هل المسيح فعل معجزات لم يفعلها غيره؟


قالوا: إنّ المسيحَ وحدَه الذي قام بمعجزاتٍ لم يقمْ بها أحدٌ غيره قطّ، مثل: أحياءِ الموتى، والخلقِ مِنَ الطين، وشفاءِ الأكمه والأبرص، وذلك بشهادةِ القرآنِ لمّا قال: وَرَسُولًا إِلَى بني إسرائيلَ أنّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أنّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إنّ في ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران 49).


قالوا: أليست الآيةُ دليلًا على إلوهيته؟!



الردُّ على الشبهةِ



أولًا: إنّ قولَهم بأنّ المسيحَ  وحدَه الذي قام بمعجزات لم يقم بها أحدٌ غيره قطّ، مثل: أحياءِ الموتى، والخلقِ مِنَ الطينِ، وشفاءِ الأكمه والأبرص...
قول باطل لا أساس له مِنَ الصحة؛ لأنّ الكتبَ المقدّسة والتاريخية ذكرت تلك المعجزات لأنبياءٍ كُثر؛ يتّضح ذلك بتفصيلٍ دقيقٍ وعميقٍ على النحوِ التالي:


أولًا: معجزة أحياء الموتى: ثبتَ أن كَثِيرًا مِنَ الأنبياء أحيوا موتى - بإذن اللهِ -، وذلك عدّة مواضع منها:
1- إبراهيمُ  أحيا موتى بشهادةِ القرآنِ الكريمِ؛ يقولُ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أنّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة 260).


جاءَ في التفسيرِ الميسّرِ: واذكر - أيّها الرسولُ- طلب إبراهيم مِن ربِّه أنْ يريه كيفية البعث, فقال اللهُ له: أَوَلم تُؤمن؟ قال: بلى، ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على يقيني، قال: فخذ أربعة مِنَ الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كلّ جبل منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم  فإذا كلّ جزء يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة. واعلم أنّ اللهَ عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. اهـ


2- محمّدٌ rأحيا موتى بشهادةِ أصحابِه منهم رواة الأحاديث، وشهادةِ اليهود(الذين حضروا الواقعةَ)...
ثبتَ في سنن أبي داوُد كِتَاب (الدِّيَاتِ) بَاب (فِيمَنْ سَقَى رَجُلًا سَمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ أَيُقَادُ مِنْهُ) برقمِ 3912 عَنْ أبي هرَيْرةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ زَادَ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ. فَقَالَ: " ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإنّها أَخْبَرَتْنِي أنّها مَسْمُومَةٌ "، فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ. قَالَتْ:إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ.
تحقيقُ الألبانيِّ: حسن صحيح.

نُلاحظُ: أنّ الشاة ذُبحت، وسُلخت، وقطّعت، وطُبخت...ثم تكلمت لتخبر النبيَّ r بأنّها مسمومة...!


وعليه: فإنّها معجزة أبلغ من معجزةِ المسيحِ .


2- أليشع  أحيا أمواتًا، وذلك في موضعين:


الأوّل: أليشع أحيا ميتًا(صبيًا) لما اضطجع فوق الصبي...وذلك في سفرِ الملوك الثاني إصحاح 4 عدد 32 " وَدَخَلَ أَلِيشَعُ الْبَيْتَ وَإِذَا بِالصَّبِيِّ مَيْتٌ وَمُضْطَجعٌ عَلَى سَرِيرِهِ. 33فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسَيْهِمَا كِلَيْهِمَا، وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. 34ثُمَّ صَعِدَ وَاضْطَجَعَ فَوْقَ الصَّبِيِّ وَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى فَمِهِ، وَعَيْنَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَدَيْهِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَسَخُنَ جَسَدُ الْوَلَدِ. 35ثُمَّ عَادَ وَتَمَشَّى فِي الْبَيْتِ تارَةً إِلَى هُنَا وتارَةً إِلَى هُنَاكَ، وَصَعِدَ وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَعَطَسَ الصَّبِيُّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فَتَحَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ".


الثاني: أليشع أحيا ميتًّا بعد موتِه لما لمس الميتُ عظامَه... وذلك في سفرِ الملوك الثاني إصحاح 13 عدد 20 " وَمَاتَ أَلِيشَعُ فَدَفَنُوهُ. وَكَانَ غُزَاةُ مُوآبَ تَدْخُلُ عَلَى الأَرْضِ عِنْدَ دُخُولِ السَّنَةِ. 21وَفِيمَا كَانُوا يَدْفِنُونَ رَجُلًا إِذَا بِهِمْ قَدْ رَأَوْا الْغُزَاةَ، فَطَرَحُوا الرَّجُلَ فِي قَبْرِ أَلِيشَعَ، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّجُلُ وَمَسَّ عِظَامَ أَلِيشَعَ عَاشَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ".

4- حزقيال  أحيا جيشًا كاملًا، وذلك في سفرِ حزقيال إصحاح 37 عدد1 " كَانَتْ عَلَيَّ يَدُ الرَّبِّ، فَأَخْرَجَني بِرُوحِ الرَّبِّ وَأَنْزَلَنِي فِي وَسْطِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ مَلآنَةٌ عِظَامًا، 2وَأَمَرَّنِي عليْها مِنْ حَوْلِهَا وَإِذَا هِيَ كثيرٍةٌ جِدًّا عَلَى وَجْهِ الْبُقْعَةِ، وَإِذَا هِيَ يَابِسَةٌ جِدًّا. 3فَقَالَ لِي: «يَا ابْنَ أدمَ، أَتَحْيَا هذِهِ الْعِظَامُ؟" فَقُلْتُ: «يَا سَيِّدُ الرَّبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ». 4فَقَالَ لِي: «تَنَبَّأْ عَلَى هذِهِ الْعِظَامِ وَقُلْ لَهَا: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْيَابِسَةُ، اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ: 5هكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِهذِهِ الْعِظَامِ: هأَنَذَا أُدْخِلُ فِيكُمْ رُوحًا فَتَحْيَوْنَ. 6وَأَضَعُ عَلَيْكُمْ عَصَبًا وأَكْسِيكُمْ لَحْمًا وَأَبْسُطُ عَلَيْكُمْ جِلْدًا وَأَجْعَلُ فِيكُمْ رُوحًا، فَتَحْيَوْنَ وَتَعْلَمُونَ أنّي أَنَا الرَّبُّ».7فَتَنَبَّأْتُ كمَا أُمِرتُ. وَبَيْنَمَا أَنَا أَتنَبَّأُ كَانَ صَوْتٌ، وَإِذَا رَعْشٌ، فَتَقَارَبَتِ الْعِظَامُ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى عَظْمِهِ. 8ونَظَرْتُ وَإِذَا بِالْعَصَبِ وَاللَّحْمِ كَسَاهَا، وبُسِطَ الْجِلْدُ عليْها مِنْ فَوْقُ، وَلَيْسَ فِيهَا رُوحٌ. 9فَقَالَ لِي: «تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ، تَنَبَّأْ يَاابْنَ أدمَ، وَقُلْ لِلرُّوحِ: هكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَلُمَّ يَا رُوحُ مِنَ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ وَهُبَّ عَلَى هؤُلاَءِ الْقَتْلَى لِيَحْيَوْا». 10فَتَنَبَّأْتُ كَمَا أَمَرَني، فَدَخَلَ فِيهِمِ الرُّوحُ، فَحَيُوا وَقَامُوا عَلَى أَقدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظيمٌ جِدًّا جِدًّا".


5- إيليا أحيا طفلًا، وذلك في سفرِ الملوكِ الأوّل إصحاح17 عدد 17 "وَبَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ مَرِضَ ابْنُ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْبَيْتِ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ جِدًّا حَتَّى لَمْ تَبْقَ فِيهِ نَسَمَةٌ. 18فَقَالَتْ لإِيلِيَّا: «مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟». 19فَقَالَ لَهَا: «أَعْطِينِي ابْنَكِ». وَأَخَذَهُ مِنْ حِضْنِهَا وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْعُلِّيَّةِ الَّتِي كَانَ مُقِيمًا بِهَا، وَأَضْجَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، 20وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أَأَيْضًا إِلَى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟» 21فَتَمَدَّدَ عَلَى الْوَلَدِ ثلاثَ مراتٍ، وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «يَا رَبُّ إِلهِي، لِتَرْجعْ نَفْسُ هذَا الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ». 22فَسَمِعَ الرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، فَرَجَعَتْ نَفْسُ الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ فَعَاشَ. 23فَأَخَذَ إِيلِيَّا الْوَلَدَ وَنَزَلَ بِهِ مِنَ العُلِّيَّةِ إِلَى الْبَيْتِ وَدَفَعَهُ لأُمِّهِ، وَقَالَ إِيلِيَّا: «انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ» 24فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لإِيلِيَّا: هذَا الْوَقْتَ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وأنّ كَلاَمَ الرَّبِّ فِي فَمِكَ حقّ".


6- بطرس الرسول أحيا ميتةً، وذلك في أعمال الرسل إصحاح 5 عدد 9 " فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ:«مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا». 10فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا. 11فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ. 12وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كثيرٍةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ. 13وَأَمَّا الآخَرُونَ فَلم يكنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجْسُرُ أنْ يلْتَصِقَ بِهِمْ، لكِنْ كَانَ الشَّعْبُ يُعَظِّمُهُمْ. 14وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ، 15حَتَّى إنّهمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. 16وَاجْتَمَعَ جُمْهُورُ الْمُدُنِ الْمُحِيطَةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَامِلِينَ مَرْضَى وَمُعَذَّبِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ".



ثانيًا: معجزة الخلق: ثبتَ أن كَثِيرًا مِنَ الأنبياءِ فعلوا مثله  - بإذن اللهِ -، فعلى سبيل المثال جاءَ ما يلي:


1- موسى  خلق مِنَ العصا ثعبانًا: إنّها معجزة أبلغ من معجزة المسيح؛ لأنّ جنسَ العصا(الخشب) يختلف عن جنس الثعبان(الطين)؛ يقولُ : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ(107) (الأعراف).
جاءَ في تفسيرِ الجلالين: { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هي ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } حيّة عظيمة. اهـ


2- محمّد r تكلمه جمادٌ لا روح فيها، وتَئِنُّ من أجلِه r، وذلك في عدّة مواضعَ منها:


أ- حجر(جماد) كان يسلمُ على النبيِّ r، وذلك في صحيحِ مسلمٍ برقمِ 4222 عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" إنّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إنّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ ".


ب- جزعُ النخلِ بكى لفراقِ النبيِّ r له، وذلك في صحيحِ البخاريِّ برقمِ 1953 عَنْ جَابِرِ بن عبدِ اللهِ - رضيَ اللهُ عنهما- أنّ امرأةَ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r يا رسولَ اللهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فإنّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: إِنْ شِئْتِ قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ r عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ r حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ: " بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ ".


3- إيليا يشق البحر بردائه، وذلك في سفرِ الملوك الثاني إصحاح 2عدد 8 وَأَخَذَ إِيلِيَّا رِدَاءَهُ وَلَفَّهُ وَضَرَبَ الْمَاءَ، فَانْفَلَقَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ، فَعَبَرَا كِلاَهُمَا فِي الْيَبَسِ.



ثالثًا: معجزة شفاء المرضى: ثبتَ أن كَثِيرًا مِنَ الأنبياءِ والرسلِ قاموا بشفاءِ المرضى مثله كما يلي:
1- النبيُّ r ثبتَ عنه أنّه شفا أناسًا كُثر، وذلك في عدّة مواقف منها:


أ- ما حصل مع الصحابي علي بن أبي طالب  يوم خيبر، حين قال النبيُّ r: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ "، فبات الناس في تلك الليلة يتساءلون عن صاحب الراية، وفي الصباح انطلقوا إلى رسولِ الله r لمعرفة الفائز بهذا الفضل، فإذا بالنبيِّ r يسأل عن عليِّ بن أبي طالب ، فذكروا له أنّه مصاب بالرَّمد، فأرسل r في طلبه، ولما حضر عنده بصق في عينيه ودعا له، فشفاه اللهُ ببركة النبيّ r، واستلم الراية، ثم قاتل حتى فتح الله على يديه.... الحديث بتمامِه في الصحيحين: في البخاريّ برقمِ 3888، وفي مسلم برقمِ 4423.


ب- ما رواه البيهقي في دلائل النبوّة باب (ما ذكر في المغازي من وقوع عين قتادة بن النعمان على وجنّته ورد رسول اللهِ r عينَه إلى مكانها وعودها إلى حالها) برقم1110 عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ رسولَ اللهِ r رمى يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنّته، فردها رسول اللهِ r، فكانت أحسن عينيه وأحدهما.


ج- ما حدث مع الصحابي عبد اللهِ بن عتيك ؛ حينما أرسله النبيّ r لقتل أبي رافع اليهودي، فانكسرت ساقه أثناء تلك المهمّة، فطلب منه النبيّ r أنْ يبسط قدمه، فمسح عليها، فجبر الكسر الذي أصابه واستطاع أنْ يمشي عليْها من لحظته، والقصّة برمتها رواها البخاريّ في صحيحِه برقمِ 3733


ح- ما حدث مع الصحابي جابر بن عبدِ اللهِ لما مرض مرضًا شديدًا ألزمه الفراش؛ حتى لم يعد يميز من حوله، فزاره النبيّ r بصحبة أبي بكر الصديق ، ودعا r بماء فتوضأ منه ثم رش عليه، فأفاق من مرضه؛ نجدُ هذا في الحديث الذي رواه البخاريُّ في صحيحِيه برقمِ 4211 عَنْ جَابِرٍ  قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ r وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ r لَا أَعْقِلُ شَيْئًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يا رسولَ اللهِ فَنَزَلَتْ:{ يُوصِيكُمْ اللَّهُ في أوّلِادِكُمْ }.


د- علاج الأمراضِ الحسّية والنفسية، كان للنبيّ r تأثيرًا في علاج الأمراض المعنوية أيضًا، ومِن ذلك قصّة الشاب الذي أتى النبيَّ r يستأذنه في الزنا، فوضع النبيُّ r يدَهُ على صدرهِ وقال: " اللهمّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ ". فأزال اللهُ من قلبِه طغيان الشهوة، فلم يعد يلتفت بعد ذلك إلى النساءِ، قال أبو أُمامة (راوي الحديث): " فَلم يكنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ ".
رواه أحمدُ في مسنده برقمِ 21185.
تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح.


2- أَلِيشَعُ شفا أبرصًا، وذلك في سفرِ الملوك الثاني إصحاح 5 عدد10 " فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلِيشَعُ رَسُولًا يَقُولُ: «اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الأُرْدُنِّ، فَيَرْجعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ وَتَطْهُرَ». 11فَغَضِبَ نُعْمَانُ وَمَضَى وَقَالَ: «هُوَذَا قُلْتُ إنّه يَخْرُجُ إِلَيَّ، وَيَقِفُ وَيَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَيُرَدِّدُ يَدَهُ فَوْقَ الْمَوْضِعِ فَيَشْفِي الأَبْرَصَ. 12أَلَيْسَ أَبَانَةُ وَفَرْفَرُ نَهْرَا دِمَشْقَ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ مِيَاهِ إِسْرَائِيلَ؟ أَمَا كُنْتُ أَغْتَسِلُ بِهِمَا فَأَطْهُرَ؟" وَرَجَعَ وَمَضَى بِغَيْظٍ. 13فَتَقَدَّمَ عَبِيدُهُ وَكَلَّمُوهُ وَقَالُوا: «يَا أَبَانَا، لَوْ قَالَ لَكَ النَّبِيُّ أَمْرًا عَظِيمًا، أَمَا كُنْتَ تَعْمَلُهُ؟ فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِذْ قَالَ لَكَ: اغْتَسِلْ وَاطْهُرْ؟». 14فَنَزَلَ وَغَطَسَ فِي الأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، حَسَبَ قَوْلِ رَجُلِ اللهِ، فَرَجَعَ لَحْمُهُ كَلَحْمِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَطَهُرَ".


3- بولس –الرسول- شفا رجلًا مريضًا فظن الناسُ أنّه إله! وذلك في أعمالِ الرسل إصحاح14 عدد 8 " وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتْرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ الرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَمْشِ قطّ. 9هذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَانًا لِيُشْفَى، 10قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِبًا!». فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي. 11فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ:«إنّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا». 12فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ".
3- بطرس -الرسول- شفا مرضى بمجردِ مرور ظلِه عليهم ! وذلك في أعمالِ الرسل إصحاح 5 عدد 14 "وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ، 15حَتَّى إنّهمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. 16وَاجْتَمَعَ جُمْهُورُ الْمُدُنِ الْمُحِيطَةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَامِلِينَ مَرْضَى وَمُعَذَّبِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ ".



رابعًا: أمّا عن معجزة الإخبار ببعض الغيبيات، وقول الله : وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ. فقد سبقَ الرد على في شبهة:(هل المسيحُ يعلم الغيب؟) بتفصيلٍ دقيقٍ وعميقٍ....



ثانيًا: إنّ الأعجب من شبهتِهم هذه إنّ الأناجيلَ نفسَها ذكرت أنّ المسيحَ  صنع المعجزات - بإذن اللهِ – وليس من تلقاء نفسِه وبنفسِه؛ أدلّتي على ذلك جاءَت في الآتي:


1-يسوعُ لا يقدر أنْ يفعل من نفسِه شيئًا بل بإذن الله .....وذلك في إنجيلِ يوحنّا إصحاح 5 عدد 30" أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأنّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي".


نُلاحظُ: أنّ يسوعَ المسيحَ  لا يستطيع أنْ يفعلَ من نفسِه شيئًا؛ بل بإذنِ اللهِ يفعل كما أخبرَ القرآن الكريم: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أنْ يأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله (الرعد 38).


وصرّحَ بذلك  في موضعٍ آخرٍ من إنجيلِ متى إصحاح 11 عدد 27 " كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أرادَ الابْنُ أنْ يعْلِنَ لَهُ ".

2- يسوعُ أحيا الميت ( لِعَازَر) بإذن الله ... وذلك في إنجيلِ يوحنّا إصحاح 11 عدد 41 " فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، 42وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي".

نُلاحظُ مِنَ النصوصِ: أن المسيحَ  كان يدعو اللهَ ليحيه ( لِعَازَر )، وكان يرفع بصرَه إلى السماءِ ليشكر اللهَ على سماعِه لدعائِه، وعلى تأييدِه بالمعجزات؛ ليشهد الجمعُ الواقفُ على أنّه رسول مِن عندِه  مُرسل.... وهذا ما فهمه الناسُ في زمانِه، فلم يقولُوا أبدًا: إنّه إلهٌ كما يزعم المنصّرون اليوم وكل يوم...

3- الناسُ الحضور الذين شاهدوا المعجزات شهدوا له بالنبوّة لا الإلوهية... وذلك في إنجيلِ يوحنّا إصحاح 6 عدد 14 " فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا:«إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ!".
4- قال بطرسُ الرسول: " أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ ".(أعمال الرسل 2 / 22).

5- أكدت النصوص الإنجيلية أن يسوع المسيح فعل بعضَ المعجزات كان يؤكد أنّها مِن عندِ الله I، ولم ينسبها إلى نفسِه...
وذلك في الآتي:

1- قال يسوع: " أنا بروحِ اللهِ أُخرج الشياطين ".(متى 12/28).
4- قال يسوع:" كنت بإصبعِ اللهِ أُخرج الشياطينَ "(لوقا 11/20).



ثالثًا: إن كاتب إنجيل مرقس ذكر أنّ يسوعَ المسيحَ ما كان يقدر أنْ يصنع معجزات كثيرٍة؛ بل قليلة ،مثل: شفاءِ مرضى قليلين... وذلك في الإصحاح 6 عدد 5 " وَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أنّه وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ " !

ثم أنّ الأعجب ممّا سبقَ هو: أنّ البعضَ شككَ في نبوّته بسببِ قلة معجزاتِه... جاءَ ذلك في إنجيلِ يوحنّا إصحاح 7 عدد 31 " فَآمَنَ بِهِ كثيرٍونَ مِنَ الجَمْعِ، وَقَالُوا: أَلعلَّ الْمَسِيحَ مَتَى جاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا هذَا؟ ".

قلتُ: إنّ الثابتَ أنّ يسوعَ المسيحَ  كان مؤيدًا من قِبَلِ اللهِ بالمعجزات... وهذا معتقدُنا أنّه لا يستطيع أنْ يفعل معجزةً من تلقاء نفسه إلا بإذن اللهِ I يفعل...


كتبه / أكرمُ حسن مرسي
نقلًا عن كتابي : ردّ السهام عن الأنبياءِ الأعلام، بعد المراجعة.