بقلم: محسن عبد المقصود

لم يترك أعداء الإسلام آية قرآنية ولا حديث نبوي إلا أثاروا حوله الشبهات، ونتوقف في هذه السطور مع الشبهات التي أثاروها في قضية الغنائم التي أقرها القرآن وأورد طريقة قسمتها، بل هناك سورة باسمها هي سورة الأنفال، حيث جعلها الله من الحلال الطيب.

وأي باحث ذي ضمير يعلم أن إباحة الاستيلاء على الغنائم في الحروب ليس أمرًا قاصرًا على الإسلام، بل إن الكتاب المقدس يحكي لنا عن شرائع سابقة استولى أهلها على الغنائم سواء انتفع بها أهلها أم لا، ففي سفر التثنية: (وغنيمة المدن التي أخذنا ... الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا) [تثنية 2: 3536]، وفي سفر التكوين في صفات بنيامين: (في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبًا)[تكوين 49: 27] أي: محارب، وفي الكتاب المقدس أيضًا:(ومع العظماء يقسم غنيمة) [إشعياء 53: 12].

وإذا كان الإسلام قد اقر غنائم الحرب، ففرق كبير بين التشريع الرباني بحلِّ الغنيمة والتصرف الهمجي الذي نقله الكتاب المقدس والذي يبيح أموال الناس ودمائهم، وحيث إن الغنيمة هي ما يحصل للمسلمين مما يخلفه الكفار بعد انتهاء الحرب، فإن الاستيلاء عليها وطريقة تقسيمها جزء من منظومة تشريعات الجهاد، وتشريع الجهاد في الإسلام اقترن بضوابط ترفعه عن مجرد كونه قتالًا من أجل دم، بل يرتفع ليكون أداة لتربية الإنسان، وإزالة للطواغيت الظالمة، وإقرارًا للعدل والحرية.

وقد كانت فلسفة الإسلام دائمًا هي الحفاظ على أموال الناس وحياتهم حتى في الحروب، فكيف إذًا يكون هذا التشريع إباحة لأموال الناس؟ ونحن مأمورون بالحفاظ على أموال الناس وحياتهم مسلمهم وكافرهم على حد سواء، حتى في حالة الجهاد، ومن ثم جاء النهي عن قتل الحيوان؛ لغير مصلحة وعن تحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت، وهل يليق بمن يحرم هذه الأمور في وقت الحرب أن يقال: إنه يحلل نهب أموال الناس، هيهات.

ثم شتان بين نهب أموال الناس ذلك التصرف الذي يمليه على بعض الناس أو المقاتلين شياطينهم وبين تشريع يربي الإنسان على ضبط نفسه ويفطمها عن أهوائها ويعودها على طاعة الله ومن ذلك التربية على عدم إرادة الغنائم دون رجاء ما عند الله تعالى، فعن أبي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ أعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم- الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ في سَبِيلِ اللَّهِ؟.فَقَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي الْعُلْيَا فَهْوَ في سَبِيلِ اللَّهِ).

وفي الكتاب المقدس، في العهد القديم، في سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون:
(وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم، وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار، وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم، وأتوا إلى موسى وألعازار الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة إلى عربات موآب التي على أردن أريحا) 9-11.


ويتمادى أهل الكفر والإلحاد فيقولون في حق رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، إنه كان صاحب مطامع دنيوية، لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة، ولكنه بعد هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على جمع الأموال والغنائم من خلال الحروب التي خاضها هو وأصحابه، ابتغاء تحصيل مكاسب مادية وفوائد معنوية.

والناظر في سيرته، صلى الله عليه وسلم ، والمتأمل في تاريخ دعوته، يعلم أنه لم يكن يسعى من وراء كل ما قام به إلى تحقيق أي مكسب دنيوي، يسعى إليه طلاب الدنيا واللاهثون وراءها، وشبهة أعداء الإسلام لا يوجد عليه دليلٌ في واقع حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لو كان كما قيل لعاش عيش الملوك، في القصور والبيوت الفارهة، ولاتخذ من الخدم والحراس والحشم ما يكون على المستوى المتناسب مع تلك المطامع المزعومة، بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إذ كان في شظف من العيش، مكتفياً بما يقيم أود الحياة، وكانت هذه حاله منذ أن رأى نور الحياة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، يشهد لهذا أنّ بيوته صلى الله عليه وسلم كانت عبارة عن غرف بسيطة لا تكاد تتسع له ولزوجاته.

وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه، فقد كان يمر عليه الشهر والشهران لا توقد نارٌ في بيته، ولم يكن له من الطعام إلا الأسودان - التمر والماء- ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة : (ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ، فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) متفق عليه.

وهذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرف به النبي صلى الله عليه وسلم، وحث عليه أصحابه، فقد صح عنه أنه قال: ( إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) متفق عليه.

ومما يدحض هذه الشبهة وينقضها من أساسها أن أهل مكة عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال والملك والجاه من أجل أن يتخلى عن دعوته، فرفض ذلك كله، وفضل أن يبقى على شظف العيش مع الاستمرار في دعوته، ولو كان من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناء.

كما أن الوصايا التي كان يزود بها قواده تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن طالب مغنم ولا صاحب شهوة، بل كان هدفه الأوحد والوحيد إبلاغ دين الله للناس، وإزالة العوائق المعترضة سبيل الدعوة، فها هو يوصي معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن بقوله: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى ، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس) رواه البخاري.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم ارتحل من الدنيا ولم يكن له فيها إلا أقل القليل، ففي الصحيح عن عمرو بن الحارث قال: ( ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهماً، ولا ديناراً، ولا عبداً، ولا أمة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة) رواه البخاري، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي ) متفق عليه.

وإلى هذه الصورة من صور النهب والخديعة التي يقرها الكتاب المقدس واستحضر عدد بني إسرائيل لتعلم مدى الكارثة التي أصابت المصريين في أموالهم واستحضر كيف أبقى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب في مكة ليرد إلى المشركين ودائعهم في حادث الهجرة.
فنص الكتاب المقدس في وصف نهب أموال المصريين، في سفر الخروج: 19-22يقول:( الشُّيُوخُ لِكَلاَمِكَ فَتَمْثُلُ أَنْتَ وَشُيُوخُ إِسْرَائِيلَ أَمَامَ مَلِكِ مِصْرَ وَتَقُولُ لَهُ: إِنَّ الرَّبَّ إِلَهَ الْعِبْرَانِيِّينَ قَدْ تَفَقَّدَنَا، فَدَعْنَا نَمْضِي مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ وَنُقَدِّمُ ذَبَائِحَ لِلرَّبِّ إِلَهِنَا. وَلَكِنَّنِي عَالِمٌ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ لَنْ يُطْلِقَكُمْ مَا لَمْ تُرْغِمْهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ. 0فَأَمُدُّ يَدِي وأَضْرِبُ مِصْرَ بِجَمِيعِ وَيْلاَتِي الَّتِي أَصْنَعُهَا فِيهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُطْلِقُكُمْ. وَأَجْعَلُ هَذَا الشَّعْبَ يَحْظَى برضا الْمِصْرِيِّينَ، فَلاَ تَخْرُجُونَ فَارِغِينَ حِينَ تَمْضُونَ، بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا أَوْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا جَوَاهِرَ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَثِيَاباً تُلْبِسُونَهَا بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ فَتَغْنَمُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ».

لكن رغم ذلك يستمر أهل الكفر والزيغ ويقولون إن تعرض النبي، صلى الله عليه وآله، لقوافل قريش كان لغرض السيطرة وجمع المال.
وتناسى هؤلاء أن الهدف الأساس من هذا التعرّض النبي للقوافل التجارية كان إعلام أهل مكّة، بأنّ الخطوط الرئيسية للتجارة ( الطائف – الشام )، التي كان يعتمد عليها المكِّيُّون، ويعتبرونها شريان الحياة، هي بيد المسلمين، يتصرّفون بها كيف ومتى شاءوا، لأنّهم كانوا يعلمون بأنّ البضائع التجارية التي كانت ينقلها أهل مكّة إلى الطائف والشام تشكّل العمود الفقري لمعيشتهم، وهذا الاقتصاد القوي يقف حائلاً دون انتشار الإسلام، فوقع بعض المستشرقين في أخطاء عند تحليلهم للأوضاع التي كانت تعيشها مكّة آنذاك، وقاموا بتفسير الحوادث التاريخية بشكل يتناقض مع التاريخ، وادَّعوا بأنّ النبي، صلى الله عليه وآله كان يسيطر على تلك القوافل التجارية لزيادة قوّته وسلطانه.


المصدر
http://www.shareah.com/index.php?/records/view/id/1724/