسباب السقوط والهلاك: السكوت عن المنكرات، قال تعالى: (وأَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ).
    ألا فاعلموا: أن من أعظم خصائص أمتنا: أنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وأن علماءها يغضبون إذا انتُهكت محارم الله، ودعاتها يشتاطون غيظًا وغضبًا لانتهاك حدود الله، فهي المأمورة بقوله: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ألا فلتكن طائفة تقف على حدود الله؛ ترعى المجتمع، تنظر لأحوال الأمة، لا تسمح للجريمة، غَضِبَ مَنْ غضب، ورَضِيَ مَنْ رضي، ليكن منكم علماء ودعاة يقفون أمام الشرور والمنكرات، يؤدون رسالة الله، ليرحمنا الله- عز وجل- (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) ويوم يترك الأمر بالمعروف، فلنعلم أننا نحارب الله، ولنعلم أن غضب الله قد طوَّقنا، وأن سخط الله قد قرب منا، فإن تمادَتْ بنا الأهواء والخور؛ فهي العقوبة لا تُبقي ولا تذر.
    ما نتيجة أن يقر الناس على الجريمة، ويسكت على الفاحشة، ويقدم العاصي، ويؤخر المؤمن المرضي الراضي، ما نتيجة ترك الصلوات؟ وتعاطي المخدرات؟ والركون إلى الذين ظلموا؟ وسماع الأغاني الماجنات؟ والجري وراء الشهوات؟ والمجاهرة بكل هذه المنكرات؟
    ما نتيجة الرضا بكل هذه المنكرات؟ وما نتيجة السكوت على هذه المنكرات؟
    إن نتيجة ذلك ومعناه سوف تختل الأمور، ويغضب الله وملائكته، معناه أن البركة نزعت؛ لأننا سمعنا ورأينا وفسدنا، فما حرَّكنا ساكنًا، وإلا لماذا كنا خير أمة أخرجت للناس؟، كنا كذلك بالأمر والنهي؛ نأمر بالمعروف بالمعروف، وننهى عن المنكر بالمعروف، وإلا فان العذاب والسوء ينتظرنا. في الأثر "أن الله- جل وعلا- أوحى إلى جبريل -عليه السلام-: أن اقلب مدينة <سبأ> على من فيها. -وجبريل كما تعلمون أعطاه الله قوة هائلة، يقتلع الجبال والوديان والثغور والأشجار والأحجار، له ستمائة جناح- بجناح واحد حمل أربع قرى، ورفعها إلى السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم رماهم، فجعل العالي سافلا، أرسله الله إلى هذه المدينة ليقلبها على من فيها، فقال: يا رب إن فيها عبدَك فلانًا، لم يعصِك طرفة عين، قال الله: فبه فابدأ؛ لأنه لم يتمعَّر وجهه فيَّ قط." لا إله إلا الله، يصلي ولم يعصِ الله طرفة عين، لكنه يرى المنكر فلا يغار، ويسكت عليه، فنزل جبريل، فأخذه بطرف جناح من معبده، فجعله في أول موكب المعذبين (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) لم لعنوا؟ (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
    ذاك في بني إسرائيل، لكن والله قد وجد في مجتمعاتنا من يدعو إلى عدم التكلم عن الجرائم، والمنكرات، وعدم تشخيصها، وتحذير الأمة منها، ووالله ما حصل ذلك إلا وهلكت الأمة، وذهبت إلى الدمار، والعار، والنار، (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ) الزنى ودور الخمر فشت، وقطيعة الرحم والعقوق ذاعت، وتَفْوِيت الجماعات شاع، والتطفيف في المكيال والميزان زاد، والضغينة والمنكرات فاحت رائحتها، وعلماء بني إسرائيل ساكتون، صامتون، ملجمون، لماذا؟ سكتوا –والله- رغبةً أو رهبةً، والسكوت –دائمًا- إما رغبة وإما رهبة؛ إما رغبة في حطام فانٍ أو منازل ومناصب، أو وظائف لا تسمن ولا تغني من جوع، وإما رهبة من سوط وقسوة بعض الظلمة، فسكتوا، فماذا كان الجزاء؟ قال سبحانه: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)

    قال أهل العلم: كان في الميثاق الذي أخذ عليهم: أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، صح عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال –في حديث ابن مسعود، الذي رواه الترمذي-: "إنما دخل النقض على بني إسرائيل أنه كان إذا لقي أحدهم أخاه، وهو على الفاحشة، قال له: اتق الله، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وقعيده وشريبه، فلما فعلوا ذلك لعنهم الله، وعمَّهم بعقاب وغضب من عنده، كان- صلى الله عليه وسلم- متكئًا فتربع، وجلس، وقال: كلا والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم." لا إله إلا الله، نعوذ بالله من لعنة الله، وغضب الله، "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم"، أترضون أن يعم الشر؛ فيُؤخَذ الصالح والطالح، وأن تنزل لعنة الله، وإذا تنزلت لا ترفع؟ أترضون أن يمقتنا الله من فوق سماواته؟، أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أما اتكلنا على غير الله، أما عمت الشعوذة والخرافة في بعض القرى والبوادي؟، أما انتشر الفحش؟ أما استبدل القرآن في بيوت كثير من الناس بالأغنية؟ أما عهد في متاع القرآن باللهو والمجون؟ أما ضيعت الصلوات- إلا في بيوت من رحم الله-؟ أما تُهُوِّنَ بالجماعات؟ أما انتشر الربا وسُكت عليه؟ أما قطعت الأرحام؟ أما أُعلن الإلحاد؟ أما سُبَّ الإله؟ أما سُبَّ محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ أما قُتل المسلمون؟ أما أُحييت الليالي على الماجنات من المغنين والمغنيات؟ أحييت على -هل رأى الحب سكارى مثلنا- ورفع ستار الخجل، وغيرها من الترهات والخزعبلات؟ أما أُخذ الميراث؟ أما عُقَّ الوالدان، ولم يؤخذ على أيدي هؤلاء، والدعاة مئات ومئات، والعلماء كذلك، والجامعات تخرج، والمعاهد والمدارس؟

    فيا طلبة العلم، ويا أيها العلماء، ويا دعاة الإسلام: هذا وقت الأمر والنهي، من يأمر وينهى إن لم تأمروا وتنهوا؟ إنا لا ندعو لمضاربة الناس، ولا لشتمهم، ولا لجرح شعورهم، ولا للتشهير بهم، حاشا وكلا لكن ندعو إلى إنقاذ الناس من الضلالة ندعو إلى إنقاذ الناس من النار ندعو إلى أخذ الناس بمركب النجاه ندعو إلى الأخذ بحبل الله؛ بكلمة الحق في أي مكان، بالنصيحة في الشارع، بالقدوة الحسنة، بالزيارات، يقول محمد –صلى الله عليه وسلم-: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان." وفي رواية" ليس بعد ذلك حبة خردل من إيمان" وعن [عبادة بن الصامت]- رضي الله عنه وأرضاه- قال:" بايعنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، ومنا من وفى بذلك؛ فأجره على الله"، ألا لا تأخذ المسلم في الله لومة لائم، يغضب مَنْ يغضب إذا رضي الله، ويسخط من يسخط إذا رضي الله، من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عليه، وأرضى عليه الناس، والله إذا علم منك أنك تريد إرضاءه، أرضى عنك الناس، وحماك وسددك وكفاك وآواك، ألا فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، صح عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" مثل القائم في حدود الله- أي الذي يأمر وينهى- والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان قوم أعلاها، وقوم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على الذين في أعلاها، فظنوا أنهم آذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في الجانب السفلي لما آذينا الذين فوقنا" ثم قال- عليه الصلاة والسلام-: "فإذا تركوهم هلكوا، وهلكوا جميعًا، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا."
    وهذا مثل من يترك المفسدين الفجرة، الذين يلعبون بالأعراض والمبادئ والقيم، ويقول: نفسي نفسي، يصلي ويخرس كالشيطان الأخرس، من بيته إلى المسجد، ويرى الأمم، ويرى الأجيال، والشباب تائهين، ضائعين، حائرين، ثم لا يقول هذا هو الطريق ليبقى وديعًا، هادئ البال، مطمئنًا مرتاحًا، من كلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يرى الجرائم ولا يتكلم بكلمة، أما –والله- لو أن أحدنا أمر بأمر بسيط، أو نهى عن منكر في اليوم الواحد بالتي هي أحسن، لصلح حالنا، من ننتظر أن يصلح حالنا إذا ما لا أصلحنا؟ (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

    لكن يشترط فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر شروط:
    أولها: أن يكون أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، خالصًا لله، لا يبتغي الأجر إلا من الله، لا ليقال أمر ونهى؛ فإن الله سوف يرد عليه مقاصده، ولا يجعل لدعوته أثرًا ولا فائدة ولا نفعًا، وأن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة وحكمة (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وأن يكون عاملا بما يقول، وما أقبح من ينهى الناس، وهو واقع فيما ينهى عنه!، لن تقبل دعوته.
    لا تنه عن خلقٍ وتأتيَ مثله *** عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
    ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
    وأن تكون الدعوة بالتي هي أحسن؛ بالتحبب إلى القلوب، بشراء الأرواح، إن الذي يأتي ليغير منكرًا بمنكر، ما فعل شيئًا، بل أعان الشيطان على أخيه، إن من يجرح ويفضح الناس، ويشتم الناس، ويسب الناس، لن يجد أثرًا لدعوته، يقول [الإمام الشافعي] –وهو يعلن مبدأ عظيمًا من مبادئ الدعوة إلى الله-:
    تعمدني بنُصحكَ في انفرادي *** وجَنِّبْنِي النَّصِيحةَ في الجماعة
    فإن النصحَ بين الناسِ نوعٌ *** من التوبيخِ لا أرضى استماعَه
    فإن خالفتني وعصيتَ أمري *** فلا تجزع إذا لم تُعْطَ طاعة

    ألا يا عباد الله: مروا بالمعروف، لا تخشوا إلا الله، لا خير فيكم إن لم تقولوا كلمة الحق، ولا خير فيمن لم يسمعها، ولا تظنوا أن الطريق مفروش بالورود لمن أمر ونهى، إنه طريق محمد -صلى الله عليه وسلم- أوذي فيه، ووضع سلا الجذور على ظهره، ووضع الشوك في طريقه، وأُدمي عقباه، وشُجَّ وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما ضعف وما استكان، وما هان، وما كان له ذلك، وللدعاة من بعده، قدوة فيه –صلى الله عليه وسلم-. هاهو[ عبد الله بن علي]- الحاكم العباسي- عم [أبي جعفر المنصور]، يوم دخل لمصر محتلا، دخلها في يوم واحد، فقتل ثمانية وثلاثين ألف مسلم في ست ساعات، قتل هؤلاء كلهم، كان من جبابرة الدنيا، حتى أدخل الخيول في مسجد بني أمية، ثم دخل قصره، وقال: من يعارضني فيما فعلت؟ قالوا: لا يعارضك أحد، قال: أترون أحدًا من الناس يمكن أن ينكر علىَّ، قالوا: لا يمكن أن ينكر عليك أحد إلا – [الأوزاعي] –عالم الدنيا في ذلك الوقت، الزاهد، المحدث الكبير-، قال: عليَّ بالأوزاعي ، فلما نُوِدي الأوزاعي، علم أن الموت ينتظره، وأن الله أراد أن يبتليه؛ إما أن ينجح، أو يرسب رسوبًا ما بعده رسوب، علم أن الله أراد أن يمتحنه ليصبر، أولا يصبر، قالوا: للأوزاعى عبد الله بن علي يدعوك لمقابلته اليوم، الدماء تجري لا زالت لم تجف على أرض دمشق. فماذا كان من هذا العالم الزاهد؟ لبس أكفانه بعدما اغتسل، ثم لبس ثيابه من على أكفانه، ثم أخذ عصاه، وخرج من بيته، وقال: يا ذا العزة التي لا تُضام، والركن الذي لا يُرام، يا من لا تُهزَم جنوده، ولا يُغلب أولياؤه، اللهم أنت حسبي، ومن كنت حسبه فقد كفيته، ثم دخل، وقبل أن يدخل سمع عبد الله بن علي، فصف وزراءه وأمراءه ميمنة وميسرة، ليُرهب هذا العالم، ثم مد سماطين من الجلود، ثم أمرهم أن يرفعوا السيوف حتى التقت رؤوسها، ثم قال: أدخلوا الأوزاعي، فدخل من بين السيوف، فلما دخل، ووقف عند عبد الله بن علي، غضب هذا الأمير غضبًا حتى انعقد جبينه، قال: أأنت الأوزاعي؟ قال: يقول: الناس أنِّي الأوزاعي، قال: الأوزاعي في هذه اللحظة قال: والله ما رأيته إلا كأنه ذباب أمامي، يوم أن تصورت عرش الرحمن بارزًا يوم القيامة، وكأن المنادي ينادي: فريق في الجنة وفريق في السعير، والله ما دخلت قصره إلا بعت نفسي من الله- عز وجل- قال الأمير: ما ترى في هذه الدماء التي سفكنا؟ قال: حدثني فلان بن فلان عن فلان عن جدِّك عبد الله بن عباس، أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال:" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، فغضب حتى أصبح كالحية يتلظى، قال: ورأيت الوزراء يرفعون ثيابهم؛ لئلا يصيبهم دمي إذا قُتلت، قال: وأخذت أرفع عمامتي ليقع السيف على رقبتي مباشرة، قال: فرفع رأسه، فقال: ما ترى في هذه الأموال التي أخذت، وهذه الدور التي اغتصبت؟ قال: قلت: سوف يجردك الله يوم القيامة، ويحاسبك عريانًا كما خلقك؛ فإن كانت حلالا فحساب، وإن كانت حرامًا فعقاب، قال: فتلمظ كالحية، ورأيت الناس يتحفزون لئلا يقع دمي عليهم. قال: وكنت أقول في نفسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. قال: فما كان منه إلا أن قال: اخرج.قال فخرجت فما زادني ربي إلا عزة وكرامة. لما مات هذا الإمام، أتى عبد الله بن علي ذلك الجبار إلى قبره، وقال: والله إني كنت أخافك أخوف أهل الأرض، والله إني كنت إذا رأيتك رأيت الأسد بارزًا، لم خافه؟ لأنه صدق مع الله، واعتصم بحبل الله، وخاف الله فخوف الله منه كل شيء. و هاهو [الأسود العنسي]- طاغية اليمن- الكافر، الساحر، القبيح الظالم، يجتمع حوله اللصوص، وقطاع الطرق؛ ليكونوا فرقة للصد عن سبيل الله، ليذبحوا الدعاة إلى الله، ذبح من المسلمين من ذبح، وحرق من حرق، وطرد من طرد، وفر الناس بدينهم، أخذ يهتك الأعراض، ويعذب الدعاة، ومن بين هؤلاء الدعاة المخلصين [أبو مسلم الخولاني]- عليه رحمة الله ورضوانه- عذبه فثبت كثبات سحرة فرعون، حاول أن يثنيه عن دينه، وعن دعوته، وأمره ونهيه، فقال: كلا والذي فطرني لن أقف، فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، جمع الأسود الناس، وقال: أتعتقدون في داعيتكم أنه على حق؟ إن كان على حق، فسينجيه الحق، وإن كان على باطل فسترون، ثم أمر بالنار فأضرمت نار هائلة، تمر الطيور من فوقها فتسقط لعِظَمِ ألسنة لهب هذه النار، ثم ربط يديْ أبي مسلم ورجليه بالقيد، ووضعوه في مقلاع، ثم نسفوه بالمقلاع ليهوي في خضم لهيب النار، ولظاها، وجمرها، وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، كاد الموحدون أن تنخلع قلوبهم، وقف الناس ينظرون، وبدأت النار تخبو وتضعف، وإذ بأبي مسلم يخرج من طرفيها الأخر ماشيًا على قدميه، قد فكت النار وثاقه، عليه ثيابه لم تحترق، يدوس بقدميه الحافيتين الجمر، ويتبسم وينظر إلى الناس، ذهل الطاغية، وخاف أن يسلم من لم يسلم، فهددهم، وتوعدهم، ليصدهم عن سبيل الله، أما أبو مسلم فخرج من النار، وواصل مشيَه فارًا بدينه، والمؤمنون يتبعونه، حتى وصل إلى المدينة –في عهد أبي بكر، رضي الله عنه وأرضاه- دخل المسجد، وصلى ركعتين، وسمع به عمر –رضي الله عنه-، فجاء يَجِدُّ السير إليه، فلما رآه قال: أأنت أبو مسلم؟ قال: نعم، قال: أأنت الذي قذفت في النار، وخرجت منها سليمًا؟ قال: نعم، فاعتنقه عمر يبكي، ويقول: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مثل إبراهيم الخليل -عليه السلام- ألا فادعوا الله أيها المسلمون، ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واعتصموا بحبل الله، فوالله لو كادتكم السماوات والأرض ليجعلن الله لكم منها فرجًا ومخرجًا.
    فاشدد يديْك بحبلِ الِله معتصمًا *** فإنه الركنُ إن خانتك أركانُ
    و هاهو أحد الصالحين، ذكر أهل السير أنه دخل على [ابن مقلة]، وزير المجرم العباسي، سفك الدماء، ونهب الأموال، فاعترض عليه هذا الرجل الصالح، وأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر؛ فما كان منه إلا أن جلده عشر جلدات، فقال: أتجلدني يوم آمرك وأنهاك؟ أسأل الله أن يقطع يدك ولسانك. ويستجيب الله دعاء المخلصين الصادقين، ما مر عليه ستة أشهر حتى أُخِذت أمواله، وقطعت يده، وقطع لسانه، وأخذ يبكي، ويكتب على الحيطان:
    ليس بعد الحياةِ لذةُ عيشٍ *** يا حياتي بانت يميني فبِيني
    يبكي ويكتب على الحيطان:
    إذا ما مات بعضك فابكِ بعضًا *** فإن البعضَ من بعضٍ قريبُ

    يا عباد الله: الأمر والنهي من خصائصنا إن كنا نريد الخيرية والأمان والاطمئنان، ومتى تركناه فلننتظر الجوع، والدمار، والحرب، والخوف، والجفاف، والغضب، والمقت، واللعنة. هاهو أبو الدرداء لما فتح المسلمون جزيرة قبرص، رأى صراخ أهلها، وبكاء بعضهم إلى بعض، فبكى كثيرًا، قيل له: يا أبا الدرداء: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحكم، ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينما هم أمة ظاهرة طاهرة تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترون. ولا نذهب بعيدًا بل نقلب النظر إلى من كانوا في رغد من العيش، في هناء وسعادة، فطغى أمراؤهم، وسكت علماؤهم، وأُبْلس دعاتهم، فما تُكِلم بمعروف، وما نُهِي عن منكر، ولم يؤخذ على يد ظالم، فأمهلهم الله، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى إن أخذه أليم شديد وما هي من الظالمين ببعيد). إليكم خياريْن لا ثالث لهما: إما أمر بمعروف، ونهي عن منكر بقوة، وأخذ على يد الظالم. وإما ضرب للقلوب، ثم لعنة توجب طردًا وإبعادًا من رحمة الله- جل وعلا- أقول هذا إعذارًا بين يدي الله، وإقامة للحجة عليكم، وتحذيرًا من أن يقع بنا بأس الله؛ فإن بأس الله لا يُرد عن القوم المجرمين، بينما الأمم هانئة وادعة، تترك أمر الله، وترتكب نهيه، ولا آمِر، ولا ناهٍ، إذ بالجو يدلَهِمُّ، والدماء تجري، والخوف والقلق يعم، هذه سنة الله، يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. يا أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا يومه، بل هذه ساعته، هذا وقت البيان، آن الوقت لئلا تأخذ الأمة في الله لومة لائم، إن الأمر جد خطير، وإن الله ينذر، ثم ينذر، ثم ينذر، ونُذُرُ الله تأتي في صور متعددة؛ فإن ارعوى الناس، وآبوا، وعادوا، وإلا (وَإِنْ تَتَوْلَّوْا يَسْتَبِدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) أسأل الله أن يوفق الأمة وولاتها إلى القيام بمسئولية الأمر والنهي على الوجه الذي يرضي ربنا عنا، اللهم اجعلنا خير أمة أخرجت للناس بأمرنا ونهينا، كما كنا إنك على كل شيء قدير. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: قال الله- تعالى- مخاطبًا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ)
    هذه قصة قرية أُخِذت أخذ عزيز مقتدر، فضحها الله، وجعل أشخاصها قردة وخنازير، يوم تركوا أمره ونهيه، قرية كانت على الشاطئ مجاورة للبحر، حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فوقفوا لا يصطادون يوم السبت، فزاد الله ابتلاءهم ابتلاءً، وامتحن صدقهم وإخلاصهم، فجعل الأسماك يوم السبت تأتي سابحة إلى الشاطئ، وفي بقية الأيام لا تكاد تجد سمكة إلا قليلا، فانقسم الناس حيال أمر الله- عز وجل- إلى أقسام- وهم في كل زمان بهذه الأقسام:
    قسم هم أهل الخبث والخيانة والفجور، قالوا: نجري جداول وأنهارًا إلى داخل الشاطئ، فإذا دخلت الأسماك سددنا عليها يوم السبت وأخذناها يوم الأحد، أَعَلَى الله يضحكون؟ أم على الله يمكرون؟ يخادعون الله وهو خادعهم.
    وقسم أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وقال: لا تفعلوا هذا، بل اتقوا الله، وخافوا الله، واحفظوا الله، فلم يسمع لهذا القسم. وقسم آخر: قال اتركوهم. لِمَ تنهونهم؟ الله سيعذبهم، فقال الدعاة إلى الخير: نأمرهم معذرة أمام الله –عز وجل- يوم يجمع الأولين والآخرين، علهم أن يهتدوا، فنحن لا نعلم أن الله قد طبع على قلوبهم، بدأ أهل الخبث في تنفيذ خطتهم، وخداعهم، ومكرهم، فقام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر-الذين يثقون بما يعد الله به- قاموا بجعل سور بينهم وبين الفجرة الماكرين؛ حتى لا يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل السوء، وتركوا في الجدار نوافذ؛ ليتطلعوا أخبارهم من خلالها، ليكون لهم في ذلك عبرة.
    أما القسم الآخر فسكتوا، ولم يمكروا، لكنهم، رضوا بالمنكر، والراضي كالفاعل، ويأتي صباح يوم من أيام الله، يوم يغضب الله، ويسخط على أعدائه، فيمسخ أولئك قردة وخنازير، فوجئ الدعاة، وإذ بالنوافذ ممتلئة خنازير وقردة، يقولون: من أنت؟ فيقول الرجل: أنا فلان، وهو على صورة خنزير، والمرأة تقول: أنا فلانة، وهي على صورة خنزير، وقعوا فيما يغضب الله، وتركوا الأمر والنهي؛ فصاروا قردة وخنازير، ثم أتى الله بأولئك الذين سكتوا، وما تكلموا، الذين يقولون في كل زمان: إن الدعوة تطرف وتزمُّت، أتى الله بهم فأدخلهم في الحظيرة، فحولهم قردة وخنازير، هم احتالوا على الله، لكنهم سكتوا على المنكر، والراضي كالفاعل، ولا يظلم ربك أحدًا، أما أولئك الدعاة الآمرون والناهون فسلموا في الدنيا، ولهم السلامة في الأخرى (وأَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) إن من يسكت، ويقول: نفسي نفسي، سيأخذه الله مع الطالحين (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى). تداعت علينا الأمم، ونحن كثرة كاثرة، لكن غثاء كغثاء السيل، أيقاظ نيام في الغالب، نؤمر فلا نأتمر، ونُنهى فلا ننتهي- إلا من رحم الله- وقليل ما هم، والحوادث شاهدة.
    حلت بنا الأحداث، وطوقنا الأعداء، وخوفنا الله، فما زادنا ذلك إلا طغيانًا كبيرًا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)
    أأخي: إن من الرجال بهيمة *** في صورة الرجل السميع المبصر
    فطن لكل مصيبة في ماله *** وإذا أصيب لدينه لم يشعر
    قلنا: لعل الحوادث توقظ قلوبنا فنعود إلى الله، نأمر وننهى، ونتوب ونعود، ونغير، ونبدل، فما حصل شيئ من ذلك- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- أسألكم بالله: هل كان الذين يتخلفون عن الجماعة عادوا لحضور الجماعات أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم: هل كان الذين كانت بيوتهم تعج بالمنكرات، والمغريات، والملهيات، هل خرج منها شيء من هذه المنكرات في أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم عن الذين يصبح أولادهم على الرسوم المتحركة، ويمسون على الأغنية والفيلم، والمسلسل الرخيص، والتمثيلية التي تدعو إلى الرذيلة، هل غيَّر واحد من برنامجه أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم عن المختلطين، والذي أصبح الاختلاط دينًا لهم في كل مناسبة، هل تركوا الاختلاط أثناء هذه الحوادث؟ هل اعتبروا؟ هل تفكروا؟ أسألكم عن أسواقنا، وعن المتبرجات، والمنكرات فيها، هل غير فيها شيء أثناء هذه الحوادث؟ هل نزل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر إلى تلك الأسواق؟ أسألكم هل مسلم لا زال فيه بعض الإسلام حركته هذه الحوادث، فقفل محلا من محلات الفيديو في هذه البلدة؟، أسألكم هل رجل صاحب تسجيلات للأغاني في هذه البلدة أقفلها؟ أو غيرها إلى تسجيلات إسلامية أثناء هذه الحوادث؟ ألا هل علم هؤلاء أصحاب الفساد، ألا هل علموا بأنهم يأكلون حرامًا؟ أسألكم هل اتجه الناس أثناء الحوادث إلى المساجد بدلا من اتجاههم إلى المقاهي والملاعب؟ أم زاد الاتجاه إلى الملاعب والمقاهي؟‍
    أبالرياضة نبني مجد أمتنا *** أم بالفنون وبالأفلام ننتصرُ

    أسألكم: هل رأيتم مسلمًا أثناء هذه الحوادث رجع إلى الله، فأعفى لحيته بعد أن كان يحلقها، ورفع إزاره بعد أن كان مرخيًا له؟ أسألكم هل سمعتم بتاجر قد أخذ أمواله ووضعها في مصرف لا يتعامل بالربا أثناء هذه الفتن؟ بل أسألكم عن أهم شيء في مثل هذا الوقت: هل سمعتم بالناس يتحدثون عن الجهاد في سبيل الله أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم هل تحرك الناس، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، أثناء هذه الحوادث؟ يموت الميت في هذه الحوادث فلا نرى مراسم العزاء البدعية أثناء هذه الحوادث تنتهي، ألا هل تغير شئ؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد ما تغير شيء في الغالب، بل ازداد الناس طغيانًا، وتوكلا على غير الله، وكأنهم يقولون: رب عجل لنا العذاب. المتخلف عن الجماعة لا زال، والمنكرات والملهيات بدأت تدخل البيوت بحجج واهية شيطانية، الراعي في بيته غش رعيته، فلم يأمرهم، ولم ينهَهم، أمسى على الأخبار، والصحف، والأفلام، والمجلة، والمسلسل، وما رفع يده، ورعيته إلى الله رب البرية، ما كأنه سمع قول محمد- صلى الله عليه وسلم-" ما من راعٍ استرعاه الله رعية فأمسى غاشًا لهم إلا لم يرد رائحة الجنة" الاختلاط كما هو، والأسواق تعج بالمنكرات، وما رأينا آمرًا وناهيًا، الفيديو والتسجيلات الغنائية تزيد يومًا بعد يوم، حلق اللحى يتضاعف، وإسبال الثياب كالنساء يفشو، والحديث عن الجهاد يخبو ويضعف، بل لا يذكر أبدًا، والسكوت عن المنكرات يزيد، لا إله إلا الله، ما أحلمك!، ما أكرمك!، تمهل الظالم حتى إذا أخذته لم تفلته! اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفرطين ولا مفتونين. يا مسلمون، يا مؤمنون، يا عقلاء: أخاطب فيكم الإسلام، والإيمان، والعقل: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واصدقوا، وأخلصوا لله، من عنده علم فليخرجه قبل أن يُلجم بلجام من نار.
    من عنده منكر فليخرجه وليتخلص منه، قبل أن يندم فلا ينفعه ندم. من عنده مال فليسخره للقضاء على المنكرات، وليسخره لدعم المسلمين في كل مكان، يا أيها التجار، يا من يملك مالا يا من ستسأل عن مالك، من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ الميدان فسيح لك هذه الأيام، يا أيها التجار: اشتروا محلات الفيديو، اشتروا تسجيلات الغناء، واقلبوها إلى تسجيلات إسلامية، تكونوا بمالكم قد دعوتم إلى الله وأنتم في متاجركم، وقضيتم على المنكرات، يا أيها الشباب: لتنزلوا إلى الأسواق فتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر بالمعروف، يا من لا يستطيع هذا ولا ذاك: مر بالمعروف في بيتك، وانهَ عن المنكر، واعلموا يا عباد الله أن دين الله ليس عليه خطر، ولا على رسالة الله خوف. الله تكفل بحفظ دينه من دونكم، لكننا نحن بدين الله نحفظ أنفسنا وأمتنا، وجيلنا، نحن بحاجة إلى هذا الدين، فلنراجع أنفسنا، لا يزال الله يمهلنا، انهضوا، وعودوا، وتوبوا، ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وبادروا إلى الخيرات لعلكم تنجون من عذاب الله القائل (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ) يا أيها الأخيار، يا أمراء القبائل، يا مشايخ القبائل: أنتم قدوة لمن أنتم رعاة لهم، بصلاحكم يصلح الله القرى والبوادي، كفى نومًا، وكفى طغيانًا، اجتمعوا مع الشباب، وادعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في قراكم، واقضوا على المنكرات؛ ليصلح الله لكم المجتمع، وليؤمنكم مما تخافون. إن السنن الإلهية لا تجامل أحدًا، بل تجري على كل من استحقها، ولو كان حرًا قرشيًا، ومن هذه السنن: أنه ما من بلدة أعلنت الحرب على الأمر بالمعروف، إلا جاءها عذاب الله بكرة أو عشية، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء. اللهم انصر من نصر الدين، واجعلنا من أنصاره، واخذل من خذل الدين، ولا تجعلنا ممن خذله. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا. اللهم انصرهم، وسدِّدهم، وثبِّتهم، وأيِّدهم، يا قوي يا عزيز. اللهم فرِّق جمع أعداء المسلمين، اللهم رد كيدهم، وامكر بهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بسوء فاشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، ومزِّقه كل ممزق، يا قوي يا عزيز. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقِّهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم آنسْ وحشتنا في القبور، وآمِن فزعنا يوم البعث والنشور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    النصح فى ليلة أنس وعرس

    باقة من بستان
    النصح فى ليلة أنس وعرس
    للشيخ محمد حسان

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريط له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}( )
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ( )
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} ( )
    أما بعد:
    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد  ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار. ( )
    أما بعد:
    فمرحباً مرحباً بأحبتى فى الله:
    نضر الله هذه الوجوه التى طال شوقنا إليها وزكى الله هذه الأنفس التى انصهرنا معها فى بوتقة الحب فى الله.
    وشرح الله هذه الصدور التى جمعنا وإياها كتاب الله. وإنه لمن فضل الله تعالى أن نلتقى بحضراتكم أول ما نلتقى بعد طول غيبة فى هذه المناسبة السعيدة الكريمة المباركة.
    وصدق الله إذ يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}( )
    وحتى لا أطيل عليكم فسوف أركز الحديث فى عدة عناصر:
    أولاً: ليلة هانئة وعيشة راضية.
    ثانياً: وصية أم لابنتها عند الزواج.
    ثالثاً: وصيتى للشباب والأزواج.
    رابعاً: نداء للآباء والأمهات.
    فأعيرونى القلوب والأسماع وتعالوا بنا لنبدأ بالليلة الهانئة.
    أولاً: ليلة هانئة وعيشة راضية.
    حدثنا التاريخ أن شريحاً القاضى قابل الشعبى. وأظنكم تعرفون شريحاً إنه شريح بن شراحيل أو شرحبيل الذى ولاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه قضاء الكوفة فأقام عليه ستين سنة وضرب المثل بعدله وصدقه ومن أراد أن يرجع إلى ترجمته فليرجع إلى كتاب سير أعلام النبلاء للذهبى فى المجلد الرابع.
    أما الشعبى فهو التابعى الجليل علامة عصره وزمانه ولد سنة ثمان وعشرين من الهجرة وقال فى حقه سعيد بن زيد عن مكحول قال: ما رأيت أحداً أعلم من الشعبى.
    له ترجمة طويلة فى سير أعلام النبلاء فليرجع إليها من أراد فى المجلد الرابع أيضاً.
    أيها الأحباب: يحدثنا التاريخ أن شريحاً قابل الشعبى يوماً فسأله الشعبى عن حاله فى بيته فقال له شريح: منذ عشرين عاماً لم أر ما يغضبنى من أهلى، قال له وكيف ذلك؟ قال شريح: من أول ليلة دخلت على امرأتى ورأيت فيها حسناً فاتناً وجمالاً نادراً، قلت فى نفسى أصلى ركعتين شكراً لله عز وجل.
    فلما سلمت وجدت زوجتى تصلى بصلاتى وتسلم بسلامى. فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء قمت إليها فمددت يدى نحوها فقالت: على رسلك يا أبا أمية كما أنت. ثم قالت: إن الحمد لله أحمده واستعينه واصلى على محمد وآله وبعد. فإنى امرأة غريبة، لا علم لى بأخلاقك، فبين لى ما تحب فآتيه، وبين لى ما تكره فأتركه، ثم قالت: فلقد كان لك فى قومك من هى كفء لك،، ولقد كان فى قومى من هو كفء لى، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً،وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
    أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولك.
    من منا سمع مثل هذا الكلام ليلة عرسه!؟؟
    قال شريح: فأحوجتنى والله يا شعبى إلى الخطبة فى ذلك الموضوع، فقلت: أحمد الله واستعينه وأصلى وأسلم على النبى وآله وبعد فإنك قلت كلاماً إن ثبت عليه يكن ذلك حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك، فإنى أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما رأيت من حسنة فانشريها ، وما رأيت من سيئة فاستريها فقالت: كيف محبتك لزيارة أهلى؟
    قلت: ما أحب أن يملنى أصهارى. فقالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فآذن قوم صالحون وبنو فلان قوم سوء.
    قال شريح فبث معها بأنعم ليلة. فمكثت معى عشرين عاماً لم أعتب عليها فى شئ إلا مرة وكنت لها ظالماً.
    يالها من حياة هانية وعيشة راضية.
    وصدق من قال:
    رغيف خبز واحد
    وكوز ماء بارد
    وغرفة نظيفة
    وزوجة مطيعة
    وطفلة صغيرة
    واختارك الله له
    خير من الدنيا وما فيها
    تأكله فى زاوية
    تشربه من صافية
    نفسك فيها هانية
    عينك عنها راضية
    محفوفة بالعافية
    حتى تكون داعية
    وهى لعمرى كافية

    ثانياً: وصية أم لابنتها عند الزواج:
    خلت الأم الصالحة العاقلة البليغة أمامة بنت الحارث خلت بابنتها فى ليلة زفافها وأهدت إليها هذه الوصية الغالية.
    فانتبهوا معى أيها الأحباب وانتبهن أيتها الأخوات الفضليات والأمهات الكريمات
    قالت الأم لأبنتها: أى بنيه إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك ولكنها تذكرة للغافلة ومعونة للعاقلة. أى بنيه: لو أن امرأة استغنت عن الزوج، لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال، فخذى وصيتى فإن فيها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل.
    أى بنيه: إنك فارقت الجو الذى منه خرجت، وخلفت العيش الذى فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكة عليك رقيباً ومليكاً، فكونى له أمة يكن لك عبداً. واحفظى له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً.
    أما الأولى والثانية: فالخضوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
    وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك
    إلا أطيب ريح.
    وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه. فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
    وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله، مملاك الأمر فى المال حسن التدبير وفى العيال حسن التقدير.
    وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره ، وإن أفشيت سره لم تأمنى غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مغتماً، والكآبة بين يديه إن كان فرحاً.
    هذه هى أخلاق المرأة المسلمة، وهذا فهمها، وهذه وصيتها، وتلك ثقافتها، فبالله عليكم هل سمعتم كلاماً وعقلاً وحكمة كهذه.
    هذه هى المرأة المسلمة، يوم أن تسربلت بأخلاق الإسلام، وتربعت على عرش حياتها تهز المهد بيمينها وتزلزل عروش الكفر بشمالها، ووالله من كانت هذه أخلاقها فهى من أهل الجنة.
    ففى الحديث الذى رواه النسائى والطبرانى فى الصغير والأوسط وهو حديث حسن بشواهده حسنة شيخنا الألبانى. أن النبى  قال: "نساؤكم من أهل الجنة الودود العؤود على زوجها (أى بالنفع والخير) التى إذا غضب زوجها جاءت حتى تضع يدها فى يد زوجها وتقول لا أذوق غمضا (أى نوماً) حتى ترضى".
    ثالثاً: وصيتى للشباب عامة والأزواج خاصة:
    أوصى الشباب بما أوصاهم به المصطفى  فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم قال النبى : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ( ) وأبشرهم بحديث رسول الله  الذى رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح، وابن حبان فى صحيحة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله  قال:" ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد فى سبيل الله، والمكاتب الذى يريد الأداء، والناكح الذى يريد العفاف".( )
    وأوصى الأزواج بنسائهم خيراً كما أمرنا الله عز وجل بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ( ) ولأمر النبى  "استوصوا بالنساء خيراً"( ) والحديث رواه البخارى ومسلم. فزوجك أمانة، أمنك الله إياها، وسوف يسألك عنها يوم القيامة، والرجل راع فى أهل بيته ومسئول عن رعيته وهذا موضوع طويل.
    وأخيراً أوصى الأباء والأمهات بعدم المغالاة فى المهور، والإسراف فى الجهاز والنفقات، وغيرها، فإنها تمحق بركة الزواج، وهذا هو الذى جعل أكثر الشباب عزباً وجعل أكثر البنات عوانس، والجريمة الأولياء الذين يتشددون فى هذا الأمر، وهذا من أقوى أبواب الفساد فى الأمة والعياذ بالله.
    واذكركم بحديث النبى  الذى رواه أحمد فى مسنده والحاكم وفى سنده عيسى بن ميمون قال البخارى منكر الحديث وباقى رجاله ثقات وأخرجه ابن حبان فى صحيحه من طريق أخر وسنده حسن. عن عائشة رضى الله عنها عن النبى  اقل: "غن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة". أسأل الله الهداية والرشاد للجميع وبارك الله للعروسين وبارك عليهما وجمع بينهما فى الخير دائماً إنه ولى ذلك ومولاه.
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    كيف نستقبل رمضان

    كيف نستقبل رمضان



    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنا سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزء عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد ..

    عباد الله .. مدرسة ستفتح أبوابها بعد أيام قليلة .. فهل ترى نحيا فندرك هذه المدرسة ونلتحق بها؟ وإذا التحقنا بها هل نخرج منها مع الفائزين أو الخاسرين؟ .
    إنها مدرسة رمضان .. مدرسة التقوى والقرآن .. وموسم الرحمة والغفران .. والعتق من النيران .
    أيام معدودة وتستقبِل الأمّة هذا الزائرَ المحبوب بفرحٍ غامِر ، وسرورٍ ظاهرٍ .
    يا رَمَضان، إنّ يومَ إقبالك لهوَ يومٌ تتفتح له قلوبُنا وصدورُنا، وتمتليء فيه نفوسنا غبطةً وأمَلاً، نستبشر بعودةِ فضائِك الطاهر الذي تسبَح به أرواحُنا بعد جفافِها وركودِها، نستبشر بساعةِ صلحٍ مع الطاعاتِ بعدَ طول إعراضِنا وإباقنا، أعاننا الله على بِرِّك ورفدِك، فكم تاقت لك الأرواحُ وهفَت لشدوِ أذانِك الآذانُ وهمَت سحائبُك الندِيّة هتّانةً بالرّحمة والغفران .
    عبادَ الله، مَن مِنَ المسلمين لا يعرِف فضلَ هذا الشهرِ وقدرَه، فهو سيِّد الشهور وخيرُها، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، من صامه وقامه غفِر له ما تقدَّم من ذنبِه، فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهر، وقد ثبت في الصحيحَين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صام رمَضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه .
    إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة ، وفضل كبير من الله تعالى ، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان .
    فعن طلحة بن عبيدالله أن رجلين من بلى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا فكان أحدهما أشدَ اجتهادا من الآخر ، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ، ثم مكث الآخر بعده سنة ، ثم توفي ، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة ، إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ، ثم خرج فأذن للذي استشهد ، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس ، فعجبوا لذلك ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثوه الحديث ، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله ، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد ، ودخل هذا الآخر الجنة قبله!!
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى . قال: وأدرك رمضان ، فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة ، قالوا: بلى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض . رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
    الله أكبر .. إنه رمضان شهرُ المرابح ، زائرٌ زاهر، وشهر عاطِر، فضلُه ظاهر، بالخيراتِ زاخر، فحُثّوا حزمَ جزمِكم، وأروا الله خيرًا مِن أنفسكم، فبالجدّ فاز من فاز، وبالعزم جازَ مَن جاز، واعلَموا أنّ من دام كسله خاب أمله، وتحقَّق فشله، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يجتهِد في رمضانَ ما لا يجتهِد في غيره. أخرجه مسلم[1].
    رمضان .. شهرُ القبول والسّعود ، والعتقِ والجود ، والترقّي والصّعود، فيا خسارة أهلِ الرّقود والصّدود، فعن أنس رضي الله عنه قال النبيّ : ((قال الله عزّ وجلّ: إذا تقرب العبد إلي شبرًا تقرّبت إليه ذِراعًا، وإذا تقرّب مني ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة)) أخرجه البخاري .
    هذا نسيم القَبول هبّ، هذا سيلُ الخير صَبّ، هذا باب الخير مفتوح لمن أحبّ، هذا الشّيطان كبّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: ((إذا جاء رمضانُ فتِّحت أبوابُ الجنة، وغلقت أبواب النّار، وصفِّدت الشياطين)) متّفق عليه، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إذا كانت أوّلُ ليلة مِن رمضان صُفّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبوابُ النار فلم يفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغيَ الشرّ أقصِر، ولله عتقاء من النّار، وذلك كلَّ ليلة)) أخرجه ابن ماجه.
    أيها الأحبة .. قرُب منا رمضان فكم قريب لنا فقدناه، وكم عزيز علينا دفنّاه، وكم حبيب لنا في اللحد أضجعناه. فيا من ألِف الذنوبَ وأجرمَا، يا مَن غدا على زلاّته متندِّمَا، تُب فدونك المنى والمغنمَا، والله يحبّ أن يجود ويرحمَا، ويُنيلَ التّائبين فضلَه تكرُّمًا .
    يا من أوردَ نفسَه مشارعَ البوَار، وأسامَها في مسارح الخَسار، وأقامَها في المعَاصي والأوزار، وجعلها على شَفا جُرفٍ هار، كم في كتابك من زَلل، كم في عملِك من خلَل، كم ضيّعتَ واجبًا وفرضًا، كم نقضتَ عهدًا محكمًا نقضًا، كم أتيتَ حرامًا صريحًا محضًا، فبادِر التّوبة ما دمتَ في زمن الإنظار، واستدرِك فائتًا قبل أن لا تُقال العِثار، وأقلِع عن الذنوب والأوزار، وأظهِر النّدم والاستغفار، فإنّ الله يبسُط يده بالنّهار ليتوبَ مسيء الليل، ويبسط يدَه باللّيل ليتوبَ مسيء النّهار.
    يا أسيرَ المعاصي، يا سجينَ المخازي، هذا شهرٌ يُفَكّ فيه العاني، ويعتَق فيه الجاني، ويتجَاوَز عن العاصي، فبادِر الفرصَة، وحاذِر الفوتَة، ولا تكن ممّن أبى، وخرج رمضان ولم ينَل فيه الغفرانَ والمُنى، صعد رسول الله المنبَر فقال: ((آمينَ آمينَ آمين))، فقيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين!! فقال : ((إنّ جبريلَ عليه السلام أتاني فقال: مَن أدرك شهرَ رمضانَ فلم يُغفَر له فدخَل النار فأبعَده الله قل: آمين، قلت: آمين)) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان .
    يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة .. هذا موسم تفتح فيه الجنان وتغلق فيه أبواب النيران.
    عباد الله .. كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشاب هنا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فليتحق بالصفوة.
    أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، إذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والبصائر؟! أما لنا فيهم أسوة؟!
    حينَما يستقبِل المسلم موسمًا يرجو غنيمَتَه فإنّه يجب عليه ابتداءً تفقُّدُ نفسِه ومراجعةُ عملِه ، حتى لا يتلبَّس بشيءٍ من الحوائِلِ والموانِعِ التي تحول بينَه وبين قبولِ العمَل ، أو تُلحِق النقصَ فيه؛ إذ ما الفائِدة من تشميرٍ مهدورٍ أجرُه وعمَلٍ يرجَى ثوابه فيلحقُ وِزره؟! فعلى العبد الصائم أن يتفقه في دينِ الله ، ويجتنب الذنوبِ والمعاصي ومحبِطات الأعمال ، ويحرص على إعفافُ الجوارح .
    قال ابن رجب رحمه الله: "واعلَم أنه لا يتِمّ التقربُ إلى الله بتركِ هذه الشهواتِ المباحَة أصلاً في غيرِ حالِ الصيام إلاَّ بعد التقرُّب إليه بتركِ ما حرّم الله في كلّ حالٍ كالكذب والظلمِ والعدوان على الناس في دمائِهم وأموالهم وأعراضهم". الخ كلامه رحمه الله .
    وإذا كان الأمر كذلك ، فليحذر الصائم مما أعدّه أهلُ الانحلال ودعاةُ الفساد والضّلال، من برامج مضِلّة ، ومشاهدَ مخِلّة، قومٌ مفسدون لا يبَالون ذمًّا، ومضلون لا يخافون لَومًا، ومجرِمون لا يراعون فطرًا ولا صومًا ، عدوانًا وظلمًا، جرَّعوا الشباب مسمومَ الشّراب، وما زادوهم غيرَ تتبيب، وتدميرٍ وتخريب .
    يا هؤلاء .. إن رمضان خيرُ الشّهور، فحذارِ حذار من انتهاكِ حرمتِه، وتدنيس شرفِه، وانتقاصِ مكانتِه، يقول رسول الهدى : ((من لم يَدَع قولَ الزّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابه)) أخرجه البخاري[6].
    أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

    الخطبة الثانية
    الحمد لله على إحسانه .
    عباد الله .. هذا هو رمضانُ .. شهرُ تزكيةِ النفوس وتربيتِها ، أعظم القرُبات فيه : الصومُ الذي افترضه الله تعالى تحقيقًا للتّقوى .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) .. والتّقوى حساسيّةٌ في الضمير ، وصَفاء في الشعورِ ، وشفافيّة في النفس ، ومراقبةٌ لله تعالى، فالصّوم ينمِّي الشعورَ بالمراقبة ، ويزكِّي النفس بالطاعة.
    أمَّا ثواب الصائمين فذاك أمرٌ مردُّه إلى الكريم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: ((قال الله عزّ وجلّ: كلُّ عمَلِ ابنِ آدم له إلاَّ الصّوم، فإنه لي وأنا أجزِي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يسخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله فليقُل: إني امرُؤ صائم. والذي نفس محمّد بيده، لخلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله يومَ القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرِح بفطره، وإذا لقيَ ربَّه فرح بصومه)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عندهما: ((يدع طعامَه وشرابه وشهوتَه من أجلي)) ، وفي صحيح مسلم أنّ النبيّ قال: ((ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنّ إذا اجتُنِبت الكبائر)).
    فاتقوا الله عباد الله .. واحرصوا على النية الصالحة والعزم الجاد على الاجتهاد في طاعة الله في رمضان .. وحري بأفراد الأسرة ، والقرابة ، والجيران ، وزملاء المهنة ، أن يتواصوا بالحق ، ويتعاونوا على أعمال البر والتقوى في هذا الموسم المبارك ، أسأل الله تعالى أن يمن علينا ببلوغه ويحسن عملنا فيه .
    وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية فقد أمركم الله بذلك فقال : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )
    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم..
    اللهم أيقظنا من سبات الغفلات قبل الممات، اللهم كما هديتنا للإسلام فثبتنا عليه حتى نلقاك وأنت راض عنا غيرُ غضبان .
    اللهم بلغنا رمضان ، وأعنا على صيامه وقيامه وإتمامه، ووفقنا للقيام بحقك فيه وفي غيره، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك ، صوابًا على سنة نبيك
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    248
    آخر نشاط
    22-03-2011
    على الساعة
    10:48 AM

    افتراضي

    ثمرات ووسائل المداومة على العمل بعد رمضان

    الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام.. وجعله مطهراً لنفوسهم من الذنوب والآثام..
    الحمد لله الذي خلق الشهور والأعوام ..والساعات والأيام .. وفاوت بينها في الفضل والإكرام .. وربك يخلق ما يشاء ويختار ..
    أحمده سبحانه .. فهو العليم الخبير ..الذي يعلم أعمال العباد ويجري عليهم المقادير ..
    لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير ..
    في السماء ملكه .. وفي الأرض عظمته .. وفي البحر قدرته ..
    خلق الخلق بعلمه .. فقدر لهم أقداراً .. وضرب لهم آجالاً ..
    خلقهم .. فأحصاهم عدداً .. وكتب جميع أعمالهم فلم يغادر منهم أحداً .. وأصلي وأسلم على أفضل من صلى وصام ..
    ووقف بالمشاعر وطاف بالبيت الحرام ..
    صلى الله وسلم وبارك عليه ..ما ذكره الذاكرون الأبرار .. وصلى الله وسلم وبارك عليه ..ما تعاقب الليل والنهار ..
    ونسأل الله أن يجعلنا من خيار أمته .. وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرته ..
    * * * * * * * *
    أما بعد ..

    من هم الذين يداومون ويستمرون على العمل الصالح؟
    إنهم الصفوة المؤمنة الذين وصفهم ربهم بأنهم (الذين هم على صلاتهم دائمون)، (والذين هم على صلاتهم يحافظون).
    في هذه الخطبة نتحدث إليكم عن أمرين: الأمر الأول) ثمرات المداومة على العمل الصالح ، والأمر الثاني) وسائل ومحفزات المداومة على العمل الصالح .
    أما الثمرات والكرامات ..

    1. فمن ثمرات المداومة على العمل الصالح وإن قل ، أنها سبب لدخول الجنة .
    ها هو بلال رضي الله عنه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة .
    جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لبلالٍ عِنْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ: يَا بلالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسلام ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ [أي تحريك نعليك] بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍإلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
    وفي رواية صحيحة للترمذي : أن بلالاً قال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين .
    وقد أفاد الحديث أن الله تعالى يحب المداومة على العمل الصالح وإن كان قليلاً ، وأنه يجزي عامله بدخول الجنة .

    2. الثمرة الثانية من ثمرات المداومة على العمل الصالح أنها سبب لمحبة الله تعالى للعبد ، وكفى بها ثمرةً وكرامة .
    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ . رواه البخاري .
    وفي قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) دليل على أن المداومة والاستمرار على العمل الصالح ، سببٌ لمحبة الله تعالى للعبد .
    3. الثمرة الثالثة : أنها سبب لتكفير الخطايا والآثام .
    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ [أي وسخِهِ] شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ . قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا .
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة ، حُطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) متفق عليه .
    4. الثمرة الرابعة للمداومة على العمل الصالح أنها سبب للنجاة من الكرب والشدائد في الدنيا والآخرة .
    وقد ثبت عند أحمد والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ ، يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ... الحديث .
    وفي زيادة صحيحة عند أحمد : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .
    ومعنى هذا أن العبد المؤمن بمداومته على العمل الصالح في حال الرخاء تكون بينه وبين الله تعالى صلة ومعرفة ، تنفعه وتنجيه متى ما وقع في شيء من الشدائد .
    ها هو يونس عليه السلام ، يخرج من بين قومه بعد أن يئس منهم ، ويركب البحر ، فتضطرب الأمواج ، ويستهم القوم ليلقوا أحدهم في البحر ، فكلما أجروا القرعة خرجت على يونس ، فألقوه في البحر ، فيرسل الله الحوت فيلتقمه ، ويتلفت يونس فإذا هو وحيداً في بطن الحوت ، (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
    نقل ابن كثير في تفسيره من طريق ابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه أن يونس لما قال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ، أقبلت هذه الدعوة تَحُفُّ بالعرش ، فقالت الملائكة: يا رب ، صوت ضعيف معروف ، من بلاد غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا ربنا ، ومن هو؟ قال: عبدي يونس . قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يَرفعُ له عملاً متقبلاً ، ودعوةً مجابة؟ قال: نعم ، قالوا: يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء ، فتنجيَه في البلاء؟ قال: بلى، فأَمَرَ الحوتَ فطرحه في العراء .
    قال تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون). والمعنى: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء ، كما اختاره ابن جرير .
    عبد الله .. وأنت الآن في الرخاء ، تذكر أن الدنيا غير مأمونة ، وسكراتِ الموت ليست بمضمونة ، والقيامةَ فيها النفوس مغبونة .. فاعمل في الرخاء ما ينجيك من الشدّةِ ويكفيك المؤنة ..

    5. الثمرة الخامسة للمداومة على العمل الصالح : دوام اتصال القلب بالله تعالى ، مما يعطي القلب قوةً ونوراً وثباتاً على دين الله . وقد عد بعض أهل العلم هذا الأمر من الحِكَم التي شرعت من أجلها الأذكار ، سواءً الأذكارُ المطلقة ، أو المقيَّدةُ بالأحوال .
    6. الثمرة السادسة : أن المداومة سبب لحسن الخاتمة ، فإن المؤمن متى ما اشتدت عزيمته على فعل الخيرات، والانكفاف عن السيئات ، وفقه الله لحسن الخاتمة ، كما قال تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) .
    7. الثمرة السابعة : أن العبد إذا كان يداوم على العمل الصالح ، ثم عرض له عذر من مرضٍ أو سفر ، كُتِب له ما كان يعمل حال صحته وإقامته .
    فقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) .
    قال ابن حجر: هذا في حق من كان يعمل طاعةً فمُنِع منها ، وكانت نيَّتُه لولا المانع أن يدوم عليها . اهـ
    وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امريء تكون له صلاةٌ بليل ، فغَلَبَه عليها نوم ، إلا كَتَبَ الله له أجر صلاته ، وكان نومه صدقةً عليه) رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني .
    وهذا الفضل من الله تعالى ، إنما يكون هذا أيها الأحبة ، فيمن كان له وردٌ يحافظ عليه ، وعملٌ يداوم عليه .
    أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله وأتوب إليه إنه هو التواب الغفور .

    الخطبة الثانية
    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً ...
    عباد الله .. ما هي الوسائل والمحفزات التي تعيننا على المداومة على العمل الصالح؟
    هذه بعض الوسائل ، أذكرها على سبيل الإيجاز:
    1) أولاً وقبل كل شي طلب العون من الله عز وجل على الهداية والثبات ، وقد أثنى الله تعالى على دعاء الراسخين في العلم {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .
    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده
    2) العزيمة الصادقة بعد التوكل على الله تعالى ، ونفض غبار الغفلة والتسويف .
    فانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل *** واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل
    3) الاقتصاد في العبادة ، وعدم الإثقال على النفس بأعمال تؤدي إلى المشقة ، المفضية إلى السآمة والملل من العبادة .
    وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل . وقال: اكلَفوا من الأعمال ما تطيقون .
    4) تذكر الموتِ والدارِ الآخرة ، وقصرُ الأمل ، فإن طول الأمل يورث الكسل ، ويفسد العمل .
    (أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذات)كما قال صلى الله عليه وسلم ، أي الموت ، ومن أكثر ذكر الموت ، نَشَط في عمله ، ولم يغتر بطول أمله ، وبادر بالأعمال قبل نزول أجله .
    (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ، والله خبير بما تعملون).
    5) الإكثار من مُجالسة الصالحين ، والحرص على مجالس الذكر التي تحيي القلوب ، وترغبها في العمل الصالح.
    6) التعرف على سير الصحابة والسلف الصالح من خلال القراءة للكتب أو استماع الأشرطة ، فإنها تبعث في النفس الهمة والعزيمة.
    7) الإكثار من ذكر الله واستغفاره ، فإنه عمل يسير ، ونفعه كبير ، وهو يزيد الإيمان ، ويُقوي القلب.
    8) البعد كل البعد عن مفسدات القلب من جلساء السوء ، ومشاهدة القنوات الفاسدة ، والمجلات الهابطة ، والاستماع للغناء والطرب.
    9) وأخيرا أوصيكم ونفسي الخاطئة بتجديد التوبة .. التوبة النصوح التي ليس فيها رجوع للمعصية ، فإن الله يفرح بعبده إذا تاب أشد الفرح ، ويوفقه للعمل الصالح.
    جعلنا الله وإياكم من التوابين الأواهين ، وسلك بنا طريق المخبتين ، (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون).
    وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى ...
    قال الحَسَنُ البَصْرِي
    ابْحَثُوا عن حلاوةِ الإيمانِ في ثلاثةِ أشياء:

    في الصلاة، وفي الذِّكر، وفي قراءةِ القُرآن ..

    فإن وجدتُم حلاوةَ الإيْمَانِ في قُلوبِكم،

    وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ بينَكم وبين اللّهِ تعالى مُغْلَق

  9. #29
    الصورة الرمزية أسد الإسلام
    أسد الإسلام غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    6,408
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    08-12-2016
    على الساعة
    07:53 PM

    افتراضي

    اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك سيدي يا رسول الله
    جزاك الله خيراً أخي الحبيب جلهوم..
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    الحمد لله على نعمة الإسلام

  10. #30
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,672
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    10-12-2016
    على الساعة
    02:12 AM

    افتراضي

    بارك الله فيكم
    نرجو احياء هذا الموضوع
    التعديل الأخير تم بواسطة فداء الرسول ; 14-10-2009 الساعة 02:07 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى ... 2 3 4 الأخيرةالأخيرة

زادك أيها الخطيب

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تحري صلاة الجمعة مع الخطيب المؤثر
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-04-2010, 02:00 AM
  2. القس الخطيب ؟؟؟؟!!!!
    بواسطة ياسر ابوزيد في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-04-2010, 08:00 PM
  3. شبهة تحريف القران في كتاب الفرقان لابن الخطيب
    بواسطة dhuha في المنتدى شبهات حول القران الكريم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-04-2010, 11:33 PM
  4. ما هي ضوابط جلوس الخطيب مع خطيبته بعد الموافقة والقبول؟
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16-01-2010, 02:00 AM
  5. الشيخ عبدالله بن قعود رحمه الله الخطيب المفوه والعالم الناصح فى ذمة الله
    بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى منتديات الدعاة العامة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 17-10-2005, 01:32 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

زادك أيها الخطيب

زادك أيها الخطيب