الاســـم:	Untitled.png
المشاهدات: 2077
الحجـــم:	148.4 كيلوبايت


لم يحدث من قبل أن أثار حوارا للبابا فرنسيس مثل هذا الكمّ من التعليقات فور نشر حديثه مع جريدة "لا كروا" الكاثوليكية الفرنسية. وليس هذا القدر من التعليقات ناجما عن القضايا المأخوذة من أحداث الساعة أو ما يدور حاليا فحسب، غير أن معظمها دار حول المهاجرين والعلمانية في فرنسا. إلا أن اختيار هذا التوقيت بالذات، والقضايا غير المعلنة للأحداث، وموقف هذا البابا المتلاعب الماكر، على حد ما وصف نفسه ذات يوم، فقد تناقض في هذا الحوار مع نفسه في عدد من القضايا التي طرحها، وإن كان ذلك يمثل جزءا من لعبته ومن تقنية حواره مع الناس..
إن الموضوعات التي أراد البابا أن يطرحها في هذا الحوار تتعلق بالجذور المسيحية لأوروبا، وهجرة الفارين من حرب سوريا وغيرها، والإسلام، والعلمانية، وفرنسا، وفضائح الشواذ جنسيا. ولقد اختارت إدارة الجريدة تسع جُمل أساسية من حواره ونشرتها على حدة كتوجيه للقارئ. ونظرا لكل ما تضمنه اتساع هذا الحوار من حقائق غير معلنة، فقد اخترت أربع نقاط لأتناولها بشيء من التفصيل: الجذور المسيحية لأوروبا؛ العلمانية؛ المهاجرين؛ الإسلام.
الجذور المسيحية لأوروبا:
من الغريب أن نرى البابا يعرب عن بعض التحفظات فيما يتعلق بالجذور المسيحية لأوروبا قائلا: "يجب أن نتحدث عن جذور متعددة لأن هناك الكثير. بمعنى أنه حين أسمع من يتحدث عن الجذور المسيحية لأوروبا أتشكك أحيانا في المعنى الذي قد يكون به نزعة انتصارية أو انتقاميه. وذلك يتحول إلى نزعة استعمارية"!
ومعروف أن الاتحاد الأوروبي يتضمن 28 دولة (أعضاء) بما فيهم فرنسا، وكلها بلدان لها جذور متنوعة، خاصة إسلامية. فلا يمكننا ابداً أن نغفل ثمانية قرون من المساهمة الحضارية المسلمة خاصة في فرنسا واسبانيا وإيطاليا. فذلك يعني تحريف التاريخ المعاش. كما أن التحدث بإصرار عن "الجذور المسيحية" لفرنسا فقط فذلك يعني العنصرية والاستعمارية ـ كما يقول البابا ـ وخاصة تلك النزعة الانتصارية الانتقامية التي غرستها الكنيسة في ذاكرة أتباعها. ألا تصر فرنسا لليوم على الاحتفاظ بمستعمرات لا حق لها فيها ولا معنى لوجودها فيها سوى لنهب خيراتها؟ الا تواصل فرنسا نفس النهج في إفريقيا وخاصة في الجزائر؟ ومع ذلك فلم يكن الحديث يدور إلا حول الجذور المسيحية، وهذا التجديد الذي احدثه البابا بالإشارة إلى عدة جذور لأوروبا يشير إلى تغيير قادم..
أما الربط بين الخدمة المسيحية المتعلقة بغسل الأقدام واستضافة المهاجرين، فذلك لا يكشف إلا عن الترتيب المسبق لكل أفعال البابا فرنسيس. وهو ما يفسر لماذا قام منذ انتخابه بالقيام تدريجيا بإدخال المسلمين في هذا الطقس الذي هو في غير موضعه، لكيلا أقول شيئا عن هجومه المرير ضد الإسلام، ثم فجأة، هذا الانقلاب المبالغ فيه والذي يكشف عن وجود تخطيط يتم تنفيذه في وضح النهار وفي الخفاء. فواقعة اصطحابه اثني عشرة مهاجرا مسلما على نفس متن الطائرة التي اقلته وهو عائد من مدينة ليزبوس، يدور في نفس المعنى: انها مقدمة لتغيير كبير يتم الاعداد له، تغيير كبير سيتم فرضه على الجميع..
العلمانية الفرنسية:
"على فرنسا أن تقوم بخطوة إلى الأمام من حيث العلمانية لتقبل بالانفتاح على أن يكون التسامي من حق الجميع" ؛ "أعتقد أن العلمانية مصحوبة بقانون راسخ يضمن حرية العقيدة هو بمثابة إطار للتقدم" ؛ "إلا إن كل شخص يجب أن يكون له حرية التعبير عن إيمانه الشخصي. فإن كانت امرأة مسلمة تود ارتداء الحجاب، يجب أن يمكنها فعل ذلك"!! يا له من انقلاب شاسع بين هذه العبارات جيدة الحبكة، وكل المواقف السابقة للفاتيكان والكنيسة منذ بداية انتشار الإسلام!
فطوال قرون عدة تقوم الكنيسة باتهام الإسلام وسبّه ومحاربته وشيطنته. ولم يكن بلا سبب أن قامت جريدة "لو موند ديبلوماتيك" الفرنسية بوصف البابا يوحنا بولس الثاني ذات يوم قائلة: "أنه يسير على الإسلام بوابور ظلط"! فلا بد حقا من وجود سبب قهري أدى إلى أن تقوم نفس هذه الكنيسة بمثل هذا التحول المذهل. وهو تحول قد أفزع الفرنسيين المسيحيين الذين استقوا كل ما جعلتهم الكنيسة يتجرعونه، خاصة طوال العقود الأخيرة، بتضافر مع الحكومات والسياسيين والإعلام لشيطنة الإسلام..
من ناحية أخرى، فإن العلمانية الفرنسية، منذ أوائل بداياتها، وهي مزدوجة الوجه. ويكفي أن نقول إنه لكي تتمكن فرنسا من الإعلان عن علمنيتها رسميا، فهي تتحمل ثلثا تكاليف البعثات التبشيرية في فرنسا أو في العالم، لكيلا أقول شيئا عن المصاريف السرية للقوانين المالية. ويكفي أن نرى علاقة الدولة العلمانية الفرنسية بالكنيسة: فرئيس فرنسا يجب أن يكون رئيس كنيسة لاتران بإيطاليا، وكل العطلات الرسمية تقريبا هي مناسبات دينية، والمساحة المتاحة للتعبير عن التديّن لا يمكن إغفالها: فتكفي الإشارة إلى إقامة تمثالا للبابا يوحنا بولس الثاني في حيّ مونمارتر، أو الحلقات الدينية النقاشية العلنية التي تقام في الميادين، أو ابتداع اليوم العالمي للشباب والتعاون على إقامته سنويا، الخ. لذلك فهو من الغريب حقا أن نرى البابا فرنسيس يقوم بالملاحظة التالية لفرنسا: "إن الانتقاد البسيط الذي أوجهه لفرنسا بهذا الصدد هو أنها تبالغ في علمنيتها". أليس هو وكل من سبقوه في المنصب هم الذين فرضوا عليها ذلك الشكل العلماني المتعصب الذي ينتقضه؟
المهجّرون:
ردا على سؤال مندوب الجريدة عما إن كانت أوروبا يمكنها استيعاب ذلك الكم من المهاجرين، قال البابا: "إن السؤال الأساس الذي علينا أن نطرحه هو لماذا يوجد اليوم ذلك الكم من المهاجرين؟ فعندما كنت في مدينة لمبدوسا، منذ ثلاث سنوات، كانت تلك الظاهرة في بدايتها".
وكأن البابا لا يعرف أسباب الحروب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، التي لا تعود إلى ثلاث سنوات فحسب، ولكن منذ ذلك القرار الشيطاني الذي أدى إلى التاريخ المشئوم: 9.11.2001، لأن الحرب على الإرهاب هي صناعة متعمّدة، انها حرب من أجل الغزو والانتصار، مثلما تعد العولمة هي الطريق الأخير نحو النظام العالمي الجديد. ولا يخرج هذا الموقف من جانب البابا عن كونه يقوم بدور الساذج لعلمه أن سبب هذه الحروب العنصرية الهدّامة المُغتصبة لخيرات البلدان التي يدمرونها، تدور بالاتفاق مع الصهاينة والولايات المتحدة والفاتيكان، وبالتعاون مع كبار مموّلي السلاح، وليست بسبب تجار السلاح أو المهربون!
وأن نسمعه يقول: "إن كان هناك ذلك الكمّ من البطالة فذلك يرجع إلى قلة الاستثمار الذي يمكنه إتاحة فرص عمل، كما في إفريقيا مثلا. فكم هي بحاجة إلى ذلك". ولكي نرى مدى هذا النفاق، تكفي مطالعة ما كتبته حول سينودس إفريقيا في مقال بعنوان: "تنصير إفريقيا وإفقارها"، سنة 2009، لنرى إلى أي مدى يمد الفاتيكان أنيابه ليمتص الثروات الطبيعية، التي لا تزال مدفونة، لتلك القارة الشديدة الثراء، الشديدة البؤس، مع القيام بتنصيرها.
ثم عاد مرة أخرى إلى المهاجرين، ورأى البابا أن أسوأ استقبال لهؤلاء المرحّلون هو أن يوضعوا في أحياء مغلقة، مثلما فعل الغرب مع من يطلقون عليهم الآن "إخواننا الأكبر منّا"، فذلك يعني ترك الحرية للمهاجرين، الذين تم تهجيرهم بلؤم شديد، إمكانية الحفاظ على هويتهم وإيمانهم، بينما العمل على "استيعابهم" وتذويبهم في المجتمع، فذلك يعني تحويلهم وجعلهم جزء من تلك الحضارة المسيحية العنصرية، التي هي غريبة عليهم، والعمل على تغيير عقليتهم وتصرفاتهم وإعادة تشكيلهم وفقا لمفهوم المستعمر الغازي وإدخالهم في أجهزة الدولة وأنماطها، أو كما يقول موريس باريس، وهو من قادة الحركة الوطنية في مطلع القرن الماضي: "في مثل هذه المشكلة الشديدة التعقيد لموقف الأجانب في فرنسا، هناك فكرتين علينا تنفيذهما: حماية مواطنينا ضد الغزو الأجنبي، واستيعاب الأجانب الذين يعيشون على أرضنا" ! لكن هنا، لا يتعلق الوضع "بالغزو" مثلما وصفهم البابا منذ عدة أسابيع، ولكن نحن بصدد عملية تهجير مخططة، كانت بمثابة عملية اقتصادية مربحة أتت بستة مليارات دولار على التجار المهربون الحقيقيين الذين كانوا خلف هذا المأساة.
على أية حال، فقد بدأت عملية "استيعابهم" فعلا، ليس بالهجوم الذي قام به فرانسوا كوبيه كحرب صليبية جديدة ضد الحجاب في الأماكن العامة في فرنسا، ولكن ما تقوم به المانيا هو أسرع بكثير: فبعد دروس التربية المدنية/الوطنية وطباعة منشورات حول الحياة في المجتمع الغربي، قد تم اصدار نشرة للتربية الجنسية والعلاقات الحميمة للمهاجرين! إن المركز الفيدرالي الألماني للتربية الصحية قد أصدر نشرة بعنوان "زانزو"، بثلاثة عشر لغة. ومن الواضح أنه عمّا قليل سنرى تطبيق نظرية الچندر وكل الألاعيب الشيطانية المنفلتة، المعتمدة رسميا في الدول الأوروبية، أي في الدول "المتحضّرة"! ومن ناحية أخرى فقد بدأت عملية تنصيرهم فعلا.
كل هذه المبادرات تجعل المرء يتحيّر وتملأه المرارة والقرف من هذه المجتمعات التي تُقدم لنا على أنها المثال الذي يجب أن يُحتذى والنمط الذي يجب أن تتشكل عليه البلدان التي استعمروها ونهبوها وأفقروها وأفلسوها ثم أطلقوا عليها "العالم الثالث"..
ويعود البابا إلى ضرورة استيعاب المهجرين قائلا: "إن هذا الاستيعاب ضروري اليوم حيث أن أوروبا تعاني من مشكلة خطيرة في نقص المواليد". وها هي كلمة صريحة تفلت منه! الأمر الذي يكشف عن الوجوه الحقيقية لهذه المأساة المعدّة مسبقا والتي تم تنفيذها بدقة. فأوروبا بحاجة إلى أيدي عاملة، والكنيسة بحاجة إلى زيادة عدد أتباعها.. رغم فرضها على الأتباع ألا يقل الإنجاب عن ثلاثة أطفال..
وهناك عبارة أخرى كاشفة، تنهي مقطع الهجرة، عندما أعلن البابا قائلا: "إن السوق الحر تماما لا يعمل بكفاءة. إن السوق في حد ذاته شيء طيب لكنه بحاجة إلى سند، إلى طرف آخر، إلى دولة للسيطرة عليه لتوازنه". وهي جملة لا معنى لها هنا بما ان الأسواق بعامة تتبع الدولة أو تتم وتمر عن طريقها. إلا إن كان يشير إلى تلك الحكومة العليا، التي ستسود العالم عما قريب، في نظام جديد..
الخوف من الإسلام:
السؤال المتعلق بالإسلام والذي كان لا بد وأن يُطرح في هذا الحوار، تلقّى نفس الرد المراوغ الذي يشير إلى جزء من الحقيقة أو من الواقع، لكنها اجابة لها مغزاها: "لا اعتقد أن هناك اليوم مَن يخشى الإسلام، في حد ذاته، لكن داعش وحربها للانتصار مأخوذة جزئيا من الإسلام".
وهذا الرد من قِبل شخص يعلم تماما خبايا اللعبة، وما فعلته مؤسسته، فإن هذه العبارة "لا أعتقد أن هناك اليوم من يخشى الإسلام" التي تنغرس في قلب كل قارئ مسلم كالخنجر، بمثابة الدليل القاطع على كل الحرب الشيطانية التي مارستها الكنيسة ومحركيها ضد الإسلام والمسلمين، لأنها تصرفت بصورة أبشع مما يقوم به تنظيم داعش الذي اختلقوه وموّلوه ووجّهوه.. أنها قرون ممتدة من الحرب والأكاذيب والعداوة من أجل اقتلاع الإسلام الذي لم يتم تنزيله من رب العالمين إلا لتصويب كل ما تم من تحريف في نصوص وعقائد الرسالتين السابقتين. فالتوراة قد أبيدت مع هدم المعبد سنة 70 م، وأعيدت كتابتها من الذاكرة فيما بعد بكثير. أي أنه ليس بها أي شيء منزّل. والأناجيل لا يوجد لها أي نص أصلي، فكل أصولها الموجودة باليونانية، وهي لغة لم يكن يسوع أو الحواريين يعلمونها. وقد تم نسجها عبر المجامع والباباوات. أي انها عبارة عن أكاذيب متراصة. لذلك أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم كآخر بلاغ إلهي لكافة البشر.
وردا على سؤال: "الكنيسة في فرنسا تعاني من نقص حاد في القساوسة، فكيف يمكنها اليوم أن تعمل بذلك العدد القليل منهم؟ ". ويأتي الرد بنفس الأسلوب الماكر، فقد ذكر البابا نموذج كوريا والصين، و"أن الروح القدس هو الذي يقوم بالتبشير من خلال البشر"! وأغفل ذكر قرار مجمع الفاتيكان الثاني الذي أصدر لأول مرة في التاريخ قرارات تتعلق بالمدنيين وبالكنائس المحلية، وأنه عليهم، بالأمر، المشاركة في عمليات التبشير أينما كانوا. لذلك لا يعني البابا أن يكون لديه العدد الكافي من القساوسة، فكل المسيحيين في العالم، مفروض عليهم المساهمة في التبشير منذ ذلك المجمع.
خلاصة الحوار:
إن أول ملاحظة نخرج بها من هذا الحوار هو تغيير واضح في بعض عبارات البابا فرنسيس، وتغيير مواقفه ولو ظاهريا، وتسطيحه لكثير من الأمور. الأمر الذي أزعج العديد من الأتباع خاصة في فرنسا. فكل ذلك التخطيط ستتضح أبعاده في نهاية هذا الشهر الحالي، بعد اجتماع الأستانا، في كزاخستان، حيث سيلتقي كل زعماء الأديان والسياسة في العالم. وهذا اللقاء سيسبقه، عشية الافتتاح، اجتماع آخر حول الإرهاب في العالم. وكل ذلك يتفق مع جملة قالها أوباما مؤخرا، وهو يتحدث عن الأحداث القادمة وضرورة منح: "السلطة المطلقة لحكومة عالمية لإدارة شئون العالم، وشعوب محدودة التفكير وغير قادرة على إدارة شئونها"..
زينب عبد العزيز
21 مايو 2016

http://saaid.net/daeyat/zainab/27.htm