كتبه: د. عبد الفتاح سعيد


ظهر نظام عقود التأمين لأول مرة في أوروبا، وتحديدًا في ألمانيا سنة 1910م، وهو نظام يقوم على الوقاية من الخسارة والتعويض، وعندما وصل هذا النوع من العقود إلى الدول العربية والإسلامية، تناوله العلماء بالبحث لمعرفة حكمه على ضوء الأدلة الشرعية والمعاملات الجارية منذ ظهور الإسلام، ثم كتبت في هذا الموضوع رسائل وبحوث، وصدرت فتاوى وأحكام، من العلماء وقضاة المحاكم الشرعية منها:
1- فتوى الشيخ بكري الصدفي سنة 1910 عن التأمين على الحياة بأنه محرم.

2- فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي سنة 1919م عن التأمين ضد الحريق، بأنه محرم، وله في ذلك رسالة «أحكام السوكورتاه» المطبوعة سنة 1906، 1932م، رد فيها على سؤال من علماء سالونيك.

3- فتوى الشيخ عبد الرحمن قراعة سنة 1925م بحرمة التأمين على الحياة وضد الحريق.

4- فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق سنة 1980م عن التأمين ضد الحريق، وجاء فيها: ( في عقد التأمين غرر وضرر محقق بأحد الأطراف، لأن كل عمل شركة التأمين أنها تجمع الأقساط من المتعاقدين معها، وتحوز من هذه الأقساط رأس مال كبير تستثمره في القروض الربوية وغيرها، ثم تدفع من أرباحه الفائقة الوفيرة ما يُلزمها به عقد التأمين من تعويضات عن الخسائر التي لحقت الأموال المؤمن عليها، مع أنه ليس للشركة دخل في أسباب هذه الخسارة، لا بالمباشرة ولا بالتسبب، فالتزامها بتعويض الخسارة ليس له وجه شرعي، كما أن الأقساط التي تجمعها من أصحاب الأموال بمقتضى التأمين لا وجه لها شرعًا أيضًا، وكل ما يحويه عقد التأمين من اشتراطات والتزامات فاسد، والعقد إذا اشتمل على شرط فاسد كان فاسدًا.
والغرر متوفر في عقد التأمين؛ لأنه في الواقع عقد بيع مال بمال وفيه غرر فاحش، والغرر الفاحش يؤثر على عقود المعاوضات المالية في الشريعة باتفاق الفقهاء، ولا خلاف إلا في عقود المعاوضات غير المالية، وهو قمار معنًى، لأنه معلق على الحظ فيما يحصل عليه أي من المتعاقدين، ومع هذا ففي عقد التأمين تعامل بالربا الذي فسره العلماء بأنه زيادة بلا مقابل في معاوضة مال بمال، والفائدة في نظام التأمين ضرورة من ضرورياته ولوازمه، وليست شرطًا يشترط فقط في العقد. فالربا في حساب الأقساط، حيث يدخل سعر الفائدة، وعقد التأمين محله عبارة عن الأقساط مضافًا إليها قائدتها الربوية، وتستثمر أموال التأمين في الأغلب، أو على الأقل احتياطها، بسعر الفائدة، وهذا ربا. وفي معظم حالات التأمين – حالة تحقق أو عدم تحقق الخطر المؤمن ضده – يدفع أحد الطرفين قليلا ويأخذ كثيرًا، أو لا يدفع ويأخذ، وهذا ربا.

وفي حالة التأخير في سداد أي قسط يكون المؤمن له ملزمًا بدفع فوائد التأخير، وهذا ربا النسيئة، وهو حرام شرعًا قطعًا.
وإذا كان التأمين ضد الحريق من عقود الغرر – بحكم التقنين المدني المعمول به في مصر، فضلاً عمّا فيه من معنى القمار ومن الغبن ومن الشروط الفاسدة، وكان القمار وعقود الغرر من المحرمات شرعًا بأدلتها المبسوط في موضعها من كتب الفقه – كان هذا العقد بواقعه وشروطه التي يجري عليها التعامل الآن من العقود المحظورة شرعًا).

5- صدر من محكمة مصر الشرعية الكبرى سنة 1907م حكم برفض دعوى طلب الورثة لمبلغ تأمين عن عقد محرر في سنة 1903م، ومات المؤمن عليه سنة 1906م.

6- رفضت محكمة الإسكندرية الشرعية سنة 1930م دعوى طلب تأمين على وقف ضد الحريق، واستمرت المحاكم الشرعية على رفض دعاوى التأمين حتى أُلغيت سنة 1955م.

ولمّا صدر قانون تطوير الأزهر رقم 103 لسنة 1961م وأُنشِئَ بمقتضاه مجمع البحوث الإسلامية الذي حل محل جماعة كبار العلماء – رؤي بحث التأمين بشكل جماعي، فأثير في المؤتمر الثاني للمجمع الذي عقد سنة 1965م وصدر قراره بحل التأمين التعاوني الذي تقوم به الجمعيات التعاونية، وكذلك حل نظام المعاش الحكومي كما صدر القرار بالاستمرار في دراسة أنواع التأمينات الأخرى، ونص القرار هو:

1- التأمين الذي تقوم به جمعيات تعاونية يشترك فيها جميع المستأمنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات – أمر مشروع، وهو من التعاون على البر.

2- نظام المعاش الحكومي وما يشبهه من نظام الضمان الاجتماعي المتبع في بعض الدول، ونظام التأمينات الاجتماعية المتبع في دول أخرى – كل هذا من الأعمال الجائزة.

3- أما أنواع التأمينات التي تقوم بها الشركات أيًّا كان وضعها، مثل التأمين الخاص بمسئولية المستأمن، والتأمين الخاص بما يقع للمستأمن من غيره، والتأمين الخاص بالحوادث التي لا مسئول فيها، والتأمين على الحياة وما في حكمه – فقد قرر المؤتمر الاستمرار في دراستها بواسطة لجنة جامعة لعلماء الشريعة وخبراء اقتصاديين وقانونيين واجتماعيين، مع الوقوف – قبل إبداء الرأي – على آراء علماء المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية، بالقدر المستطاع.

وتنفيذًا لهذا القرار قامت أمانة المجمع بطرح نقاط على العالم الإسلامي لبيان الرأي فيها، من أهمها:
1- هل يجوز إحداث عقود غير المعروفة في صدر الإسلام أو لا يجوز؟
2- هل تطبق أحكام الضمان والكفالة على التأمين أو لا تطبق؟
3- هل في التأمين جهالة وغرر وقمار ومراهنة أو لا؟
4- هل فيه أكل لأموال الناس بالباطل أو لا؟
5- هل في بعض أنواعه ربا أو شبهة ربا، أو هو خلو من ذلك؟
6- هل يمكن أن نطبق على التأمين أحكام عقد الصرف أو لا؟
7- هل فيه إعانة الشركات على الاستغلال المحرم، وإذا كان فيه إعانة فهل نبطله شرعًا أو لا نبطله؟
8- هل فيه غبن مبطل؟
9- هل في إباحته للمسلمين إبطال مقوماتهم وخصائصهم الدينية بدون حاجة إليه، أو ليس فيه شيء من ذلك؟
10- هل يصح الاستناد في إباحته إلى العرف والضرورة الاجتماعية أو لا يصح؟

وقد ردت إلى أمانة المجمع إجابات مختلفة، تتلخص في ثلاثة آراء:
1- رأي يحرمه مطلقًا بجميع أنواعه.
2- رأي يجيزه مطلقًا بجميع أنواعه.
3- رأي يحرم التأمين على الحياة ويبيح ما عداه.

والذين حكموا بحرمته استندوا إلى أمور، منها:
1- أنه لا يوافق التعاقدات الشرعية المعروفة، والضمان الذي فيه لبس بالكفالة أو التعدي والإتلاف، حيث أنه لا يقع على عين أو منفعة، بل هو عقد وقع على تعهد، أي ضمانة، والتعهد ليس عينًا ولا ينتفع بذاته، والمال المتعاقد عليه أثر من آثار المعاملة، والضمان فيه ضم ذمة إلى ذمة، أما التأمين ففيه ضمان من جهة واحدة، فلم يستوفِ شروط الضمان.
2- إن الحياة ليست مالا، فلا يصح أن يكون المبلغ عوضًا، ولا يمكن بحال لأنها بيد اللَّـه سبحانه.
3- إن الشركة لم تجن عليه، فالذي توفاه هو اللَّـه سبحانه.
4- ما فيه من الغرر والمخاطرة بالمال، حيث لا يعرف متى يموت المستأمن، فإذا لم يمت في المدة المضروبة لم يأخذ شيئًا مما دفع، فكان هو الخاسر وكانت الشركة هي الكاسبة لما دفعه، ولثمرات استثماره طوال المدة المتفق عليها. وإن مات قبل تمام المدة دفعت الشركة له كل ما اتفق عليه، حتى لو كان بعد دفع قسط واحد، فكان هو الكاسب، وكانت هي الخاسرة.
وكذلك في التأمين على الأشياء، إن لم تتلف في المدة المضروبة كان المؤمن – أي الشركة – هي الكاسبة، والمستأمن هو الخاسر. وإن تلفت وكان العوض أكثر مما دفعه كان هو الكاسب، والشركة هي الخاسرة، فالصدفة هي التي تحدد أيهما يكسب وأيهما يخسر.
5- ما فيه من الجهالة بما يدفع في التأمين على الأشياء.

والذين حكموا بحل التأمين استندوا إلى أمور، منها:
1- أن العقود الجديدة لا يشترط أن تكون مشبهة للعقود المعروفة في الإسلام، فالحياة تتطور. والأصل في العقود الإباحة حتى يقوم الدليل على حرمتها، ولا يوج دليل منصوص عليه، والقياس لا يخلو من المناقشة.
2- أن الغرر الذي فيه ليس غررًا فاحشًا يؤدي إلى التنازع، فهو يباح عند الحاجة، قياسًا على عقد المولاة الذي أقره الإسلام أولا، حيث لا يدري أي الطرفين يموت قبل الآخر حتى يرثه.
3- أن التأمين على الحياة ليس بالمعنى المتبادر إلى الذهن من ظاهر اللفظ، ضمانًا لحياة الإنسان، فهي بيد اللَّـه، وإنما المراد ضمان مستقبله عند العجز أو المرض، أو مستقبل أولاده وورثته، فكلمة الحياة تطلق على سببها العادي وهو الرزق.
هذه هي خلاصة الآراء وما اعتمدت عليه في الحكم على التأمين، ولم يتخذ مجمع البحوث قرارًا موحّدًا إلى الآن في التأمين على الحياة بالذات.

وهذا التأمين ليس أمرًا ضروريًّا لحياتنا بحيث إذا لم يوجد كانت التهلكة أو العنت والحرج، حتى يتجاوز عمّا فيه من سلبيات، فقد عاش المسلمون قرونًا طويلة كانوا فيها أقوى الأمم وأعزها، دون حاجة إلى هذه العقود التي وضح فيها الاستغلال من جماعة فكّروا كيف يسطرون على غيرهم بوسائل في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب.
ولهذا يترجح القول بحرمته؛ لأضراره الكثيرة التي لا يوازيها ما قد يكون فيه من منفعة، وقد صدرت بذلك فتوى من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف في 24 من أبريل سنة 1968م، من دار الإفتاء المصرية بتاريخ 26 من يناير 1980م، وأخرى بتاريخ 14 من ديسمبر سنة 1980م.

وإذا قيل: إن شركات التأمين تستثمر الأموال بما يفيد المشتركين ويفيد الوطن، نقول: يمكن أن تتم هذه الاستثمارات عن طريق تكوين شركة مساهمة يشترك فيها المؤمن عليهم، ويتولى إدارتها بالوكالة عنهم مجلس يختارونه من بينهم أو من غيرهم، تكون أرباحها للمساهمين. ولمجلس الإدارة أجره الذي يتفق عليه، أو عن طريق المضاربة التي يكون الربح فيها للمؤمن عليهم ولمجلس الاستثمار يوزع بالنسبة التي يتفق عليها، مع تغيير كل العقود الحالية في شركات التأمين، وحذف ما يتعارض منها مع الشرع.

http://www.shareah.com/index.php?/records/view/id/1239/