نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

إسلاموفوبيا : شرطية أميركية مسلمة تتلقى تهديدا بالقتل ! » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == | الإعجاز في قوله تعالى : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | الخروج : حقيقة أم أسطورة » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | بالصور.. هنا "مجمع البحرين" حيث التقى الخضر بالنبي موسى » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | قيامة يسوع الإنجيلي من بين الأموات حقيقة أم خيال! ــــ (وقفات تأملية في العهد الجديد) » آخر مشاركة: أبو سندس المغربي | == == | معرض الكتاب القبطى.. وممارسة إلغاء الآخر » آخر مشاركة: الفضة | == == | نواقض الإسلام العشرة........لا بد ان يعرفها كل مسلم (هام جدا) » آخر مشاركة: مهنا الشيباني | == == | زواج المتعة في العهد القديم » آخر مشاركة: undertaker635 | == == | بيان ان يسوع هو رسول الله عيسى الذى نزل عليه الانجيل وبلغه وبالادله المصوره من كتابكم المقدس » آخر مشاركة: عبد الرحيم1 | == == | بالروابط المسيحيه:البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم يعترف بإباحيه نشيد الإنشاد!(فضيحة) » آخر مشاركة: نيو | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 22

الموضوع: نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

  1. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [11] وقفة تحليلية مع مطلع إنجيل لوقا

    بدأ لوقا الإنجيلي كتابه بالجمل التالية:

    (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1 : 1 - 4)

    والتي تدل دلالة قاطعة على أمور هامة يجب أن يتوقف عندها كل باحث عن الحق.

    [1] (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...)
    يقصد لوقا بقوله (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...) قصة عيسى المسيح الذي سماه لوقا وغيره "يسوع" وهي تسمية خاطئة كما علمنا، أي قصة حياة عيسى وسيرته الذاتية. لكن من يقصد بضمير الجر ( نا ) في قوله (المتيقنة عندنا)؟ هل يقصد جمهور النصارى أم يقصد طائفة منهم؟ وإذا كان يقصد جمهورهم فهل يعني المتقدمين من الذين شهدوا الأحداث أم من التابعين لهم مثله؟ إن متعلق الضمير من الناحية اللسانية غير واضح، لكن دعونا نتخطى تلك النقطة إلى نقطة أكثر أهمية. من هم الـ (كثيرون) الذين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عندهم؟ إننا إذا استعرضنا أسماء كتاب الأناجيل المعتمدين ـ إضافة للوقا نفسه ـ نجد ثلاثة أسماء فقط لا غير هي: (متى) و(مرقص) و(يوحنا) فهل يصح وصف ثلاثة نفر بوصف (كثيرون)؟ لقد ذكر لوقا أن هناك كثيرين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره أي لا يمكن أن يكون المقصود هنا الكتاب الذين صنفت الكنيسة لاحقا قصتهم ضمن الأبوكريفا لأن لوقا يذكر بدقة أن تلك القصص هي فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره فأين هي تلك الكثرة؟ إما أن لوقا لا يعي ما يقول فلا يميز بين (الكثير) و(القليل) وهذا مستبعد وإما أن تكون الكنيسة قد تعاملت مع المؤلفات التي أشار لوقا إليها من الباب الخلفي وسمحت بتمرير أربع قصص فقط وهذا هو الأرجح.

    [2] (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ)
    في الفقرة الأولى تحدث لوقا عن (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ)، وفي الفقرة الثانية يقول (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) وهي فقرة تدل على شيئين هامين للغاية:

    i. يعود ضمير الغائب المؤنث ( ها ) في قوله (كما سلمها إلينا) إما على (قصة) وإما على (الأمور المتيقنة) وهذا الأقرب لأن ضمير الغائب جاء مباشرة بعد متعلقه بلا فاصل، وهذا معناه أن لوقا وغيره من معاصريه تسلموا (الأمور المتيقنة) أي العقائد النصرانية تسلما. هم لم يصلوا إلى تلك العقائد بطريق (الإستدلال العقلي) ولكنهم تلقوها تلقيا بطريق (الآثار).

    ii. الفاعل في الجملة هو لفظ (الذين) وهو إسم موصول مبني وفي محل رفع، وصلة الموصول هي (كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ). تدل هذه الفقرة دلالة قاطعة على أن لوقا ـ وغيره ـ لم يكن منذ البدء (معاينا) لكلمة الله المسيح عيسى بن مريم أي أنه لم يكن (شاهد عين) ولكنه (شاهد سمع) تلقى (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) من (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

    إن شهود العين هم الحواريين Juenger الذين حاوروا المسيح وحاورهم، وحيرهم وحيروه، من أمثال بطرس وبرنابا وتوماس ويهوذا وغيرهم فأين شهادة هؤلاء التي سلموها لأولئك؟ إن لغة الحوار بين عيسى وحوارييه كانت العبرانية الآرامية بينما اللغة التي دون بها إنجيل لوقا هي اليونانية المفقودة، مما يعني أن هناك حاجز لساني هام جدا يحجز بين القصة (الأصلية) والقصة (المترجمة).

    [3] (رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ)
    نفهم مما تقدم ما يلي:

    - سلم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) عقائد ويقينيات للذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

    - أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

    - بعد أن أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) رأى لوقا أن يكتب هو أيضا وقد تتبع كل شيئ من الأول بتدقيق إلى (ثَاوُفِيلُسُ). إن قول لوقا عن نفسه (إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق) لا يدل على أنه كان شاهد عين على العقيدة لإنه سبق وأن أوضح (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) أي أنه لم يكن من هؤلاء، ولكنه يدل على تتبعه سيرة المسيح منذ بدايتها بتدقيق أي تتبع الآثار المروية والأسانيد التي وقف عليها بتدقيق. إن لفظ (تدقيق) لا يعني بضرورة الحال أن عمله ذلك معصوما ولكنه يعني أنه استفرغ وسعه في تدقيق أساطير الأولين كما سلمت إليه ولا يوجد مانع عقلي أن يكون تدقيقه ذاك قد فاته كثير أو قليل من الحقائق.

    الخلاصة
    لم يكن لوقا الإنجيلي شاهد عين على سيرة المسيح لإنه لم يكن من أفراد عائلته ولا من حوارييه المقربين، وإنما كان تابعا نمت إلي مسامعه قصة العقيدة النصرانية كما نقلها الأولون، فأخذ يتتبع تلك القصة من بدايتها إلى نهايتها ودون جهده ذاك في كتاب اعتمدته الكنيسة لاحقا كأحد أربعة أناجيل رسمية ضاربة عرض الحائط بعشرات من الأناجيل المخالفة للتعاليم البولسية (نسبة إلى قديسهم بولس) عرض الحائط. وحتى لا نظلم لوقا هذا نقر صراحة بأن الرجل لم يزعم أنه كان شاهد عين ولكنه أوضح أنه مجرد شاهد سمع، كما أنه بين أن كثيرين قد سبقوه في هذا المجال، ولم يزعم لنفسه أن قصته تلك تمت بمباركة "الروح القدس" ولكنه أبان بوضوح شديد بأن مجهوده ذاك هو جهد بشري خالص بذل فيه غاية وسعه في التتبع والتدقيق. إن الرجل لم يزعم لنفسه عصمة ولا تأييدا قدسيا فما بال الكنيسة قد أمست ملكية أكثر من الملك فادعت له ما لم يدعيه لنفسه؟
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  2. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [12] الأَرْيُسِيِّيُون

    روى أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وكان مما جاء بكتابه ما يلي:

    [بسم الله الرحمن الرحيم.

    من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم:

    سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:

    فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين

    (وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)] (البخاري / مسلم)

    ضبط معظم شراح الحديث لفظ “الأريسيين” الوارد في متن الكتاب كالآتي: (الأرِيِسِيِّين) وفسروا معناه بالفلاحين تارة والحراثين تارة أخرى وبالأمراء وغير ذلك من المعاني المتضاربة. أول من انتبه لأعجمية اللفظ هو الفقيه اللغوي العبقري الإمام إبن فارس الذي أنكر أن يكون ذلك اللفظ عربيا وقد صدق فيما قال. اللفظ وضبطه الصحيح هكذا (الأرْيُسِيِّين) معناه Ariusists أي أتباع أريوس الذي أنكر ألوهية المسيح والذي من أجله عقد مجمع نيقية عام 325 م كما ذكرت أعلاه. من الشراح الذين انتبهوا لهذا الإمام الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني. قال الحافظ بن حجر في موسوعة (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) كتاب (تفسير القرآن) باب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ…) أن [الأريسيين كانوا قليلا وما كانوا يظهرون رأيهم فإنهم كانوا ينكرون التثليث].

    وقد صدق الحافظ فيما قال فمن أجل تعاليم آريوس وضع المجمع المسكوني الأول والذي عقد بعد أكثر من ثلاثة قرون وربع القرن من عصر المسيح قانون الإيمان النيقاوي بعدما قاموا بتحريم آريوس وتجريم تعاليمه.

    يقول المفكر الكبير البروفيسور محمد عابد الجابري: [رسالة النبي إلى هرقل تنطوي على دليل قاطع على أنه عليه السلام كان يدرك، عندما بعث رسالته تلك، أن كثيرا من المنضوين تحت إمبراطورية هرقل هم من ''الموحدين'' أتباع مذهب أريوس، ولذلك حمّله مسؤولية الإثم الذي يترتب عليه إذا هو لم يسلم، لأن عدم إسلامه سيحول دون إسلام رعيته].
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  3. #13
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [13] من قتل يوحنا المعمدان؟

    (I) ولكن … من قال إنه قُتِلَ من الأصل؟

    “يوحنا المعمدان” تسمية يسمي بها أهل العهد الجديد Neues Testament نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام وذلك لتعميده أتباعه وغسلهم بماء نهر الأردن. يصف مَتَّى الإنجيلي يحيى عليه السلام بما يدل على زهده وتقشفه: أما لباسه فكان (مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما طعامه فكان (جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما صفته في سفر اشعياء فهي (صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً) (مَتَّى : 3 : 3). أما صفته في الكتاب المبين فقد أخبرنا الله عنها بقوله سبحانه: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39) وغير ذلك من الصفات الرائعة فسلام على يحيى في العالمين.

    الزعم بقتل يحيى عليه السلام

    يقال أن الملك هيرودس كانت له ابنة أخ حسناء فأراد أن يستنكحها، وكانت ـ وكذلك أمها ـ توافق على ذلك وتطلبه. كان القراءون من اليهود لا يرون بأسا في ذلك الزواج ولا يعتبرونه محرما في الشريعة الموسوية، بينما وقف الربانيون من اليهود ضد ذلك الزواج وعلى رأسهم يحيى عليه السلام كبير معلمي الشريعة ومرجعها وعارضه معارضة شديدة. بعد إحدى الرقصات ذات الإيحاءات الجنسية قامت بها سالومي في قصر عمها طلبت منه أن يكون مهرها هو رأس يوحنا المعمدان، فوافق على طلبها وزعموا أنه كان لها ما طلبت، فتم تقديم رأس يوحنا المعمدان لها على طبق من فضة وهكذا تم التخلص من زعيم الربانيين الرافضين لذلك النكاح المحرم وهو أن ينكح الرجل ابنة أخيه. إنها بالفعل قصة مؤثرة وقد صورها الرسامون بطريقة شديدة الإيحاء. لكن ما مدى صحة تلك القصة؟ أو على الأقل ما مدى صحة زعم قتل يحيى عليه السلام سواء أكان بسبب معارضته لذلك النكاح المحرم أم لسبب آخر؟ لنستجلي آيات الذكر الحكيم للوقوف على إجابة نطمئن إليها.

    هل قُتِلَ يحيى أم مات؟

    يفرق القرآن الكريم بين صورتين من صور الوفاة: الوفاة بالموت وهي الوفاة الطبيعية، والوفاة بالقتل وهي الوفاة الغير طبيعية. لذلك يقول الحق سبحانه في الكتاب: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ …) (آل عمران : 144) حيث فرق بين (القتل) و(الموت). إذا رجعنا مرة أخرى لدراسة الأخبار عن يحيى عليه السلام في الكتاب فإننا نقرأ ـ ضمن ما نقرأ ـ قول الله تعالى مخبرا عن يحيى عليه السلام: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 - 15) والشاهد فيه قوله تعالى ـ والذي نزل بعد أكثر من خمسة أو ستة قرون على وفاة يحيى عليه السلام: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) والتركيز فيه على (وَيَوْمَ يَمُوتُ) ربط ذلك بقوله تعالى (سَلامٌ عَلَيْهِ) بما يوحي بأمرين، أولهما: أن يحيى عليه السلام توفي وفاة طبيعية بالموت وليس بالقتل. ثانيهما: أنه مات في حالة سلام وبسلام. من خلال استنطاقنا لآيات الكتاب المبين نطمئن إلى أن يحيى عليه السلام مات ولم يقتل ومن ثم فإننا نرفض تلك الأقاصيص والأساطير والأعمال الفنية التي تزعم قتل يحيى عليه السلام.

    (II) (… سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39)

    يحيى النبي الصالح والعبد الرباني

    ميز الله سبحانه عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام بمميزات رائعة تبعث في العقل والقلب تيارا من المحبة والاحترام والتبجيل لذلك السيد الجليل سلام الله عليه في الخالدين. من هذه المميزات في قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 - 15) أن الله سبحانه (آتاه الحكم صبيا) أي أنه وصل لمرحلة الحاكمية الشرعية / المرجعية الشرعية وهو في سن الصبا. يقول الله سبحانه عن تلك (الحاكمية) ما يلي: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء …) (المائدة : 44). فالله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على واحد من خيرة المرسلين على الإطلاق، وهو عميد أنبياء بني إسرائيل، وجبل الشريعة ومرجعها وأستاذها، الجبل الأشم والبحر الخضم موسى عليه الصلاة والسلام. أنزلها وفيها هدى ونور ليسير عليها بنو إسرائيل وكان موسى عليه السلام يحكم بها ما حيا، وبعد موته انتقلت الحاكمية إلى النبيين الذين ساروا على هدي إمامهم عليه السلام في الحكم بالشريعة. استمر الأمر هكذا إلى أن وصلت تلك الحاكمية لنبي لم يجتز مرحلة الصبا إلا بعد أن أصبح حاكما بالتوراة ومرجعا إليها ومستفتى فيها ومن حكمائها ومحكميها وهو في تلك السن المبكرة … ذلكم هو يحيى بن زكريا عليهما السلام. إضافة لذلك الجانب النبوي والحاكمي والفكري في شخصية يحيى عليه السلام ميزه الله سبحانه بفيوضات ربانية قدسية، حيث آتاه (… حَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) فسلام الله عليه في الصالحين.

    يحيى السيد والحصور

    أما لفظ (سيدا) فيدل على السؤدد والسادة وهو الشرف والرئاسة القائمة على نبل الأصل وطيب المنبع ورفعة السلوك وعلو الأخلاق. وأما لفظ (حصورا) على وزن فعولا للمبالغة في (الحصر). يدل مفهوم (حصر) في لسان القرآن على معنى (الإحاطة) بالشيئ، ومنه قوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ …) (البقرة : 196) أي: فإن أحيط بكم، بمعنى فإن أحاط بكم مرض أو عدو بعد أن شرعتم بالإحرام، فما استيسر من الهدي. فكلمات مثل: حصر، حصار، محصور، … الخ تدل كلها على معنى واحد أصيل هو الإحاطة. لذلك وصف الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بكونه (حصورا) بعد وصفه بكونه (سيدا) فعطف الأول على الثاني عطف خاص على عام لأن المنعة والحماية جزء من السيادة. إضافة للإحاطة والمنعة يدل اللفظ نفسه على الحيطة والحذر وهي الملكة التي تحيط بصاحبها فتحجزه عن الاندفاع والتسرع. امتدح الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بأنه سيد وحصور للدلالة على رئاسته في الخلق القويم، والسلوك المستقيم، والشرف والمنعة، فكأنه كالليث الهزبر يمنع الأذى عن أصحابه ويمنع الشرور عنهم، ويحيط بهم في موضع سؤدده ويمنعهم من الإضرار بالآخرين كما يمنع الآخرين من الإضرار بهم. هذا هو مفهوم (حصورا) كما جاء به الكتاب، وكل معنى آخر يخالف هذا المفهوم الأصيل مما فيه تعريض أو انتقاص فهو وهم من الأوهام إن لم يكن تخرص اللئام، لمخافته خير الكلام، كلام الحكيم العلام.

    سلام على يحيى بدر التمام، سلام عليه في الأولين، وسلام عليه في الآخرين، وسلام عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  4. #14
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [14] حول قيامة المسيح

    فيما يلي أقدم نموذجا للتناقض بين روايات الأناجيل، تلك التي يزعم أتباعها أنها دونت بإلهام من الروح القدس، ذلك الأقنوم الذي صدار قرار مجمعي بتأليهه بدءً من سنة 381 م. اخترت كنموذج لذلك التناقض مسألة من أهم مسائل العقيدة المسيحية وهي مسألة قيامة المسيح Resurrection. سنرى كيف إختلفت الروايات الأربعة فيما يتعلق بثلاثة ظواهر هي: عدد النساء اللاتي أتين للقبر وعدد الملائكة عند / في القبر وعدد النساء اللاتي التقى بهن يسوع بعد قيامته وهذا مجرد غيض من فيض التضارب والتناقض في أمور تمس جوهر المعتقد المسيحي. سأكتفي بذكر النصوص مع التعليق الوجيز جدا إن وجد إذ الأولوية هنا تتمثل في جعل النص يتحدث عن نفسه.

    أولا: عدد النساء اللاتي أتين للقبر

    رواية متَّى: امرأتان
    (وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ) (متى : 28 / 1)

    رواية مرقس: ثلاثة نساء
    (وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. 2 وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) (مرقس : 16 / 1 - 2)

    رواية لوقا: ثلاثة نساء ومعهن أناس
    (ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. 2 فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، 3 فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ) (لوقا : 24 / 1 - 3)

    رواية يوحنا: امرأة واحدة
    (وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلاَمُ بَاق. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ) (يوحنا : 20 / 1)

    ثانيا: عدد الملائكة عند / في القبر

    رواية متَّى: واحد
    (وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. 3 وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. 4 فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. 5 فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ :«لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا) ((متى : 28 / 2 - 5)

    رواية مرقس: واحد
    (وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ. 6 فَقَالَ لَهُنَّ:«لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ) (مرقس : 16 / 5 - 6)

    رواية لوقا: إثنان
    (وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذلِكَ، إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. 5 وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ، قَالاَ لَهُنَّ:«لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟) (لوقا : 24 / 4 - 5)

    رواية يوحنا: إثنان
    (أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ، 12 فَنَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا. 13 فَقَالاَ لَهَا:«يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟» قَالَتْ لَهُمَا:«إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!». ) (يوحنا : 20 / 11 - 13)

    ثالثا: عدد النساء اللاتي التقى بهن يسوع بعد قيامته

    رواية متَّى: امرأتان
    (وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ:«سَلاَمٌ لَكُمَا») (متى : 28 / 9)

    رواية مرقس: امرأة واحدة
    (وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ. 10 فَذَهَبَتْ هذِهِ وَأَخْبَرَتِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبْكُونَ) (مرقس : 16 / 9 - 10)

    رواية لوقا: رجلان
    سكتت رواية لوقا عن ذكر ظهور يسوع لأي امرأة بعد قيامته وذكرت بدلا من ذلك ظهوره ـ متخفيا ـ لرجلين:
    (وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا «عِمْوَاسُ». 14 وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هذِهِ الْحَوَادِثِ. 15 وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. 16 وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ) (لوقا : 24 / 13 - 16)

    رواية يوحنا: امرأة واحدة
    (وَلَمَّا قَالَتْ هذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. 15 قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟» فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ، فَقَالَتْ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ». 16 قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا مَرْيَمُ» فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: «رَبُّونِي!» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ.) (يوحنا : 20 / 14 - 16)
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  5. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [15] الجواب الهادي في الرد على النصراني عبد الفادي

    جلست بجواري في القطار وهي تمسك بين يديها كتابا عنوانه (هل القرآن معصوم؟) لرجل دين نصراني اسمه (عبد الله عبد الفادي) وأخذت تحوارني حول “أخطاء” مزعومة في القرآن الكريم، فقلت لها هاتي ما لديك، فقالت ما لديها، ولما أجبتها نكست رأسها ودونت بعض الملاحظات مما قلته لها بالقلم الرصاص على صفحة كتابها المشبوه، ثم توقف القطار وانصرف كل واحد منا إلى غايته.

    والآن قبل أن أدون ملاحظاتي على شبهاتها أود التنبيه على أن الشبهات لن تنتهي، فها هي الأفهام تنغلق أمام ضوء الحقيقة، وها هي الألسن تستعجم أمام بلاغة القرآن، وصدق القائل:

    قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدِ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

    لكني رأيت أن أقدم بين يدي الرد مقدمة ذلك الكاتب الغافل لنقف على مبلغ علمه. يقول “عبد الفادي” في مقدمه كتابه ذاك:

    رغبتُ منذ حداثتي أن أقوم بخدمةٍ منتِجة دائمة الأثر للجنس البشري. وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي. ولكنني كرجل دين رأيت أن أدرس القرآن. وبما أن الله واحد ودينه واحد وكتابه المقدس واحد، الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسد، وقال إن من يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة فيه. وبما أن القرآن يقول إنه وحي، أخذتُ على عاتقي دراسته ودراسة تفاسيره، فدرسته مراراً عديدة ووقفتُ على ما جاء به، ووضعت تعليقاتي في قالب 243 سؤالاً، خدمةً للحق وتبصِرةً لأولي الألباب، وشعاري قول بولس الرسول: “إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاءِ” (رومية 1: 14). ونحن نشعر بنفس هذا الدَّين من نحو البشر جميعا لنقدم لهم إنجيل المسيح المبارك فنفرح بحصولهم على الحياة الأبدية، فيتم الوعد الإلهي: “وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاصَ اللّهِ” (لوقا 3: 6).

    والآن لنأخذ أمثلة من تلك الأسئلة التي وجهها ذلك الكاتب الذي يريد أن يسدي معروفاً للجنس البشري لنرى علمه وشأنه، ولولا المحاورة التي تمت مع قارءة الكتاب لما شغلت نفسي بالرد على ترهات الجهلاء، فلدينا ما هو أهم من واجبات.

    س 16: جاء في سورة الأنعام 6: 74 “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِين”. والصواب في التاريخ كما يشهد الكتاب المقدس أن والد إبراهيم اسمه تارح كما جاء في تكوين 11: 27.

    الجواب: نرى هنا الخلط واضحاً بين لفظي (الأب) و(الوالد)، فإذا كان العهد القديم ينص على أن تارح ولد إبرام (إبراهيم) ، “وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ …” “تكوين 11 : 27″، فإن ذلك - بفرض صحته - لا يناقض القرآن الكريم لأن القرآن يتحدث عن آزر بصفته أباً لإبراهيم وليس والداً له على النحو الذي شرحته في مقالي السابق. ، وإلا فليأتنا الكاتب بآية قرآنية تدل على أن آزر هو “والد” إبراهيم إذا أراد أن يكون كلامه ملزماً.

    س 107: جاء في سورة البقرة 2: 124 لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول الظالمون .

    الجواب: لقد ظن ذلك الأعجمي أن الفاعل هو (الظالمين) بينما الصواب أن الفاعل هو (عهد) أما (الظالمين) فهي المفعول به، وإعراب الآية كالتالي: (لا) حرف نفي مبني على السكون. (ينالُ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. (عهد) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها إشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم، وياء المتكلم ضمير بارز متصل في محل جر مضاف إليه. (الظالمين) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم. إن معنى الآية الكريمة هي: عهدي لن ينال [هو] الظالمين أي: لن يصل عهدُ الله إلي الظالمين، فالعهد هو الذي يصل للمعهود له وليس العكس، فالعهد فاعل والمعهود له هو المفعول به، لكن عجمة الألسنة وإعياء العقل لا علاج لهما إلا بالعلم والذي يفتقده كاتبنا الهمام، وصدق الشاعر حين قال:

    لكلِ داءٍ دواءٌ يُستَطبُ به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها

    س 106: جاء في سورة المائدة 5: 69 إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ . وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول والصابئين كما فعل هذا في سورة البقرة 2: 62 والحج 22: 17.

    الجواب: إعراب قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة : 69)

    - إن: حرف نسخ ونصب مبني على الفتح

    -الَّذِينَ: إسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره ، اسم إن.

    - آمنوا: آمن فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

    - والذين: الواو حرف عطف، و الذين اسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره معطوف.

    - هادوا: هاد فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

    - والنصارى: الواو حرف عطف والنصارى اسم معطوف على ما قبله

    - من: بدل من (الذين آمنوا) وما بعده في محل نصب

    - آمن: فعل ماضي مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

    - بالله: الباء حرف جر، و لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره.

    - واليوم الآخر: الواو حرف عطف واليوم اسم مجرور معطوف على لفظ الجلالة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره، والآخر صفة لليوم مجرورة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخرها.

    - وعمل: الواو حرف عطف و عمل فعل ماضي معطوف على (آمن) مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

    - صالحا: مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة الظاهرة على آخره.

    - فلا خوف: الفاء حرف ربط، و (لا) حرف نفي، و خوف خبر إن مرفوع وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

    - عليهم: على حرف جر والضمير (هم) مجرور وعلامة الجر الكسرة المقدره على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون لكونه مبنيا، متعلق بـ (خوف) و بـ (لا).

    - ولا هم: الواو حرف عطف و (لا) زائدة بين العاطف والمعطوف، وهم ضمير في محل رفع مبتداء.

    - يحزنون: يحزن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة و واو الجماعة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على (خوف).

    اعراب (الصابؤون)

    [1] الواو للإستئناف (استئنافية). الصابؤون مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والخبر محذوف وتقديره (كذلك)، فيكون تقدير الآية كلها هو:

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِؤُونَ [كذلك].

    [2] قوله تعالى (إن الذين آمنوا) مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ تقديره (المؤمنون). الصابؤون اسم معطوف على محل (إن الذين آمنوا) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم فيكون تقدير الآية هو:

    [المؤمنون] وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

    [3] قوله تعالى (الذين آمنوا) في محل رفع مبتدأ وما يأتى وراءه ـ ومنه الصابؤون ـ معطوف على مرفوع فيكون مرفوعا كذلك، وتكون (إن) هنا غير عاملة، أي ليست الناسخة ولكنها بمعنى نعم، ويكون تقدير الآية هو:

    [نعم] الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

    س 178: جاء في سورة الأعراف 7: 148 وَا تَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وجاء في سورة طه 20: 87-88 وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ . ونحن نسأل: من أين استقى القرآن هذا الخبر الذي ليسله أساس تاريخي؟ وهل من المعقول أن العجل الذهبي يخور كالعجلالطبيعي؟ وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم!

    الجواب:

    يقول الله سبحانه مخبرا حكاية قوم موسى عليه السلام: (… حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) (طه : 87)ثم يقول: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه : 88]، ويقول في موضع آخر: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) (الأعراف : 148). ألقى السامري إلى بعض بني إسرائيل ـ في فترة غياب موسى ـ أن انبذوا حليكم مما حملتموه من زينة القوم ففعلوا. كان السامري فيما أظن من ذوي البصائر فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية، ولعله تعلم ذلك في مصر أو في حضارته التي انحدر منها. لذلك يقول الله على لسانه: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ …) (طه : 96) أي أنه كان ذا علم في مجال لم يبرع فيه بنو إسرائيل وهو مجال الصناعات اليدوية والتقنية والفيزياء - وفق السقف العلمي لذلك العصر - فعمد للحلي فصهرها ثم قام بتشكيلها على صورة عجل ـ يبدو أنه جعله مجوفا وكثير التلافيف والالتواءات - ثم قال وأتباعه لبني إسرائيل كما أخبر الله عنهم: (… فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى …) [طه : 88].

    خوار العجل

    لم يكن خوار ذلك العجل إلا من جنس الصدى الصوتي Echo، فالسامري ـ كما أشرت ـ كان بارعا في الفيزياء والصناعة فجعل الزينة عجلا ذهبيا أي قام بتغيير صيرورتها الشكلية من صورة الخواتيم والأساور والخلاخيل والسلاسل وما إلى ذلك من صور المصنوعات الذهبية إلى صورة عجل أجوف ذي التواءات بحيث يرجع صدى أي صوت، فلو صاح أحد قائلا مثلا “هالووو” لردد نفس الصوت بفعل الصدى، ولو قلد أحد خوار العجول مثلا لردد نفس صوت الخوار بفعل الصدى، وهي ظاهرة فيزيائية كان السامري يعلم أسرارها جيدا بينما يجهلها بنو اسرائيل. يبدو أن بني إسرائيل فتنوا بصوت الخوار الناتج عن ظاهرة الصدى، فلم ينتبهوا إلى أن العجل الذهبي “يردد” الصوت لكنه “لا يحاور”، بمعنى لو صحت مثلا قائلا: من أنت؟ لردد الصدى صوتك في التواءات العجل الذهبي المجوف بنفس الطريقة: من أنت .. من أنت .. من أنت … وهكذا، إلا أنه لن يجيب أبدا لأنه جماد، لذلك ينبه الله تعالى على ذلك بالقول: (… أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) (الأعراف : 148).

    موقف هارون عليه السلام

    لم يقصر هارون عليه السلام في دوره الرسالي بل عارض ذلك الشرك وتصدى للذين أشركوا بحزم سجله القرآن بدقة تامة ليكون شاهدا ببراءة هارون عليه السلام: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه : 90)، إلا أنهم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وهذا ما سجله القرآن أيضا: (… إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي …) (الأعراف : 150).

    ورجع موسى عليه السلام

    قال الله تعالى لموسى مخبرا إياه بما فعله السامري: (قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طه : 85) [فتنا: امتحنا] فرجع لقومه غضبان أسفا، وألقى الألواح: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ …) (الأعراف : 150)، واتجه لهارون ـ خليفته على قومه ـ ولم تكن عنده معطيات نصح هارون قومه وتصديه لفعلتهم الشنعاء فانقض بقبضته الفولاذية التي لو وكز بها أحدا لصرعه قتيلا، انقض على هارون وهو بتلك الحالة من فورة الغضب ـ لله سبحانه وليس لمصلحة شخصية ـ وجرجره من رأسه: (… وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ …) (الأعراف : 150). لكن عندما استمع موسى للمعطيات التي أخبره بها هارون عليه السلام ورجاء أخيه له: (… قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف : 150) حينئذ هدأت سورة الغضب لما علم بعدم تقصير أخيه في الرسالة فاستغفر الله لنفسه ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف : 151). وبعد استجواب السامري واقراره بالذنب عاقبه موسى ونسف إلهه الشركي في اليم نسفا، بعد ذلك كله، هدأت نفس موسى الأبية فأخذ الألواح التي ألقاها في أثناء غضبه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف : 154)، تلك الألواح التي قال الله عنها من قبل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف : 145).

    من هنا نعلم أن الله تعالى وكذلك موسى وهارون بريئون من تخرصات ذلك المدعي. وفي الوقت الذي يبرئ فيه القرآن هارون النبي من تهمة صنع العجل، ينسب كتاب عبد الفادي المقدس ذلك الإثم ليس للسامري لكن لهارون نفسه، ولنقرأ معاً ما جاء في هذا:

    (وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». 2 فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». 3 فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. 4 فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 5 فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». 6 فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ.) (خروج 32 : 1 - 6)
    ( وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ هذَا الشَّعْبُ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيْهِ خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟» 22 فَقَالَ هَارُونُ: «لاَ يَحْمَ غَضَبُ سَيِّدِي. أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّعْبَ أَنَّهُ فِي شَرّ. 23 فَقَالُوا لِيَ: اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ. 24 فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ذَهَبٌ فَلْيَنْزِعْهُ وَيُعْطِنِي. فَطَرَحْتُهُ فِي النَّارِ فَخَرَجَ هذَا الْعِجْلُ») (خروج 32 : 21 - 24)

    إن عبد الفادي الأفاك يتخرص متهكماً فيقول: (وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم؟) في الوقت الذي ينسب كتابه المقدس إثم تلك الخطيئة للنبي هارون الذي يعتبرونه كاهناً أعظماً!!!

    س 10: جاء في سورة يس 36: 38 “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ”. … ونحن نسأل: الشمس ثابتة تدور حول نفسها ولا تنتقل من مكانها، والأرض هي التي تدور حولها. فكيف يقول القرآن إن الشمس تجري، وإن لها مستقراً تسير إليه؟

    للإخوة الكرام أن يحكموا على مبلغ علم هذا الرجل الذي يدعي أن (الشمس ثابتة)! لقد ذكر كاتبنا الهمام في المقدمة أن العلوم الطبيعية ليست من مجال تخصصه بقوله في المقدمة: (… وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي) فما باله يقتحم الآن مجال الطبيعيات؟ لكن جميل منه أن اقتحم هذا لمجال حيث انكشف لكل ذي عينين. أرأيتم كيف يجهل أمر الحركة الكونية للشمس حول مركز المجرة وغيرها ويظن أنها ثابتة؟ لن أطيل الوقوف كثيرا عند هذه النقطة فإجابتها لا تخفى على حضراتكم.

    وعلى نفس المنوال من خيوط الظلام والجهل والعجمة ينسج عبد الفادي خيوط كتابه العنكبوتي المشبوه، والذي أردتُ التنبيه على ترُّهاته من خلال النماذج التي سقتها مع بعض ردودي بطريق الإيجاز، فالإشارة تغني عن العبارة، ومن أراد البسطَ بسطنا له بتوفيق الله.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو إسحاق النَّظَّام ; 20-02-2009 الساعة 03:58 PM
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  6. #16
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [16] محمديم

    [i]

    كنا أربعة مجتمعين في منزل رابض في وسط تلك المدينة الجميلة المعانقة للطبيعة الخلابة بجبالها وزروعها وثمارها حيث يجري من تحتها ذلك النهر الجميل الشهير. جمعنا الفكر على اختلاف تخصصاتنا الأكاديمية: هذا دكتور في العلوم السياسية، وذاك مهندس ميكانيكا، وثالث مهندس إنشاءات بحرية، ورابع باحث أكاديمي. في ختام تلك الأمسية الفكرية الجميلة خطر لنا أن ندخل على اليوتوب الإسلامي، فدخلنا ووقع نظرنا على تسجيل قديم للشيخ أحمد ديدات رحمه الله فيه ردود على القس الأمريكي البروتستانتي جيمي سويجارت. لفت انتباهي في الشريط أمر عجيب لم أسمع به من قبل حيث ذكر الشيخ ديدات رحمه الله أن اسم (محمد) صلوات الله عليه ورد بالنص في العهد القديم وتحديدا في نشيد الإنشاد المنسوب للملك سليمان بن داود عليهما السلام. أذكر أنني قرأت سفر نشيد الإنشاد ذاك عدة مرات - باللسان العربي - بما فيه من صور شاعرية ومعاني حالمة تميل تارة يميناً لتكون غزلاً عفيفاً رقيقاً، وتنحرف تارة يساراً لتغدو غزلاً صريحاً غليظاً ما كنت أبداً لأظن أن يرد في أحد الكتب اللاهوتية التي ينسبها أصحابها إلى السماء لكني ما لا حظت ورود اسم (محمد) ولا عجب في ذلك حيث لم أكن قرأته بعد بلسانه الأم. لم يكن النص العبراني الأصلي Biblia Hebraica تحت يدي في تلك اللحظة فرجعت بسرعة إلى الترجمتين الألمانية والإنجليزية لكنهما لم يشفيا الغليل لرغبتي في مشاهدة الكلمة مكتوبة باللسان الأصلي للعهد القديم وليس لترجمة المعنى الخاص بها، فعدتُ سريعاً لنسخة عبرانية الكترونية لكنها أثارت عندي نهماً فكرياً أعمق وقد كنت أظنها ستروي الظمأ. بات الوقت متأخراً جداً فخلدت للنوم فور عودتي للمنزل. في صبيحة اليوم التالي كان أول ما فعلته بعد مجيئي للجامعة هو الذهاب سريعاً لكلية اللاهوت، حيث انتقيت أحد النسخ القديمة لنشيد الإنشاد المعروف أكاديمياً بمسماه اللاتيني canticum canticorum حيث فتحت الموضع الذي ذكره أحمد ديدات وتأكدت بالفعل أن الإسم موجود وبنفس الحروف التي يتكون بها في اللسان العربي !!!

    هل كان ذلك حقيقة أم كان خداع بصر: اسم (محمد) موجود فعلاً بحروف الميم والحاء والميم والدال لكن باللسان العبراني القديم؟
    بناء على ذلك قررت بحث الأمر، وهذا ما حدث فعلا، فلم ألبث إلا قليلاً حتى وضعت يدي على حقيقية الأمر، ويا لها من حقيقية !!!
    فما هي تلك الحقيقة؟

    [ii]
    قبل الإنتقال لدراسة لفظ (محمد) بالعبرانية أود أن أقدم نبذة مختصرة عن لفظ (محمد) في لسان العرب. أصل ذلك اللفظ هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها:

    - (حامد): اسم الفاعل، وهو اسم مصوغ لما وقع منه الفعل أو قام به.

    - (محمود): اسم المفعول، وهو اسم مصوغ من مصدر الفعل المبني للمجهول للدلالة على ما وقع عليه الفعل.

    - (أحمد): اسم التفضيل، وهو اسم مصوغ على وزن “أفعل” للدلالة على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها.

    - (محمد): اسم صفة مشبهة باسم المفعول.

    من هنا نعلم أن لفظ (محمد) يدل على الآتي:

    (1) الحمد أي الثناء لعظيم خصاله التي تحلى بها صلوات الله عليه.

    (2) اسم علم على عكس “أحمد” المصوغ كإسم تفضيل وإن تم استخدامه لاحقاً كاسمِ علم.

    (3) المبالغة في الثناء والمدح بدلالة تضعيف الحرف الثالث.
    من هنا نفهم قول الله تعالى على لسان ابن مريم عليهما السلام:

    (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

    لم يشر ابن مريم عليه السلام للإسم العلمي للنبي الخاتم وإنما أشار إليه بصفته، حيث يدل لفظ (اسم) على معاني الوسم والسمة والسمت أي: الصفة، ويدل لفظ (أحمد) على التفضيل، حيث يوجد نبيُ حامدٌ ويوجد نبيٌ أحمد. أما الإسم العلمي الوحيد لنبينا فقد سجله الله تعالى في القرآن الكريم:

    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ …) (الفتح : 29)

    هذا عن لفظ (محمد) في لسان العرب وهو غيض من فيض من المعاني الإشتقاقية الكثيرة التي يذخر بها لسان العرب، أوردته للإستدلال ولم أقصد به البسط في المقال.

    [iii]
    علمنا أن أصل كلمة (مُحَمَّد) في لسان العرب هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها: حامد ومحمود وأحمد وغيرها. بعد هذه المقدمة “العربية” أود الآن أن أعرض بعض ما يبوح به اللسان العبراني بهذا الخصوص بتوفيق الله.

    يوجد لفظ (حمد) كذلك في اللسان العبراني القديم بحروفه الثلاثة الحاء ח والميم מ والدال ד، ورسمه بالتشكيل هكذا: חָמַד ونطقه هكذا: حَمَدْ، كما وردت بعض مشتقات ذلك اللفظ المشترك بين العربية والعبرية في العهد القديم. أما لفظ (محمد) فقد ورد رسمه في نشيد الأنشاد، الإصحاح الخامس، العدد السادس عشر، بالشكل التالي: מַחֲמַדִים ونطقه كالتالي: مَحَمَدِيم، وذلك في السياق التالي:

    חִכּוֹ מַמְתַקִים וְכֻלּוֹ מַחֲמַדִיםזֶה דוֹדִי וְזֶה רֵעִי בְּנוֹת יְרוּשָׁלָיִם


    والذي يمكن التعبير عن منطوقه العبراني باستخدام الحروف العربية التالية بصورة قريبة جدا، وهي:

    حِكُّو مَمْتَقِيم وكُلُّه مَحَمَدِيم
    زِه دُودِي وْزِه رِيعِي بْنُوتْ يِرُوشَاليم

    أما ترجمته العربية الرسمية فهي كالتالي:

    حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ
    هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ

    حيث تم ترجمة كلمتنا محل البحث إلى لفظ (مشتهيات). أقول: هناك ثلاث إشكالات لسانية فيما يتعلق بدلالة لفظ מַחֲמַדִים على اسم النبي الخاتم صلوات الله عليه هي: الجمع والتشكيل والسياق، وفيما يلي أتناول كل واحدة منها بصورة سريعة.

    الإشكال الأول: الجمع
    تتكون كلمة מחמדים في الواقع من جزئين هما מחמד و ים، أما מחמד فهو لفظ مفرد، وأما ים فهي علامة الجمع المذكر. إذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بصيغة الجمع؟ أقول: الجمع في اللسان العبراني القديم نوعان: جمع العدد وجمع الإجلال، ولا يمتنع عقلاً أن يكون الجمع هنا هو وجمع الإجلال Pluralis majestatis على غرار لفظ אֱלֺהִים والذي يترجم إلى God باللسان الإنجليزي أي إله وليس آلهة.

    الإشكال الثاني: التشكيل
    الشكل الرسمي لكلمة מחמדים كما هو مثبت في ال Biblia Hebraica Stuttgartensia المصدر الرسمي المعتمد في أكاديميات اللاهوت البروتستانتي هو: מַחֲמַדִים ومنطوقه هكذا: مَحَمَدِّيم وليس هكذا: مُحَمَّدِيم، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بتشكيل مختلف؟ أقول: العبرة إنما تكون أولا بالرسم ثم بعد ذلك بالشكل، أما الرسم فلا خلاف عليه أنه يتكون من حروف الميم מ والحاء ח والميم מ والدال ד، وأما التشكيل فليس حجةً دامغةً ما دام الرسم أقدم من الشكل، حيث يعود الرسم لآلاف مرت من السنين قبل عصر المسيح بينما يعود الشكل المتعارف عليه اليوم إلى القرن العاشر الميلادي فقط، أي أن تلك الجملة أخذت قبل القرن العاشر الميلادي الصورة التالية الخالية من التشكيل:

    חכו ממתקים וכלו מחמדיםזה דודי וזה רעי בנות ירושלים
    ومن غير الممتنع أن الكلمة كانت تلفظ في الأصل هكذا: مُحَمَّدِيم ثم جاء التشكيل القياسي masoretisch باللفظ الحالي: مَحَمَدِّيم لسبب أو لآخر.

    الإشكال الثالث: السياق
    لعل إشكالية السياق هي أقوى الإشكالات الثلاث، حيث يجري الكلام في ظاهره على لسان تلك الفتاة السمراء الجميلة المفعمة بثورة الأنوثة وهي تتغزل وتتمدح في عشيقها قائلة: حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت في مثل هذا السياق؟ أقول: يؤمن كثير من أهل الكتاب بأن معاني سفر نشيد الأنشاد ليست حقيقية وإنما مجازية، وإلا يلزمهم وصف كتابهم بأنه كتاب إثارة وشهوة جنسية erotisch مثلا عند قراءة النصوص التالية:

    (1) (مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. 2 سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. 3 ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. 4 عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. 5 رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. 6 مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! 7 قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. 8 قُلْتُ: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا». وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، 9 وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ) (نشيد الأنشاد 7 : 1 - 9)(2) (فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفِي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. 12 عَشِقَتْ بَنِي أَشُّورَ الْوُلاَةَ وَالشِّحَنَ الأَبْطَالَ اللاَّبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، فُرْسَانًا رَاكِبِينَ الْخَيْلَ كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ. 13 فَرَأَيْتُ أَنَّهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَلِكِلْتَيْهِمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ. 14 وَزَادَتْ زِنَاهَا. وَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رِجَال مُصَوَّرِينَ عَلَى الْحَائِطِ، صُوَرُ الْكَلْدَانِيِّينَ مُصَوَّرَةًٍ بِمُغْرَةٍ، 15 مُنَطَّقِينَ بِمَنَاطِقَ عَلَى أَحْقَائِهِمْ، عَمَائِمُهُمْ مَسْدُولَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. كُلُّهُمْ فِي الْمَنْظَرِ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ شِبْهُ بَنِي بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَرْضُ مِيلاَدِهِمْ، 16 عَشِقَتْهُمْ عِنْدَ لَمْحِ عَيْنَيْهَا إِيَّاهُمْ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلاً إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 17 فَأَتَاهَا بَنُو بَابِلَ فِي مَضْجَعِ الْحُبِّ وَنَجَّسُوهَا بِزِنَاهُمْ، فَتَنَجَّسَتْ بِهِمْ، وجَفَتْهُمْ نَفْسُهَا. 18 وَكَشَفَتْ زِنَاهَا وَكَشَفَتْ عَوْرَتَهَا، فَجَفَتْهَا نَفْسِي، كَمَا جَفَتْ نَفْسِي أُخْتَهَا. 19 وَأَكْثَرَتْ زِنَاهَا بِذِكْرِهَا أَيَّامَ صِبَاهَا الَّتِي فِيهَا زَنَتْ بِأَرْضِ مِصْرَ. 20 وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لَحْمُهُمْ كَلَحْمِ الْحَمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الْخَيْلِ. 21 وَافْتَقَدْتِ رَذِيلَةَ صِبَاكِ بِزَغْزَغَةِ الْمِصْرِيِّينَ تَرَائِبَكِ لأَجْلِ ثَدْيِ صِبَاكِ) (حزقيال 23 : 11 - 21)


    إزاء تلك النصوص وغيرها يلجأ مفسرو وشرَّاح العهد القديم لأسلوب المجاز واصفين الزنا المذكور بسفر حزقيال مثلاً بأنه خيانة الرب!!! بنفس ذلك المنطق المجازي يمكن الزامهم بأن السياق محل بحثنا هو كذلك سياق مجازي، فالفتاة التي تترنم هي رمز لبني إسرائيل، وغزلها ما هو إلا شوقها الروحي لذلك المنتظر، أما المنتظر فما هو إلا نبي آخر الزمان الذي صرحت باسمه الذي يهفو قلبها ووجدانها لتعاليمه!!! أوليس هذا منطقهم؟ إذاً فليقبلوا ذلك الإلزام …

    أما إن كانوا لا يقولون بالمجاز ويتذرعون بالحقيقة فليتفضلوا عندئذً بشرح المعاني الحقيقية الواردة في النص أعلاه بسفر حزقيال وبيان علاقته بالإلهيات والقداسة والإيمان، وعندها سيكون لنا معهم حديثٌ غير هذا.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  7. #17
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [17] المصادر الفلسفية اللاهوتية للمسيحية

    يظن عوامُّ المثقفين أن الأسس الفلسفية اللاهوتية للمسيحية من وضع بولس في البداية ثم إضافات أوجستينوس وتوماس أكويناس وغيرهم بعد ذلك، وهذا خطأ كبير، فأصحابُ تلك الأسماء اقتصر دورهم على تقديم اللاهوت المسيحي في صورة فلسفية، تلك الصورة الفلسفية لم تكن من وضعهم هم، لكنها كانت من وضع فلاسفة - وثنيين - سابقين على المسيحية مثل بلاتون (أفلاطون) ولاسيما نظريته في المُثُل وقِدم الأرواح وغيرها، لذلك فإن دراسة الفلسفة الأفلاطونية جزء أساسي من أجزاء المنهج التكويني في كليات اللاهوت، لا سيما الكاثوليكي، في جامعات الغرب. إضافة إلى أفلاطون استفاد اللاهوتيون بشكل أكبر ومركز من فيلسوف معاصر للمسيح لا يعرفه كثير من الناس لكنه ذو أثر خطير جداً على الفكر الفلسفي المسيحي وهو الفيلسوف اليهودي فيلوس ألكساندريوس (فيلون السكندري) صاحب نظرية اللوجس الشهيرة والتي تبناها يوحنان (يوحنا) اللاهوتي في انجيله وعليها مدار العقيدة المسيحية في جزءها الأول، وهي عقيدة التثليث. أما الفيلسوف الثالث من الفلاسفة الوثنيين الذين استخدم اللاهوتيين تعاليمهم لصياغة الفكر الفلسفي المسيحي فهو بلوتين (أفلوطين) أبرز مفكري المدرسة الأفلاطونية الحديثة والذي ولِد بعد عصر المسيح وعاش في مصر ثم في روما.

    هؤلاء الثلاثة هم الفلاسفة الحقيقيون للفلسفة اللاهوتية المسيحية (أرجو التفرقة بين اللاهوت المسيحي كتخصص ديني، وفلسفة اللاهوت المسيحي كتخصص فلسفي). أما اللاهوتيون المتقدمون كبولس الرسول أو يوحنان الإنجيلي أو آباء الكنيسة كأوجستينوس وبوئيثوس أثناسيوس السكندري، أو المدرسيون كتوماس أكويناس، ومارسيليو دي بادو وغيرهم فاقتصر دورهم على صياغة تلك التعاليم الفلسفية في قالب لاهوتي بسيط، وبرغم ذلك لم يتقبله العقلُ، مما دعى بتوماس أكويناس لصياغة نظريته الشهيرة في مذهب الحقيقة المزدوجة، والتي تزعم أن فكرة ما ربما لا يقبلها العقل وتكون برغم ذلك صحيحة لاهوتياً، وهي نظرية فاسدة الهدف منها ترويج اللاهوت المسيحي بين الناس على أساس أنه مسألة قلبية، ومازالت تلك النظرية الأكوينية سائدة في الأوساط الكنسية المختلفة إلى يومنا هذا.

    فإذا رجعنا إلى مثلث الفلاسفة المؤسسين لفلسفة اللاهوت المسيحي، أفلاطون وفيلون وأفلوطين، لوجدنا اثنين منهما قد عاشا في مصر، وهما فيلون وأفلوطين، مما يلقي بظلالٍ من الشك حول مدى استفادتهم من الفلسفة المصرية القديمة ولا سيما فلسفة الصليب وفلسفة الثالوث اوزوريس وايزيس وحورس بسميائيتهما الواضحة، لصياغة فكر تثليثي جديد تم تطويره وتطبيقه على الفكر المسيحي في صورة جديدة تستند على دعامتين تشكلان محور اللاهوت المسيحي وهما دعامة الأقانيم الثلاثة، أو الإله الواحد الجوهر المثلث الأقانيم، ودعامة الصلب والفداء.

    فيلون Philon

    ولِد فيلون يوديوس (أي: اليهودي)، ويعرف كذلك باسم فيلون ألكساندريوس (أي: الإسكندري) بمصر عام 20 قبل الميلاد، وتوفي عام 50 ميلادية، وهو بهذا يكون معاصراً ليسوع وبولس. سعى فيلون لإحداث مصالحة وتوفيق بين الفلسفة الكلاسيكية من جانب والعهد القديم اليهودي من جانب آخر، فخرج بنتائج عجيبة، فمثلاً:

    تقرر الفلسفة الكلاسيكية، لا سيما البلوتونية، مسألة قِدم وأزلية مادة العالم، بينما يقرر العهد القديم حدوث العالم نفسه، فأراد فيلون التوفيق بين المدرستين فقال إن الله أحدثَ العالمَ، لكن ليس من العدم، لكن من المادة الأزلية. جديرٌ بالذكر أن هناك آراء فلسفية إسلامية تتبنى هذا الرأي كرأي الفيلسوف ابن سينا مثلاً.

    أما الأثر الأكبر لفلسفة فيلون على اللاهوت المسيحي فيتجلى في قضية اللوجوس، إذ قام بتطوير علم اللوجوس الإلهي وعرض قضية تثليث الإله وفق نظريته تلك، فيرى فيلون أن خلق العالم حدث عن طريق الكلمة الإلهية، أي: اللوجوس، واصفاً تلك الكلمة بصفات محددة مثل: مثال المُثُل / قوة القوى / المبعوث الأعلى / الإله الثاني / الولد البكر للإله وغير ذلك من النعوت. وفق هذه الفلسفة يرى فيلون أن اللوجوس هو حلقة الوصل أو القنطرة بين الله والعالم.

    كما تأثرت المسيحية بفلسفة التثليث التي صاغها بلوتين في بدايات القرن الميلادي الثالث، فإنها تأثرت وبدرجة أعمق بفلسفة اللوجوس والتثليث الفيلوني في بدايات المسيحية، ويؤكد مؤرخو الفلسفة على أن فيلون ألسكاندريوس هو المؤسس الحقيقي لفلسفة التثليث المسيحية، تلك الفكرة التي تلقاها بولس الطرسوسي وقام بإلباسها ثوباً يسوعياً يشكل أحد أهم مرتكزات اللاهوت المسيحي البولِسِي.

    بلوتين (أفلوطين) Plotin

    لا يعرف أحدٌ على وجه الدقة شيئاً عن أصل أفلوطين، وكل ما هو معروف عنه بهذا الصدد - حسب علمي - أنه ولِد في مصر في عام 204 ميلادية، ونشأ وفق تقاليد يونانية خالصة، وتوفي بروما عام 270 ميلادية، وكان آخر مفكري العصر الروماني الكبار.

    تأثر بلوتين بالفلسفة الأفلاطونية وكان أول ما فعله بعد استقراره في روما أن أنشأ مدرسة فلسفية أفلاطونية وظل يدرس بها نحو عقداً أو عقدين (على اختلاف الكتاب) أسس خلالها قواعد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة.

    يمكن تلخيص الفلسفة اللاهوتية لبلوتين في جمل محدودة حيث اعتقد في إلهٍ مثلث الأجزاء، وكان الثالوث البلوتيني يختلف عن الثالوث المسيحي في أمرين:

    - تكون الثالوث البلوتيني من "الواحد" و"الروح" و"النفس"، بينما تكون الثالوث المسيحي من "الأب" و"الإبن" و"الروح القدس".

    - مثَّلت أجزاء الثالوث البلوتيني درجات بعضها فوق بعض، بينما يمثل الثالوث المسيحي درجة واحدة من حيث الجوهر لكنها مثلثة الأقانيم.

    لكن يمكن القول - إجمالاً - أن اللاهوت المسيحي قد استفاد كثيراً من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة التي كان بلوتين أبرز روادها، لذلك قال الفيلسوف الألماني الكبير البروفيسور فريدريش نيتشه في كتابه (ضد المسيح): إن المسيحية هي أفلاطونية حديثة بالنسبة للشعب البسيط، وقد أكد ذلك المعنى الفيلسوف الألماني الكبير البروفيسور مارتين هايدجر في كتابه (نيتشه).

    تندرج فلسفة بلوتين تحت إطار "الفلسفة الأفلاطونية الحديثة"، وهذه تندرج بدورها تحت الإطار العام للفلسفة الكلاسيكية أي "الفلسفة اليونانية والرومانية القيصرية"، وبين الإطارين توجد حلقة وصل تمثلها إرهاصات تقوم على دعامتين: الفلسفة البيتاجورسية "الفيثاغورسية" الحديثة وفلسفة فيلون ألكساندريوس. وإذ يقول المفكر الفرنسي مونتسكيو إن الإنسانَ ابنُ بيئته، فيمكننا إذن رصد البيئة الفكرية التي تولدت عنها فلسفة بلوتين بصفة عامة وفلسفته في التثليث بصفة خاصة، وهي بيئة ذات ثلاث شُعب، هي: (1) الفلسفة الكلاسيكية عموماً والأفلاطونية خصوصاً. (2) فلسفة فيلون ألكساندريوس. (2) الفلسفة المصرية الدينية القديمة.

    أما عن المسيحية الحالية فأقول:

    المسيحية بصورتها الحالية لا تمثلُ ديناً، لكنها تمثلُ فلسفةً بكل ما تحمله الكلمة من معاني، وهي نسخة مبسطة متولدة عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وما أدق وصف الفيلسوف الألماني الوجودي العبقري البروفيسور فريدريش نيتشه للمسيحية حينما أشار - كما ذكرتُ أعلاه - إلى أن المسيحية تمثلُ الصورة الشعبية المبسطة للفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وهذا ما دعا آباء الكنيسة ومفكريها، وتحديداً قديس الكاثوليك توماس الأكويني إلى ابتكار حيلة أو مخدر لتمرير تناقضات المسيحية على عقول البسطاء فوضع مذهب الحقيقة المزدوجة، لذلك فإنك كثيراً ما تسمع من اللاهوتيين، فضلاً عن العوام بطبيعة الحال، إقرارهم بامتناع اللاهوت المسيحي على العقل، ومع ذلك فإنهم يقبلونه باعتباره حالة قلبية إيمانياً، لذلك فإني أتفهم تماماً قول الفيلسوف الألماني المادي الكبير كارل ماركس: "الدين أفيون الشعوب"، إلا إنني أعدِّل عبارته لتصبح: "المسيحية البُولِسِية أفيونُ الشعوب"، وما تحرر الغربُ إلا حينما ألقى الجدل اللاهوتي المسيحي وراء ظهره.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  8. #18
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [18] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الأول)

    أولاً: عبارة متَّى في الترجمة العربية

    (وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (متى 27 : 46)

    ثانياً: عبارة مرقص في الترجمة العربية

    (وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:«إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (مرقص 15 : 34)

    من خلال المقارنة بين النصين نلاحظ الإتفاق حول تفسير اللفظ بقولهما: (إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟)، لكنَّا نلاحظ كذلك الإختلاف في اللفظ نفسه، أو بصورة أدق: في بعض أجزاء اللفظ، فمتَّى يقول: (إِيلِي، إِيلِي) بينما يقول مرقص: (إِلُوِي، إِلُوِي)

    فما هي الحكاية؟

    لما كانت أقدم نسخ العهد الجديد التي بين أيدينا مكتوبة باللسان اليوناني فلا مناص إذاً من العودة إليها.

    ثالثاً: عبارة متَّى في النص اليوناني

    (Ἠλὶ ἠλὶ, λιμᾶ σαβαχθανί) (Mt 27 : 46)

    رابعاً: عبارة مرقص في النص اليوناني

    (Ἐλωῒ Ἐλωῒ, λιμᾶ σαβαχθανί) (Mk 15 : 34)

    فماذا نلاحظ؟

    نلاحظ إتفاقاً حول الشطر الثاني من العبارة وهو (λιμᾶ σαβαχθανί) واختلافاً حول الشطر الأول منها، فمتَّى يقول: (Ἠλὶ ἠλὶ) وتنطق: إيلي إيلي، ومرقص يقول: (Ἐλωῒ Ἐλωῒ) وتنطق: إلوي إلوي،

    فما هي الحكاية؟

    إذا أخذنا لفظ الجلال "الله" بين العربية والآرامية والعبرية (المداخلة الثانية في هذا الشريط) في الإعتبار فيمكن تلخيص بعض ما تقدم من خلال النقطتين التاليتين:

    - لفظ "إلهي" العربي والآرامي ولفظ "إلوهي" العبري بمعنى واحد وإن اختلفت طريقة التلفظ به.

    - لا وجود للفظ "إلوي" لا في العربية ولا في الآرامية ولا في العبرية، وإنما نتج ذلك عن محاولة كتابة لفظ "إلوهي" العبري بالحروف اليونانية والتي تخلو أصلاً من حرف الهاء، إذ يستعيض عنه اليونان بعلامة spiritus asper، وذلك في أول الكلمة فقط. أما حرف H اليوناني فليس هو الهاء، كما في اللاتينية واللغات المشتقة منا مثل الإنجليزية، وإنما هو حرف الياء الممدودة حينما تأتي في أول الكلمة، فإن جاءت في وسطها أو آخرها رسمت هكذا η، أما حرف E اليوناني فهو كذلك ياء، إلا أن هذه قصيرة وتلك ممدودة. لذلك فإنه من غير الممكن رسم كلمة "إلوهي" العبرية بالحرف اليوناني، فتم كتابتها "إلوي" بإسقاط الهاء.

    هذا عن "إلهي" و"إلوهي" و"إلوي"، فماذا عن "إيل"؟

    معنى "إيل"
    لنلاحظ كلمات مثل "اسرا - ئيل" و "جبرا - ئيل"، و"ميكا - ئيل" وغيرها، وتحديداً المقطع الثاني "إيل" في كل منها بحروفه الثلاثة الهمزة والياء واللام. هذا اللفظ عبارة عن كلمة عبرية وليست آرامية، وهي مشتقة من لفظ "إلاه" حيث تشترك معها في جميع الأحرف الساكنة إلا أنها تخلو من حرف الهاء، وتجمع على "إليم". يستخدم العبرانيون لفظ إيل אֵל بمعنى אֱלֹהּ، ويترجمها البعض إلى "رب" وهذا خطأ، لأنها مشتقة من "إلاه" فتترادف معها.

    بناءاً على ذلك فإن لفظ "إلي" ولفظ "إلوهي" كلاهما عبري وليس آرامي ومقابلهما الآرامي هو "إلهي" كما في العربية تماماً.

    بهذا نصل إلى ختام المباحث المتعلقة بلفظي "إيلي" الذي استخدمه متَّى، و"إلوهي" الذي استخدمه مرقص مرسوماً بالحرف اليوناني هكذا "إلوي"، فماذا عن "شبقتني"؟
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  9. #19
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [19] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الثاني)

    شبقتني
    علمنا مما تقدم أن لفظي "إيلي" و"إلوهي" عبريان وليسا آراميين، ومن ثم فإننا نتوقع أن لفظ "شبقتني" هو كذلك عبري، لكن توقعنا سيخيب هنا، لأن ذلك اللفظ آرامي وليس عبرياً! إنه تركيب مدهش جداً في واقع الأمر، إلوهي إلوهي ... شبقتني، فشطره الأول عبري بينما شطره الثاني آرامي، فما هي الحكاية؟

    يتكون الفعل الآرامي الماضي الثلاثي المجرد שְׁבַק من ثلاثة أحرف هي الشين والباء والقاف، لكن الغريب هو أن الرسم اليوناني للفظ، كما تقدم، هو: σαβαχθανί حيث يبدأ بالسين وليس بالشين، فلماذا؟ السبب ببساطة أن كلاً من حرف الشين שׁ (النقطة على اليمين) والسين שׂ (النقطة على الشِمال) كان يكتب في العبرانية القديمة بدون نقطة أساساً، أي هكذا ש، مما أحدث خلطاً عن كتابة الحرف اليوناني فتمت كتابة اللفظ بالسين σ بدلا من الشين χ. أما الطريقة التي استخدمها الطِّبريّون في تنقيطهم فكانت بالشين، وليس عندنا في واقع الأمر دليل قاطع على هذا الأمر، فربما كانت تنطق فعلاً بالسين لا بالشين، أي "سبقتني"، وليس "شبقتني"، لكني سأعتمد هنا على النسخة القياسية ل Biblia Hebraica حيث تكتب بالشين كما في سفر دانيال مثلاً.

    اخترتُ سفر دانيال لكونه السفر الوحيد، إضافة لسفر عزرا، الذي كٌتب جله بالآرامية، لا بالعبرية حيث وردت تلك المادة بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله (المبني للمجهول) في (Daniel 2 : 44) هكذا: תִּשְׁתְּבִק. أما معنى تلك الكلمة، شبق، في ذلك اللسان هو "ترك" كما تشير المعاجم القياسية مثل جيزينيوس مثلاً. لذلك يتم ترجمة الكلمة إلى "تركتني".

    قرأتُ تعليقاً لكاتب عُماني "خميس العدوي" يقول فيه:

    (أما نحن أهل عمان فنستخدم كلمة (شبق) بنفس المعنى الذي استخدمه "يسوع" وهو اللصق على الشيء، ومنه الصلب، فالذي يلصق على الصليب يقال له شبقت يداه على اللوح ... وأكيد هذا المعنى لا يعرفه الناطقون باليونانية؛ فهو لهجة من لهجات العرب التي لا تزال موجودة عندنا في عمان، أو في كثير من مناطقها).

    لفتَ ذلك الكلام انتباهي وأثار عندي فضولاً علمياً لم أستطع مقاومته لمزيد من البحث لمقاربة ذلك اللفظ، فماذا وجدتُ؟ لقد وجدتُ نصين مهمين لهما ارتباط وثيق بتلك الكلمة:

    أولهما: نص النبي دانيال الآرامي والذي جاءت فيه مادة تلك الكلمة فعلاً بمعنى يدل على الترك، ترجمته العربية هي: (وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.) (دانيال ٢ : 44)، والشاهد فيها كلمة "يترك" أي "تشتبق" بالآرامية. أما معنى اللصق ومشتقاته فسيبدو غير منسجم في السياق.

    ثانيهما: نص عجيب، لكنه نص عبري وليس آرامياً، وترجمته العربية هي: ( إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي ...) (مزامير 22 : 1)، حيث يكاد يتطابق، بل هو متطابق فعلاً في الترجمة العربية، مع نصي متَّى ومرقص، علماً بأن ذلك النص في العهد القديم وذانك النصان في العهد الجديد، فما هو الجديد؟

    الجديد هو أن اللفظ المستخدم في المزامير هو:

    (אֵלִי אֵלִי לָמָה עֲזַבְתָּנִי) (Ps 22 : 1)

    أي "إيلي إيلي لما عزبتني"، باستخدام حرف الزاي "ز" وليس حرف الذال "ذ"، لكن الدارس للغات السامية يعلم أن العبرانيين يستخدمون حرف الزاي للإشارة بدلاً من الذال، لذلك فليس ببعيد أبداً، من وجهة نظر فيلولوجيا اللسان العبري، أن يكون اللفظ المشار إليه هو "عذبتني". جدير بالذكر أن بعض النسخ العربية تستخدم لفظ "أصبتني" وهو خطأ، لأن النص العبراني الأصلي يخلو من الألف والصاد، بل يستخدم العين والزاي (الذال).

    بذلك نصل إلى "نظرية" مدهشة وممتعة توفق بين الآراء جميعها، وذلك لو قرأنا النص الآرامي لمتَّى مثلاً في ضوء النص العبري للمزمور الثاني والعشرين. إن فعلنا ذلك وقمنا بمضاهاة الكلمة الآرامية "شبقتني" مع الكلمة العبرية "عذبتني" وجدنا أن كلام الكاتب العُماني خميس العدوي ينسجم تماماً مع السياق المذكور في سفر دانيال، لأن ترك المملكة هنا ليس تركاً عادياً، وإنما هو ترك للعذاب، لذلك جاءت مفردات دالة على ذلك عند دانيال مثل "فَتَتَسَلَّطُ"، "يَدُقُّ وَيَسْحَقُ"، "يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ"، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على العذاب.

    حتى في اللغة العربية، سواء اللهجة العمانية أو الفصحى، تدل مادة "شبق" على العذاب، فشدة الإغتلام الجنسي مثلاً هو عذاب، معنوي ومادي، لذلك سمي شبقاً.

    نقطة أخرى أود الإشارة إليها وهي أنه لا يلزم من ذلك أن القائل "شبقني" هو عربي اللسان، وذلك لاشتراك اللسان العربي مع اللسانين العبري والآرامي في كثير من المفردات، حيث أنها جميعاً أغصان دوحة واحدة هي دوحة اللغات السامية، وإن كان ليس ببعيد أن تكون العربية هي أصلها، والباقي فروعها.

    وجه آخر حول جملة "عزبتني"
    هناك وجه ثانٍ لتفسير جملة "عزبتني" يتعلق بإمضاء اللفظ على ظاهره، أي بحرف الزاي، دونما حاجة لافتراض وجود حرف الذال. ربما يختلف القالبُ الجديد مع ما تقدم إلا أن قلبَه يستوعب ما مرّ. لنقرأ قول الله تعالى في البلاغ المبين:

    (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (سبأ : 3)

    والشاهد فيه هو فعل "يعزب" فما معناه؟ الفعل العربي الماضي الثلاثي المجرد عَزَبَ يَعْزُبُ معناه: بَعُد، و في الحديث: "من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزب" أي بعُد عهدٌه بما ابتدأ منه و أبطأ في تلاوته. يدل هذا الفعل في اللسان العربي على معاني البعد والهجر والترك وما إلى ذلك.

    نفسُ المعنى العربي يحمله الفعل العبري الماضي الثلاثي المجرد עָזַב، بالعين الممدودة (حركة مد طويل) والزاي المحدودة (حركة مد قصير) والباء الساكنة، أي معنى الترك والتخلي. من هنا يصح إمضاء لفظ "عزبتني" العبري الوارد في المزمور الثاني والعشرين بمعنى "هجرتني" أو "تركتني".

    الجمع بين الوجهين
    أما الوجه الأول فهو: "عزبتني" معناها "عذبتني" بافتراض أن الزاي هنا ذالاً. وأما الوجه الثاني فهو: "عزبتني" معناها "تركتني" أو "هجرتني"، والجمع بينهما أن يكون المقصود هو "الهجر المفضي إلى العذاب" أو "العذاب المتولد عن الهجر"، والعذاب قسمان، عذابٌ معنوي كهجران المحبوب، وهو المعنى الغالب في المزمور، وعذابٌ مادي كالألم، وهو المعنى الغالب عند متَّى ومرقص.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  10. #20
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    28
    آخر نشاط
    19-03-2009
    على الساعة
    10:46 PM

    افتراضي

    [20] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الثالث)

    فيما يلي أقدم بعض أسئلة وتعليقات القراء (باللون الأحمر) مع أجوبتي عليها.

    1. اتصور انه تم ( استقراء ) هذه القواعد من ( الكتابات الموجودة بالفعل ) فهذه النظريات اللسانية , اصلها ( كتابات ) قديمة وصلت الينا ,و قمنا بتحليلها , و وصلنا الي بعض العلاقات , كانت هي منشأ تلك النظريات . و عندما نحاكم بهذا الاستقراء نصا قديما , تبرز مشكلة ( الدور ) كما يسميها ال المنطق . فكان يجب ان يكون ( نص الكتاب ) نفسه مصدرا , نضيف الي معلوماتنا ما جاء فيه , لا ان نأخذ من الكتب ( استقراءات ) ثم ندين ( شواذ ) هذه الاستقراءات ان صحت تسميتها ( شواذا ) .فاتمنى ان تصحح لي ما سبق .

    بالنسبة لقضية الدور فالوضع مختلف لأن الدراسات الفيلولوجية تعتمد على المنهج المقارن، ومثال ذلك أن أسفار العهد الجديد مثلاً مدونة باللسان اليوناني، وكتابات الفلاسفة الذين عاشوا وماتوا قبل ذلك، كفلاسفة أثينا مثلاً، مدونة كذلك باليونانية، ولما كنا ندرس اليونانية الكلاسيكية لاحظنا وجود علاقات هيكلية معينة في الأسلوب من حيث المعنى ومن حيث المبنى، ثم حينما انتقلنا لدراسة يونانية العهد الجديد لاحظنا منظومة أخرى، يمكن أن نصفها بأنها منظومة عامية وليست فصحى، فإذا طبقنا كلامك في اتخاذ "الكتاب" مصدراً ذاتياً لن يتضح لنا ذلك الأمر، ولكن من خلال المقارنة نلاحظ الفارق أو الفوارق. أما "الدور" فإنما يتحقق لو رجعنا لمصدر معين هو x مثلاً وأخذنا منه الأحكام ثم قمنا بتطبيقها عليه ذاته، أما لو أخذنا الأحكام من مصدر سابق هو x ثم طبقناها على مصدر لاحق هو y فلا دور هنا. لكني لا أنفي بطبيعة الحال إمكانية عزل كتاب معين x ومحاولة استخلاص بنيته الداخلية والكشف عنها، لكن لا يسمى هذا منهج ديناميكي وإنما يسمى منهجاً استاتيكياً وصفياً.

    2. قرأتُ ما كتبتَه حول لفظة شبقتني ومع أهمية ما ذكرتَه لكن أرى عدم انسجامه مع المعنى في العربية – التي هي أم "اللغات السامية" أو هي الشقيقة الكبرى لها - إذ تحمل شبق بالمعنى الذي ذكرتَه على العذاب، ومعنى شبق عندنا هو لصق ولحم وربط، صحيح أن الترك هو عذاب، واللصق "الصلب" هو عذاب، لكن البنية اللغوية اللسانية تعطي لكل معناه الذي تطور إليه. فشبق حتى في العربية الفصحى تطور في هذا الإطار، فالشبق وهو الغلمة في بعض معانيه بالمقام الأول هو لذة وليس عذاباً، وإنما ما يدل عليه –اتفاقاً مع معنى اللهجة العمانية القائمة إلى الآن- هو اللصق، فالشبق –في الفصحى- هو الرغبة الشديدة للالتصاق بالجنس الآخر، وفيه معنى الصلب بين الجنسين حساً ومعنى.

    برغم التشويق في تحليلكم لتطور مادة "شبق" إلا أن استخدام لفظ "شبقتني" بمعنى "ألصقتني" يبدو بعيدا شيئاً ما لسببين، أولهما: أن ذلك المصلوب - بافتراض حدوث الصلب الذي تفضلتَ بنفيه - لم يكن ملتصقاً بالصليب ولكنه كان مُمسمراً عليه ومربوطاً إليه. ثانيهما: إن الفاعل هنا هم أعداؤه وليس الإله حتى يلومه قائلاً "لمَ لصقتني"، فالإله لم "يلصقه" وإنما "لصقه" البيزنطيون بمعاونة اليهود الذين أسلموه على مزاعم العهد الجديد. وذلك على عكس "عزبتني" حيث يدل العزوب على فعل غير ملموس وهو التخلية عن الألطاف والتوفيقات.

    أما تفسير جنابكم بأن "شبق" تعني في اللسان العربي "لصق" جميل حقاً لكن يريد عليه إشكال هو أن ذلك التخريج يستند على إحدى لهجات العرب المعاصرة وليس على الفصحى، فالفصحى تخبر بأن تلك المادة تدل على شدة الإغتلام، وهو عذاب وليس عذباً، لأن الذي يعذب ويحلو هو الجماع نفسه لما فيه من تصريف الشبق، أما الشبق فهو إحتقان ناتج عن تزاحم ماء الرجل مع ما يسببه ذلك من توتر في الأعصاب ورغبه في تصريفه. أي أن الفصحى لا تقول إن الشبق معناه الإلتصاق، لكن لهجة عمان المعاصرة، والتي لا أعرف - وأتحدث عن نفسي - ما إن كانت تدل على هذا المعنى في الماضي أيضاً أم فقط في الحاضر. من أجل إجابة علمية على ذلك يتعين تتبع لفظ "شبق" في لهجات عمان المختلفة عبر الأزمان المختلفة في جميع المصادر الشفهية أو المخطوطة التي ورد بها هذا اللفظ.

    3. لفظة ألوي - مع اعتبارات أخرى - ليست من نفس لهجة شبقتني –رغم أنهما ينتسبان إلى لغة أم واحدة، ولكن يبعد أن يصرخ هذا المصلوب من كلمتين فقط، إحداهما بلهجة وأخرى بلهجة ثانية، ولكن هذا ما يدل بنسبة كبيرة أن الحادثة اختلقت بعد أن خفيت الدلالة التطورية للكلمتين، حتى ظن أنهما من لهجة واحدة

    هذه نقطة جد مهمة، فالجزء الأول من العبارة، وهو الإستغاثة وتوجيه النداء إلى الإله، سواء تم بلفظ إيلي أو إيلوي، هو جزء عبري صرف، والواو في "إلوي" دليل ذلك بسبب الإزاحة الصوتية الكنعانية. أما الجزء الثاني وهو السؤال "لمَ شبقتني" فهو جزء آرامي صرف، لذلك يستغرب المحققون كثيراً هذا التركيب العجيب لجملة من أربعة كلمات صدرها عبراني وعجزها آرامي من المفترض أن تكون آخر كلمات صادرة من شخص وهو يسلم الروح وليست من شخص يريد أن يبرهن على مقدرته ومهارته في الألسن السامية! هذا المزيج الغريب دعا مؤلفي موسوعة الكتاب "المقدس" الصادرة بالألمانية إلى التعليق بقولهم: "من المظنون أن يسوع استخدم النداء العبراني ..." ويقصدون بذلك ما ورد في المزمور الثاني والعشرين "لمَ عزبتني" وليس "لمَ شبقتني" وهذا كلام فحواه الشك في عبارة متى ومرقس وإن لم يصرحوا بذلك، لكن التلميح يغني عن التصريح، والإشارة تغني عن العبارة.


    4. أتفق مع الرأي الذي يقول أن المسيح لم يصلب ولم يقتل

    إختلف الناسُ في مسألة صلب المسيح إلى أربع مقالات:

    [1] أن المسيح صُلبَ وماتَ على الصليب، وهذه دعوى المسيحيين قاطبة وهي - إضافة للتثليث - تشكل جوهر العقيدة المسيحية التي تقول بالصلب والفداء.

    [2] أن المسيح وُضع على الصليب لكنه لم يمُت عليه، وهذه مقالة بعض علماء المسلمين كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد رشيد رضا الحسيني رحمه الله في رسالته القيمة "عقيدة الصلب والفداء" وإن لم يتبناها الشيخ رشيد رضا.

    [3] أن هناك واقعة صلب - سواء مات المصلوب أم لم يمت - قد حدثت لكنها تتعلق بشبيه المسيح، وهو يهوذا الإسخريوطي، الذي أوقع الله عليه شبه المسيح عقاباً له على محاولات الخيانة، وهذا رأي برنابا الحواري في إنجيله، الذي تضعه الكنائس ضمن الأبوكريفا، ويقول به معظم مفسري المسلمين.

    [4] أن لم يحدث صلب - فيما يتعلق بهذه القضية - من الأصل لا للمسيح ولا لغيره.

    هذه هي الأقوال التي وقفتُ عليها بهذا الصدد. فيما يتعلق بالمعتقد الإسلامي فإن المسلم يؤمن بأن المسيح - بفرض تعليقه على الصليب كما يرى الفريق الثاني وإن كنتُ لا أقول به - لم يمت مصلوباً ولا مقتولاً.


    5. كنت أطمع أن تتناول الفقرات العشر الأولى من الإصحاح الثاني من كتاب يوحنا والذي يتحدث عن العرس الذي في قانا الخليل. ما يهمني هناك هو: أليس من المحتمل أن الفعل المبني للمجهول "دُعِي" قد يكون الفعل الماضي "دعى"؟

    رجعتُ إلى النص وهو:

    ἐκλήθη δὲ καὶ ὁ Ἰησοῦς καὶ οἱ μαθηταὶ αὐτοῦ εἰς τὸν γάμον


    والشاهد فيه هو كلمة (ἐκλήθη). أقول: تتكون تلك الكلمة من ثلاثة مقاطع، لذا يمكن كتابتها على الصورة التالية:


    ἐ -- κλή -- θη



    حيث يدل المقطع الأوسط klee على معنى الإتصال والدعوة، ومن هنا جاء لفظ call الإنجليزي (ولفظ پاراكليتوس παρα -- κλη -- τος كذلك). أما المقطع الثالث θη فهو الذي يعنينا في تحديد حالة الفعل من حيث البناء للمعلوم أم للمجهول. يدلُ ذلك المقطع على ضمير المفرد الغائب للفعل المبني للمجهول، واسم ذلك الزمن هو Aorist Passiv ويقابل زمن ال Perfectum Historicum في اللاتينية للدلالة على الحدث الماضي الماثل في الأذهان والغير متعلق بفترة ماضية معينة.

    الخلاصة:
    يدل تركيب (ἐκλήθη) ومعناه (دُعِيَ) على البناء للمجهول في الزمن الفائت وليس البناء للمعلوم، وبناء على ذلك يكون لفظ (ὁ Ἰησοῦς) ومعناه (يسوع) نائباً للفاعل وليس الفاعل.

    ملاحظة:
    جدير بالذكر أن النص اليوناني وإن كان أقدمَ النصوص إلا أنه ليس النص الأصلي، أما النص الأصلي - عبرياً كان أم آرامياً - فهو مفقود. أما النسختان الآرامية والعبرية التي بين أيدينا فليست الأصلية وإنما هما نسختان مترجمتان من اليونانية ومثلهما في ذلك مثل النسخة اللاتينية.

    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الفلسفة الروحية في الدعوة إلى النصرانية (الضلال والإضلال)
    بواسطة abu firas في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 24-10-2011, 11:26 PM
  2. الناسوت واللاهوت
    بواسطة الفارس النبيل في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 14-09-2006, 01:10 PM
  3. لماذا تفشل الفلسفة في تفسير الله
    بواسطة اسد الصحراء في المنتدى الرد على الأباطيل
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-05-2006, 05:40 PM
  4. الناسوت واللاهوت
    بواسطة السيف البتار في المنتدى الأبحاث والدراسات المسيحية للداعية السيف البتار
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 08-07-2005, 12:28 AM
  5. الناسوت واللاهوت
    بواسطة السيف البتار في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 08-07-2005, 12:28 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات