هل أتباع المسيح (النصارى) فوق المسلمين يوم القيامة؟!


قالوا: نحن فوقكم أيّها المسلمون الكفار يوم القيامة؛ لأنّنا من اتبعنا يسوع المسيح الإله... وذلك بشهادة القرآن لمّا قال: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(55 (آل عمران).


الردُّ على الشبهةِ



أولًا: إنّنا نحن - المسلمين – أولى الناس بكل الأنبياء بما فيهم المسيح عيسي ...
تُدلّلُ على ذلك أدلّةٌ منها:


1- قولُه : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68) (آل عمران).
2- قولُه : قُولُوا آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136) (البقرة).
3- قولُه : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن ربِّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ ربّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285) (البقرة).
4- قولُه : قُلْ آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ على إبراهيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ(85) (آل عمران).
5- صحيحُ مسلمٍ برقمِ 4362 عن أبي هرَيْرةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ " قَالُوا:كَيْفَ يا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتّهمَ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ ".



ثانيًا: لم يقلْ عالمٌ من علماءِ المسلمين، ولا مفسر واحد بقول المُنَصِّرِيِّن أن نصارى اليوم فوق المسلمين يوم القيامة...بل يقولُون عنهم إنّهم كفّار، والكافر في جهنم ما لم يتب ويسلم وجهه لله قبل موته...
تُدلّلُ على ذلك عدّة تفاسير للآية التي استشهدوا بها لا غيرها، منها:


1- تفسير الجلالين: وَجَاعِل الَّذِينَ اتَّبَعُوك" صَدَّقُوا بِنُبُوَّتِك مِنَ المُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى "فَوْق الَّذِينَ كَفَرُوا" بِك وَهُمْ الْيَهُود يَعْلُونَهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالسَّيْف "إلَى يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعكُمْ فَأَحْكُم بَيْنكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" مِنْ أَمْر الدِّين. اهـ


2- التفسير الميسّرِ: وجاعل الذين اتبعوك أيْ:على دينك وما جئت به عنِ الله مِنَ الدين،والبشارة بمحمّد r وآمَنوا بمحمّد r، بعد بعثته، والتزموا شريعته ظاهرين على الذين جحدوا نبوتك إلى يوم القيامة، ثم إليّ مصيركم جميعًا يوم الحساب، فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمرَ عيسى . اهـ
3- تفسير الطبري القول في تأويل قولُه : { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك مِنَ الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم [من] جميع أهل الملل فكذّبوا بما جئت به وصدّوا عنِ الإقرار به، فمصيِّرهم فوقهم ظاهرين عليهم.
حدّثَنا بشر بن معاذ قال، حدّثَنا يزيد قال، حدّثَنا سعيد، عن قتادةَ في قولِه:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.
حدّثَنا المثنى قال، حدّثَنا إسحاق قال، حدّثَنا ابنُ أبي جعفر، عن أبيه، عنِ الربيع في قولِه:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، ثم ذكرَ نحوه.
حدّثَنا القاسم قال، حدّثَنا الحسين قال، حدّثني حجاج، عنِ ابنِ جريج:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، ثم ذكرَ نحوه.
حدّثَنا القاسم قال، حدّثَنا الحسين قال، حدّثني حجاج، عنِ ابنِ جريج:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، قال: ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة.
حدّثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابنُ زيد في قولِ الله:"ومطهرك مِنَ الذين كفروا"، قال: الذين كفروا مِن بني إسرائيلَ "وجاعل الذين اتبعوك"، قال: الذين آمنوا به مِن بني إسرائيلَ وغيرهم ="فوق الذين كفروا"، النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ مِنَ النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون. اهـ


إذًا مِنْ خلالِ ما سبقَ تبين لنا تفسيران؛ فالقرآنُ الكريم أعظم مِن أنْ يفسر على وجهٍ واحدٍ ، وهو حمّال أوجه:
التفسيرالأوّل: إنّنا نحن - المسلمين- الذين آمنا به وصدقنا نبوّته، وبشارته بمحمّد r، ولم نقل عنه أنّه إله، أو أنّه مات مصلوبًا ملعونًا...بل كرمناه كبقية الأنبياء والرسل الكريم؛ بل هو من أعظمهم؛ من أولي العزم مِنَ الرسل..


التفسيرالثاني: المقصود بالنصِّارى هم الذين امنوا بالمسيح - التلاميذ وغيرهم- في زمانِه وبعده، ولم يغيروا دينَه...هم فوق الذين كفروا يوم القيامة أيْ: فوق اليهودِ الذي كفروا بالمسيح  وأرادَوا قتله، وفوق من غير دينَه وحرفَه...
وعليْه: فلم يقل أبدًا واحدٌ مِنَ المسلمين أن نصارى اليوم الذي جعلوا مِنَ البشر إلهًا فوق المسلمين يومَ القيامةِ؛ لم يفهم أحد من الآية كما فهم المُنَصِّرون الكاذبون ... وهذا كافٍ جدًا لإبطال الشبهة الواهية.....



ثالثًا: إنّ يسوع المسيح  سيتبرأ منْ من يدّعون أنّهم اتباعه، ويُخرجون باسمِه الشياطين.....
بل إن أتباعه الحقيقيين هم أمة غير اليهود؛ أمة تعمل أثمارها، لها نبيّ مبشر به من قِبلِ يسوع المسيح هو محمّد r...


بيان ما ذكرتُه جاءَ في مواضع ثلاثة:


الموضع الأوّل: أنّ المسيحَ يتبرأ مِنَ الذين يزعمون أنّهم أتباعه، ويخرجون باسمِه الشياطين... وذلك في إنجيلِ متى إصحاح 7 عدد 21 " لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بلِ الذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 22كثيرٍونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كثيرٍةً؟ 23فَحِينَئِذٍ أُصرّحَ لَهُمْ: إنّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قطّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ"!.
تنبيه: كلمة (يا رب) تعني: يا معلم، وهذا ما ذكره يوحنا في إنجيله.


الموضع الثاني: أن أتباعَه الحقيقيين هم أمة غير اليهود والتي خرج منها النصارى؛ أمة تعمل أثمارها...
وذلك في إنجيلِ متى إصحاح 21 عدد 43 " لِذلِكَ أقولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ ".
معنى تعمل أثمارها: أيْ: تمتثل لتعاليَمّ الله، ولها ثمار كثيرٍة في الدعوة إلى اللهِ...


الموضع الثالث: نبيُّ مُبشر به من قبلِ المسيح وهو محمّد...وذلك إنجيل يوحنّا في الإصحاح 16 عدد 13 " وأمّا مَتَى جاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ ".

وعلى هذا أكون قد نسفتُ الشبهةَ نسفًا، وأصبحَ الإشكالُ الحقيقي عندهم وليس عند المسلمين....

كتبه / أكرمُ حسن مرسي
نقلًا عن كتابي : ردّ السهام عن الأنبياءِ الأعلام، بعد المراجعة.