افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 35

الموضوع: افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

  1. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    اقتباس
    راااااائع حفظ الله أرض الكنانة
    ان شاء الله محفوظة من كل سوء

    اقتباس
    موضوع شيق جداً وحقائق تغيب عن معظم الناس
    أكمل بارك الله فيك
    وبارك فيكم اخى سعد

    اقتباس
    دى العمة روز أخي عبد الله

    جزاك الله خيرا
    وجزاكم يا اسد الجهاد
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعه السادسه

    الشوان يروي محطات اختراقه للموساد، مقابلة مع عبد الناصر أرخت لبدء العملية
    لا ينافس قصة (رأفت الهجان) الشهيرة الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب (اسرائيل) سوى قصة (جمعة الشوان) وهو عميل آخر وليس أخيرا تم تجنيده كعميل مزدوج اخترق جهاز المخابرات الاسرائيلي ومرح في جسده كيفما حلا له او حلا للمخابرات المصرية آنذاك, في تلك الفترة الناصعة من تاريخ الامة العربية في ذروة الصراع العربي الاسرائيلي .



    جمعة الشوان او احمد الهوان, والثاني اسمه الحقيقي, ابن السويس الطيب يحكي للاجيال الجديدة محطات من اختراقه لجهاز المخابرات الاسرائيلية, حيث يكشف ان نشاطه كان بمعرفة ومباركة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. يكشف كذلك في حكايته المثيرة كيف وضع الموساد في طريقه 111 من اجمل الفتيات على اطباق حمراء لاغوائه وذلك قبل ان يغدق عليه الاموال طيلة عشر سنوات قضاها في اوروبا لكن رغم كل الاغراءات عجز الموساد عن شراء وطنية احد ابناء هذا الوطن الطيب الممتد من المحيط الى الخليج الذي اختار بدلا من الخيانة الطريق الاصعب وهو تضليل عملاء الموساد وايقاعهم في حبائل المخابرات المصرية شارعا في رسم ملامح ملحمته الوطنية الخاصة. في شقته بوسط القاهرة التي كانت غرفة عمليات لأقوى عملية تجسس مزدوج لصالح مصر.. كان اللقاء مع الشوان. بادرناه بالسؤال عن كيفية قيام المخابرات العامة المصرية بالكشف عن شخصيته بعد خداع عشر سنوات للموساد الاسرائيلي.. وكيف كان رد فعلهم؟ فأجاب: وكأنه مبرمجا.. بل لنتحدث عن البداية. يعتدل الهوان وكأنه يستعد للقيام بمهمة.. وتتغير ملامحه فيبدو مزهوا: البداية كانت هناك في السويس. بلد الشهداء والشجعان. نشأت في اسرة مكونة من سبعة ابناء واب وام كان ترتيبي الخامس بين اخواتي ومع انني لست الكبير.. الا انني تحملت مسئولية رعاية الاسرة مع ابي وانا في الرابعة عشرة وبعد حصولي على الشهادة الاساسية.. وفي فترة قصيرة اصبحت من الافراد الهامين في مجال اعمال الميناء والبحر, وعرفني الاجانب واختلطت بهم حتى تعلمت عدة لغات في سنوات قليلة, واطلق علي السوايسة في الميناء: الشاطر.. وكنت صاحب ومدير شركة سياحية ولم اكمل بعد عامي التاسع عشر. وبعد قرارات التأميم التي شملت شركتي تم تعييني رئيسا لقسم الاشغال براتب كبير في ذلك الوقت هو 48,75 جنيها مصريا. يتابع هذا الكلام هام جدا لمعرفة الخلفية التاريخية لقصة التجسس التي لا أتردد في وصفها برحلة الموت. المهم, لم اطق العمل الحكومي ورحت اجتهد حتى استطعت ان انظم عدة رحلات ترفيهية لاطقم السفن التي كانت ترسو على ميناء السويس, ومدها بالمواد التموينية.. ولكن الشركة فتحت فرعا في بور توفيق وعينوني مديرا لادارته. وحتى لا نطيل, فلنقفز الى يونيو 1967 وهذه الحرب الشرسة التي حولت السويس الى مدينة اشباح بسبب الغارات التي دمرت كل شيء واخذت في طريقها اللانش الذي بنيته بعرقي ودمي, ولم تترك سيارتي وبيتي. واصبحت لا املك شيئا, وكان التهجير, هذا اللفظ الذي مازال يرعبني ويتعسني حتى اليوم.. وفي القاهرة راحت الايام تقذف بي, وانا الهث وراء لقمة العيش دون جدوى.. وفي احدى الليالي وانا جالس محطم محبط تذكرت مبلغا من المال كنت ادين به لصاحب شركة البحر الاحمر في اليونان كنت قد امددته بقيمته مواد تموينية لاحدى سفنه, وكان مبلغا كبيرا 2000 جنيه استرليني. ويعيد الهوان الجملة بطريقة اخرى 2000 جنيه استرليني لدى الخواجه (باماجاكوس) في اليونان.. تستحق السفر.. فقد كان هذا المبلغ في ذلك الوقت ـ في عام 1968 ـ يساوي ثروة كبيرة يمكن ان يبدأ بها الانسان مشروعا ليس صغيرا. يلتقط الهوان انفاسه ويرشف قليلا من الماء ويستمر في الحديث: سافرت الى اليونان مع صديق لي.. ولم نكن نملك سوى 22 دولارا لكل منا 11 دولارا وهذا كل ما كان يسمح به للمصريين المسافرين للخارج وحين وصلنا اليونان وسألنا عن باماجاكوس كانت الصدمة.. انه ليس بالبلاد, ولكنه سيأتي بعد اسبوعين دارت بنا الدنيا, فما نملكه من مال لا يكفي (عيش حاف). وكنا نقيم في فندق متواضع. ولكنه التهم كل ما نملك في اقل من اسبوع وبعده سرنا نستدين من الفندق حتى يأتي الفرج ومعه (باماجاكوس) وكدنا نساق للشرطة التي هددتنا ادارة الفندق بها, وذهبنا هائمين على وجوهنا نبحث عن فتات العيش في القمامة, واذا بأحد الافراد يسألنا عن كوكايين, ووجدت الفرصة, فاشتريت اسبرينا وفلفلا ابيض وطحنتهما واعطيته هذا المسحوق الذي اشتراه بستمئة جنيه كانت كفيلة بأن ترد ديننا ونأكل منها حتى عودة الخواجة باماجاكوس, وبعد الاسبوعين جاء الخواجة الذي لطمني بقوله انه لا يملك المال لأنه تعرض لهزة كبيرة. فقد غرقت احدى سفينتيه, والاحوال ليست على ما يرام, ووعدني بأن يرد لي بعض الدين مع ضمان العمل على السفينة, ولم يكن امامي سوى الاستجابة ويستطرد الهوان: ما باليد حيلة..: وللأسف لم يوافق على الحاق صديقي بنفس العمل بل الحقه بعمل آخر.. وافترقنا ولم اره حتى اليوم.
    نا كانت بداية الرحلة.. والتجنيد؟!

    - فعلا .... انطلقت السفينة حتى وصلنا الى بريستون في اول رحلة من اليونان وانا في العمل. واصدقك القول انني كنت سعيدا جدا لأنني طالما حلمت بالسفر الى اوروبا بلاد الاجانب الذين كنت اقابلهم كثيرا.. تعرفت على شاب يوناني على السفينة يدعى ديموس اصطحبني لشوارع بريستون بعدما رفض القبطان اعطائي اية نقود (لأنني حديث) على السفينة. فاعطاني ديموس عشرة جنيهات استرليني مقابل قيامي بالترجمة له اثناء حديثه مع الاجانب فلم يكن يعرف سوى اليونانية؛ وذهبنا الى احد البارات.. وجلسنا واذا بشاب اسمر يرمقني بطريقة ملفته.. لدرجة انني اعتقدت انني ربما اشبه احد معارفه, وقبل ان ابادره بالسؤال سألني عن اسمي في محاولة للتعارف فتعرفت عليه واعطيته بطاقة هوية مكتوبا عليها اسمي وعملي كمدير شركة ابوسنبل السياحية, فأبدى الشاب مزيدا من الاهتمام وسألني ولكن ماذا تفعل هنا, فقلت له بقليل من الحرج: حال الدنيا فانا عامل على احدى السفن اليونانية, فاستنكر الشاب هذا وعرض علي وظيفة بـ الف جنيه استرليني مع الاقامة والطعام باحدى الشركات وودعني على امل اللقاء في اليوم التالي. يقول الهوان: لم اذق طعم النوم في هذه الليلة ورحت انسج من خيالي قصصا.. اذ ان مبلغا كبيرا كهذا كفيل بأن يعيد اليّ كل ما فقدت من ثروة ومركز. وفي الصباح الباكر اسرعت الى ديموس ليصحبني الى نفس البار لنلتقي بالشاب الاسمر الذي لم يأت رحت انتظر ساعة وراء ساعة دون جدوى.. واثناء شرودي واحباطي اذا بالجرسون يقدم لنا كأسين من الويسكي واشار بيده الى فتاتين تجلسان على المائده المجاورة.. احداهما ذات جمال, لا يوصف لم اره من قبل, ولكنني قرأت عنه فقط.. قرأت عن الحوريات وهي قطعا منهن.. ابتسمت لي واشارت بكأسها ولكنني لم اكن اشرب الخمر, ولم اكن في حالة نفسية على ما يرام كما انني لم اكن املك سوى عشرة جنيهات استرليني لا تكفي لشيء, وحين لمحت (الفتاتان عدم شربي الويسكي انتقلتا للانضمام لمائدتي ومعي ديموس, قالت الاولى انا (جوجو) وصديقتي (ماري) وسألتني لماذا لا تشرب هذه دعوة.. فقلت لها ولكنني لا املك ما ادعوك عليه.. فاطلقت ماري ضحكة عالية وقالت هذه جوجو ابنة اشهر رجل اعمال ومليونير في مانشستر, وانا امتلك اربعة محلات سوبر ماركت.. قلت لها بحمية الشرقيين ولكنني لابد ان اقدم لكما الشراب.. فتدخلت (جوجو) بخفة تخلب العقول لنخرج من هذا المكان.. ولكن قبل ذلك لننزل الى الدور الاسفل. ذهبت معها انا وديموس.. واذا بي ارى الشاب الاسمر الذي تجاهلني تماما.. ورأيته يعطي جوجو حقنة مخدرات.. فاقتربت منه وسألته, ولكنه اسرف في تجاهله لي.. مما اشعرني بدهشة وغيظ في نفس الوقت.. وفي هذه الاثناء جذبتني جوجو من يدي بعدما وضعت في جيبي كمية من النقود لم اتبين عددها, وقالت بضحكة عالية: حتى لا تغضب, يلتقط الهوان انفاسه ويقول اذا حكيت الاحداث التي مرت بنا وجوجو منذ هذا اللقاء لا تكفي الدفاتر ولكن باختصار.. تطورت العلاقة بيننا وصارت قوية جدا لدرجة انها عرضت عليّ الزواج.. بل حددت موعدا للقاء مع والدها في مانشستر, واحضرت لي حقيبتين مليئتين بأفخر الملابس منها بدلة انيقة تليق بلقاء مليونير وعلمتني اصول البروتوكول في مثل هذه المناسبات. لم تستغرق مقابلتي لأبيها اكثر من نصف ساعة كانت الخلاصة انه موافق من حيث المبدأ على الزواج شريطة ان تقيم معه في فيلته وان اعمل باحدى شركاته براتب شهري الف جنيه استرليني.. فكان عليّ ان اقول انني متزوج ولدي ابنة وابن فقال ومن قال لك انك ستتركهم, سوف ترسل لهم نقودا وكل ما يحتاجون اليه.. يضحك الهوان بسخرية قائلا: كم كان كريما!! ويكمل حديثه: ثم سألني والد جوجو عن اتجاه السفينة التي اعمل عليها قلت له الى روسيا ولكنه قال: بل الى كوبنهاجن, وكم اندهشت حين اتجهت السفينة فعلا الى كوبنهاجن. وهناك وجدت جوجو تنتظرني على رصيف الميناء, واخذتني لنقضي الوقت معا حتى ابحار السفينة, وفي كل رحلة كانت تكرر الحكاية تماما, كل ميناء اصل اليه اجدها في انتظاري ونقضي اليوم معا. حتى وصلنا في احدى المرات الى ميناء بلفاست بأيرلندا الشمالية وكانت مشتعلة بالحرب الاهلية ومحظور التجول في شوارعها. فلم ابرح السفينة وشوقي الى جوجو يكاد يقتلني فاهتديت الى الاتصال بها تلفونيا. واذا بصوت يأتيني قائلا: انا شقيقة جوجو.. لقد ذهبت الى امريكا للزواج (يتلون وجه الهوان وكأنه يسترجع الحوادث وردود افعالها ايضا ومشاعره) ويقول بصوت هادئ: لقد دارت الدنيا بي فلم ابال بالبرد القارس وقفت على ظهر السفينة كالمجنون لماذا خدعتني. لماذا كان ابوها متجاوبا واعطاني هذا الامل الكبير.. ولم اشعر بنفسي الا وقد اصابتني الحمى.. حمى البرد والحزن.. ولم افق من غيبوبتي إلا بحقنة الطبيب.. وصوت جوجو وصورتها أمامي بشحمها ولحمها, وقالت معتذرة: هذه السيدة ليست شقيقتي بل صديقة وقد أخطأت, ولكنني لم أصدقها إلا حين صممت على مغادرتنا السفينة والذهاب رأسا لعقد قراننا.. صدقتها وقمت من فراشي سعيداً وقضينا اليوم معاً.. ثم اعادتني إلى السفينة وقالت لي: سوف تتجه السفينة إلى بلجيكا وهناك سنلتقي على الرصيف وإذا لم تجدني سنلتقي في اليوم التالي في هذا البار وأعطتني بطاقة بالاسم والعنوان. .. يبلل الهوان ريقه بقليل من الماء ليستكمل الحديث: شعرت في ذلك الوقت أنه لابد من الارتباط بجوجو التي أحببتها جداً ولم أستطع الاستغناء عنها وكان قراري الذي عقدت العزم عليه هو الزواج والاقامة معها بمانشيستر كما قال والدها.. وصلت السفينة إلى بلجيكا؛ ولكنني لم أجد (جوجو) على الرصيف كما عودتني دائماً وتذكرت اننا سنلتقي في اليوم التالي في البار... بحثت عن البطاقة المكتوب عليها العنوان.. رفعتها بحنان ورفق ووضعتها تحت الوسادة.. وفي الصباح الباكر ذهبت إلى هناك ورغم أن الموعد كان عصراً.. رحت استحلف الساعة أن تمر.. وتسكعت في الشوارع حتى جاء الموعد.. طرت إلى البار ابحث عن جوجو كطفل يبحث عن أمه.. وكانت الصدمة حين لم اجدها.. ومرت الساعات وأنا أكاد افقد عقلي.. ولأول مرة اطلب خمراً لأشرب لعلني أنسى هذا الشعور المميت بالاحباط والتعاسة والحزن, وفي هذه الاثناء إذا بالمقعد يهتز بسبب اصطدام, أحد الشباب به والذي راح يعتذر لي مسرفاً في أدبه.. فاندهشت لأن ما حدث لا يستحق كل هذا الاعتذار.. ولكنه بادرني بالقول وبطريقة فيها من الود ما زاد من دهشتي: أنا وصديقي راهنا عليك.. صديقي قال أنك من باكستان.. قلت له تخسرا انتما الاثنين فأنا من مصر... فضحك وقال اذن أنت الرابح فهيا لتأخذ ماربحت فسألته على أي شيء كان الرهان, قال: على سهره حمراء. يتابع الهوان: أعرف أن في الحديث بعض الاحراج, ولكنه أسلوب الموساد في اصطياد فرائسه: ـ المال والنساء بمعنى أدق, وأنا شاب وقتذاك في الثالثة والعشرين.. ويستطرد الهوان: لا أحد يصدق أن ما قدمه لي الموساد من نساء طوال سنوات عملي معهم وصل إلى 111 فتاة كانت جوجو أقلهن جمالاً

    وهل ذهبت معهم؟


    ـ طبعاً بعدما تعارفنا حيث قال لي: أنا جاك وصديقي أبراهام واعطيتهما نفس البطاقة التي أحملها بأسمى ووظيفتي كمدير لشركة أبي سنبل السياحية. وتحدثت معهما عن ظروفي وكيف وصل بي الحال لعامل على إحدى السفن اليونانية, فبادرني جاك بعرض لم يخطر على بال أحد حيث قال لي: أبي يمتلك شركة للحديد والصلب وأنا مديرها العام.. فما رأيك بوظيفة في هذه الشركة براتب خمسة آلاف جنيه استرليني شهرياً.؟ يضحك الهوان قائلا: كان هذا العرض طبعاً كفيلا بأن يجعلني أقع مغشياً علي, وأن ينسيني جوجو وما حدث منها, واتفقنا على اللقاء في اليوم التالي للاتفاق على التفاصيل ووضع الاتفاق في الصيغة النهائية وكيفية التخلص من العمل على السفينة والحصول على جواز سفري للالتحاق بالعمل الجديد. وفي اليوم التالي وجدتهما على الرصيف الذي ترسو عليه السفينة فاستضفتهما, وأثناء انشغالي بغسل أكواب القهوة لمحت ابراهام يضع يده في جيب البالطو الخاص بي.. تجاهلت الموقف وكأنني لم ألحظ شيئاً ومضيت في استضافتهما, ثم دعيانني على العشاء في أشهر مطعم.. وهناك أصر على جلوسي في مكان على المائدة في مواجهة فتاة جميلة جداً.. أخذت هذه الفتاة تغازلني بشكل جريء.. ولكن حيائي منعني من النظر إليها, ويضحك الهوان قائلاً: لكن (أزاي) فقد كانت في مواجهتي تماماً... وهنا تدخل جاك وسألني فاشرت إلى الفتاة, فأشار علي أن ادعوها للانضمام إلينا, وفعلا قمت لأدعوها, وانضمت إلينا, وفي أثناء انشغالي بها إذا بجاك يبشرني بموافقة الشركة على انضمامي للعمل بها شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة بي مثل مستندات شركة السياحة... ولكنني أجبته موضحاً أن الحرب أتت على كل شيء ولولا هذا ما كنت هنا أصلاً.. وقلت له: كل ما أملك هو جواز سفري وليس معي بل مع القبطان, فقال جاك يمكن أن يضمنني لدى الشركة ولكن بشرط أن أكتب أسماء وعناوين وتلفونات أقاربي, وبعد ذلك أفتعل مشاجرة على ظهر السفينة حتى تتدخل الشرطة ويتم فصلي واستلم جواز السفر.. ثم يتم تدخل جاك وأبراهام لاستلامي من الشرطة.. يقول الهوان موضحاً: هكذا كانت خطتهم التي رسماها ونحن نتناول العشاء.. وبعد الانتهاء من العشاء أشار على أبراهام اصطحاب الفتاة التي تعرفت عليها ـ وكانت تدعى راشيل ـ وذلك لقضاء الليلة في أحد الفنادق الكبرى وقد تم حجز جناح لي وطلب مني أن أكتب أسماء وعناوين أهم الشخصيات من الأقارب والمعارف وأتركها مع راشيل.. * أتدخل بالسؤال: وهنا ألم تلحظ أن هناك شيئاً غريباً؟ ـ ويستكمل قائلاً: طبعاً الضوء الأحمر بدأ يضيء داخلي وبدأت الشكوك والاستفسارات العديدة تقفز إلى ذهني: ما هي علاقة الضمانات بأسماء وكبار الشخصيات من الأهل؟ وما علاقة جوجو بهذا المكان الذي أعطتني عنوانه والتقيت فيه بأبراهام وجاك؟ ولماذا حاول ابراهام أن يتسلل بيده في جيب البالطو الخاص بي؟ وما قصة هذا العمل والعرض المغري المفاجئ؟ وأخيراً لماذا طلبوا مني أن اترك الأسماء مع راشيل وهي التي من المفروض ان تعرفنا عليها بالصدفة. * كيف تصرفت وما رد فعلك؟ ـ جلست على منضدة صغيرة وبدأت في كتابة أسماء حقيقية عن عائلتي ومعارفي وتعمدت كتابة أسماء بعض العسكريين من بينهم لواء يشغل مركزاً مرموقاً بإحدى محطات الصواريخ المصرية وتركت الورقة مع راشيل وعدت إلى السفينة وأنا على يقين من أنني وقعت فريسة لإحدى دوائر التجسس أو أجهزة المخابرات وطبعا لم أكن أعرف ولم أسمع عن شيء اسمه (الموساد) ولكن كل هذه الأحداث وأسماء ابراهام وجاك تشير إلى أنهم يهود..

    ألم يكن أمامك فرصة للهرب؟

    ـ إلى أين أهرب والغربة صعبة.. ثم أن جواز سفري مع القبطان ولابد حتى أعود لبلدي أن أحصل على الجواز, ولم يكن أمامي إلا تنفيذ ما اتفقت عليه مع ابراهام وجاك, وصعدت إلى ظهر السفينة وافتعلت خلافاً مع أحد أفراد الطاقم وضربته ضرباً مبرحا, ولكن القبطان الذي كان يحبني لم يستدع الشرطة, ولم تفلح الحيلة, فسألت القبطان مباشرة أن يسلمني جواز سفري لأتمكن من مغادرة السفينة. ولكن أجابني بأن السفينة ستتجه إلى النرويج وهناك سيكون البديل ويمكن أن تتسلم جواز سفرك.. هكذا قال لي القبطان, وذهبت محبطاً لاحكي لأبراهام وجاك. فقال ابراهام ان السفينة ستتجه إلى الدنمارك.. وهنا بدأت ش******************** تتحول إلى يقين عندما رست السفينة في أحد موانئ الدنمارك. وهناك نزلت إلى رصيف الميناء لأجد ابراهام يستقبلني بحرارة, وأخبرته أن القبطان قال لي أن البديل لم يتوفر فأخرج ابراهام من جيبه خطابا عليه طابع مصري بخاتم مصري ومكتوبا عليه اسم الراسل (أم الهوان) يقول الهوان: أدركت الخدعة وأخذت الخطاب وذهبت إلى القبطان منهاراً وقلت له أمي بين الحياة والموت ولابد أن أسافر لأراها... ويستدرك الهوان قائلاً: أمام هذه الحالة الانسانية وافق القبطان على تسليمي جواز سفري والسماح لي بمغادرة السفينة. وما أن امسكت بالجواز حتى طرت إلى ابراهام, وفي إحدى السيارات قريباً من الميناء جلسنا وهنأني على تسلمي جواز سفري وفوجئت به يخرج من جيبه لفة نقود. قلت له.. ما هذا.. قال خمسة الاف استرليني راتب شهر مقدماً.. وطلب مني أن أستقل القطار من كيلي إلى بريمن.. وهناك ـ الكلام لابراهام ـ ستجد في مواجهة محطة القطار فندق كولومبس وجناحاً محجوزاً باسم مسيو عبدالرحمن.. انتظرني هناك... ويمضي الهوان في كلامه قائلا: ودعني ابراهام وخرجت ابحث عن سيارة أجرة تصحبني لمحطة القطار فوجدت سائق تاكسي يقف أمامي ويسألني عن وجهتي فقلت إلى محطة القطار فعاد وسألني إلى أين ستسافر قلت له إلى بريمن فقال ماذا لو أوصلتك مقابل مائة دولار, وكنت أعرف أن تذكرة القطار قيمتها 120 دولارا فوافقت, وفي الطريق راح يدعوني على مشروبات ومأكولات بأكثر من مائة دولار.. ولم يكن هناك أدنى شك أن هذا السائق تابع لأبراهام. ويمضي الهوان في سرد الأحداث وصلت الفندق وسألت عن الجناح المحجوز لي باسم مسيو عبدالرحمن, فاصطحبني عامل الفندق إلى جناحي وإذا بي لا أجد أي أثاث وقبل ان أبدي دهشتي وجدت العامل يمسك بريموت كنترول ويقوم باخراج الاثاث من الحائط.. ويقول الهوان: رغم انبهاري الشديد إلا أن التوتر كان مسيطرا على كل حواسي من هذا المجهول الذي ينتظرني.. وعدم تمكني من الفكاك مما وقعت فيه.. ويكمل الهوان: في اليوم التالي استيقظت على طرق ابراهام وجاك على باب غرفتي ومعهما العامل يحمل ما لذ وطاب من طعام.. فاستقبلتهما بشعور غريب جداً ولكنني حاولت جاهدا أن أكون طبيعياً.. ورحنا نتناول الافطار ولم أستطع منع نفسي من الشرود.. الذي قطعه جاك بقوله بالعربية الركيكة: (عشان يبقى فيه عيش وملح) رغما عني لم أستطع التجاوب معه بل ذهبت بفكري الى السويس حيث القتلى والخراب والدمار ووجدتني اقول في نفسي عيش وملح معكم يا سفاحين! كيف ومرة اخرى يقطع شرودي ابراهام الذي بادرني بالقول: لابد أنك تفتقد الاسرة وهنا افقت وخشية ان يقرأ احدهما افكاري.. قلت له متصنعا الاسى: فعلا وحشوني قوي فهذه اول مرة ابعد عنهم.. فتدخل جاك قائلا: سوف تراهم يا هوان, وقبل ان ابدي دهشتي او اتساءل كيف اكمل قائلا: انت تعرف اننا نمتلك شركة للحديد والصلب ونرغب في افتتاح فرع لها في مصر.. وستتولى انت ادارته, نريدك ان تفتح مكتبا في ارقى شوارع القاهرة بطاقم سكرتارية يجيد اللغات.. كما تعلم فان الراتب الشهري خمسة الاف استرليني ومصاريف للمكتب ألف استرليني للعام كله..

    * وكيف استقبلت هذا العرض؟

    ـ كنت انتظر منهما الافصاح عن حقيقتهما, ولكن الذي حدث انهما لهم يعطياني فرصة لمجرد التعليق اذ راحا يتكلمان بشكل متواصل كل واحد يلتقط من الاخر الكلمة ويكمل.. فبعدما تحدث جاك عن مكتب القاهرة.. تدخل ابراهام قائلا هناك العديد من السفن المحتجزة في البحيرات سيتم بيعها في مزاد علني عالمي.. نريد كل شيء عن هذه السفن, الاطوال والاحجام, وما تقوم بشحنه. وكل التفاصيل الخاصة بها.. لاننا ننوي الدخول في المزاد وشراءها, والتقط جاك الكلمة مشيرا الى حقيبة وقال: في هذه الحقيبة (185) الف دولار مصاريف فتح المكتب وتأثيثه, كما اشار الى حقيبتين كبيرتين قائلا: وهذه الحقائب بها ملابس وهدايا لزوجتك وابنائك, واختتم جاك كلامه قائلا: هل أنت مستعد للقيام بأول مهمة فمسألة السفن هامة جدا.. اجبته متظاهرا بالزهو والسعادة: يا عزيزي بالتليفون تكون كل التفاصيل لدي منطقة القناة كلها تحت امري. * يصمت الهوان برهة مسترجعا تلك الاحداث, فابادره بالسؤال: هل تحاول التذكر!؟ ـ يطلق الهوان ضحكة كلها مرارة ويقول: كيف انسى؟! ان هذه الاحداث التي مر عليها اكثر من ثلاثين عاما لم تتركني لحظة, بل لم انس منها اي تفصيلة وكأنها حدثت بالامس.. ويعتدل الهوان في جلسته ويسترسل مستكملا ما حدث قائلا: لقد تركاني ـ يقصد ابراهام وجاك ـ يومين لانعم باجازة اقضيها في مرح وسهر.. ولكنني لم انعم حتى بنوم هادئ لدقائق فقد بات كل شيء واضحا وضوح الشمس. في اليوم الثالث حضر ابراهام وجاك واوصلاني للمطار وقالا لي سنراك في فرانكفورت حيث ترانزيت الطائرة.. وفعلا وصلت الطائرة لمطار فرانكفورت وهناك تقابلت معهما ليبديا مزيدا من التأكيد والاهتمام على مهمتي

    ويستدرك الهوان قائلا: لقد كانت رحلتي من فرانكفورت الى القاهرة من اسرع ما يمكن فقد شرد ذهني وراحت تتراقص امامي العديد من الاحداث متشابكة معقدة بداية من السويس وايام الرغد قبل الحرب, ثم هذه الحرب المدمرة وهؤلاء الصهاينة المتوحشون الذين اتوا على كل اخضر ويابس وقتلهم الاطفال والنساء قبل الرجال.. وفي غمرة تفكيري وشرودي سمعت المضيفة تعلن عن وصول الطائرة لمطار القاهرة وتطلب ربط الاحزمة.. ولم أكن اصلا فككت هذا الحزام منذ ركوب الطائرة. نزلت من الطائرة مسرعا.. وفي الدائرة الجمركية تم تفتيشي وتفتيش حقائبي.. والغريب انهم لم يجدوا الـ (185) الف دولار فقد قام ابراهام باخفائها بطريقة جهنمية. استقليت (تاكسي) من المطار واسرعت لاولادي وزوجتي الذين جمدتهم المفاجأة السعيدة بقدومي دون اخبارهم مسبقا.. وفي اليوم التالي زرت ابي وامي في الصعيد حيث استقروا فيه بعد التهجير, وكنت اشعر بالعبء الثقيل الذي احمله على صدري, ورحت افكر كيف اتخلص من هذا العبء الجاثم فوق قلبي ويشل تفكيري حتى اهتديت الى الاجابة: لابد من الذهاب الى الزعيم الاب فحتما هناك سأجد الراحة والامان والسكينة ـ وقبل ان اسأله عمن يقصد.. قال: جمال عبد الناصر طبعا.. ولكن المشكلة الكبرى كانت.. كيف اصل؟! وقضيت ليلة مؤرقة, لم يغمض لي جفن.. افكر في السبيل الى الرئيس.. حتى اهتديت الى فكرة ربما افلحت, وهي الذهاب الى مبنى المباحث العامة وفي الصباح الباكر اخذت الحقيبة ذات الـ (185) الف دولار وذهبت الى احد المقاهي وسألت عن مكان المباحث العامة وعرفت انها بوسط المدينة وهناك على البوابة سألت عن رئيس المباحث العامة.. وبالطبع لم يكن الوصول اليه سهلا.. بل استغرق ساعات حتى سمحوا لي بمقابلته, وهناك سألني ماذا تريد؟ قلت له اريد مقابلة الرئيس جمال عبدالناصر فضحك ساخرا وامطرني سبابا ولماذا؟ فتمالكت نفسي وقلت له لدي معلومات تهم البلد اريد ان ابلغها لسيادته شخصيا. فقال الضابط الكبير وهل الرئيس متفرغ لامثالك.. قل لنا ماهي هذه المعلومات وسوف نتصرف فأصريت على موقفي.. فما كان من رئىس المباحث الا ان سلمني لمرؤوسيه ليقوموا بالواجب معي.. ويضحك الهوان بأسى قائلا: وامضيت معهم ثلاثة ايام في ضيافتهم.. ولم انطق سوى بكلمتين: اريد مقابلة الرئيس.. حتى أعياهم ألحاحي واصراري فاتصلوا بمكتب الرئيس وكان رئيسه وقتذاك سامي شرف, فطلب منهم ارسالي للرئاسة, فذهبت في حراسة من المباحث ومعي الحقيبة التي لم يكتشف احد ما فيها, وهناك سألني سامي شرف عن سبب طلبي الملح في مقابلة الريس, فأجبته لقد حاولوا معي ثلاثة ايام بلياليها ولم اقل شيئا.. واذا حاولت سيادتك ثلاث سنوات لن أقول شيئاً الا امام الرئيس فذهب شرف للرئيس جمال عبدالناصر يستأذنه في مقابلتي.. وجاءني شرف ليقول باحترام تفضل يا سيد هوان.
    أصعب المواقف التي واجهتك أثناء قيامك بتلك المهمة الصعبة؟


    في عام 1968 سافرت إلى هولندا لمقابلة بعض رجال الموساد في بداية عملي معهم.. لم أكن أعلم أنهم سيضعونني في اختبار صعب للتأكد من ولائي لهم.. زعموا أنهم شاهدوني في مبنى المخابرات العامة المصرية في القاهرة وحبسوني في حجرة بأحد مزارع أمستردام وأحضروا 12 رجلا قوي البنيان قسموهم إلى ثلاث مجموعات كل مجموعة 4 أفراد وتناوبوا الاعتداء علي حتى أعترف بالحقيقة، كان يغمي علي من شدة الضرب وصمدت رغم شدة الألم بعدها تأكدوا من سلامة موقفي ونجحت في خداعهم..كما ان هناك موقفا لن أنساه عندما كنت واقفا على خط بارليف في الضفة الشرقية من قناة السويس التي كانت في هذا الوقت محتلة بقوات اسرائيلية وشاهدت بيتي ومكتبي في الضفة الغربية في مدينة السويس يقصف بالدبابات وذلك أثناء حرب الاستنزاف... حاولت تمالك نفسي وخشيت أن تسقط دمعة من عيني حزنا على الدمار الذي لحق ببلدي وبيتي فينكشف أمري أمام الإسرائيليين.. وقتها دعوت الله أن يلهمني الصبر والصمود فكان الله في عوني وبدلا من أن تتساقط الدموع من عيني فتفضحني.. سقطت من فمي وكان طعمها علقم فمسحتها وحمدت الله.


    وأين كنت وقت معركة 6 أكتوبر؟


    بعد نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحرير التراب المصري وإلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي كنت وقتها في أجازة قصيرة بمصر وبعد العبور بثلاثة أيام وتحديدا يوم 9 أكتوبر 1973 وصلتني رسالة من الموساد تطلب مني الحضور فورا إلى البيت الكبير (تل أبيب) تملكني الخوف وشعرت بأن أمري انكشف وأنهم طلبوا حضوري للانتقام مني وقتلي هناك.. وبعد مشاورات مع رجال المخابرات المصرية وتدخل الرئيس الراحل أنور السادات الذي تولى وقتها رئاسة مصر خلفا للراحل جمال عبد الناصر وافقت على السفر إلى تل أبيب. سافرت إلي ايطاليا ومنها إلى تل أبيب.. استمرت الرحلة 12 ساعة وصلت بعدها إلى مطار بن جوريون بتل أبيب. وفور وصولي إلى تل أبيب تقابلت مع شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وعايزرا وايتسمان، والياعاذر الذين أكدوا لي أن أمريكا لن تسكت على ما حدث وأن هناك ترتيبات أخرى سوف نعد لها سويا.. وقد تظاهرت أمامهم بالحزن العميق بسبب الهزيمة باعتباري إسرائيليا كما أبديت لهم حزني على ضياع منصب محافظ السويس الذي وعدوني به عندما يدخلون القاهرة منتصرين في الحرب.


    اصطحبوني إلى داخل احدى قاعات العرض السينمائي وبواسطة شاشة عرض كبيرة شاهدت دبابات وطائرات ومدافع.. وتكرر هذا العرض عدة مرات أمامي حتى أحفظ شكل تلك الأسلحة حتى إذا ما عدت إلى مصر وشاهدت هذه الأسلحة هناك أبلغهم بها على الفور وبمكان تواجدها.. قاموا أيضا بتدريبي على جهاز إرسال خطير يعتبر أحدث جهاز إرسال في العالم يبعث بالرسالة خلال 5 ثوان فقط.. وحصلت على الجهاز بعد نجاحي في اختبارات أعدوها خصيصا لي قبل تسليمي الجهاز.. الذي تم إخفاؤه داخل فرشاة أحذية بعد وضع مادة من الورنيش عليها حتى تبدو الفرشاة وكأنها مستعملة.. وقام شيمون بيريز بمسح حذائي بتلك الفرشة عدة مرات إمعانا في الإخفاء.. وعدت إلى مصر بأخطر جهاز إرسال في العالم أطلقت عليه مصر ( البطة الثمينة).


    وماذا كان رد فعل الاسرائيليين عندما اكتشفوا خداعك وبأنك تعمل لحساب المخابرات المصرية؟


    - كانت أول رسالة ابعثها إلى إسرائيل بواسطة الجهاز الجديد هي "من المخابرات المصرية إلى رجال الموساد الإسرائيلي.. نشكركم علي تعاونكم معنا طيلة السنوات الماضية عن طريق رجلنا جمعة الشوان وإمدادنا بجهازكم الانذاري الخطير.. والى اللقاء في جولات أخرى".. علمت بعد ذلك بأمر انتحار 6 من أكفأ رجال الموساد الإسرائيلي فور اكتشاف أمري وهم الذين كانوا يتولون تدريبي طلية فترة عملي معهم.


    ومتى اعتزلت الجاسوسية .. وما هي أسباب الاعتزال؟


    اعتزلت في عام 1976 بعد إصابتي في قدمي في حادث عابر بطريق السويس ولم أعد أقوى على التحرك ففضلت الاعتزال وقد وافقت مصر على طلبي واعتزلت.


    هذه قصه البطل المصرى (احمد الهوان) الشهير بجمعه الشوان .

    كما فجر الشوان مفاجأة أخرى، عندما أكد أن ضابطة المخابرات الإسرائيلية جوجو التي تعرف عليها في اليونان واستطاع تجنيدها في المخابرات المصرية تقيم في مصر منذ عام 1973م، وأشهرت إسلامها واختارت فاطمة الزهراء ليكون أسمًا لها.
    من جهة أخرى، تحدث الشوان بحزن عن الفنان عادل أمام الذي جسد شخصيته في مسلسل "دموع في عيون وقحة"، بعد أن قال إنه أهانه في أول مقابلة بينهما في عام 1988م، عندما قدم نفسه له، فما كان منه إلا أن ضحك بسخرية، قائلاً: "أنا اللي جمعة الشوان...أنا اللي عرفت الناس بيك....أنت لاشيء.. .أنا السبب في شهرتك"، فأخبرته أني قدمت عيني وقدمي للوطن، فماذا قدمت أنت؟.
    وقال إنها كانت المرة الأولى والأخيرة التي قابل فيها عادل إمام، وأشار إلى أنه عرف منذ تلك اللحظة أن "المشخصاتي" لابد أن يضع له دور يظهر به أمام معجبيه. وفي ختام الحوار، قال الشوان إنه يقوم حاليًا بتدوين هذه الأسرار التي لم يفصح عنها من قبل لبيعها لإحدى القنوات الفضائية بعد أن رفضها التلفزيون المصري .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعه السابعه
    اسمه سيظل دائماً بقائمة الخونة
    رجب عبد المعطي . .
    هل انتحر قبل إعدامه. .؟
    جواسيس الاسكندرية . . حفلت بالكثيرين منهم ملفات المخابرات والجاسوسية . . وكانت ظاهرة لافتة ومحيرة ألقت ظلالاً من الدهشة حول تباين ظروف سقوطهم في مصيدة الموساد .. ويمثل كل جاسوس منهم حالة مختلفة عن الآخر. فبعضهم كان بمقدوره ألا يسقط .. ولكن النفوس الوضيعة والضعيفة .. والطمع، والنمو المبكر لبذور الخيانة، أمور معقدة لا ترتبط مباشرة بقيم أو مفاهيم أو شرف، فهناك مردودات أخرى وترسبات تتفاعل وتنسجم وتصنع في النهاية جاسوساً. . ويظل سؤالنا يتردد:
    لماذا كثر جواسيس الإسكندرية؟
    المضطهد المطارد
    في الأول من أكتوبر 1937 .. امتلأ منزل الحاج عبد المعطي بلفيف من الأهل والأصدقاء جاءوا يباركون مقدم مولوده الأول "رجب". ولأن الحاج عبد المعطي تاجر مشهور في حي القباري بالاسكندرية فقد انهالت عليه الهدايا من حيث لا يدري. فالمولود جاء بعد انتظار طويل مليء بالقلق والصبر والترقب. وتجارب لا حصر لها مع الأطباء والأدوية. وفي شهر رجب – جاء رجب.
    وبعد عدة أشهر حمل الرجل وزوجته أمتعتهما وحطا الرحال بأطهر أرض ورفعا أيديهما عند الكعبة يطلبان من الخالق جل شأنه أن يبارك لهما في رجب ويشكرانه على "عطيته". وشب الوحيد نبتاً طرياً يأكل بملعقة من ذهب كما يقولون. . فقد وفر له أبوه كل أسباب الرغد، وجعل منه شاباً خنوعاً مدللاً كان مدعاة لأن يخفق إخفاقاً ذريعاً في الحصول على الثانوية العامة .. ومع عدة محاولات أثمرت جميعها عن خيبة أمل للأب اغتر الابن وأوهم نفسه بأن له من العقل ما لم يملكه غيره. . ويستطيع – بدون شهادات – أن يصبح رجل أعمال مشهوراً ينافس عمالقة السوق والميناء . . ووسوس له الشيطان أنه فقط بحاجة الى فرصة يثبت من خلالها أنه عبقري زمانه الملهم.
    حاول الحاج عبد المعطي إفاقة ابنه من سكرة الغرور وإعادته الى طريق الصوات ففشل. إذ سيطرت على رجب عبقرية كاذبة نشأت من فراغ العقل والثقافة. وصار يحلم ليل نهار بشركة رجب للخدمات البحرية.
    ولما امتنع والده عن إمداده بالمال اللازم حتى يتحصن بالخبرة .. مضطراً وافق رجب على العمل في وظيفة كاتب حسابات بميناء الاسكندرية . . إرضاء لوالده. واستغرق في عمله الجديد حتى توسعت مداركه واستوعب الكثير من الخبرة بعد الاحتكاك الفعلي في الحياة.
    وبعد ثلاث سنوات من العمل في الميناء .. لم ينس حلمه الكبير ففاتح أباه . . وهذه المرة كان عنده إصرار عنيد على ألا يرجع. فلما عارضه والده بشدة غادر المنزل غاضباً.. وتحت ضغوط الأهل والأصدقاء.. رضخ الأب أخيراً أمام رغبة ابنه وأمده بعدة آلاف من الجنيهات وهو على ثقة من فشله وخسارته. وغمره للمرة المليون إحساس بندم شديد لأنه دلل ابنه وفتح له منذ الصغر خزينة أمواله بسحب منها كفيما يشاء. .وتمنى بينه وبين نفسه لو أن الزمن عاد به الى الوراء فيقوم على تربيته بالشكل الصحيح .. وينشئه فتى معتمداً على ذاته فيشب رجلاً يعرف قيمة العلم والقرش .. ويدرك جيداً أن للحياة ألف وجه ووجهاً.. ولكن . .فات الأوان وحسم الأمر . . !!
    من ناحية أخرى كان رجب يدرك ما يدور بعقل والده، وأراد أن يؤكد له كذب ظنه واعتقاده.. فتوسع في أعماله دون خبرة كافية بمنحنيات السوق وتقلباته. وكانت النتيجة المؤكدة خسارة جسيمة مُني بها وفشلاً ما بعده فشل .. وديوناً تزاحمت بأرقامها دفاتره.
    وجاءت نكسة يونيو 1967 وتعم حالة كساد ازدادت معها الأمور سوءاً، وحاول رجب باستماتة أن يقوم التيار القوي فخارت قواه وغرق في ديونه. . وقام بتصفية الشركة وحزم حقائبه ووجد نفسه على ظهر مركب يشق مياه البحر الى ميناء "بيريه" في اليونان.
    (1) نزل ببنسيون "بروتاجوراس" وحاول جاهداً أن يعثر على عمل لكنه باء بالإخفاق .. فلجأ الى بحار يوناني يدعى "زاكوس" ربطتهما معاً إحدى سهرات الاسكندرية.. وكذب عليه مدعياً أنه ينجز إحدى صفقاته التجارية واستولى منه على خمسمائة دراخمة وهرب الى "أثينا" العاصمة حيث ضاقت به المدينة الساحلية الساحرة. ووجد في أثينا أن الحياة بها أكثر ضجيجاً وحركة.
    (2) وفي بنسيون "زفيروس" جلس يفكر فيما وصل اليه من حال سيئة: لقد مر به شهر تقريباً ولم يعثر على عمل بعد. إنه الآن عاطل ينفق ليعيش. . وعما قريب ستنفذ دراخماته فماذا سيعمل؟ هل ضاقت به الحياة أيضاً في أثينا؟
    مئات من المصريين جاءوا الى اليونان يعملون في أي شيء وكل شيء.. لكنه يبحث عن عمل من نوع آخر يتناسيب وعبقريته. وكثيراً ما حدث نفسه قائلاً "لا أحد يفهمني في هذا العالم". . لقد صور له خياله أنه مضطهد .. ومعظم عباقرة العالم اضطهدوا أيضاً قبله وها هو يواجه قوى الاضطهاد التي تطارده أينما حل وعليه بالصبر حتى يكتب له النجاح.
    (3) وبينما هو يتجول في شارع "سوفوكليس" التقى بشاب مصري من برديس جنوبي سوهاج يعمل في مصنع للعصائر .. عرض عليه أن يعمل معه في قسم التغليف لكنه أبى بشدة أن يعمل بوظيفة تافهة كهذه.. واستعرض له سيرة حياته السابقة في مصر. . فما كان من الشاب الصعيدي الى أن نصحه بالعودة الى الاسكندرية لكي لا يقع فريسة سهلة في قبضة المخابرات الاسرائيلية. . التي تتصيد الشباب المصري العاطل في اليونان وتغريه بالعمل معها مقابل مبالغ كبيرة. ***ر رجب في داخله من نصيحة الشاب له بالعودة. . فقد كان والده يعاني الأمرين من حجم الديون التي خلفها له ومن مطاردة الدائنين في المتجر كل يوم.


    المال والحسان
    تزاحمت الأفكار في رأسه وغمرته إحساسات اليأس من صلاح أمره في أثينا .. والخوف من العودة يجر أذيال الخيبة والفشل .. وداهمه شعور بالضآلة وقال لنفسه "لن أيأس .. لن أستسلم أبداً مهما حدث".
    أيقظته دقات الباب من أفكاره. وكان الطارق موظف حسابات البنسيون. فطلب منه إمهاله عدة أيام .. وما كانت جيوبه تحوي سوى دراخمات قليلة لا تكفي لأسبوع واحد إلا بالكاد.
    هرب منه النوم واختنق صدره واهتزت أمامه الرؤى وعندما تذكر مقولة الشاب الصعيدي "المخابرات الإسرائيلية تدفع الكثير" قال لنفسه "لن أخسر أكثر مما خسرت" وأمسك بالقلم ليكتب:
    السيد المبجل / سفير دولة إسرائيل في أثينا
    أنا موظف مصري أقيم في بنسيون زفيروس. ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الاسكندرية وفي أثينا. قال لي البعض إنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم وأنتم الملجأ الأخير لي. فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم.
    رجب عبد المعطي أثينا 27/12/1967
    ولم تكد تمر ثلاثة أيام – حتى فوجئ بمندوب من السفارة الإسرائيلية ينتظره في صالة الاستقبال .. فاصطحبه الى السفارة وهناك قابلوه بود وقالوا له:
    وصلتنا رسالتك ولم نفهم منها ماذا تريد بالضبط؟
    أجاب بصوت يغلفه الرجاء:
    أريد أن أعمل في أثينا.
    سلمهم جواز سفره وتركوه ثلاث ساعات بمفرده .. ثم جاءوا له باستمارة من عدة صفحات . . تحمل اسم السفارة وشعار دولة إسرائيل .. وطلبوا منه أن يملأها ويكتب سيرة حياته وأسماء أصدقائه وأقاربه ووظائفهم.
    وبعدما تبين لهم أنه أمضى ثلاث سنوات في العمل داخل ميناء الاسكندرية. . طلبوا منه أن يكتب تقريراً مفصلاً عن الميناء وأهميته الاقتصادية والعسكرية ففعل. واستعرض ما لديه من مظاهر "العبقرية" الفذة في شرح كل شيء عن الميناء بتفصيل مطول. . فأذهلتهم المعلومات التي كتبها عن الميناء . . وأدرك ضابط الموساد الذي شرع في استجوابه بأنه وقع على كنز ثمين عليه أن يعمل على استثماره و"حلْب" ما لديه من معلومات.
    وفي الحال سددوا حسابات البنسيون كافة ونقلوه الى فندق "أورفيوس". . وهو ابن ربة الفن الإغريقية .. وأعطوه مائتي دولار أمريكي وتركوه عدة أيام يمر نهاره وهو يغط في سبات عميق . . وفي الليل يتذوق طعم السهر في حانات وكباريهات أثينا المتحررة . . ويصاحب أجمل فتياتها وداعراتها في شارع "ارستيديس" الشهير. وعندما نفدت نقوده تماماً ود لو عاد إليه مندوب السفارة الإسرائيلية ببعض المال ليكمل مسيرة اللهو والسكر.
    وحدث ما توقعه وجاءه المندوب بمائتي دولار أخرى. . فاستغرق في مجونه وتمنى لو استطاع أن يفعل أي شيء في سبيل أن يحيا حياة مرفهة في أثينا. أغرقته المخابرات الاسرائيلية بالمال حتى اطمأن الى رجالها.. وكلما نفدت نقوده ذهب بنفسه لمقابلة أبو ابراهيم في السفارة الاسرائيلية يعرض عليه خدمات مقابل الدولارات التي يأخذها. فيؤجل ضابط الموساد الحديث في هذا الأمر لوقت آخر . . وينصرف رجب بالنقود فيرتع بين الحسان عاريات الظهر والنهود هو بينهن يختال اختيالاً.
    إن المال والنساء أهم أسلحة أجهزة المخابرات. بل هما الأساس الذي تبني عليه عملية صنع جاسوس أو اصطياد عميل. وأجهزة المخابرات ليست بالسذاجة التي تجعلها تنفق الملايين لاصطياد ضعاف النفوس والخونة الذين يسهل شراؤهم بالمال والفساد. . ولذلك أقامت فروعاً لها ومكاتب في الخارج تحمل أسماء شركات وهمية لا نشاط حقيقي لها سوى البحث عن الخونة. ويعمل بهذه الفروع ضباط مخابرات على أعلى مستوى من الخبرة والكفاءة. . وتخول لهم سلطات واسعة .. وتحت أيديهم مئات الآلاف من الدولارات. . وطابور طويل من السكرتارية والمساعدين الأكفاء . . بخلاف أجمل الفتيات اللاتي اخترن الطريق الصعب وخطون خطوات طويلة من الخبرة والحنكة. فهن يعرفن عملهن جيداً ويبدعن فيه وطريقهن الى الإبداع يبدأ وينتهي بالجسد. إنه السلاح السحري الذي يقتل مقاومة الهدف. . ويحرك فيه غريزته المجنونة التي تحيله الى إنسان بلا عقل أو إرادة.
    (1) والمخابرات الإسرائيلية – الموساد – تفوقت كثيراً في هذه الأمور. . وأصبحت أكثر أجهزة المخابرات خبرة في استخدام لغة الجسد. . تلك اللغة التي يفهمها الجميع ولا تحتاج الى مترجم أو قواميس تفسر مفرداتها.. ولكن الذي لا يعرفه أحد. . أن الخونة الذين يسقطون في براثن الموساد .. يتحولون في لحظة ما الى مجرد بهائم تدور في الساقية . . تطاردهم سياط الأوامر والطلبات التي لا تنتهي أبداً.. وأنها تقدر ما تدفع تريد المقابل أضعاف ما دفعته. وعندما يجف معين عميلها تنبذه كال*** الأجرب وتلقي به في زوايا الذل والنسيان. . وتعامله ك**** باع وطنه وأهله ولا قيمة لإنسان فقد انتماءه، وسلك كل المسالك نحو المال واللذة
    في المصيدة
    لم يدرك رجب عبد المعطي هذه الحقائق بل اندفع بكل ثقله باتجاه المخابرات الاسرائيلية . . وصادق الكثير من ضباطها في أثينا ظناً منه أنهم سينقذونه من شبح الإفلاس الذي تعلق بتلابيبه ولا يود مفارقته. ورحب كثيراً بضابط الموساد – ابو ابراهيم – الذي فوجئ به يزوره في حجرته بالفندق الفخم . . ويحدثه طويلاً عن أزمة الشرق الأوسط والوضع المتفجر في المنطقة بسبب الحروب مع العرب . . وحقهم في أن يعيشوا فوق أرض الميعاد في سلام وأمان . . وأنهم ليسوا شعباً يحب سفك الدماء بل أمة مشردة ضعيفة تسعى الى العيش في هدوء بلا حروب أو صراعات.
    واستعرض ابو ابراهيم في سرد اساطير وأحاجي اللص الذي يبرر مشروعية سرقاته ثم سأل رجب فجأة:
    هل ترحب بالعمل معنا لصالح السلام؟
    والابتسامة تملأ وجهه ..
    بالطبع . . ولكن .. أي عمل بالتحديد؟
    أخرج ضابط الموساد الخبير أربع ورقات ذات المائة دولار ودسها في يد رجب وهو يقول:
    أنت كثير الأسئلة . . هل تعتقد أننا نريدك سفيراً لنا في مصر؟
    إذن .. ما هو المطلوب مني؟
    ألا تسأل كثيراً لكي لا أغضب منك .. عليك فقط أن تعرف أننا أصدقاء .. وأن لكل حديث أوان. هز رجب رأسه علامة على الرضوخ والطاعة ولحقه ابو ابراهيم بسؤال ذا مغزى:
    هل لك صديقة في أثينا؟
    أجابه على استحياء:
    هجرتني فتاة تدعى انكسيميندرا لأنني لا أعرف اللغة اليونانية وقد ضاقت بإنجيلزيتي الركيكة.
    أوه . . أتقصد تلك الفتاة التي يملأ النمش وجهها؟ دعك منها وسوف أعرفك بفتاة رائعة تتحدث بالعربية وستكون معك ليل نهار في أثينا.
    تهلل وجهه وارتفع حاجباه دهشة وقال:
    أين هي؟ أريدها حالاً. .
    ستكون الى جوارك في الطائرة أثناء رجوعك من تل أبيب.
    بهت رجب ووقف فجأة كالملسوع وقال بصوت متلعثم: تل أبيب؟
    نعم . . !!
    بسرعة قالها ضابط الموساد بلغة الواثق، وأضاف كأنه يأمره بتنفيذ قراره الذي لا رجعة فيه:
    ستسافر إسرائيل بعد عدة أيام .. وفي الغد عليك أن تحضر اجتماعاً مهماً في السفارة لمناقشة خطوات تنفيذ هذا الأمر فهل عندك اعتراض؟
    هربت الكلمات وغاصت في قرار عميق . . وأجاب رجب الذي بدا كالأبله لا يضبط خلجاته:
    لا . . لا . . أنا لا أعترض . . إنها مفاجأة لي.
    عندما كتبنا تقريراً عنك وأرسلناه الى إسرائيل. . طلبوا منا أن نأخذك في رحلة سريعة الى هناك ليتعرفوا عليك أولاً. وثانياً هناك مفاجأة سارة تنتظرك. وثالثاً: لتختار صديقتك بنفسك من بين أجمل فتياتنا وتصحبها معك الى أثينا.
    سكت رجب ولاحقه أبو ابراهيم:
    المخابرات الاسرائيلية إذا أعطت فهي سخية بلا حدود. وإذا غضبت ومنعت فطوفان من الهلاك قادم. وثق يا رجب أننا ودودون معك الى أقصى درجة .. أعطيناك أكثر من ألف وخمسمائة دولار حتى الآن ولم نطلب منك أدنى شيء. ألا يدل هذا على كرم منا أيها المكار؟
    وربت كتف رجب الغارق في ذهوله وهو يقول في لغة ظاهرها الثقة وباطنها التهديد والبطش:
    عليك ألا تضيع هذه الفرصة .. انتهزها. . واركب قارب النجاة تنج نفسك من الطوفان والهلاك.
    وعندما قام ضابط الموساد منصرفاً لم يستغرق رجب في التفكير كثيراً. لقد ثبتت لديه النية واتخذ قراره. .ولم يذهب الى سريره لينام بل خرج ينزف دولارات الموساد على الخمر وجسد داعرة صحبها الى شقتها وهو يمني نفسه بالجارية الاسرائيلية التي ستكون تحت إمرته. وفي الصباح الباكر كان يقف أمام باب سفارة إسرائيل تعلوه سحابة انكسار وبعينيه بريق خنوع ديّوث باع لحمه لمزايد !!
    استغرق الاجتماع به نحو الساعة .. كانوا أربعة من ضباط الموساد في أثينا وخامساً جاء من فيينا كان يبدو أنه أكبرهم دراية بالتعامل مع الخونة وتطويع الجواسيس. طلب من رجب أن يرسم له خريطة الميناء في الاسكندرية وأين يقع مكتبه بالضبط؟!! وفوجئ رجب بماكيت مصغر للميناء دخل به موظفان ووضعاه على منضدة تتوسط الحجرة
    أخذ رجب يشرح بتفصيل أكثر معلوماته عن الميناء. بل ويحدد أماكن مخازن التشوين التجارية . . ورصيف الميناء الذي يستقبل السفن الحربية السوفيتية. . وسفن الشحن التي تجيء بالأسلحة المختلفة من ميناء أوديس السوفييتي على البحر الأسود . . ومخازن تشوين السلاح المؤقتة .. وبوابات التفتيش والمداخل والمخارج.
    وهكذا استمر يشرح لهم أسرار الميناء الحيوي، ولم يتركوا أدق التفاصيل إلا وسألوه عنها ثم طلبوا منه الانصراف والعودة صباح اليوم التالي ومعه أربع صور فوتوغرافية وجواز سفره. وبعد أن سلمهم الصور تسلم منهم وثيقة سفر إسرائيلية ذكر بها أنه إسرائيلي من تل أبيب واسمه "دافيد ماشول". . تسلم كذلك تذكرة سفر بالدرجة السياحية – أثينا تل أبيب على شركة العال الإسرائيلية – وأوصله مندوب من السفارة الى المطار وتأكد من صعوده الى الطائرة المتجهة الى إسرائيل.
    وعندما جلس رجب في مقعده بالطائرة كان جسده يرتجف بشدة .. وتشوشت أفكاره للدرجة التي أصبح فيها كالمخمور الذي فقد تركيزه واتزانه . . وسرعان ما استعاد ثقته بنفسه وهو يرسم في خياله أحلام الثراء الذي ينتظره . . ووجه الفتاة المليحة التي سيختارها في إسرائيل . . وخطرت بباله فجأة فتاة من بورسعيد اسمها مايسة كانت قد هاجرت مع أهلها الى المنصورة وتعرف عليها في إحدى الحفلات العائلية وأحبها بسرعة إيقاع عجيبة وافترقا أيضاً بلا وداع. لماذا خطرت بباله في تلك اللحظة بالذات؟ ضحك بصوت مسموع فرمقته سيدة تجلس بالقرب منه بنظرة تعجب وابتسمت .. وأغمض عينيه ثم نام.. واستيقظ والطائرة تحوم فوق مطار بن جوريون تنتظر الإذن بالهبوط.


    اليهودي الجديد
    وعلى سلم الطائرة صافحه ثلاثة رجال .. ثم أدخلوه سيارة مسدلة التسائر كانت تنتظر أسفل جناح الطائرة .. سلكت به اتجاهاً آخر بعيداً عن بوابة خروج الركاب والجوازات . . ووجد نفسه في شوارع تل أبيب لا يصدق عينيه. .
    وفي بيت يشبه الثكنة العسكرية على أطراف تل أبيب أدخلوه إحدى الشقق المخصصة لأمثاله من الخونة .. حيث كانت تنتظرهم بها فتاة رشيقة صافحته بحرارة .. ورحبت به بالعربية فسره ذلك كثيراً وقالوا له إن "زهرة" ستظل على خدمته طوال إقامته في الشقة.
    وتركوه ليستريح بضع ساعات وعادوا إليه ثانية فصحبهم لمبنى المخابرات الاسرائيلية في شارع الملك شاؤل بوسط المدينة .. وكان في استقباله عدد كبير من كبار رجال الموساد. ولعدة ساعات أخضع لتحقيق واستجواب تفصيلي لكل ما كتبه عن ميناء الاسكندرية.
    كان الاجتماع مغلقاً على الضباط المختصين والمحللين الذين أدركوا ميوله للنزعة العسكرية .. وكان ذلك واضحاً جداً من خلال إجاباته الحاسمة .. التي تشبه إجابة عسكرية مدعومة بلغة عسكرية بحتة .. وتغلفها تفاصيل استراتيجية دقيقة لا ينتبه اليها الرجل المدني الذي لم يجند بالقوات المسلحة.
    وفي ختام الاجتماع أعد له حفل استقبال كبير في إحدى القاعات بالمبنى .. حضره عدد أكبر من ضباط الموساد ورؤساء الأقسام . . وتم منح رجب عبد المعطي رتبة "رائد" في المخابرات الاسرائيلية، ولم يضيعوا وقتهم كثيراً في مظاهر الترحيب.. إذ أعدوه لدورة مكثفة بدأها أحد الضباط بمحاضرة طويلة عن "ذراع إسرائيل الطويلة" .. وأنها تجعل العدو يرتجف رعباً، وتمنح الإسرائيليين القدرة على النوم في هدوء. وأن الموساد نجحت في حل الكثير من مشاكل الدولة اليهودية وهي على استعداد للقيام بمهام أخرى.
    . . وإن عمليات الموساد ليست على درجة أقل أهمية .. بل هي أساس شهرتها.
    وجاء ضابط آخر كانت مهمته تدريبية فنية تتعلق باستخدام الشفرة والاستقبال بواسطة موجات خاصة بالراديو. . وبعد أيام أجاد رجب استقبال الرسائل المشفرة وترجمتها بسرعة وكان عليه اجتياز دورة أخرى مهمة .. وجاءته هذه المرة ضابطة شابة تتحده العربية بطلاقة شرعت في تدريبه على كيفية استخدام الحبر السري في الكتابة وقراءة الرسائل المرسلة إليه بالحبر السري أيضاً. . وكذلك استعمال شفرة خاصة للمراسلة لا يكتشفها أحد.
    استمرت برامج الدورة التدريبية المكثفة خمسة عشر يوماً كانت عصيبة ومرهقة. وبعد أن اجتاز الاختبارات بنجاح مذهل . . رافقته زهرة الى منتجع خاص آمن يقع على بحيرة طبرية. . وهناك أذاقته من لدائن أنوثتها ما حار فيه العقل وأذهل الشعور. قالتها له صراحة إنها هدية له لاجتيازه الاختبارات وتعاونه مع المخابرات الاسرائيلية بإخلاص. . بل وأكدت له أنها عبدة له يفعل بها ما يشاء . . وعندما صارحها بأنه يستريح إليها ويود لو صاحبته الى أثينا وعدته بأن تعرض طلبه على رؤسائها..
    وفي تل أبيب أخبره الضابط المسؤول بأنه سيعود الى الاسكندرية مرة أخرى ليعادو نشاطه السابق في شركة رجب للخدمات البحرية. وأنهم سوف يمدونه بالأموال اللازمة لإحياء شركته وتجديدها. . ولكي يتم تنفيذ ذلك عليه أن يمكث عدة أشهر في أثيناء .. ويشيع بين المصريين العائدين الى مصر بأنه يمارس أنشطة تجارية رابحة جداً في أثينا .. ويجب عليه أن يتأكد من وصول هذه الأقاويل الى مصر والى أهله بالذات.
    لقد تمكنوا خلال تلك المدة من تدريبه على كيفية إعداد التقارير وتلخيص الجمل واختصار عدد الكلمات. هذه الدورة المكثفة زرعت بداخله إيماناً حقيقياً واهماً بأنه صاحب رسالة مهمة أوكلت اليه. وبرغم أنهم بثوا لديه الثقة في مناعة المخابرات الاسرائيلية ضد كشف عملائها في الدول العربية .. واستماتها في استردادهم حال القبض عليهم ، إلا أنه أحس بالتعاطف معهم بعد عدة محاضرات عن تاريخ اليهود . . واضطهادهم على مر الأحقاب والعصور . . ومحاولات إبادتهم التي أسفرت عن تشريدهم ومقتل الملايين منهم . . وكانت آخر المحاولات تلك التي قام بها أدولف هتلر الذي أقام معسكرات لتجميع اليهود. . ثم حرقهم في محارق خاصة لاستئصال كل يهود أوروبا.. وهكذا حشوه بأكاذيبهم المضللة لكسب عطفه.
    وعندما عاد رجب الى أثينا برفقته زهرة .. كان بداخله إصرار غريب على التعاون مع الموساد لحماية إسرائيل وأمن إسرائيل . . من التهديد العربي الدائم والذي يدعو إليه جمال عبد الناصر . . وإصراره على إلقاء اليهود في البحر ليتخلص منهم .. وترسب بداخله اعتقاد بأن عبد الناصر ما هو إلا هتلر جديد جاء ليبيد اليهود الذين يدافعون عن أمنهم . . وحقهم في أن يعيشوا في سلام.
    النجاح الزائف
    غادر رجب مطار بن جوريون في تل أبيب في طريقه الى أثينا ترافقه "زهرة" .. جميلة الجميلات والعبدة التي تحدثه بلغته وبلغة الجسد الناطقة.
    لم تكن مهمتها إفراغ ثورات رجولته المشتعلة دائماً بقدر ما كانت رقيبة على سلوكه وتصرفاته.. وتمتحن إخلاصه للمخابرات الاسرائيلية بين آن وآخر. وكلما حاولت تصيد أخطائه وجدته أكثر منها إخلاصاً لليهودية .. وإيماناً بحق الإسرائيليين في القدس وسائر أرض فلسطين.
    إنها تواجدت بجواره لتدفعه بقوة الى عشقها والذوبان فيها. فكلما ازداد عشقاً لها. . أخلص لإسرائيل .. وتفانى في خدمتها.
    استأجرت له المخابرات الاسرائيلية إحدى الشقق الصغيرة في حي دميتير الهادئ. . وهيأت له من أسباب العيش والرخاء والإمتاع الكثير .. لتجعله لصيقاً بهم يدور في فلكهم لا يستطيع فكاكاً. وعلموه كيف يتعامل مع المصريين الوافدين الى اليونان للسياحة أو للبحث عن عمل. فالذين جاءوا للسياحة خصص لهم بعض الوقت وصحبهم للمزارات السياحية والأسواق والمتاحف. . وأفاض في خدماته اليهم وحملهم الهدايا الى أهله بالإسكندرية تأكيداً على تيسر أحواله وظروفه المالية في الخارج. وبدون توصية كانت صور حياته المختلفة تنقل الى والده من خلال المصريين العائدين الى مصر.
    صور وجوانب مشرقة رسمتها المخابرات الاسرائيلية بإحكام شديد.. وأضفت عليها هالة من النجاحات أثلجت صدر أبيه بعدما فقد الأمل في إبنه . . وأرسل رجب خطاباته واضعاً في إسهاب عمله في إحدى الشركات الكبرى .. التي استوعبت مواهبه واكتشفت فيه عبقرية فذة دفعت بها الى الأمام بعد تعثر طويل .. فارتقى في وظيفته واحتل مكانة مهمة في بلاد الإغريق. وأكد ذلك للأب كل من حملوا إليه هدايا ابنه الرقيقة له ولوالدته ولأصحابه. وضمت خطاباته صوراً فوتوغرافية مختلفة في مكتبه وفي مسكنه.. وفي إحدى رحلاته "الى جزر بحر إيجه حيث الشاطئ يموج بالحسناوات يرتدين البكيني. . ويطاردن شبح الملل بالرقص واللهو.
    لكل هذه المظاهر المزيفة .. صدق الأهل بالإسكندرية ما تبوأه رجب من نجاح .. فأرسل إليه والده يرجوه أن يعود الى وطنه مرة ثانية ليعادو نشاطه من جديد .. وليؤكد نجاحاته على أرض وطنه بعدما صقلت شخصيته. . ودرج على القيام بمهام صعبة أوصلته الى القمة. . فاستمهله رجب بعض الوقت، وانشغل بالعسي مع المصريين القادمين بحثاً عن عمل في أثينا فكان يصحبهم – بترتيب دقيق من الموساد – الى الشركات البحرية في بيريه . . والى شركات تجارية أخرى في أثينا. . على أمل أن يسقط من بينهم شاب آخر في براثن المخابرات الاسرائيلية.
    لأجل ذلك اختلط العميل ال**** بالمصريين المقيمين باليونان ووطد علاقاته بهم. . وتعددت خدماته ومواقفه تجاه كل من يلجأ اليه فأحبه الشباب المصري هناك .. ووجدوا فيه صورة المصري الشهم النبيل . . في حين أنه كان يدير حوارات سياسية معهم .. ويسجل تقارير مطولة تحمل بين سطورها خسة نياته القذرة في خدمة جهاز مخابرات العدو .. فبدا كما لو كان قد اندرج لسنوات طويلة في صفوف أكاديمية الجواسيس في إسرائيل.. وأعيد مرانه وتدريبه في أثينا على استخدام الحس الأمني والملاحظة والتمويه والخداع. وهذه كلها أمور أسهب في شرحها "فيكتور أوستروفسكي" في كتابه: "الموساد" حيث بين لنا كيفية صنع جاسوس محترف في إسرائيل بواسطة أمهر الخبراء . . وأحدث دراسات علوم المخابرات والجاسوسية في العالم.
    فقبل أن يخرج الجاسوس من مخبئه ليمارس وظيفته يخضع لبرنامج مكثف لا بد له أن يجتازه بنجاح وهو عن "خداع المراقبة". . ويدرك جيداً إذا ما كان قد "ألقى بظلاله" أم لا. . ومن النافذة يستطيع أن يرى الشخص الذي يقتفي أثره .. وكيف تابعه؟ وعندما يلتقي الجاسوس الظل وخاصة عند الخروج من فندق – مكتب – متجر. سيجري بسرعة لمدة خمس دقائق . . ويسير بعدها في خط متعرج الى أحد المباني ويبحث عن نقطة مراقبة ليراقب . وهذه الطريقة ستعطي الجاسوس الفرصة ليعرف أسلوب المراقبة .. وعليه حينئذ أن يمتنع عن إثارة أية شبهات أو إتمام عمل .. ويركب وسيلة مواصلات الى مكان آخر بالمدينة خلاف الذي كان يقصده.
    هكذا تدرب الجواسيس وأيقنوا أن هذا التصرف يتعلق بتكتيك السلامة الذي يجب أن يتبعه كل جاسوس. خاصة إذا كانت ظروف عمله معرضة لبعض الشكوك.
    واتبعت الموساد أيضاً مع رجب ذات النظرية التي شرحها "ديفيد تلبيني" في كتابه: "فرق الرصد" عن كيفية الإثارة التي تتولد لدى الجواسيس والعملاء الصغار من ذوي "الميول المظهرية". . وقد كان ال**** رجب يعشق اللكنة العسكرية في الحديث .. والمرافعات العسكرية في الوصف ولو لم يلتحق بالقوات المسلحة . . وعندما لاحظ خبراء الموساد هذا الاتجاه منحوه رتبة رائد في الجيش الاسرائيلي إشباعاً لغروره.
    عودة الظافر
    لم تكن زهرة فتاة فراش للجواسيس الجدد بل إنها عميلة مدربة أخضعت فكرياً ومعنوياً وجسدياً لخدمة الموساد. عميلة تؤدي عملاً مهماً وأساسياً لصالح إسرائيل. وجسدها أحد أركان هذا العمل الأساسية.
    إنها تستغل جسدها في تطويع الجواسيس وربطهم بها. . حيث درست وتعلمت أن لكل رجل عادات وميولاً.. خاصة تظهر جلية عندما يتجرد من ملابسه أمام امرأة عارية. قد تكون ميوله سوية أو شاذة .. لا يهم .. فإن لديها القدرة على احتواء كل أنواع الرجال وإشباعهم وتأكيد رجولتهم وتضخيم فحولتهم. إن الجنس بالنسبة إليها عمل مهم، وترتقي من خلاله وظيفياً ومهنياً إذا ما أبدعت فيه مع الخونة الذين يجري إعدادهم، وتنال شهادات شكر وتقدير بعد تطويعهم.
    ولذا . . لم يكن وجود زهرة على مسرح الحدث عملاً ثانوياً يحسب على جهاز المخابرات الاسرائيلي. إنه جزء مكمل لتعمية العميل عن الحقائق والثوابت .. وإخضاعه بتصويره في أوضاع شاذة تظهر مدى ضعفه. . وخلق دفء عاطفي يزيل غمامة الخوف التي قد تؤثر في إقدام العميل فينشط ويبدع ويقوم بعمله خير قيام.
    مر عام ونيف ولم يزل رجب في أثينا في حضن المخابرات الاسرائيلية يترقب موعد رجوعه الى الاسكندرية. وعندما اعتقد أنه هيأ "الجو" لعودته .. تحدث مع أبو ابراهيم ضابط الموساد في السفارة الاسرائيلية الذي أمهله عدة أيام ليكتب بذلك الى رؤسائه .. ولما جاءت الموافقة .. اشاع رجب خبر عزمه على العودة الى مصر غانماً بآلاف الدولارات التي جمعها من "أعماله الناجحة" في اليونان. وعندما أشار عليه البعض بإكمال مسيرة النجاح دون العودة – مؤقتاً – الى مصر .. تملكته نعرة الوطنية المزيفة .. وأقسم ألا يحرم وطنه من خبرته وعبقريته التي يشهد بهما الأجانب. وأقيم حفل وداع صغير في أحد الفنادق حضره بعض المصريين الذين صادقهم هناك . . وبعد نهاية السهرة حمل حقائبه وتوجه الى المطار في طريقه الى القاهرة.
    كان الجو قائظاً في سبتمبر 1970 والإسكندرية لا زالت تموج بعشرات الآلاف من المصطافين .. الذين هربوا من لسعة القيظ وحرقة الوهج الى الشواطئ الممتدة الجميلة وفي شقة الحاج عبد المعطي كانت جموع أخرى من البشر تتوافد لتهنئ الرجل بسلامة وصول ابنه الوحيد من اليونان.
    كان الرجل أسعد الناس على سطح الأرض.. وجهه يتهلل بشراً وسحنته تضحك خطوطها ويرقص قلبه طرباً. وال**** لا يستحي وهو يحكي عن عبقرية مزعومة .. ويختلق اقاصيص الوهم التي لقنته إياها مخابرات العدو .. فأفاض في الحديث والوصف وأضفى على نفسه بطولات وبطولات.
    وبعدما استقر به المقام عدة أيام، اصطحب مهندس الديكور الى مكتبه القديم حيث كانت لافتة "شركة رجب للخدمات البحرية" قد ضربتها الشمس وتشققت قشرة خشبها. وبالداخل كان العنكبوت قد نسج خيوطه فخيمت على كل شيء وبدا المكتب كمقبرة مهجورة.
    وبينما كان المهندس يشرح له تصورات وتخيلات الشقة بعد تجديدها. .حدث زلزال هز أعماق مصر كلها وضرب فيها الأمل والأمان .. وزحفت جموع الشعوب العربية لهول الصدمة عندما أعلن موت جمال عبد الناصر.
    العميل رقم 1041
    امتلأت الشوارع بفيضان من البشر كالطوفان يجرف أمامه هدأة الحياة وغفلة الزمن زحف من الأحياء يغلي، وكتل ملتصقة من الحناجر تصرخ في هلع وبكاء مرير يمزق القلوب . . وشروخ بدت في الوجوه بفعل الدموع. وتوقفت الحياة ومادت موازين العقل فلا عقل يصدق أن الزعيم رحل.
    ودون أن يدري . . بكى رجب، وكان لا يدري أيبكي ناصر الأمل؟! أم يبكي بذور الخيانة التي تعملقت بداخله وعظمت فروعها؟
    وود للحظات لو أن أقدام الباكين الحائرين داسته. لكنه سرعان ما استعظم ذاته وأبى ألا يضع
    ف. بل سطر أولى رسائله، وكانت هذه الرسالة هي الخطوة العملية الأولى في عالم الجاسوسية. . رداً على رسالة وصلته بطريق الراديو تطلب منه مراقبة حركة ميناء الاسكندرية وعما إذا كانت اسلحة سوفييتية تتدفق على مصر بعد موت زعيمها الأول أم لا ؟ وكانت الرسالة كالتالي:(رقم 2)
    سطور كتبت باللغة العربية بالحبر السري بين سطور الرسالة.
    (رقم 1) سطور كتبت باللغة الانجليزية. الاسكندرية 24/1/1970
    صديقي العزيز باولو:
    1- خط عادي: وصلتني رسالتكم العزيزة الى قلبي وكم سررت بها.
    2- حبر سري: لا زالت أعمال التجديدات في مكتبي جارية وبالرغم من.
    1- خط عادي: وتعجبت من فعل الزمن يفرق دائماً بين الأصدقاء.
    2- حبر سري: ذلك أقوم بعملي وأراقب الميناء جيداً.
    1- خط عادي: والمحبين، ولكنك يا صديقي مهما باعدت المسافات بيننا
    2- حبر سري ومنذ صباح الأمس وأنا أراقب سفينة سوفييتية ضخمة.
    1- خط عادي: تسكن بأعماق قلبي فالأيام الجميلة التي قضيتها معك.
    2- حبر سري: ترسو على الرصيف وحولها حراسة مشددة. السفينة.
    1- خط عادي: في جزر كيكلاديس . لا أستطيع مهما حييت أن
    2- حبر سري: اسمها ستاليننجراد، وقال لي زميل قديم بالميناء:
    1- خط عادي: أنسى طعم حلاوتها وروعتها والصور التي التقطت.
    2- حبر سري: إن السفن السوفييتية تتردد بكثافة هذه الأيام.
    1- خط عادي: لنا هناك تكاد تنطق بمدى شوقي الى تجديد هذه.
    2- حبر سري: على الاسكندرية ونادراً ما تظل الأرصفة خالية منها.
    1- خط عادي: الذكريات الجميلة في جزر بحر أيجه وشوارع ومقاه.
    2- حبر سري: وعلمت أن بعضها تنزل حمولتها بالليل فقط بواسطة.
    1- خط عادي: ومتاجر أثينا الساحرة. إن قلبي يرقص طرباً.
    2- حبر سري: الأضواء الكاشفة. ومنذ أسبوع بالضبط نزل.
    1- خط عادي: كلما مرت ببالي هذه الأيام الجميلة.
    2- حبر سري: عدد كبير من الجنود والخبراء السوفييت.
    1- خط عادي: عزيزي باولو: أرجو أن ترسل لي صورة ابنتك.
    2- حبر سري: في ذات الوقت الذي تفرغ فيه سفن مصرية أخرى.
    1- خط عادي: الجميلة بياتريتشي التي لم يسعدني الحظ برؤيتها.
    2- حبر سري: حمولاتها من القمح المستورد من استراليا ومن.
    1- خط عادي: خلال زيارتكم القصيرة لليونان. وسوف أحاول.
    2- حبر سري: البرازيل.. وشاهدت عدداً كبيراً من الشاحنات العسكرية.
    1- خط عادي: في القريب أن أزوركم في إيطاليا وأرى مدينتكم.
    2- حبر سري: تنقل صناديق خشبية ضخمة بعضها مغطى بغطاء.
    1- خط عادي: الرائعة – تريستا – التي تعشقونها. ومن جانبكم.
    2- حبر سري: أزرق أو كاكي وتتجه الى طريق الاسكندرية.
    1- خط عادي: لا تدخروا وسعاً في التفكير بجدية في زيارتي.
    2- حبر سري: القاهرة الصحراوي، وأنزلت سفينتان حمولتهما.
    1- خط عادي: مع احتفالات الكريسماس حيث المناخ هنا في.
    2- حبر سري: من الخشب الزان من أسبانيا ورومانيا وتعطلت بالأمس.
    1- خط عادي: مصر أكثر من رائع، وبالأخص في صعيد مصر حيث.
    2- حبر سري: شاحنة على الطريق محملة بأجولة السكر المستورد.
    1- خط عادي: آثار أجدادي الفراعنة تفوح منها رائحة التاريخ.
    2- حبر سري: من الاتحاد السوفييتي وسأوافيكم بمشاهداتي.
    1- خط عادي: تحياتي لكم وتمنياتي بالسعادة الدائمة.
    2- حبر سري: أولاً بأول، وسوف أنتظر رسائلكم.
    1- خط عادي: رجب
    2- حبر سري: رقم / 1041
    تحت الميكروسكوب
    ومع إطلالة الأيام الأولى في عام 1971 كان رجب قد انتهى من تشطيب مكتبه . . وليس حلة جديدة من بهاء تتفق ورونق أعمال الديكورات الفخمة .. التي تدل على ذوقه الأوروبي ويساره. .
    افتتح المكتب جمع غفير من الأهل والأصدقاء، وملأت إعلانات الدعاية بالعربية والإنجليزية صفحات الأهرام تعلن عن ميلاد شركة خدمات بحرية متميزة . . قادرة على تحمل مسؤوليات الشحن والتفريغ وما يخصهما من إجراءات مع الجهات المختصة.
    وساعدته المخابرات الإسرائيلية كثيراً ليحصل على ثقة بعض الشركات البحرية العالمية ليصبح وكيلاً لها في الاسكندرية .. وتحول مكتبه الى خلية نحل اضطر معها الى الاستعانة بعدد كبير من الموظفين والسكرتارية، وازدحم المكتب بالزوار وذوي المصالح، وازدادت الخطابات الواردة اليه من الشركات الملاحية ومن رؤسائه في أثينا يغذونه بالمعلومات . . ويلقون أوامرهم وتوجيهاتهم ويدفعونه ليكبر أكثر وأكثر. فازدهرت أعماله بسبب التوكيلات العالمية التي حصل عليها، وصار اسمه مشهوراً ودخوله الى الميناء بالتصاريح الممنوحة أمراً سهلاً وقويت علاقاته بالموظفين وبالمديرين.
    ولأنه يعمل في "المهنة" فقد كان سؤاله عن أحوال الميناء يوماً بيوم أمراً عادياً لا يثير ريبة ولا شكوكاً في نياته. . وهذا هو ما كانت تقصده المخابرات الاسرائيلية. . أي زرع جاسوس داخل ميناء الاسكندرية يرصد كل أسراره وأوضاعه دون أن يشك فيه أحد. ومرت الشهور تلو الشهور وهو لا يزال يرتقي سلم النجاح والشهرة، ولم ينس أفضال اليهود عليه للحظة واحدة.
    إنهم أولى أمره الذين ثبتوا قدميه على طريق النجاح، وهم الذين تسعى مصر ومن خلفها جميع الدول العربية للإضرار بهم رغم قلتهم ومحدودية أرضهم ومواردهم.
    لقد أكدوا له أنهم لا يريدون حروباً مع العرب.. فهم يدافعون عن رقعة صغيرة من الأرض يعيش عليها أطفالهم وضعافهم. وكلما شن أنور السادات هجماته من خلال خطبه السياسية .. كان رجب يرتعد خوفاً من حماس وعوده بأن هذا العام هو عام "الحسم" لتدمير إسرائيل. . وكثرت الرسائل الى رجب بطريق البريد والراديو .. وتعددت رسائله أيضاً الى "أصدقائه".
    وانحبس النفس في رئتيه هلعاً يوم السادس من أكتوبر 1973 وجنودنا البواسل يعبرون الهزيمة ويدكون خط بارليف الحصين ويكتبون النصر غالياً بدمائهم.
    وعندما كانت مصر – بل والأقطار العربية كلها تزغرد للنصر . . كان رجب يبكي في مكتبه وينتفض جسده خوفاً وشفقة على شعب إسرائيل الذي يقتله العرب بلا رحمة مجتمعين. وكثرت في تلك الأثناء زياراته للميناء يستقص الأخبار ويستقي المعلومات بجرأة، دون أن يلفت انتباه أحد، لكثرة أسئلته عن السفن الراسية بالميناء وفي الغاطس تنتظر الدخول.
    لفتت رسائله المتعددة الى أثينا وروما انتباه ضابط المخابرات المصري المكلف بمراقبة البريد الصادر الى خارج مصر والوارد اليها. واكتشف أمر الرسائل المشفرة. وقام جهاز المخابرات المصرية بمراقبة بريد رجب عبد المعطي . . وجرى الكشف عن كل رسائله وصورت وأعيد إغلاق الرسائل بدقة متناهية.. لكي تكون دليل إدانة ضده أمام النيابة وعند محاكمته.
    وبينما كان الجاسوس مشحوناً بحماس النصر، وبدأت الخريطة السياسية للمنطقة تتشكل من جديد .. نشط رجب في رصد حركة الميناء المستمرة وأرسل الرسالة التالية الى صديقه "الوهمي" ديميتريوس في اليونان:
    الاسكندرية 27/11/1974. عزيزي ديمتريوس.
    1- خط عادي: تهنئتي القلبية بمناسبة عيد ميلادك السعيد، ولعلك .
    2- حبر سري: سفن شحن متعددة من جنسيات مختلفة تدخل.
    1- خط عادي: الآن في أحسن حال بعد الوعكة الصحية التي أصبتم.
    2- حبر سري: الميناء لتفرغ حمولتها من المواد التموينية بكثرة.
    1- خط عادي: بها منذ ثلاثة أسابيع. فكيف حالكم الآن؟!!
    2- حبر سري: أيضاً تأكدت من وصول سفينة تشيكوسلوفاكية.
    1- خط عادي: أحوالي على أحسن ما يرام، وأنوي إجراء بعض.
    2- حبر سري: تحمل معدات عسكرية في صنادق يصعب الاقتراب.
    1- خط عادي: أعمال الديكورات الحديثة بمكتبي، على ذلك.
    2- حبر سري: منها بسبب الحراسة المشددة، ولا زالت.
    1- خط عادي: فسأتغيب لمدة أسبوعين على الأكثر على شاطئ.
    2- حبر سري: سفن عربية من الجزائر وليبيا تنزل حمولتها.
    1- خط عادي: البحر الأحمر ريثما ينتهي مكتب الديكور من عمله.
    2- حبر سري: من البطاطين والمواد الطبية وسفينة عملاقة.
    1- خط عادي: ولسوف أعاود بعد ذلك نشاطي بشكل أفضل.
    حبر سري: تحمل علم بنما اسمها "ليليها مر" [5] محملة بحوالي.
    1- خط عادي: بعد هذه الإجازة التي أتشوق اليها لأتمكن.
    2- حبر سري: 200 جرار زراعي ومعدات زراعية وميكانيكية.
    1- خط عادي: من صيد السمك بعيداً عن زحام العمل والتوتر.
    2- حبر سري: مختلفة وسفينة سوفيتية تحمل معدات توليد.
    1- خط عادي: المستمر من جراء المشكلات المتوقعة.
    2- حبر سري: كهرباء ضخمة وآلاف من الإطارات.
    1- خط عادي: تهنئتي لك مرة أخرى وتحياتي وأشواقي.
    2- حبر سري: الكاوتشوك مقاسات مختلفة وموتورات.
    1- خط عادي: رجب.
    2- حبر سري: رقم / 1041.
    قتلته ظنونه
    . . . وأخيراً .. بعد أن جمعت المخابرات العامة المصرية كل الأدلة التي تدينه . . توجهت قوة من رجال المخابرات صباح 13 يناير 1975 الى مكتبه. . اعتقد رجب أنهم "زبائن شغل" ولكن . . حينما أخبره قائد القوة بأنه ضابط مخابرات . . لم يستطع رجب أن يقف . . ظل ساكناً على كرسيه تتحرك ركبتاه لا إرادياً، واصطكت أسنانه فجأة، وزاغت عيناه في هلع لا حدود له.
    ومن قبيل الصدف العجيبة أن رجل البريد جاء برسالة من المخابرات الاسرائيلية – مرسلة من الداخل – أثناء وجود المخابرات في مكتبه حيث طلبوا منه حلها . . ووضعوا أمامه كتاب الشفرة التي عثروا عليه في درج سري بالمكتب مع كل أدوات التجسس المزود بها.
    لم يستطع رجب استيعاب الأمر على حقيقته. فقد كانت نظرات ذهوله تدل على مدى الرعب الذي أصابه. . إنهم أفهموه في تل أبيب وفي أثينا أن المخابرات الاسرائيلية لم يحدث لها أن فشلت مرة واحدة في مهامها.. ولكن الفشل يأتي دائماً من العميل الذي قد يهمل تكتيكات الأمان التي يجب عليه أن يلتزم بها ولا يهملها أبداً. فجهاز المخابرات الاسرائيلي – حسبما اقنعوه – أفضل أجهزة المخابرات في العالم.
    ابتسم رجب في سخرية عندما تذكر ادعاءاتهم الباطلة، وبينما كانت قافلة السيارات تنطلق به الى القاهرة – كانت المخابرات الاسرائيلية ترسل بالراديو رسالتها الدورية الى عميلها:
    "ننتظر ردك على الرسالة التي وصلتك .. لا تتأخر، واستعد للسفر خلال شهر مارس الى أثينا".
    وفي مبنى المخابرات المصرية جرى استجوابه فاعترف تفصيلياً – وهو مذهول – بقصة سقوطه في مصيدة المخابرات الاسرائيلية .. وعقدت له محكمة عسكرية وجهت اليه التهم الآتية:
    باع نفسه ووطنه للعدو مقابل المنفعة المادية.
    أمد العدو بمعلومات عسكرية واقتصادية تضر بأمن الدولة ومصلحة البلاد.
    ارتضى لنفسه أن يحمل اسماً يهودياً وجواز سفر يهودياً ورتبة عسكرية يهودية.
    التخابر مع دولة معادية "إسرائيل" بقصد الإضرار بالعمليات الحربية لمصر.
    التخابر مع دولة أجنبية معادية لتسليمها سراً من أسرار الدفاع عن البلاد.
    وحكمت المحكمة بالإعدام شنقاً. . وصدق المفتي ورئيس الجمهورية على الحكم. وأثناء انتظار التنفيذ . . شعر ال**** بعظم جرمه وفداحة مسلكه. وعامله المجرمون والقتلة في السجن معاملة سيئة، وكادوا أن يفتكوا به عدة مرات كلما سنحت لهم فرصة لقائه. وأنزوى ال**** يجتر ذكرياته فتتقلص عضلات جسده.. ومضت عليه عدة أسابيع، ذاق خلالها مرارة الحسرة والذل والمهانة. . ونحتت بدنه عضات الندم .. حتى عثر عليه ذات يوم ملقى على الأرض بزنزانته وسط بركة من الدم المتجلظ . . وقد عثر على إحدى عدسي نظارته منزوعة ومهشمة. . وتبين أن هناك ثمة قطع غائر بيده اليسرى طال شريانه.
    ترى .. هل أصابه مس من العقل وأدرك فداحة جرمه فانتحر؟
    أم أنه استشعر الفارق الشاسع ما بين الرفاهية والحبس؟
    أو ربما ظن أن الموساد ستنقذه لا محالة فقتلته ظنونه؟ لا أحد يعرف..
    لكنه حتماً أفاق بعدما خسر الكثير..
    خسر نفسه وأهله ووطنه . . وكل شيء . . كل شيء ضاع..
    لكن اسمه سيظل دائماً بقائمة الخونة . . أولئك الذين باعوا عروبتهم بثمن بخس. . ولن يغفلهم التاريخ على مر الأحقاب . .!!
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعة الثامنة

    نبيل نحاس ورحلة الموت الجميل
    اشرس جواسيس إسرائيل في مصر، ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية، وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها. فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل.


    فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت الى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده الى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد.

    جونايدا روتي
    حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . . فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة.

    من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا اليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية الى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري.

    فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك.

    حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر الى العمل دون إدراك للعواقب. .

    والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم – فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ – نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . الى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف الى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها.

    هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . . أو تحلم بعلاقات حميمة مع ملكات الفتنة والأنوثة.

    هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. . وما أسهل تصيد عشاق الجنس وعبدة اللذة.

    تمتد جذور أسرته الى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة الى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك الى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936.

    كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. .

    وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. . وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. .

    ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة.

    ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاحة ورجولة تلفت انتباه الحسان .. وتجعل منه مأملاً لهن . . فأحطنه بدلالهن ليقطف منهن من يشاء ..

    وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. الى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى علاقاته النسائية وملذاته.. خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . فانجرف معها الى محيطات المتعة يجدف بلا كلل. كان اسمها "جونايدا روتي" .. خيزرانية القوام أبنوسية اللون رائعة الخلقة .. تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية.

    استطاعت جونايدا أن تمتلك عقله وتنسيه أية امرأة سواها. . فأغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام الى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر..

    وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر الى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما.

    كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته الى كوناكري. . وطار النحاس الى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد.

    الطريق المختصر
    هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول الى الحدود.

    سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي.

    وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تره عين من قبل . .

    كانت في الواحدة والعشرين من عمرها .. إذا خطت . . تحركت الفتنة وترجرجت تحت ثيابها . . وإذا تأودت . . أغرقت الدنيا بهاء وحسناً. . وإذا تحدثت .. تموجت الأنغام سكرى على شفتيها. . وأربكت حدود العقل وأركانه.

    أذهل جمالها المراسل الصحفي الجديد فنسي مهمته في الجنوب .. وذابت جونايدا الى القاع أمام سحر مليكة .. فقد أفقدته "حسناء أزمور" الوعي والرشاد .. وطيرت عقله الى سفوح المتعة. . فأقبل يلعق عناقيد الفتنة بين يديها . . ويتعبد منتشياً في محرابها مسلوب القرار .. فعندما يخوص الجسد بحار النشوة .. يغوس متلذذاً بالغرق لا يرجو خلاصاً من الموت الجميل.

    الأيام تمر وفتانا نسي مهمته.. وقبع كطفل غرير بين أحضان مليكة التي أحكمت شباكها حوله وسيطرت على مجامع حواسه .. وحولته الى خادم يلبي طائعاً رغباتها.. وينقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة.

    وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل الى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. .

    ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها الى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها الى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه الى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – الى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. .

    وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ خلقت منه أصابع مليكة الناعمة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه.

    أقام معها في شقة رائعة .. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . واستدعت من أعماقه كل جوانب ضعفه وجنونه . . واستدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة ..

    وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. الى جانب تسجيلات أخرى أثناء استعراضه لفحولته عارياً بين أحضان عميلة الموساد.

    كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى الى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم.

    استخلص الضابط الامحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكة معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً الى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. .

    في أحاديثه أيضاً تطرق الى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء الى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية.

    لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود.

    بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. .

    أبقى باسكينر مليكة الى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. الى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. .

    كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال حفلات الخمر والجنس في الوصول الى أسرار غاية في الأهمية .. الى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد.

    علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – الى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره الى تل أبيب.

    أهلاً بك في وطنك
    ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد الى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله..

    واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل الى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة..

    وبعد عامين تقريباً. . استدعى الى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به الى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، الى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته.

    وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكة، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان.

    وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر.

    لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور.

    لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة الى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه.

    وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الاسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية الى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية .

    وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صقفة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات اسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية.

    لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة.

    هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته الى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت.

    ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته الى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته الى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة.

    وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات الموساد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه الى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له "أهلاً بك في وطنك إسرائيل" وصافحته جولدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير: "شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل" وعلق الخائن قائلاً:
    لم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي.

    وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال الموساد. .

    وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة .. أجمل النساء اللاتي أسكرنه ، والعميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. فجددت معه ذكرى الأيام الخوالي .. وأغدقت عليه من نبع أنوثتها شلالات من المتعة تمنحها له هذه المرة ليس بقصد تجنيده كما حدث في المغرب، بل لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل.

    لم تكن هناك فروق بين إحساس المتعة في الحالتين. فمليكة أنثى مدربة تعرف كيف تغرقه في بحورها. . وكلما أرادت إنتشاله جذبها مرات ومرات. فما أحلى الغرق في بحور فاتنة مثيرة، وما ألذه من موت جميل !!

    ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس الى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. .

    فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود.

    بكاء الذليل
    كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبارد على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغمس في ملذاته بصحبة فتيات الليل، يجلب لهن بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية.

    ومن خلال حفلات المجون كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال الى مكتب الموساد في جنيف.

    وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الاسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع الى الاسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية.

    رلم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة.

    وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط الموساد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه.

    تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد الى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس.

    وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم الى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة الى "وطنه إسرائيل".

    لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق.

    لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات، وبآهات غانية تتلوى بين أحضانه. .

    وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعه التاسعه


    التاريخ الاسود للموساد
    حرب الدهاء بين المخابرات المصرية وجواسيس الموساد


    بكل المعايير والمقاييس، فشل العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا واسرائيل ضد مصر عام 1956 في تحقيق أهدافه.. والأكثر من ذلك، أن هذا العدوان تحول إلي كارثة دمرت مستقبل رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن ونظيره الفرنسي جي موليه.. وظهرت اسرائيل ربما لأول مرة امام العالم في صورتها الحقيقية كدولة توسعية معتدلة..

    وأصيب قادة اسرائيل من أمثال دي÷يد بن جوريون وموشي ديان وجولدامائير بالإحباط خاصة وأن جمال عبدالناصر خرج من هذا العدوان الثلاثي زعيما كبيرا للمنطقة العربية وربما لكل الشعوب التي تعاني من الاستعمار..



    الإحباط!


    ووسط مناخ الإحباط الذي عاشته اسرائيل في ذلك الحين، إتفق الزعماء الصهاينة علي إحياء أكذوبة اضطهاد اليهود في الحرب العالمية الثانية من خلال شن حملة كبري ضد قادة النازي الهاربين في مختلف انحاء العالم.. وبمعني آخر، كانت اسرائيل تسعي لخوض معركة سهلة تستعيد فيها كرامتها المفقودة في حرب السويس.

    وهكذا، اختار زعماء الموساد هدفا سهلا يتمثل في بعض الضباط النازيين الهاربين وجرت مطاردة هؤلاء الضباط وسط حملة دعائية كبري صورت هذه المطاردة التي قام بها عملاء الموساد علي أنها عمل بطولي تفخر به اسرائيل..

    في ذلك الحين كان رئيس الموساد هو أيسير هاريل الذي اختار قائدا ألمانيا سابقا هو أدولف أيخمان ليكون هدفا لأكبر عملية نفذتها المخابرات الاسرائيلية في حملتها ضد قادة النازي الهاربين..
    كان أنجمان يوصف بأنه الوحش الذي أشرف علي أفران الغاز حيث يزعم الصهاينة أن ملايين اليهود أحرقوا داخلها وهم أحياء..

    وقد هرب أيخمان الي الأرجنتين بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وحاول الحياة متنكرا للهروب من ماضيه النازي. وعندما وصلت معلومات إلي رئيس الموساد حول وجود أيخمان في الأرجنتين وضع خطة تحقق لجهاز المخابرات الاسرائيلي شهرة عالمية وفي نفس الوقت تلفت الانظار بعيدا عن الدور الاسرائيلي القذر في العدوان الثلاثي وتعمق عقدة الذنب لدي العالم تجاه اليهود بسبب أسطورة المذابح النازية أو الهولوكوست..

    وعلي الفور، قرر أيسير هاريل رئيس الموساد تشكيل فرقة خاصة تضم 11 رجلا وامرأة من عملاء الموساد لإختطاف أيخمان إلي اسرائيل..

    وكانت التعليمات الصادرة لهؤلاء العملاء تقضي بعدم قتل أدولف أيخمان تحت أي ظرف من الظروف وأهمية أن تتم هذه العملية في الارجنتين دون علم السلطات الأرجنتينية..

    وسافر رئيس الموساد بنفسه الي الأرجنتين لترتيب عملية اختطاف أيخمان علي متني طائرة ركاب تابعة لخطوط الطيران الاسرائيلية (العال).

    وإختار رئيس الموساد يوم الاحتفال بعيد الاستقلال في الأرجنتين للقيام بهذه العملية علي أساس أن الطائرة ستتوجه إلي هناك لإحضار أبا ايبان وزير خارجية اسرائيل بعد مشاركته في هذا الاحتفال..

    وبالفعل تم تهريب أيخمان إلي الطائرة التي حملته الي تل أبيب.. وبعد ذلك، تفجرت حملة إعلامية كبري جعلت عملية اختطاف أيخمان تبدو في صورة انتصار تاريخي للموساد.

    ووصلت الأمور إلي حد أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بن جوريون ألقي خطابا أمام الكنيست في مايو 1960 قال فيه:

    'يسعدني أن أعلن نجاح أجهزة الأمن الاسرائيلية في القبض علي أحد عتاة المجرمين النازيين وهو أدولف أيخمان الذي يتحمل مع غيره من قادة النازي مسئولية الحل النهائي للمشكلة اليهودية عن طريق ابادة ستة ملايين يهودي، وسوف يتم تقديمه للمحاكمة وفقا للقانون الاسرائيلي.

    وأصدرت المحكمة الاسرائيلية حكمها باعدام أيخمان وتم تنفيذ حكم الاعدام شنقا..

    والغريب أن الصهاينة والاسرائيليين واليهود اعتبروا إعدام أيخمان مسألة أخلاقية رغم الانتقادات التي أعرب عنها الكثيرون إزاء العديد من النقاط الهامة في هذه القضية..

    ومن أبرز هذه النقاط أن أيخمان كان رجلا عجوزا طاعنا في السن وقد إختطفه عملاء الموساد وتم تقديمه للمحاكمة بعد حوالي ربع قرن من الجرائم المنسوبة اليه.

    كما انتهكت المخابرات الاسرائيلية سيادة دولة المفروض أنها صديقة لاسرائيل هي الأرجنتين دون علم السلطات الأرجنتينية

    وفي ذلك خرق واضح للأعراف والتقاليد وللقانون الدولي.



    حرب الجواسيس


    وقد كان الألمان طرفا في حرب الدهاء بين المخابرات المصرية والاسرائيلية.. وحدث ذلك بالتحديد في واقعة العلماء الألمان الذين حضروا إلي مصر للمشاركة في دعم برنامج التسلح المصري وخاصة في مجال الصواريخ..

    فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عمل الكثيرون من الضباط والعلماء الألمان مع الأمريكيين والسو÷ييت وتوجه بعضهم ايضا إلي مصر التي كانت اسرائيل تعتبرها مصدر التهديد الرئيسي للدولة اليهودية.
    وإتفق قادة الموساد علي ضرورة ارسال جاسوس ألماني إلي مصر يعيش وسط هؤلاء العلماء وينقل تفاصيل مهمتهم مع المصريين.. ووقع الاختيار علي ضابط سابق يدعي فولفجانج لوتز وكانت أمه ممثلة يهودية تزوجت من ألماني يعمل مديرا لأحد المسارح ثم هربت من ألمانيا إلي فلسطين عام 1933 والتحق ابنها بالجيش البريطاني في الشرق الأوسط وحصل علي رتبة ضابط.. ونظرا لإجادته اللغة الألمانية فقد تم تكليفه بالتحقيق مع الأسري الألمان من قوات الجنرال روميل ثعلب الصحراء بعد هزيمته في معركة العلمين أمام الجنرال البريطاني مونتجومري.

    والتحق فولفجانج لوتز بعد ذلك بعصابات الهاجاناه 'جيش اسرائيل السري' ووصل إلي رتبة ميجور في جهاز مخابرات وزارة الدفاع الاسرائيلية.

    وبسبب ملامحه الالمانية الأرية، لفت فولفجانج لوتز أنظار المسئولين في المخابرات العسكرية الاسرائيلية الذين فكروا في الاستفادة منه كجاسوس بين المهندسين والعلماء الألمان في مصر..

    وتم وضع الخطة الخاصة بمهمة لوتز وهي التخفي في صورة ضابط سابق بالجيش النازي 'السفيرماخت' خاصة في ضوء خبراته التي اكتسبها أثناء التحقيق مع جنود وضباط الفرقة 115 التابعة للجنرال روميل والذين وقعوا في أسر القوات البريطانية أثناء معركة العلمين..

    وتظاهر لوتز بأنه خدم مع هذه الفرقة أثناء الحرب وتم تزويده بوثائق وأوراق رسمية تثبت أنه ضابط ألماني سابق والأكثر من ذلك أنه تزوج من سيدة ألمانية تدعي فولدروت نيومان.. كل ذلك بسبب الرغبة في إخفاء هويته اليهودية وعلاقته باسرائيل..

    وإستغل الموساد أساليب الإبتزاز والإرهاب لإجبار المسئولين الألمان علي التعاون معهم.. وتم تدريب الجاسوس لوتز في مؤسسة تابعة للمخابرات الألمانية بأقليم با÷اريا.. وفي النهاية، سافر إلي مصر متنكرا في شخصية ألماني يتحدث اللغة العربية واستأجر ÷يلا فاخرة في ضاحية مصر الجديدة وتظاهر بأنه من هواة تربية الخيول العربية وإنضم لعضوية نادي الفروسية في الجزيرة..

    ومن هذا الموقع، استطاع ÷ول÷جانج لوتز الدخول في صداقات عديدة مع هواة الخيول المصريين والأجانب ورحب به الألمان الذين يقيمون في مصر.. وكان ينفق عليهم بسخاء ويقيم لهم الحفلات من أموال المخابرات الاسرائيلية..

    ونظرا لخبراته الهائلة في المجال العسكري، استطاع لوتز أن يزود الموساد بمعلومات خطيرة عن برامج الصواريخ المصرية.

    وفي شهر يوليو عام 1962، أطلقت مصر أربعة صواريخ للتجارب أحدها مداه يتجاوز 175 ميلا وتستطيع الصواريخ الأخري الطيران لمسافة 350 ميلا وأعلن الرئيس جمال عبدالناصر أنه يستطيع تدمير أي هدف جنوبي بيروت مما أدي لاثارة الذعر في اسرائيل..



    عمليات التخريب


    وطلب الموساد من فولفجانج لوتز تقريرا وافيا حول الصواريخ المصرية الجديدة.. وقام لوتز بالمهمة وسلم التقرير لايسير هاريل رئيس الموساد الذي سلمه بدوره لديفيد بن جوريون، وكتب لوتز في تقريره ان الرئيس عبدالناصر يسعي للحصول علي عدد كبير من الصواريخ يتيح له إطلاق وابل منها علي اسرائيل دفعة واحدة.

    وفي مواجهة هذا الوضع، قررت أجهزة المخابرات الاسرائيلية تنفيذ عملية في مصر يطلق عليها اسم 'دامو كليس' وكان ذلك في سبتمبر .1962 وملخص هذه الخطة هو تدبير اغتيالات وتفجيرات ضد العلماء الألمان في مصر.. وتم ارسال خمسين خطاب تهديد لهؤلاء العلماء وبعد ذلك، بدأت شحنات الطرود الناسفة تنفجر في العلماء الألمان.

    وكان المسئولون الاسرائيليون من أمثال ديفيد بن جوريون وجولدامائير حريصون علي ألا تؤدي هذه العمليات إلي إثارة أي أزمة مع ألمانيا التي كانت تقدم مساعدات رهيبة لاسرائيل في إطار ما يسمي بالتعويضات عن مذابح النازي ضد اليهود..

    أما قادة الموساد وخاصة ايسير هاريل فكانوا يرون ان هناك مؤامرة ألمانية ضد اسرائيل.. وفي النهاية حدث صدام بين دي÷يد بن جوريون وهاريل حول هذه النقطة خاصة وأن المخابرات سربت بعض التقارير للصحف حول هذه المؤامرة الألمانية المزعومة لدعم مصر عسكريا مما أدي إلي اثارة حالة من الذعر في اسرائيل.. ووصلت الأمور إلي حد استقالة رئيس الموساد من منصبه ولكن بن جوريون رفض هذه الإستقالة وطلب منه تقريرا كاملا عن كل شكوكه بشأن الدور الألماني في دعم برنامج التسلح المصري بشرط أن تكون معلوماته حقيقية ومؤثقة ولاتقوم علي الأقاويل والشائعات..

    وبعد هذا التوبيخ من جانب رئيس الوزراء تمسك رئيس الموساد باستقالته قائلا انه ليس بمقدوره البقاء في منصبه بعد هذا الخلاف العميق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي.

    حتي ذلك الحين، كان الجاسوس ÷ولفجانج لوتز مازال يمارس عمله السري في مصر وهو يشعر بأنه في أمان تام لدرجة جعلته يتجاوز كل حدود الحيطة والحذر..

    وعندما حصلت مصر علي بعض الأجهزة الإلكترونية المتقدمة من الاتحاد السوفييتي، تمكنت المخابرات المصرية من رصد رسائل الراديو التي كان لوتز يبعث بها لاسرائيل وتم القاء القبض عليه في شهر يوليو 1965 وقدم للمحاكمة حيث صدر الحكم بأدانته وسجنه مدي الحياة.
    الجدير بالذكر ان في احد احاديث فولف جانج لوتز للصحافه قبل وفاته قال ان ضابط المخابرات المصري قد قام بالذهاب مباشره الى كتاب الشفره مما يعني بان المخابرات العامه قد كشفته من داخل جهاز الموساد نفسه

    وقضي ÷لوفجانج لوتز عامين في السجن وتم الافراج عنه بعد ذلك في إطار صفقة لتبادل أسري حرب يونيو 67 وعاد إلي اسرائيل مع زوجته الألمانية وحاول اقامة مدرسة للفروسية وركوب الخيل قرب تل أبيب ولكن هذا المشروع باء بالفشل.. فهاجر إلي الولايات المتحدة لاقامة بعض المشروعات الاستثمارية ولكنها لم تنجح ايضا فتوجه إلي ألمانيا عام 1978 وقدمت له المخابرات الاسرائيلية ألف دولار ومعاش شهري لاتتجاوز قيمته 200 دولار ما اضطره للعمل في وظيفة حقيرة كحارس في أحد المخازن وعاش لوتز حياة صعبة في سنواته الأخيرة حتي مات وحيدا فقيرا بائسا رغم كل الخدمات التي قدمها للموساد
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  6. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعة العاشرة

    جمال حسنين ...... الجاسوس الذي مات مرتين
    ========================================


    منذ ثلاث سنوات تقريباً... أفرج عن الجاسوس جمال حسنين بعد أن أمضى 25 عاماً خلف جدران سجن المزرعة في أبو زعبل. حيث لا يزال بين جدرانه عدد من الخونة الذين جندتهم المخابرات الاسرائيلية للتجسس على مصر.

    لا ندري كيف يمضي هؤلاء الخونة مدة عقوبتهم طوال هذه السنوات .. كما لا ندري هل لسعتهم أوجاع الندم .. أم أنهم فقدوا الإحساس بعظم جرمهم في حق الوطن؟ وهل كلهم هكذا، أم أن هناك بعضهم أفاقوا إلى رشدهم بعد فوات الأوان؟

    ولكن ... كيف سيواجهون الحياة في المجتمع بعد ربع قرن في الزنزانة؟ وكيف يستقبلهم المجتمع والأسرة بعد الإفراج عنهم؟

    لا أحد يستطيع التكهن بما في نفوس هؤلاء الخونة، ولم يسبق لصحفي أن أجرى حوار مع جاسوس قضى مدة عقوبته ليصف لنا حاله بالضبط.

    وعلى كل حال ... بقدر ما يهمنا البحث عن سلوك خائن منح حريته يهمنا أيضاً البحث في الأسباب التي أدت إلى سقوطه في شباك الجاسوسية ودراستها.


    ================================================== =======



    ولد جمال في 29 أكتوبر 1941 بالقاهرة لأسرة موظف صغير في وزارة الشؤون الاجتماعية يعول سبعة أفراد. دخل مرحلة التعليم الابتدائي وشق طريقه في التعليم ... متعثراً. وتمكن عام 1962 من الحصول على دبلوم في المساحة .. وعين فوراً في مصلحة المساحة بالقاهرة... وكان راتبه الصغير يشعهر بأنه قزم تافه.


    لذلك سعى للحصول على دبلوم المعهد الأوليمبي بالإسكندرية في محاولة للارتقاء بوضعه الوظيفي، وأمكن له بالفعل الحصول على دبلوم المعهد عام 1968، وكانت مصر حينئذ في حالة يرثى لها ... وتسعى للنهوض من عثرة النكسة وتنظيم صفوفها من جديد استعداداً للثأر من العدو الإسرائيلي.


    في ذلك الوقت لم يكن جمال حسنين بعيداً عن نبض الجماهير... والإحساس بالمهانة لهزيمة الجيش واحتلال أرض عربية أخرى. وحنق كثيراً على القيادة العسكرية... وكثيراً ما كان يجادل أصحابه ويثور لأنه لم يلتحق بالقوات المسلحة بسبب "الفلات فوت" اللعين. وكظم غيظه وأحلامه وحبس طموحه بداخله إلى أن تحين اللحظة المناسبة للتحرك.

    ولكن الوقت يجري و "سماح" تنضج وتفور أنوثتها ولا يزال كما هو بلا حركة .. وخطابها عرفوا الطريق لبيتها فتملكه الرعب لمجرد أن تخيل خطبتها لآخر. ولما أضناه الأرق وهده الفكر ...صارح والده بحبه للفتاة ورغبته في الزواج منها... فقال له "عليك أن تدبر حالك".

    أسرع الشاب العاشق إلى أسرة فتاته يطلب يدها .. فاشترطوا عليه ما يعجز عن تحقيقه... ولكنه في سبيل الفوز بها قرر المغامرة وتملكته فكرة السفر إلى بيروت للعمل.

    كانت بيروت وقتئذ قبلة الباحثين عن الرزق الوفير وتتعدد بها مصادر الرزق لكل من سعى. وتقدم جمال حسنين بطلب الحصول على إجازة من عمله بدون راتب "كان راتبه 16 جنيهاً" فسمح له بإجازة ستة أشهر. وقبل أن يغادر الإسكندرية إلى بيروت بحراً... أخضع لدورة توعية تثقيفية مع غيره من الراغبين في السفر خارج مصر لأول مرة. والمحاضرون بالطبع ضباط في جهازي المخابرات العامة والمخابرات الحربية.
    وكان هذا النظام معمول به في ذلك الوقت نظراً لاكتشاف العديد من الجواسيس والذي تبين أن غالبيتهم وقعوا في براثن الموساد بعد إغرائهم بالمال والنساء. وفي قرارة نفسه... سخر جمال حسنين من ضعاف النفوس الذين سقطوا في شباك الموساد واحتقرهم. وانتبه جيداً للطرق المختلفة التي يصفها الضابط المحاضر للإيقاع بالشباب المصري في الخارج.

    وفي السفينة إلى بيروت تمدد على سطحها يتأمل وجه حبيبته فتخيله ماثلاً أمامه على صفحة المياه الممتدة .. والتي لا نهاية لها. ولم تكن يده تمتد كثيراً إلى محفظته الجلدية التي تحوي صورتين لسماح الجميلة، فوجهها الرائع النقاء بكل بهائه محفور في فؤاده وموشم على خلاياه.

    كان يمني نفسه بعمل مربح في بيروت، أي عمل، لا يهم، إنها حرب عليه أن يخوضها ليفوز بالحبيبة.

    وأيقظه من تخيلاته وأفكاره شاب سوري يعمل في التجارة ما بين بيروت والإسكندرية. وتناول الحديث بينهما نواح عديدة .. ولما سأله جمال عن إمكانية العمل في بيروت أفاده بأن لبنان سوق مفتوح للعمل... وفرص الكسب به متوفرة إذا ما ذهب إلى مقهى فاروق... ومجرد أن غادر السفينة توقفه الزحام وصافحته الوجوه بتجاهل... وقادته قدماه إلى حي المزرعة جنوبي الميناء ... وفي بنسيون رخيص وضع الرحال وذهب إلى مقهى فاروق أشهر المقاهي هناك ... حيث بالإمكان العثور على صاحب عمل، فالمقهى يعرفه كل المصريين في بيروت ويرتادونه ويتواعدون على اللقيا به. لذا فهو يموج بالوجوه المصرية المرهقة التي تغربت من أجل الحصول على المال.

    ومرت الأيام وجمال حسنين ينفق من الجنيهات القليلة التي حولها إلى ليرات لبنانية. ولم تظهر في الأفق بشائر خير أو تبدو بارقة من أمل. حاول كثيراً ففشل... وقبل أن تنفذ نقوده حمل حقيبته خائباً وعاد إلى القاهرة... تعشش الكآبة بأعماقه ويحس بالقهر يطحن أعصابه. استقبلته سماح فرحة بعودته بعد ثلاثة أشهر من الغربة... وحاولت إقناعه بالعمل في إحدى الشركات بعد الظهر لإنجاز المطلوب منه للزواج... لكنه كان دائم الشكوى وسب الحال وغير قانع بالمقسوم له. وبات يحلم من جديد بالسفر إلى اليونان... إنها الحلم الكبير الذي سيتحقق.. وفشل رحلة بيروت لن يتكرر.

    لقد ثبت لديه أن لا مناص من الخروج من أزمته إلا بالسفر. وعقد العزم على الاستماتة هذه المرة. وعندما رفض الاتصالات لمعارضة سماح.. تركته يائسة يفعل ما يريد. ولما تقدم للعمل بطلب إجازة أخرى.. رفض طلبه ...فقدم استقالته على الفور... وركب سفينة قبرصية إلى ميناء بيريه لا يملك سوى مائتي دولار أمريكي وعدة جمل بالإنجليزية.

    ولأن بيريه أشهر موانئ اليونان ففرص العمل بإحدى الشركات البحرية متوفرة. هكذا قيل له في القاهرة، وأظلمت الدنيا في وجهه بعد ما تأكد من كذب المقولة. وكلما يمر به يوم بدون عمل... تضطرب أعصابه ويختنق صدره ويقترب من حافة الجنون.

    وفي خضم معاناته يلتقي بشاب مغربي يدعى سمعان ويشكو حاله... فيطمئنه بأنه سيسعى من أجل توفير عمل له. وظل يعده يوماً بعد يوم إلى أن فرغت جيوبه حتى من كسور الدراخمة. فأقنعه سمعان ببيع جواز سفره والإبلاغ عن فقده فوافق جمال حسنين ... واصطحبه المغربي إلى القنصلية الاسرائيلية في بيريه... بحجة وجود صديق له هناك سيشتري منه جواز السفر ...وقد يدبر له عملاً في أحد الفنادق. وبسذاجة شديدة ذهب معه ليلتقي داخل القنصلية الإسرائيلية بأحد ضباط الموساد الذي يعده بإيجاد عمل له خلال أيام .. وطلب منه أن يجيب على الأسئلة المكتوبة في استمارة التعارف عن حياته وأسرته وأصدقائه ووظائفهم وعناوينهم ليتمكن من توفير فرصة عمل مناسبة له... وتفاوض معه بخصوص جواز السفر فاشتراه بمائتي دولار ..

    بعد ذلك اصطحبه سعفان إلى فندق "ايسخيلوس" الشهير وحجز له غرفة رائعة تخوف جمال حسنين من سعرها المرتفع لكن عميل الموساد طمأنه بأنه ضيف على القنصلية الاسرائيلية .. التي لا تدخر وسعاً في مساعدة الشباب العربي بقصد إبراز الصورة الحقيقية للإسرائيليين التي يعمل الإعلام العربي على تشويهها.

    وبعدما خلا جمال إلى نفسه تساءل عما يدور حوله، وتذكر الدورة الإرشادية التي تلقاها في مصر قبل سفره... وما قيل له عن أساليب المخابرات الإسرائيلية المختلفة في استقطاب المصريين بالخارج... والحيل المموهة الذكية – التي تبدو بريئة – لجرهم إلى التعاون معهم... بدعوى العمل على مساعدتهم .. وبشعارات زائفة رنانة يعملون على إزالة حاجز الخوف من التعامل معهم... وما كان قصدهم في النهاية إلا الإيقاع بضعاف النفوس الذين تواجههم ظروف صعبة في الخارج.

    وقطع تفكيره اتصال من شخص لا يعرفه اسمه "يوسف" أبلغه بأنه مكلف بإيجاد عمل له.

    فرح جمال كثيراً بذلك الضيف البشوش ودار بينهما حديث يغلفه الود عن الحياة والدين والطبيعة وتربية الكلاب.. ثم تطرق يوسف إلى مشكلة الشرق الأوسط، والسلام الذي يجب أن يسود المنطقة... وحقوق الجار التي أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم.


    وعندما التقى بضابط الموساد مرة اخرى ولما عرف منه أن له علاقة خطبة بفتاة في مصر وأطلع على صورتها... ضحك ضابط الموساد نم تواضع ملامحها وقال له:

    إنك في اليونان فلماذا لا تستمتع كما يحلو لك؟

    وأخذه إلى سهرة لم يصادفها من قبل. وعلى الباب الخارجي للنادي الليلي وقفت سيدة عجوز تمسك بعدسة نظارة ذات عين واحد تستقبل الزوار بحفاوة كبيرة ..


    وعندما رأت جمال حسنين هتفت في سعادة
    قائلة: - أوه أيها المخلص... ألا زلت تتذكرني؟!

    وهي تنظر باندهاش إلى الضابط:

    إنه زبون قديم عندي.


    ضحك جمال بينما يدلف من الباب الداخلي وهو يقسم بأنه لم ير المرأة من قبل.

    وبعد سهرة جميلة عاد جمال إلى حجرته ترافقه فتاة لعوب استطاعت على مدى يومين أن تستنزف دولاراته... وتركته خاوي الوفاض في بلاد الغربة... يطوف ضباط المخابرات الإسرائيلية من حوله ويخططون لاصطياده.

    وفي قمة محنته ذهب إليه بالفندق شخص آخر اسمه إبراهيم... وذكر له بأنه صديق يوسف وأنه قرأ استمارة بياناته ومعجب جداً به.

    كان إبراهيم ضابط مخابرات ماهر... استطاع التعرف على نقطة الضعف التي يعاني منها جمال... فركز عليها جيداً... واستغل جهله بالسياسة والتاريخ وأخذ يلقي على مسامعه الأكاذيب والمفتريات عن مشكلة اليهود ... وفي خلال المسجل بينهما، واستطاع أن ينتزع منه اعترافاً ضمنياً بحق اليهود في فلسطين... ثم أخذ يضغط على مشكلة الأزمة الاقتصادية التي تعاني مصر منها... بدليل تواجده في اليونان بحثاً عن عمل ليتمكن من الزواج، وأرجع الضابط هذه الأزمة إلى حالة التأهب الدائم للحرب التي تدمر خطط مصر للتنمية.


    ولأنه أحمق غرير ... اقتنع جمال حسنين بآراء الضابط الذي شحنه نفسياً ومعنوياً .. ووصل به إلى المدى المطلوب في الاندفاع والتهور وسب النظام في مصر وانتقد الحياة بها.

    كان الطرق على الحديد الساخن أسهل الطرق لتشكيله... وأمام حالة الضعف التي وصل اليها جمال فلا مال لديه ولا حصانة من وطنية .. بالإضافة إلى كلمات متناثرة فهم منها أن له صوراً عارية مع الفتاة الداعرة... أمور كلها هيأت مناخاً مناسباً لتجنيده. خاصة بعدما أقنعه ضابط الموساد بأن الجاسوس الذي يسقط في أيدي المخابرات المصرية... لا بد لهم من مبادلته في صفقة سرية بواسطة الصليب الأحمر الدولي أو الدول الصديقة، وعدد له أسماء كثيرة لجواسيس مصريين تمت مبادلتهم... ويعيشون في إسرائيل في فيلات فاخرة، وجرى سحب أسرهم من مصر تباعاً. هكذا كانوا يقنعونه ويضيقون عليه الخناق فيجد صعوبة في التفكير أو الفرار.


    وسقط جمال حسنين في قبضة الموساد.


    وفي شقة مجهزة بكل أدوات الرفاهية .. أقام الخائن برفقة ضابط الموساد ليتعاطى شراب الخيانة وليتعمل مبادئ الجاسوسية.


    ولأنه لم يلتحق بالقوات المسلحة فقد دربوه على كيفية تمييز الأسلحة المختلفة بواسطة عرض أفلام عسكرية وأسلحة.. وعقد اختبارات له لبيان مدى استيعابه.

    ولكونه يعمل في مصلحة المساحة، فقد كانت لديه خبرة كبيرة في وصف المباني والمنشآت ورسم الخرائط المساحية، وتقدير المسافات والارتفاعات، وبالتالي رسم الأشكال المختلفة وكل مظاهر الحياة التي تصادفه.

    ولم تكد تمر أربعة أسابيع إلا وأنهى جمال حسنين الدورة التدريبية ببراعة ... وتخرج من تحت يد ضابط الموساد جاسوساً خبيراً، وخائناً مخلصاً لإسرائيل. الرسالة الوحيدة

    كان – ضابط الموساد – إبراهيم هو المسؤول عن تلميذه النجيب. وعلى عاتقه تقع مسؤولية توجيهه ومتابعته. ويلزم لذلك ربط علاقة إنسانية قوية بينه وبين الجاسوس.

    وفي أمسية سمر لاحظ شروده وقلقه، وحاول جاهداً مساعدته حتى لا تتوقف مراحل خيانته، فصارحه جمال بمدى تعقله الشديد بسماح، وخوفه من عودته خاوياً فتضيع منه. فطمأنه إبراهيم وأمده بألف دولار مكافأة، فضلاً عن راتب شهري قدره مائتي دولار، ومكافأة أخرى "50" دولاراً عن كل رسالة تحمل معلومات قيمة يرسل بها إلى روما لاسم "كاستالا يوستالي" ص. ب. 117.

    وأمضى الخائن التعس في بيريه أربعة أشهر حتى لا يثير الشكوك بالأموال التي معه، ثم أعد حقيبته وسافر بالطائرة إلى القاهرة يحمل فستان الزفاف لعروسه هدية من المخابرات الإسرائيلية.

    كان عجولاً جداً... إذ لم ينتظر حتى تزف اليه حبيبته، بل شرع في الحال في كتابة رسالة عاجلة – بدون حبر سري – إلى صديقه الوهيم يوستالي – يخبره فيها بوصوله سالماً وزواجه قريباً.

    وبعدها عمد إلى زيارة أقاربه وأصدقائه من عسكريين ومدنيين وسؤالهم عن أحوال الجيش والحرب... وكان يسجل كل ما يصل اليه في مفكرة خاصة حتى جمع بعض المعلومات التي اعتبرها مهمة لإسرائيل... وأغلق عليه حجرة وسطر – للمرة الأولى – رسالة بالحبر السري ... حوت ما جمعه من معلومات وأرسل بها إلى روما. وادعى أنه يحمل رسائل من أصدقاء في اليونان إلى ذويهم في الاسكندرية ودمياط والمنصورة ومرسى مطروح. وقام بزيارة لهذه المدن لعله يصادف ما يثير انتباهه من تحركات عسكرية ... أو تنقلات للأسلحة بواسطة القطارات أو سيارات النقل العملاقة.

    كانت مصر في تلك الأثناء ... نوفمبر 1972 ... تعيش أوقاتاً عصيبة بسبب حالة اللاسلم واللاحرب التيت هيمنت على الطقس العام. وهناك حالة من القلق والتذمر تسود الشارع المصري يأساً من خطب الرئيس السادات التي لا تحمل أية نية للرد على الصلف الاسرائيلي المستفز، بل تفيض بالوعود الكاذبة بالحرب مما خلق شعوراً بالإحباط لدى الشعب.

    وكانت المخابرات الإسرائيلية ترسل بجواسيسها الخونة .. لاستقصاء حالة الشعب والجيش ... ففي تلك المرحلة الحرجة كان الغليان العربي على أشده. خاصة وأن عمليات المقاومة الفلسطينية اتخذت مساراً آخر في مواجهة إسرائيل ... بعدما تقاعست دول المواجهة عن الإقدام على ضربها.


    لذلك ... فقد كثفت إسرائيل من نشاطها التجسسي داخل الأراضي المصرية... لعلمها أن مصر هي زعيمة العرب وكبرى دول المواجهة التي حتماً ستثأر وتسترد سيناء.

    ويقابل هذا التكثيف التجسسي جهداً متزايداً من المخابرات الحربية والمخابرات العامة المصرية .. لضبط إيقاع الأمن في الداخل والخارج... فسقط عدد كبير من الجواسيس ما قبل أكتوبر 1973... وكان من بينهم جمال حسنين الذين أرسل رسالته الوحيدة إلى مكتب الموساد في روما.

    فبواسطة رجل المخابرات الذكي الذي يعمل رقيباً على البريد... اكتشف الكتابة بالحبر السري في الرسالة... وتبدأ على الفور مطاردة شرسة بين المخابرات المصرية والجاسوس في معركة سرية لا يشعر بها أحد .. وسباق محموم مع الزمن من أجل إلقاء القبض عليه.

    وفي فترة وجيزة جداً .. سقط الخائن في الكمين الذي نصب له مساء يوم 29 نوفمبر 1972 أثناء نومه في هدوء .. يتنفس هواء مصر النقي ويملأ معدته طعامها وخيرها. ومن بين الأدلة الدامغة على تجسسه لصالح الموساد ضبطت المفكرة التي سجل بها معلومات جديدة قام بجمعها، وتقريراً عن زيارته لبعض المدن، ورسالة انتهى من كتابتها بالحبر السري كان ينوي إرسالها إلى روما في الصباح.

    اصطحبوه إلى مبنى المخابرات لاستجوابه، واعترف مذهولاً بكل شيء في الحال. وأقر بأن حصيلة المعلومات التي جمعها كانت من معارفه وأقربائه... الذين كانوا يتحدثون أمامه بما يعرفونه من معلومات... وهم على ثقة به ولا يتصورون أن بينهم جاسوساً ينقل ما يتفوهون به إلى إسرائيل.


    وأثناء محاكمته أخبروه بأن سماح زفت لآخر وسافر بها إلى الكويت، فسرت بشرايينه مرارة شديدة لا تعادل إحساسه بمرارة جرمه وخسة مسلكه.

    وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة ... أي 25 عاماً... بين جدران السجن ليلاً وفي تكسير الحجارة نهاراً. فلولا ظروفه التي مر بها قبل وأثناء تجنيده... وقصر تجسسه على رسالة واحدة تحوي معلومات تافهة لكان نصيبه الاعدام.

    ومنذ فترة قليلة مضت ... انتهت مدة عقوبته... وخرج من أبي زعبل وعمره يقارب الستين عاماً... مطأطأ الرأس منكس الهامة.


    ترى .. هل كان أهله في استقباله على باب السجن كما نرى في الأفلام المصرية؟ أم أن والديه توفاهما الله غاضبين عليه، وانشغل اخوته في أعمالهم ونسوا أن لهم أخاً – جاسوساً – باعهم ذات يوم عندما باع وطنه.

    فماذا حدث إذن؟ وأين سيعيش هذا الخائن بيننا؟ وهل لا زالت عنده الجرأة لكي ينتسب إلى هذا الوطن، ويقر بأنه مصري مات مرتين، مرة داخل السجن وأخرى خارجه عندما يجتر تاريخه..!!

    أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات مطولة... ولكن في النهاية لا بد لنا ألا ننسى أن النفس البشرية لازالت تمثل لغزاً غامضاً لم يكتشف بعد. ولا ينبغي أن نتعجب من تقلبات المشاعر والأحاسيس والنخوة.

    ذلك إن عالم المخابرات والجاسوسية.. عالم لا تحكمه العواطف والعلاقات ولا يعرف الرحمة ولا المشاعر.. عالم مسعور لا يهب الصفاء.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعه الحادية عشر
    عملية الحج

    مبروك الحج ياريس الحج وصل بالسلامه

    كانت واقعة نية اسرائيل التنقيب عن البترول فى سيناء كما سبق القول نية سياسية لا اقتصادية .. وقد بعثت الى احدى الشركات الكندية لاستقدام أحد أكبر الحفارات فى العالم لاستخدامه فى التنقيب وهو الحفار " كينتج " ..
    وقد خططت اسرائيل بدقة لهذه العملية .. وقامت عمدا باستيراد هذا الحفار الكندى والذى تجره قاطرة هولندية وعليه بحار بريطانى .. لكى تعجز مصر عن ضرب الحفار بالطيران عند اقترابه من البحر الأحمر .. لأن مصر اذا غامرت بضرب الحفار علانية فمعنى هذا أنها استعدت عليها ثلاث دول كبري على الأقل ..
    ولأنها تعلم تماما أن المخابرات العامة لن تترك الحفار .. فقد احتاطت للأمر وقامت بتأمين الخطوط الملاحية للحفار القادم عبر المحيط الأطلنطى الى رأس الرجاء الصالح ثم البحر الأحمر .. وقامت بانتقاء خطوط سير ملاحية بالغة السرية وغير مألوفة .. كما جند الموساد رجاله وأجهزته بمعاونة المخابرات المركزية الأمريكية لمصاحبة الرحلة وحماية الحفار ..
    لكن من قال ان المصريين يعرفون المستحيل ..
    شكل محمد نسيم فريق عمل من أفضل رجال المخابرات العامة وخبراء الملاحة وضباط القوات البحرية .. لتبدأ عمليه الحج .. وكان سبب تسميتها مزامنه أحداثها لموسم الحج
    وقام محمد نسيم بتجنيد عملاء المخابرات العامة فى الدول التى سيمر الحفار عبر سواحلها وأعطى أوامر بضرورة التفرغ لهذه العملية .. وقام باستقدام فريق من أكفأ رجال الضفادع البشرية التابع للبحرية المصرية .. حيث استقرت الخطة على زرع متفجرات شديدة التدمير فى قلب البريمة الرئيسية للحفار لابطال مفعوله ..
    وبدأت لعبة القط والفأر بين نسيم ورجال الموساد ..
    وهناك .. فى أبيدجان الميناء الشهير لدولة ساحل العاج .. كان الحفار قد ألقي مراسيه بأمان للراحة .. وعلى الفور وبناء على الاستنتاجات المسبقة بعقله الفذ الذى أدرك أن أبيدجان هى الميناء المثالى الذى سيرسو عنده الحفار .. قام بحمل المتفجرات بنفسه ودار بها عبر أوربا وساحل افريقيا الشمالى وحط رحاله فى أبيدجان ولا أحد يعرف كيف تمكن من عبور مطارات خمس أو ست دول وهو يحمل هذه المتفجرات ..
    وكان فريق العمل أبطال البحرية قد سلك طريقا مماثلا عبر عدة عواصم أوربية حتى أبيدجان .. وفى فجر يوم العملية وصل الفوج الأول من الضفادع البشرية .. وبينما الكل فى انتظار الفوج الثانى علم محمد نسيم من مصادره فى أبيدجان أن الحفار فى طريقه لمغادرة ساحل العاج صباح اليوم التالى .. ليطير عقل محمد نسيم .. ويتخذ قراره بتنفيذ العملية بنصف الفريق فحسب .. وكان الحل السريع أن يكتفي نسيم بزرع المتفجرات تحت البريمة الرئيسية وأحد الأعمدة فحسب بديلا عن الخطة الرئيسية بتفجير البريمة والأعمدة الثلاثة
    وفى الفجر .. تسلل الأبطال تحت اشراف نسيم الى موقع الحفار وخلال ساعة واحدة كانت المتفجرات فى أماكنها .. ومضبوطة التوقيت على السابعة صباحا .. وخلال هذه الفترة أشرف نسيم بسرعة فائقة على سفر مجموعة العمل خارج ساحل العاج واستقبال المجموعة التى كان مقررا وصولها فى الصباح لتحط فى أبيدجان بطريقة الترانزيت وتكمل رحلتها خارج أبيدجان ..
    وبقي نسيم وحده ينتظر نتيجة العملية .. ومن شرفة فندقه المطل على البحر أخذ يعد الدقائق والثوانى التى تمضي ببطء قاتل .. حتى التقا عقربا الساعة عند السابعة صباحا ليتعالى دوى الانفجارات من قلب البحر .. ويصبح الحفار أثرا بعد عين فى الانفجار الذى هز أبيدجان ..

    لكنه كان كالموسيقي الكلاسيكية فى أذنى نسيم ...
    والذى تأمل الحفار المحطم .. لترتسم ابتسامة نصر مشرقة ومألوفة على الوجه الأسمر الصارم ..
    وبعدها توجه نسيم الى أحدى مكاتب البريد ليرسل تلغرافا الى جمال عبد الناصر يقول له كلمتين فحسب " مبروك الحج "
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعه الثانيةعشر


    الجاسوس اللذي اصطادته زينب

    سؤال محير مازلنا نبحث عن إجابته .. وننقب بين الصفحات لعلنا نعثر على تعليل منطقي يحل هذا اللغز الشائك .. لماذا الاسكندرية؟
    عشرات من الجواسيس الخونة أنجبتهم المدينة الجميلة فعاشوا تحت سمائها واستنشقوا نسائمها وتمددوا على شواطئها الباسمة وبذرت بداخلهم فجأة بذور الخيانة . . فمدت جذورها تقتلع الحب الخصيب وتغتال خلايا الانتماء؟؟..
    لماذا

    عشرات الملفات من حولي عن جواسيس الإسكندرية .. كلما قرأت سطورها توجتني الدهشة ولا أجد إجابة شافية عما يدور بخلدي من تساؤلات. فالاسكندرية تختلف كثيراً عن كل مدن مصر . . وتتميز عنها بتنوع مصادر الرزق ووفرتها. . سواء أكانت مشروعات إنمائية وصناعية مصرية .. أو شركات أجنبية متعددة كلها خلقت مهناً جديدة فتحت مجالات أوسع للاسترزاق والتعيش. ولا يمكننا بأي حال أن نقارن بينها وبين مدينة العريش مثلاً. . التي برغم احتلالها عام 1967 ومعاناة أهلها من جراء تحكم المحتل وتضييق منابع الرزق .. إلا أن جواسيسها الذين عملوا لصالح العدو – اضطروا – بسبب الضغوط المادية والمعنوية الى السقوط . . تدفعهم مشاكل لا قبل لهم بها.
    هؤلاء الجواسيس يقل عددهم كثيراً عن جواسيس الإسكندرية. . بل إن جواسيس العريش لم ينفذ حكم الإعدام إلا في قلة منهم أشهرهم على الإطلاق إبراهيم شاهين زوج انشراح موسى . . بينما نجد ملفات الجاسوسية في الإسكندرية تحف بعشرات القضايا التي انتهت غالبيتها بإعدام الخونة .. فتتفوق بذلك عن سائر مدن مصر بما فيها القاهرة. وهذا أمر يدعونا للبحث عن جذور الجاسوسية في الإسكندرية . . وعمقها داخل البنية الاجتماعية التي اختلت بعد النكسة عام 1967.. وأيضاً نتيجة لعدم مواكبة ركب حضارة أشرقت علاماته.. ودوت بيارقة لتهرب أحاجي التخلف وأسانيده.
    وفي هذا الفصل نكتب عن جاسوس الاسكندرية "ماريو" أو "محمد إبراهيم فهمي كامل" الذي يعد من أشهر عملاء إسرائيل في مصر الذين يتم تجنيدهم بسهولة يكاد العقل لا يستوعبها أو يصدقها. وأيضاً كانت قصة سقوطه في قبضة مخابراتنا أكثر سهولة .. أما نهايته البشعة فلم يكن ليصدقها هو أو يتخيل خطوطها السوداء. .
    جذور متآكلة
    منذ تفتحت عيناه على ضجيج الحياة في حي محرم بك المزدحم ذاب عشقاً في جرس الترام . . الذي كلما ملأ أذنية خرج الى الشرفة يبتسم في انبهار وحيرة .. فنشأت بينه – منذ طفولته – وبين الترام قصة غرام دفعته للهرب من مدرسته . . والسعي وراءه راكباً لجميع خطوطه المختلفة ومحطاته.
    ولم يدم هذا الحب كثيراً إذ اندفع فجأة نحو السيارات فالتصق حباً بها . . والتحم عقله وقلبه الصغير بموتور السيارة مستغرقاً وقته كله.. حتى أخفق في دراسته الابتدائية. . وأسرعت به خطاه الى أول ورشة لميكانيكا السيارات يمتلكها إيطالي يدعى الخواجة "روبرتو" الذي اكتشف هذا الحب الجارف بين الولد والموتور فعلمه كيف يتفاعل معه؟! ويفهمه ويستوعبه. ولم تكد تمضي عدة أشهر فقط إلا وكان محمد أشهر صبي ميكانيكي في ورشة الخواجة روبرتو.
    كانت السيارات تقف موازية للرصيف بجوار الورشة بأعداد كبيرة. . تنتظر أنامل محمد الذهبية وهي تداعب الآلة المعدنية الصماء. . وتمر بين أجزائها في تناغم عجيب فتعمل بكفاءة ويتحسن صوت "نبض" الموتور .. ويزداد الصبي شهرة كل يوم. ورغم محاولات البعض استدراجه واستثمار خبرته وشهرته في عمل ورشة "مناصفة" بعيداً عن روبرتو، أجبروا على أن يتعاملوا معه كرجل لا كصبي في الخامسة عشرة من عمره. وكثيراً ما كان ينزعج عندما كان يخرج الى الكورنيش مع أقرانه بسبب توقف السياراة ودعوة أصحابها له ليركب حتى منزله، فكبرت لدى الصبي روح الرجولة وارتسمت خطوطها المبكرة حيث كان مبعثها حبه الشديد للعمل والجدية والتفكير الطويل.
    وبعد عدة سنوات كانت الأحوال والصور قد تغيرت.
    صار الصبي شاباً يافعاً خبيراً بميكانيكا السيارات. تعلم اللغة الإيطالية من خلال الخواجة روبرتو والإيطاليين المترددين على الورشة وأصبح يجيد التعبير بها كأهلها.. فأطلق عليه اسم "ماريو".
    وعندما لسعته نظرات الإعجاب من "وجيدة".. دق قلبه بعنف وانتبه لموعد مرورها أمام الورشة حين عودتها من المدرسة. فواعدها والتقى بها ولم يطل به الأمر كثيراً. . إذ تقدم لأسرتها وتزوجها بعدما اقنعتهم رجولته وسمعته الحميدة وشقته الجميلة في محرم بك.
    ثمانية أعوام من زواجه وكانت النقود التي يكسبها تستثمر في ورشة جديدة أقامها بمفرده. ومنذ استقل في عمله أخذ منه العمل معظم وقته وفكره حتى تعرف على فتاة قاهرية كانت تصطاف مع أهلها بالإسكندرية وأقنعها بالزواج.. ولأنها كانت ابنة أسرة ثرية فقد اشترى لها شقة في الدقي بالقاهرة وأثثها.. وأقام مع عروسه "تغريد" لبعض الوقت ثم عاد الى الاسكندرية مستغرقاً في عمله متنقلاً ما بين وجيدة وتغريد ينفق هنا وهناك. وعندما توقف ذات يوم على الطريق الصحراوي بالقرب من الرست هاوس بجوار سيارة معطلة. . أعجبته صاحبة السيارة ودار بينهما حوار قصير. . على أثره ركبت معه السيارة الرائعة الى القاهرة .. وفي الطريق عرف أنها راقصة مشهورة في شارع الهرم .. لسهر معها في الكباريهات وتنقل معها هنا وهناك. . ثم جرجرته معها الى شقتها. .واعترف ماريو أن هذه الراقصة كانت أول من دفعه والخطوة الأولى نحو حبل المشنقة. . ويقول في اعترافاته التفصيلية. . (يتبع)



    الجسد ينادي
    في تلك الليلة شربت كثيراً وكلما رأيت جسد الراقصة المثير يرتعش أمام الزبائن ترتعش في جسدي خلجات الرغبة، وبعدما انتهت من فقراتها الراقصة في أربعة كباريهات . . عدنا الى شقتها في المهندسين وبدلاً من أن أنام أو أذهب لشقتي حيث تنتظرني تغريد . . وجدتني أطوق خصرها بشدة وأطلب منها أن ترقص لي وحدي، فأبدلت ملابسها وعادت لي بلباس الرقص الشفاف الذي سلب عقلي وأفقدني الصواب.
    وذهبت الى تغريد التي وجدتها تشتاق الى جيوبي قبلما تشتاق الي .. فافتعلت مشاجرة معها وعدت ثانية الى الراقصة التي استقبلتني فرحة .. ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أكاد أفارقها أو أبتعد عنها لأواصل عملي في الوشة.
    لقد استعنت ببعض الصبية الذين دربتهم على القيام بالعمل بدلاً مني .. فكنت أتغيب لعدة أيام في القاهرة وأعود لأجمع ما ينتظرني من مال لديهم . . وسرعان ما أرجع لأنفقه على الداعرات والراقصات . . ونساء يبعن بناتهن ورجال يبيعون لحم زوجاتهم من أجل جنيهات قليلة.
    ولأن للفلوس مفعول السحر فقد كنت أعامل كملك . . لأنني أصرف ببذخ على من يحطن بي من فتيات ونساء أشبعنني تدللاً . . وصورنني كأنني الرجل الأول لديهن، فأطلقت يدي ومددتها الى مدخراتي في البنك شيئاً فشيئاً حتى أصبح رصيدي صفراً وتحولت الورشة الى خرابة بعدما سرق الصبيان أدواتها وهرب منها الزبائن.
    حاولت أن أثوب الى رشدي وكان الوقت قد فات، وخسرت سمتي بعدما خسرت نفسي. . وأصبحت مصاريف وجيدة وتغريد تمثل عبئاً قاسياً على نفسي وأنا الذي لم يعضني الجوع أو تثقلني الحاجة من قبل . . فتألمت لحالي وقررت أن أخطو خطوة سريعة الى الأمام وإلا . . فالمستقبل المجهول ينتظرني والفقر يسعى ورائي بشراسة ولا أستطيع مجابهته.
    تشاو .. تشاو .. تشاو ..
    استخرجت جواز سفر وحصلت على عناوين لبعض زبائني القدامى في إيطاليا وركبت السفينة الإيطالية "ماركو" الى نابولي. . وبعدما رأيت أضواء الميناء تتلألأ على صفحة المياه صحت بأعلى صوتي تشاو .. تشاو نابولي.
    وفي بنسيون قديم حقير وقفت أمام صاحبه العجوز أسأله هل زرت مصر من قبل؟ فقال الرجل لا . . ضحكت وقلت له أنني رأيتك في الاسكندرية منذ سنوات فجاءتني زوجته تسبقها حمم من الشتائم قائلة:
    ماذا تريد أيها المصري من زوجي؟ أتظن أنك فهلوي؟ انتبه لنفسك وإلا . . ففي نابولي يقولون: إذا كان المصري يسرق الكحل من العين .. فنحن نسرق اللبن من فنجان الشاي. وكان استقبالاً سيئاً في اول أيامي في إيطاليا.
    في اليوم التالي حاولت أن أتعرف على السوق وبالأخص أماكن بيع قطع الغيار المستعملة . . ولكن صديقاً إيطالياً توصلت إليه أخبرني أن في "ميلانو" أكبر أسواق إيطاليا للسيارات القديمة والمستعملة . . وثمنها يعادل نصف الثمن في نابولي. فاتجهت شمالاً الى روما وقطعت مئات الكيلو مترات بالقطار السريع حتى ميلانو .. وبالفعل كانت الأسعار هناك أقل من نصفها في نابولي.. والتقيت في ميلانو بأحد زبائني القدامى الذي سهل لي مهمتي. . ولفت انتباهي الى أماكن بيع منتجات خان الخليلي في ميلانو بأسعار عالية.
    ابتعت طلباتي من قطع غيار سيارات الفيات 125 غير المتوافرة في السوق المصرية وعدت الى الاسكندرية وخرجت من الجمرك بما معي من بضائع بواسطة زبائني الذين يعملون في الدائرة الجمركية .. وقمت ببيع قطع الغيار بأضعاف ثمنها وذهبت الى خان الخليلي واشتريت بعضاً من بضائعه وسافرت مرة ثانية الى إيطاليا. . واعتدت أن أنزل ببنسيون "بياتريتشي" في روما ثم أتجه الى ميلانو لعدة أيام .. أنجز خلالها مهمتي وأعود ثانية الى روما ونابولي ثم الى الاسكندرية.
    اعتدت السفر كثيراً وبدأت الأموال تتدفق بين أصابعي من جديد .. واتسعت علاقاتي بإيطاليين جدد بالإضافة للأصدقاء القدامى الذين يكنون لي كل الود.
    وفي ذات مرة وبينما كنت في خان الخليلي أنتقي بعض المعروضات التي أوصاني صديق إيطالي بشرائها. . سألتني فتاة تبيع في محل صغير عما أريده .. وساعدتني في شراء بضائع جيدة بسعر رخيص وتكررت مرات الذهاب للشراء بواسطتها ولما عرفت أنني أسافر الى إيطاليا بصفة مستمرة عرضت علي أن تسافر معي ذات مرة. . لتشتري سيارة فيات مستعملة لتشغيلها تاكسياً في القاهرة. واطمأنت "زينب" وهذا هو اسمها – عندما أخبرتها أنني أعمل ميكانيكياً وأقوم بالإتجار في قطع الغيار. وتركتها لتجمع المبلغ المطلوب ثم أرسل لها من إيطاليا لأنتظرها هناك
    أراد أصدقائي الإيطاليين أن أظل بينهم وأمارس عملاً ثابتاً أحصل بمقتضاه على إقامة في إيطاليا. وقد كان. . إذ سرعان ما وجدوا لي عملاً في شركة "راواتيكس". . وبعدما حصلت على تصريح عمل وإقامة .. لم تتوقف رحلاتي الى الاسكندرية . . فالمكسب كان يشجع على السفر بصفة مستمرة لكي أعرف احتياجات سوق قطع غيار السيارات في مصر . . والذي كان يمتصها بسرعة فائقة.
    وفي إحدى هذه السفريات وبينما كنت في مطار روما تقابلت بالصدفة مع صديق إيطالي قديم – يهودي – كانت بيننا "عشرة" طويلة واسمه "ليون لابي" فتبادلنا العناوين، وبعد عدة أيام جاءتني مكالمة تليفونية منه وتواعدنا للقاء في مطعم مشهور في ميلانو.
    أشفق "لابي" كثيراً على حالي بعدما شرحت له ظروفي وتعثراتي المالية وزواجي من امرأتين ..
    وسألته أن يتدبر صفقة تجارية كبيرة أجني من ورائها أموالاً طائلة . . فضحك "لابي" وقبل أن يقوم لينصرف ضربني على ظهر يدي وقال لي:
    "لا تقلق ماريو . . غداً سأجد لك حلاً، لا تقلق أبداً".
    القتيــــــــــــل المصيدة
    في اليوم التالي وفي الثامنة مساء
    وقفت مرتبكاً للحظات أمام الباب المغلق. . ثم نزلت عدة درجات من السلم وأخرجت علبة سجائري وأشعلت سيجارة . . وعندئذ سمعت وقع خطوات نسائية بمدخل السلم فانتظرت متردداً. . وعندما رأيت الفتاة القادمة كدت أسقط على الأرض.
    كانت هي بنفسها الفتاة التي واقعتها في شقة "لابي" لكن ابتسامتها حين رأتني مسحت عني مظاهر القلق وهي تقول:
    بونجورنو
    فرددت تحيتها بينما كانت تسحبني لأصعد درجات السلم ولا زالت ابتسامتها تغطي وجهها وقالت في دلال الأنثى المحبب:
    أنا لم أخبر سنيور لابي بما حدث منك ..
    قلت في ثقة الرجل:
    لماذا؟ ألم تهدديني بالانتحار من النافذة؟
    بهمس كأنه النسيم يشدو:
    أيها الفرعوني الشرس أذهلتني جرأتك ولم تترك لي عقلاً لأفكر .. حتى أنني كنت أحلم بعدها بـ "أونالترا فولتا"، لكنك هربت!!
    قلت لها:
    ياليتني فهمت ذلك.
    وانفتح الباب وهي تقول:
    هل ترفض دعوتي على فنجان من القهوة الايطالية؟
    ووجدت نفسي في صالة القنصلية الاسرائيلية والفتاة لا زالت تسحبني وتفتح باب حجرة داخلية لأجد "لابي" فجأة أمامي. قام ليستقبلني بعاصفة من الهتاف:
    ميو أميتشو . . ماريو . . أهلاً بك في مكتبك.
    وهللت الفتاة قائلة:
    تصور . . تصور سنيور لابي أنه لم يسألني عن اسمي؟
    قهقه لابي واهتز كرشه المترهل وهو يقول بصوت جهوري:
    شكرية . .شكرية بالمصري سنيور ماريو تعني: جراتسيللا.
    واستمر في قهقهته العالية وصرخت الفتاة باندهاش:
    أيكون لاسمي معنى بالعربية؟ اشرحه لي من فضلك سنيور ماريو.
    وكانت تضحك في رقة وهي تردد:
    شوك . . ريا . . شوك . . ريا . جراتسيللا شوك .. ريا.
    ولم يتركني لابي أقف هكذا مندهشاً فقال للفتاة:
    أسرعي بفنجانين من الـ "كافي" أيتها الكافيتييرا جراتسيللا.
    واستعرض لابي في الحديث عن ذكرياته بالاسكندرية قبل أن يغادرها الى روما في منتصف الخمسينيات. . وأفاض في مدح جمالها وشوارعها ومنتزهاتها. . ثم تهدج صوته شجناً وهو يتذكر مراتع صباه وطال حديثنا وامتد لأكثر من ساعتين بينما كانت سكرتيرته الساحرة جراتسيللا لا تكف عن المزاح معي وهي تردد:
    شوك . . ريا .. سنيوريتا شوك . . ريا . .
    وعندما سألتني أين أقيم فذكرت لها اسم الفندق الذي أنزل به. . فقالت وكأنها لا تسكن ميلانو:
    لم أسمع عن هذا الفندق من قبل.
    رد لابي قائلاً:
    إنه فندق قديم غير معروف في الحي التاسع "الشعبي".
    قالت في تأفف:
    أوه . . كيف تقيم في فندق كهذا؟
    قال لابي موجهاً كلامه اليها:
    خذيه الى فندق "ريتزو" وانتظراني هناك بعد ساعتين من الان.
    وربت لابي على كتفي في ود وهو يؤكد لي أنه يحتاجني لأمر هام جداً لن أندم عليه وسأربح من ورائه الكثير.
    ليوباردو . . ماريو
    وركبت السيارة الى جوار جراتسيللا فانطلقت تغني أغنية "بالوردو بيلفا" أي "أيها الوحش الضاري" وفجأة توقفت عن الغناء وسألتني:
    هل تكسب كثيراً من تجارتك يا ماريو؟
    قلت لها:
    بالطبع أكسب . . وإلا . . ما كنت أعدت الكرة بعد ذلك مرات كثيرة. .
    كم تكسب شهرياً على وجه التقريب؟
    حوالي ستمائة دولار.
    قالت في صوت مشوب بالحسرة:
    وهل هذا المبلغ يكفي لأن تعيش؟ إن لابي يشفق لحالك كثيراً سنيور ماريو.
    سنيور لابي صديقي منذ سنوات طويلة .. وأنا أقدر له ذلك.
    إنه دائماً يحدثني عن الإسكندرية .. له هناك تراث ضخم من الذكريات . .!!
    وفي فندق ريتز .. صعدنا الى الطابق الثاني حيث حجزت لي جراتسيللا جناحاً رائعاً وبينما أرتب بعض أوراقي فوجئت بها تقف أمامي في دلال وبإصبعها تشير لي قائلة:
    "أونالترا فولتا" أيها المصري وهذه المرة "للإيطاليا نيتا" . . "محبة الوطن الإيطالي".
    وغرست أظافرها بجسدي بينما كنت أرتشف عبير أنوثتها وأتذوق طعمها الساحر وكانت لا تكف عن الهتاف:
    ليوباردو . .ليوباردو .. ماريو إيجتسيانو .
    وعندما جاء لابي كان من الواضح أننا كنا في معركة شعواء انتهينا منها تواً.. أخرج من جيبه مظروفاً به خمسمائة دولار وقال لي إنه سيمر علي صباح الغد. .
    وأوصاني أن أنام مبكراً لكي أكون نقي الذهن. وانصرفا بينما تملكتني الأفكار حيرى. . ، ترى ماذا يريد مني؟ وما دخلي انا فيما يريده لابي؟؟
    وفي العاشرة والنصف صباحاً جاء ومعه شخص آخر يتحدث العربية كأهلها اسمه "ابراهيم" . . قال عنه لابي إنه خبير إسرائيلي يعمل في شعبة مكافحة الشيوعية في البلاد العربية.
    رحب ابراهيم بماريو وقال له بلغة جادة مفعمة بالثقة:
    إسرائيل لا تريد منك شيئاً قد يضرك . .فنحن ناحرب الشيوعية ولسنا نريدك أن تخون وطنك. . مطلقاً. . نحن لا نفكر في هذ الأمر البتة. وكل المطلوب منك.. أن تمدنا بمعلومات قد تفيدنا عن نشاط الشيوعيين في مصر وانتشار الشيوعية وخطرها على المنطقة

    واردف ضابط المخابرات الاسرائيلي
    كل ذلك لقاء 500 دولار شهرياً لك.
    وعندما أوضحت له أنني لا أفهم شيئاً عن الشيوعية أو الاشتراكية. وأنني أريد فقط أن أعيش في سلام. ذكرني لابي بأحوالي السيئة بالاسكندرية والتي أدت الى تشتتي هكذا بعدما كنت ذا سمعة حسننة في السوق. واعتقدت أنني يجب ألا أرفض هذا العرض. . فهي فرصة عظيمة يجب استغلالها في وسط هذا الخضم المتلاطم من الفوضى التي لازمتني منذ أمد .. وتهدد استقرار حياتي.
    الحصار في روما
    عندما تسلمت زينب الرسالة الوافدة من إيطاليا، لم تكن تصدق أن يهتم بها هذا العابر المجهول الى هذا الحد. كانت قد نسيته بعدما مرت عدة أشهر منذ التقت به في خان الخليلي حيث تعمل بائعة في محل للأنتيكات والتحف. وبعدما تردد عليها عدة مرات عرضت عليه السفر معه الى إيطاليا لتشتري سيارة لتشغيلها سيارة أجرة في القاهرة .. فوعدها بأن يساعدها ثم اختفى فجأة ولم يعد يذهب اليها . . حتى جاءتها رسالته تحمل طابع البريد الايطالي وعنوانه وتليفونه هناك.
    أسرعت زينب بالخطاب الى خالها الذي يتولى أمرها بعد وفاة والديها، ولكنه عارض الفكرة وعندما رأى منها إصراراً رضخ للأمر ووافقها..
    سنوات وزينب تحلم بالسفر الى الخارج للعمل. لقد بلغت الرابعة والعشرين من عمرها، ولم ترتبط بعد بعلاقات عاطفية تعوق أحلامها. لذلك تفوقت في دراستها بكلية الآداب – جامعة عين شمس وعشقت اللغة الإنجليزية عشقاً كبيراً. . والتحقت بعد الجامعة بالعمل في خان الخليلي بالقرب من بيتها في شارع المعز لدين الله بحي الجمالية. . حيث مسجد الحسين ورائحة التاريخ تعبق المكان وتنتشر على مساحة واسعة من الحي القديم العريق.
    حجزت زينب تذكرة الطائرة ذهاباً وإياباً على طائرة مصر للطيران .. وبحقيبتها كل ما لديها من مال وفرته لمثل هذه الفرصة. وفي مطار روما كان ماريو بانتظارها يملؤه الشوق لأول الضحايا الذين سيجندهم للعمل لصالح المخابرات الاسرائيلية.
    وعندما رأته كانت كمن عثر على شيء ثمين. إذ صدمتها اللغة الإيطالية التي لا تعرف منها حرفاً واحداً. . وسرت كثيراً عندما وجدت ماريو يتحدث بها "كالطليان" أصحاب البلد. اصطحبها الى فندق رخيص في روما ثم تركها لتستريح وذهب هو الى مسكنه ليرتب خطة تجنيدها التي رسم خطوطها عدة مرات. .
    وفي الصباح ذهب الى الفندق حيث كانت الفتاة تنتظره فأخذها في جولة رائعة بسيارته لمنتزهات روما وأماكنها السياحية. ثم ذهب بها في اليوم التالي الى أماكن بيع السيارات المستعملة. معتمداً أن يرفع لها أسعار السيارات مستغلاً جهلها باللغة الايطالية. . واعتمادها عليه أولاً وأخيراً.
    وتعمد أيضاً أن تطول مدة إقامتها في روما للبحث عن فرصة شراء سيارة أفضل وأرخص وأقنعها بشراء فيات 125 دفعت فيها معظم ما تملكه من مال. . وما تبقى معها كان يكفي بالكاد مصاريف الشحن الى الاسكندرية.
    وصدمت الفتاة بعدما تبين لها أن فاتورة الفندق امتصت النصيب الأكبر من نقودها .. ولم تعد تملك مصاريف الشحن كاملة. لقد خدعها ماريو عندما ذكر لها أرقاماً تقل بكثير الحقيقة عند شحن السيارة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  9. #19
    الصورة الرمزية abcdef_475
    abcdef_475 غير متواجد حالياً خادم رسول الله
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    2,004
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    18-08-2016
    على الساعة
    06:01 PM

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الله عليكي يا مصر
    رحم الله الزعيم مصطفي كامل
    " لو لم اكن مصريا لوددت ان اكون مصريا "

    وجزاك الله خيرا اخي الحبيب عبد الله العاصي
    ولكن يا اخي شيء مثير للأهتمام
    فترة ما قبل حرب اكتوبر
    وتحديدا من بين عام 1970 : 1973
    كيف استطاعت مصر زرع هذا العدد من الجواسيس داخل المجتمع الصهيوني حتي إنخدع فيهم قيادات الكيان الصهيوني حتي أن العميل " رأفت الهجان " كان مرشح لمنصب ورازي في حكومة هذا الكيان القبيح .
    اعتقد ان حسابات رجال المخابرات محسوبة - بعد توفيق ربنا طبعا - بالمللي .
    لا مجال للخطأ .
    موضوع رائع أخي والله .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    זכור אותו האיש לטוב וחנניה בן חזקיה שמו שאלמלא הוא נגנז ספר יחזקאל שהיו דבריו סותרין דברי תורה מה עשה העלו לו ג' מאות גרבי שמן וישב בעלייה ודרשן

    תלמוד בבלי : דף יג,ב גמרא

    تذكر اسم حنانيا بن حزقيا بالبركات ، فقد كان سفر حزقيال لا يصلح ان يكون موحى به ويناقض التوراة ، فاخذ ثلاثمائة برميل من الزيت واعتكف في غرفته حتى وفق بينهم .

    التلمود البابلي : كتاب الاعياد : مسخيت شابات : الصحيفة الثالثة عشر : العمود الثاني ___________
    مـدونة الـنـقد النصـي لـلعهـد الـقديم

    موقع القمص زكريا بطرس

    أوراقــــــــــــــــــــــــــــــي


  10. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    476
    آخر نشاط
    06-01-2012
    على الساعة
    01:13 AM

    افتراضي

    الصفعة الثالثة عشر

    --------------------------------------------------------------------------------

    هبة سليم .... ملكة الجاسوسية المتوجة


    هبه سليم

    تلك التي قالت عنها جولدا مائير :: انها خدمت اسرائيل أكثر مما خدمها قادتها مجتمعين
    ==================


    منذ أن كتب الأستاذ صالح مرسي قصة "عبلة كامل" في فيلم "الصعود إلى الهاوية" وصورة هذه الخائنة مرتسمة بخيالنا... وحفظنا تفاصيل تجنيدها وخيانتها حتى سقطت في قبضة المخابرات المصرية هي وخطيبها.


    والجديد هنا في قصة عبلة كامل... أو "هبة سليم" الحقيقية... معلومات جديدة تماماً أعلن عنها مؤخراً .. وكانت خافية حتى بضع سنوات خلت ... كشفت النقاب عن شريكها الضابط العسكري المقدم فاروق الفقي.


    إنها قصة مثيرة وعجيبة... قصة أول جاسوسة عربية استُغلت أديولوجياً... وعملت لصالح الموساد ليس لأجل المال أو الجاه أو أي شيء سوى الوهم... الوهم فقط...


    فكانت بذلك أول حالة شاذة لم تماثلها حالة أخرى من قبل ... أو بعد... !!
    ==============================


    لم تدخر المخابرات الإسرائيلية وسيلة عند تجنيدها للجواسيس إلا وجربتها. وأيضاً – لم تعتمد على فئة معينة من الخونة ... بل جندت كل من صادفها منهم واستسهل بيع الوطن بثمن بخس وبأموال .. حرام، وأشهر هؤلاء على الإطلاق – هبة عبد الرحمن سليم عامر – وخطيبها المقدم فاروق عبد الحميد الفقي.


    إنها إحدى أشرس المعارك بين المخابرات الحربية المصرية والمخابرات الإسرائيلية. معركة أديرت بذكاء شديد وبسرية مطلقة، انتصرت فيها المخابرات المصرية في النهاية. وأفقدت العدو توازنه، وبرهنت على يقظة هؤلاء الأبطال الذين يحاربون في الخفاء من اجل الحفاظ على أمن الوطن وسلامته.


    لقد بكت جولدا مائير حزناً على مصير هبة التي وصفتها بأنها "قدمت لإسرائيل أكثر مما قدم زعماء إسرائيل" وعندما جاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ليرجو السادات تخفيف الحكم عليها... كانت هبة تقبع في زنزانة انفرادية لا تعلم أن نهايتها قد حانت بزيارة الوزير الامريكي.


    لقد تنبه السادات فجأة إلى أنها قد تصبح عقبة كبيرة في طريق السلام، فأمر بإعدامها فوراً، ليسدل الستار على قصة الجاسوسة التي باعت مصر ليس من أجل المال أو الجنس أو العقيدة... إنما لأجل الوهم الذي سيطر على عقلها وصور لها بأن إسرائيل دولة عظمى لن يقهرها العرب. وجيشها من المستحيل زحزحته عن شبر واحد من سيناء، وذلك لأن العرب أمة متكاسلة أدمنت الذل والفشل، فتفرقت صفوفهم ووهنت قوتهم ...إلى الأبد.


    آمنت هبة بكل هذه الخرافات، ولم يستطع والدها – وكيل الوزارة بالتربية والتعليم – أن يمحو أوهامها أو يصحح لها خطأ هذه المفاهيم.


    ولأنها تعيش في حي المهندسين الراقي وتحمل كارنيه عضوية في نادي "الجزيرة" – أشهر نوادي القاهرة – فقد اندمجت في وسط شبابي لا تثقل عقله سوى أحاديث الموضة والمغامرات، وبرغم هزيمة 1967 الفادحة والمؤلمة للجميع... إلا أن هبة انخرطت في "جروب" من شلة أولاد الذوات تسعى خلف أخبار الهيبز، وملابس الكاوبوي وأغاني ألفيس بريسلي.


    وعندما حصلت على الثانوية العامة ألحت على والدها للسفر إلى باريس لإكمال تعليمها الجامعي، فالغالبية العظمى من شباب النادي أبناء الهاي لايف، لا يدخلون الجامعات المصرية ويفضلون جامعات أوروبا المتحضرة .


    وأمام ضغوط الفتاة الجميلة وحبات لؤلؤ مترقرقة سقطت على خديها، وافق الأب وهو يلعن هذا الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ولا بد من مسايرة عاداته وتقاليده.


    وفي باريس لم تنبهر الفتاة كثيراً، فالحرية المطلقة التي اعتادتها في مصر كانت مقدمة ممتازة للحياة والتحرر في عاصمة النور.


    ولأنها درست الفرنسية منذ طفولتها فقد كان من السهل عليها أيضاً أن تتأقلم بسرعة مع هذا الخليط العجيب من البشر. ففي الجامعة كانت تختلف كل الصور عما ترسب بمخيلتها... إنها الحرية بمعناها الحقيقي، الحرية في القول والتعبير ... وفي اختيار المواد الدراسية... بل وفي مواعيد الامتحان أيضاً، فضلاً عن حرية العلاقة بين الجنسين التي عادة لا تقتصر على الحياة الجامعية فحسب... بل تمتد خارجها في شمولية ممتزجة باندفاع الشباب والاحتفاء بالحياة.


    جمعتها مدرجات الجامعة بفتاة يهودية من أصول بولندية دعتها ذات يوم لسهرة بمنزلها، وهناك التقت بلفيف من الشباب اليهود الذي تعجب لكونها مصرية جريئة لا تلتفت إلى الخلف، وتنطلق في شراهة تمتص رحيق الحرية... ولا تهتم بحالة الحرب التي تخيم على بلدها، وتهيمن على الحياة بها.


    لقد أعلنت صراحة في شقة البولندية أنها تكره الحرب، وتتمنى لو أن السلام عم المنطقة. وفي زيارة أخرى أطلعتها زميلتها على فيلم يصور الحياة الاجتماعية في إسرائيل، وأسلوب الحياة في "الكيبوتز" وأخذت تصف لها كيف أنهم ليسوا وحوشاً آدمية كما يصورهم الإعلام العربي، بل هم أناس على درجة عالية من التحضر والديموقراطية.


    وعلى مدار لقاءات طويلة مع الشباب اليهودي والامتزاج بهم بدعوى الحرية التي تشمل الفكر والسلوك... استطاعت هبة أن تستخلص عدة نتائج تشكلت لديها كحقائق ثابتة لا تقبل السخرية. أهم هذه النتائج أن إسرائيل قوية جداً وأقوى من كل العرب. وأن أمريكا لن تسمح بهزيمة إسرائيل في يوم من الأيام بالسلاح الشرقي.. ففي ذلك هزيمة لها.


    آمنت هبة أيضاً بأن العرب يتكلمون أكثر مما يعملون. وقادتها هذه النتائج إلى حقد دفين على العرب الذين لا يريدون استغلال فرصة وجود إسرائيل بينهم ليتعلموا كيفية اختزال الشعارات إلى فعل حقيقي. وأول ما يبدأون به نبذ نظم الحكم التي تقوم على ديموقراطية كاذبة وعبادة للحاكم.


    وثقت هبة أيضاً في أحاديث ضابط الموساد الذي التقت به في شقة صديقتها... وأوهمها باستحالة أن ينتصر العرب على إسرائيل وهم على خلاف دائم وتمزق خطير، في حين تلقى إسرائيل الدعم اللازم في جميع المجالات من أوروبا وأمريكا.


    هكذا تجمعت لديها رؤية أيديولوجية باهتة، تشكلت بمقتضاها اعتقاداتها الخاطئة، التي قذفت بها إلى الهاوية


    كانت هذه الأفكار والمعتقدات التي اقتنعت بها الفتاة سبباً رئيسياً لتجنيدها للعمل لصالح الموساد .. دون إغراءات مادية أو عاطفية أثرت فيها، مع ثقة أكيدة في قدرة إسرائيل على حماية "أصدقائها" وإنقاذهم من أي خطر يتعرضون له في أي مكان في العالم.


    هكذا عاشت الفتاة أحلام الوهم والبطولة، وأرادت أن تقدم خدماتها لإسرائيل طواعية ولكن.. كيف؟ الحياة في أوروبا أنستها هواء الوطن...وأغاني عبد الحليم حافظ الوطنية...وبرج القاهرة الذي بناه عبد الناصر من أموال المخابرات الأمريكية التي سخرتها لاغتياله.


    فقط تذكرت فجأة المقدم فاروق الفقي الذي كان يطاردها في نادي الجزيرة، ولا يكف عن تحين الفرصة للانفراد بها...وإظهار إعجابه الشديد ورغبته الملحة في الارتباط بها. لقد ملت كثيراً مطارداته لها من قبل في النادي وخارج النادي، وكادت يوماً ما أن تنفجر فيه غيظاً في التليفون... وذلك عندما تلاحقت أنفاسه اضطراباً وهو يرجوها أن تحس به. مئات المرات قال لها: "أعبدك .. أحبك .. أهواك يا صغيرتي". ولكنها كانت قاسية عنيفة في صده.


    تذكرت هبة هذا الضابط الولهان، وتذكرت وظيفته الهامة في مكان حساس في القوات المسلحة المصرية، وعندما أخبرت ضابط الموساد عنه...كاد أن يطير بها فرحاً، ورسم لها خطة اصطياده.


    وفي أول أجازة لها بمصر... كانت مهمتها الأساسية تنحصر في تجنيده.. وبأي ثمن، وكان الثمن خطبتها له. وفرح الضابط العاشق بعروسه الرائعة التي فاز بها أخيراً، وبدأت تدريجياً تسأله عن بعض المعلومات والأسرار الحربية... وبالذات مواقع الصواريخ الجديدة التي وصلت من روسيا... فكان يتباهى أمامها بأهميته ويتكلم في أدق الأسرار العسكرية، ويجيء بها بالخرائط زيادة في شرح التفاصيل.


    أرسلت هبة سليم على الفور بعدة خطابات إلى باريس بما لديها من معلومات ولما تبينت إسرائيل خطورة وصحة ما تبلغه هذه الفتاة لهم.. اهتموا بها اهتماماً فوق الوصف. وبدأوا في توجيهها الى الأهم في تسليح ومواقع القوات المسلحة... وبالذات قواعد الصواريخ والخطط المستقبلية لإقامتها، والمواقع التبادلية المقترحة.


    وسافرت هبة إلى باريس مرة ثانية تحمل بحقيبتها عدة صفحات... دونت بها معلومات غاية في السرية والأهمية للدرجة التي حيرت المخابرات الاسرائيلية. فماذا سيقدمون مكافأة للفتاة الصديقة؟


    سؤال كانت إجابته عشرة آلاف فرنك فرنسي حملها ضابط الموساد إلى الفتاة .. مع وعد بمبالغ أكبر وهدايا ثمينة وحياة رغدة في باريس. رفضت هبة النقود بشدة وقبلت فقط السفر الى القاهرة على نفقة الموساد بعد ثلاثة أشهر من إقامتها بباريس. كانت الوعود الراقة تنتظرها في حالة ما إذا جندت خطيبها ليمدهم بالأسرار العسكرية التي تمكنهم من اكتشاف نوايا المصريين تجاههم.


    لم يكن المقدم فاروق الفقي بحاجة إلى التفكير في التراجع، إذ أن الحبيبة الرائعة هبة كانت تعشش بقلبه وتستحوذ على عقله.. ولم يعد يملك عقلاً ليفكر، بل يملك طاعة عمياء سخرها لخدمة إرادة حبيبته. وعندما أخذها في سيارته الفيات 124 الى صحراء الهرم.. كان خجولاً لفرط جرأتها معه، وأدعت بين ذراعيه أنها لم تصادف رجلاً قبله أبداً. وأبدت رغبتها في قضاء يوم كامل معه في شقته. ولم يصدق أذنيه. فهو قد ألح عليها كثيراً من قبل لكنها كانت ترفض بشدة. الآن تعرض عليه ذلك بحجة سفرها، وفي شقته بالدقي تركت لعابه يسيل، وجعلته يلهث ضعفاً وتذللاً..


    ولما ضمها إلى صدره في نهم ورغبة واقتربت شفتاه منها.. صدته في تمنع كاذب... لكنها.. هيهات أن تمنحه كل ما يريد. فقد أحكمت قيدها حول رقبته فمشى يتبعها أينما سارت... وسقط ضابط الجيش المصري في بئر الشهوة ووقّع وثيقة خيانته عارياً على صدرها، ليصير في النهاية عميلاً للموساد تمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية.. موضحاً عليها منصات الصواريخ "سام 6" المضادة للطائرات... التي كانت القوات المسلحة تسعى ليلى نهار لنصبها لحماية مصر من غارات العمق الاسرائيلية.


    لقد تلاحظ للقيادة العامة للقوات المسلحة ولجهازي المخابرات العامة والحربية، أن مواقع الصواريخ الجديد تدمر أولاً بأول بواسطة الطيران الإسرائيلي. حتى قبل أن يجف الأسمنت المسلح بها، وحودث خسائر جسيمة في الأرواح، وتعطيل في تقدم العمل وإنجاز الخطة التي وضعت لإقامة حائط الصواريخ المضادة للطائرات.


    تزامنت الأحداث مع وصول معلومات لرجال المخابرات المصرية... بوجود عميل "عسكري" قام بتسريب معلومات سرية جداً الى إسرائيل. وبدأ شك مجنون في كل شخص ذي أهمية في القوات المسلحة، وفي مثل هذه الحالات لا يستثنى أحد بالمرة بدءاً من وزير الدفاع.


    يقول السفير عيسى سراج الدين سفير مصر في كوبنهاجي، ووكيل وزارة الخارجية بعد ذلك:


    "اتسعت دائرة الرقابة التليفزيونية والبريدية لتشمل دولاً كثيرة أخرى، مع رفع نسبة المراجعة والرقابة إلى مائة في المائة من الخطابات وغيرها، كل ذلك لمحاولة كشف الكليفية التي تصل بها هذه المعلومات إلى الخارج. كما بدأت رقابة قوية وصارمة على حياة وتصرفات كل من تتداول أيديهم هذه المعلومات من القادة، وكانت رقابة لصيقة وكاملة. وقد تبينت طهارتهم ونقاءهم.


    ثم أدخل موظفو مكاتبهم في دائرة الرقابة... ومساعدوهم ومديرو مكاتبهم .. وكل من يحيط بهم مهما صغرت أو كبرت رتبته".


    وفي تلك الأثناء كانت هبة سليم تعيش حياتها بالطول وبالعرض في باريس. وعرفت الخمر والتدخين وعاشت الحياة الأوروبية بكل تفاصيلها. وكانت تشعر في قرارة نفسها بأنها خلقت لتعيش في أوروبا، وتكره مجرد مرور خاطرة سريعة تذكرها بمصريتها.


    لقد نزفت عروبتها نزفاً من شرايين حياتها، وتهللت بشراً عندما عرض عليها ضابط الموساد زيارة إسرائيل، فلم تكن لتصدق أبداً أنها مهمة إلى هذه الدرجة، ووصفت هي بنفسها تلك الرحلة قائلة: "طائرتان حربيتان رافقتا طائرتي كحارس شرف وتحية لي. وهذه إجراءات تكريمية لا تقدم أبداً إلا لرؤساء وملوك الدول الزائرين، حيث تقوم الطائرات المقاتلة بمرافقة طائرة الضيف حتى مطار الوصول.


    وفي مطار تل أبيب كان ينتظرني عدد من الضباط اصطفوا بجوار سيارة ليموزين سوداء تقف أسفل جناح الطائرة، وعندما أدوا التحية العسكرية لي تملكني شعور قوي بالزهو. واستقبلني بمكتبه مائير عاميت رئيس جهاز الموساد ، وأقام لي حفل استقبال ضخماً ضم نخبة من كبار ضباط الموساد على رأسهم مايك هراري الأسطورة ، وعندما عرضوا تلبية كل "أوامري"... طلبت مقابلة جولدا مائير رئيسة الوزراء التي هزمت العرب ومرغت كرامتهم، ووجدت على مدخل مكتبها صفاً من عشرة جنرالات إسرائيليين أدوا لي التحية العسكرية... وقابلتني مسز مائير ببشاشة ورقة وقدمتني اليهم قائلة: "إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لها جميعاً مجتمعين".


    وبعد عدة أيام عدت إلى باريس... وكنت لا أصدق أن هذه الجنة "إسرائيل" يتربص بها العرب ليدمروها!!.


    وفي القاهرة ... كان البحث لا يزال جارياً على أوسع نطاق، والشكوك تحوم حول الجميع، إلى أن اكتشف أحد مراقبي الخطابات الأذكياء "من المخابرات المصرية" خطاباً عادياً مرسلاً إلى فتاة مصرية في باريس سطوره تفيض بالعواطف من حبيبها. لكن الذي لفت انتباه المراقب الذكي عبارة كتبها مرسل الخطاب تقولن أنه قام بتركيب إيريال الراديو الذي عنده، ذلك أن عصر إيريال الراديو قد انتهى. إذن .. فالإيريال يخص جهازاً لاسلكياً للإرسال والاستقبال.


    وانقلبت الدنيا في جهازي المخابرات الحربية والمخابرات العامة وعند ضباط البوليس الحربي، وتشكلت عدة لجان من أمهر رجال المخابرات، ومع كل لجنة وكيل نيابة ليصدر الأمر القانوني بفتح أي مسكن وتفتيشه. وكانت الأعصاب مشدودة حتى أعلى المستويات في انتظار نتائج اللجان، حتى عثروا على جهاز الإيريال فوق إحدى العمارات.. واتصل الضباط في الحال باللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية وأبلغوه باسم صاحب الشقة... فقام بإبلاغ الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الدفاع "قبل أن يصبح مشيراً" الذي قام بدوره بإبلاغ الرئيس السادات.


    حيث تبين أن الشقة تخص المقدم فاروق الفقي، وكان يعمل وقتها مديراً لمكتب أحد القيادات الهامة في الجيش، وكان بحكم موقعه مطلعاً على أدق الأسرار العسكرية، فضلاً عن دوره الحيوي في منظمة سيناء


    وكان الضابط الجاسوس أثناء ذلك في مهمة عسكرية بعيداً عن القاهرة.


    وعندما اجتمع اللواء فؤاد نصار بقائد الضابط الخائن... "قيل بعد ذلك أنه ضابط كبير له دور معروف في حرب أكتوبر واشتهر بخلافه مع الرئيس السادات حول الثغرة"... رفض القائد أن يتصور حدوث خيانة بين أحد ضباط مكتبه. خاصة وأن المقدم فاروق يعمل معه منذ تسع سنوات، بل وقرر أن يستقيل من منصبه إذا ما ظهر أن رئيس مكتبه جاسوس للموساد.


    وعندما دخل الخائن إلى مكتبه.. كان اللواء حسن عبد الغني نائب مدير المخابرات الحربية ينتظره جالساً خلف مكتبه بوجه صارم وعينين قاسيتين فارتجف رعباً وقد جحظت عيناه وقال في الحال "هو أنت عرفتوا؟؟".


    وعندما ألقى القبض عليه استقال قائده على الفور، ولزم بيته حزيناً على خيانة فاروق والمعلومات الثمينة التي قدمها للعدو.



    وفي التحقيق اعترف الضابط الخائن تفصيلياً بأن خطيبته جندته بعد قضاء ليلة حمراء معها .. وأنه رغم إطلاعه على أسرار عسكرية كثيرة إلا أنه لم يكن يعلم أنها ستفيد العدو.



    وعند تفتيش شقته أمكن العثور على جهاز اللاسلكي المتطور الذي يبث من خلاله رسائله، وكذا جهاز الراديو ونوتة الشفرة، والحبر السري الذي كان بزجاجة دواء للسعال. ضبطت أيضاً عدة صفحات تشكل مسودة بمعلومات هامة جداً معدة للبث، ووجدت خرائط عسكرية بالغة السرية لأحشاء الجيش المصري وشرايينه، تضم مواقع القواعد الجوية والممرات والرادارات والصواريخ ومرابط الدفاعات الهامة.


    وفي سرية تامة ... قدم سريعاً للمحاكمة العسكرية التي أدانته بالإعدام رمياً بالرصاص.. واستولى عليه ندم شديد عندما أخبروه بأنه تسبب في مقتل العديد من العسكريين من زملائه من جراء الغارات الإسرائيلية. وأخذوه في جولة ليرى بعينه نتائج تجسسه. فأبدى استعداده مرات عديدة لأن يقوم بأي عمل يأمرونه به.


    ووجدوا – بعد دراسة الأمر بعناية – أن يستفيدوا من المركز الكبير والثقة الكاملة التي يضعها الإسرائيليون في هذا الثنائي. وذلك بأن يستمر في نشاطه كالمعتاد خاصة والفتاة لم تعلم بعد بأمر القبض عليه والحكم بإعدامه.


    وفي خطة بارعة من مخابراتنا الحربية، أخذوه إلى فيلا محاطة بحراسة مشددة، وبداخلها نخبة من أذكى وألمع رجال المخابرات المصرية تتولى "إدارة" الجاسوس وتوجيهه، وإرسال الرسائل بواسطة جهاز اللاسلكي الذي أحضرته له الفتاة ودربته عليه. وكانت المعلومات التي ترسل هي بالطبع من صنع المخابرات الحربية، وتم توظيفها بدقة متناهية في تحقيق المخطط للخداع، حيث كانت حرب أكتوبر قد اقتربت، وهذه هي إحدى العمليات الرئيسية للخداع التي ستترتب عليها أمور استراتيجية مهمة بعد ذلك.


    لقد كان من الضروري الإبقاء على هبة في باريس والتعامل معها بواسطة الضابط العاشق، واستمر الاتصال معها بعد القبض عليه لمدة شهرين، ولما استشعرت القيادة العامة أن الأمر أخذ كفايته.. وأن القيادة الإسرائيلية قد وثقت بخطة الخداع المصرية وابتلعت الطعم، تقرر استدراج الفتاة إلى القاهرة بهدوء.. لكي لا تهرب إلى إسرائيل إذا ما اكتشف أمر خطيبها المعتقل.


    وفي اجتماع موسع.. وضعت خطة القبض على هبة... وعهد إلى اللواء حسن عبد الغني ومعه ضابط آخر بالتوجه إلى ليبيا لمقابلة والدها في طرابلس حيث كان يشغل وظيفة كبيرة هناك. وعرفاه على شخصيتهما وشرحا له أن ابنته هبة التي تدرس في باريس تورطت في عملية اختطاف طائرة مع منظمة فلسطينية، وأن الشرطة الفرنسية على وشك القبض عليها ... وما يهم هو ضرورة هروبها من فرنسا لعدم توريطها، ولمنع الزج باسم مصر في مثل هذه العمليات الارهابية. وطلبا منه أن يساعدهما بأن يطلبها للحضور لرؤيته حيث أنه مصاب بذبحة صدرية.


    أرسل الوالد برقية عاجلة لابنته... فجاء ردها سريعاً ببرقية تطلب منه أن يغادر طرابلس إلى باريس... حيث إنها حجزت له في أكبر المستشفيات هناك وأنها ستنتظره بسيارة إسعاف في المطار... وأن جميع الترتيبات للمحافظة على صحته قد تم اتخاذها.


    ولكي لا تترك المخابرات المصرية ثغرة واحدة قد تكشف الخطة بأكملها... فقد تم إبلاغ السلطات الليبية بالقصة الحقيقية، فتعاونت بإخلاص مع الضابطين من أجل اعتقال الجاسوسة المصرية. وتم حجز غرفة في مستشفى طرابلس وإفهام الأطباء المسؤولين مهمتهم وما سيقومون به بالضبط.


    وبعدما أرسل والدها رداً بعدم استطاعته السفر إلى باريس لصعوبة حالته... صح ما توقعه الضابطان، إذ حضر شخصان من باريس للتأكد من صحة البرقية وخطورة المرض، وسارت الخطة كما هو مرسوم لها، وذهب الإسرائيليان إلى المستشفى وتأكدا من الخبر، فاتصلا في الحال بالفتاة التي ركبت الطائرة الليبية في اليوم التالي إلى طرابلس. وعلى سلم الطائرة عندما نزلت هبة عدة درجات كان الضابطان المصريان في انتظارها، وصحباها إلى حيث تقف الطائرة المصرية على بعد عدة أمتار من الطائرة الليبية... فسألتهما:


    إحنا رايحين فين؟


    فرد أحدهما:


    المقدم فاروق عايز يشوفك.


    فقالت:


    هو فين؟.


    فقال لها:


    في القاهرة.


    صمتت برهة ثم سألت:


    أمال أنتم مين؟


    فقال اللواء حسن عبد الغني:


    إحنا المخابرات المصرية.


    وعندما أوشكت أن تسقط على الأرض.. أمسكا بها وحملاها حملاً إلى الطائرة التي أقلعت في الحال، بعد أن تأخرت ساعة عن موعد إقلاعها في انتظار الطائرة القادمة من باريس بالهدية الغالية.


    لقد تعاونت شرطة المطار الليبي في تأمين انتقال الفتاة لعدة أمتار حيث تقف الطائرة المصرية...وذلك تحسباً من وجود مراقب أو أكثر صاحب الفتاة في رحلتها بالطائرة من باريس.. قد يقدم على قتل الفتاة قبل أن تكشف أسرار علاقتها بالموساد.


    وبلا شك... فاعتقال الفتاة بهذا الأسلوب الماهر جعلها تتساءل عن القيمة الحقيقية للوهم الذي عاشته مع الإسرائيليين. فقد تأكدت أنهم غير قادرين على حمايتها أو إنقاذها من حبل المشنقة. وهذا ما جعلها تعترف بكل شيء بسهولة بالتفصيل... منذ أن بدأ التحقيق معها في الطائرة بعد إقلاعها مباشرة. وبعد أيام قليلة من اعتقالها تبين لها وللجميع عجز الإسرائيليين عن حماية إسرائيل نفسها وعدم قدرتهم على إنقاذها.


    فقد جاءت حرب أكتوبر وتدمير خط بارليف بمثابة الصدمة التي أذهلت أمريكا قبل إسرائيل. فالخداع المصري كان على أعلى مستوى من الدقة والذكاء. وكانت الضربة صائبة قد أربكت العدو أشلته... لولا المدد العسكري الأمريكي.. والأسلحة المتطورة.. والصواريخ السرية... والمعونات... وإرسال الطيارين والفنيين الأمريكان كمتطوعين .


    لقد خسرت إسرائيل في ذلك الوقت من المعركة حوالي مائتي طائرة حربية. ولم تكن تلك الخسارة تهم القيادة الإسرائيلية بقدر ما خسرته من طيارين ذوي كفاءة عالية قتلوا في طائراتهم، أو انهارت أعصاب بعضهم ولم يعودوا صالحين للقتال. ولقد سبب سقوط الطائرات الإسرائيلية بالعشرات حالة من الرعب بعد عدة أيام من بدء المعركة... إلى أن وصلت المعونات الامريكية لإسرائيل في شكل طيارين وفنيين ووسائل إعاقة وتشويش حديثة.


    تبخرت أوهام الجاسوسة هبة سليم... وأيقنت أنها كانت ضحية الوهم الذي سيطر على فكرها وسرى بشرايينها لمدة طويلة للدرجة التي ظنت أنها تعيش الواقع من خلاله... لكن.. ها هي الحقائق تتضح بلا رتوش أو أكاذيب.


    لقد حكم عليها بالإعدام شنقاً بعد محاكمة منصفة اعترفت صراحة أمامها بجريمتها.. وأبدت ندماً كبيراً على خيانتها. وتقدمت بالتماس لرئيس الجمهورية لتخفيف العقوبة ولكن التماسها رفض.


    وكانت تعيش أحلك أيامها بالسجن تنتظر تنفيذ الحكم... عندما وصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي – اليهودي الديانة – لمقابلة الرئيس السادات في أسوان في أول زيارة له إلى مصر بعد حرب أكتوبر.. وحملته جولدا مائير رسالة إلى السادات ترجوه تخفيف الحكم على الفتاة. ومن المؤكد أن كيسنجر كان على استعداد لوضع ثقله كله وثقل دولته خلف هذا الطلب. وتنبه الرئيس السادات الذي يعلم بتفاصيل التحقيقات مع الفتاة وصدور الحكم بإعدامها.. إلى أنها ستصبح مشكلة كبيرة في طريق السلام. فنظر إلى كيسنجر قائلاً: "تخفيف حكم؟ .. ولكنها أعدمت.. !!".


    دهش كيسنجر وسأل الرئيس: "متى.. ؟"


    ودون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية قال السادات كلمة واحدة: "النهاردة".


    وفعلاً .. تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في هبة سليم في اليوم نفسه في أحد سجون القاهرة.


    أما الضابط العاشق – المقدم فاروق عبد الحميد الفقي – فقد استقال قائده من منصبه لأنه اعتبر نفسه مسؤولاً عنه بالكامل.


    وعندما طلبت منه القيادة العامة سحب استقالته، رفض بشدة وأمام إصرار القيادة على ضرورة سحب استقالته.. خاصة والحرب وشيكة...اشترط القائد للموافقة على ذلك أن يقوم هو بتنفيذ حكم الإعدام في الضابط الخائن. ولما كان هذا الشرط لا يتفق والتقاليد العسكرية...وما يتبع في مثل هذه الأحوال... فقد رفع طلبه إلى وزير الدفاع "الحربية" الذي عرض الأمر على الرئيس السادات "القائد الأعلى للقوات المسلحة" فوافق فوراً ودون تردد.


    وعندما جاء وقت تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الضابط الخائن... لا أحد يعرف ماذا كان شعور قائده وهو يتقدم ببطء... يسترجع في شريط سريع تسع سنوات مرت عليهما في مكتب واحد... تسع سنوات كان بعضها في سواد الليل... وبعضها تتلألأ خلاله ومضات الأمل قادمة من بعيد... الأمل في الانتصار على اليهود الخنازير القتلة السفاحين.. وبينما كان يخطط لحرب أكتوبر كان بمكتبه هذا الخائن الذي باع الوطن والأمن وقتل بخيانته أبرياء..


    لا أحد يعرف ماذا قال القائد له... وماذا كان رد الضابط عليه... لا أحد يعرف.


    هل طلب منه أن ينطق بالشهادتين، وأن يطلب المغفرة من الله؟... . لا أحد يعرف.



    لكن المؤكد أنه أخرج مسدسه من جرابه... وصوبه على رأس الضابط وأطلق طلقتي عليه كما تقضي التعليمات العسكرية في حالة إعدام
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة

افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 18-03-2008, 07:23 PM
  2. الدينونة العامة
    بواسطة المسيح إلهي في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 02-09-2006, 12:08 AM
  3. بمناسبة الافراج عن الاخ ابو اسلام
    بواسطة واثق بالله في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 27-12-2005, 04:42 PM
  4. الزرقاوي يتبرأ من قتل الشريف ويتهم المخابرات الأمريكية
    بواسطة أبـ مريم ـو في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 23-08-2005, 01:51 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

افخر ببلدك يا مصرى  ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية