طلائع الرفض في المجتمع المصري

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

زواج المتعة في العهد القديم » آخر مشاركة: undertaker635 | == == | دونالد ترامب.. خلفيات و وعود.. بقلم: د. زينب عبد العزيز » آخر مشاركة: دفاع | == == | بالصور.. هنا "مجمع البحرين" حيث التقى الخضر بالنبي موسى » آخر مشاركة: إيهاب محمد | == == | بيان ان يسوع هو رسول الله عيسى الذى نزل عليه الانجيل وبلغه وبالادله المصوره من كتابكم المقدس » آخر مشاركة: عبد الرحيم1 | == == | بالروابط المسيحيه:البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم يعترف بإباحيه نشيد الإنشاد!(فضيحة) » آخر مشاركة: نيو | == == | سؤال جرىء(الحلقه 11):لو كان محمد نبيا كاذبا..لماذا يحمل نفسه مثل هذا؟؟ » آخر مشاركة: نيو | == == | نواقض الإسلام العشرة .....لابد ان يعرفها كل مسلم » آخر مشاركة: نيو | == == | صلب المنصر هولي بايبل على أيدي خرفان الزريبة العربية ! » آخر مشاركة: نيو | == == | لتصمت نساؤكم في الكنائس : تطبيق عملي ! » آخر مشاركة: نيو | == == | يسوع اكبر كاذب بشهاده العهد الجديد » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

طلائع الرفض في المجتمع المصري

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى ... 2 3 4 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 67

الموضوع: طلائع الرفض في المجتمع المصري

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    اقتباس
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شبكة إبن مريم الإسلامية مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك استاذنا الحبيب

    ولكن هل تمتلك نسخة من مراجعات سيد امام


    انت اعلم بمقداره العلمي عند هذا النوع من الجماعات ولقد اطلعت على أجزاء من مراجعاته بجد كانت جدا قوية لشدة تخصص الشيخ


    وجزاكم الله خيرا
    اخي الفاضل مدير المنتدى

    أشكر لكم تفضلكم الكريم بالمرور على الدراسة وأحب أن أقول لأخي عبد الله القبطي ان هذا الموضوع خاص بي كما أنني املك مراجعات سيد إمام الخطيرة في مكتبتي بمصر المحروسة..

    زهدي

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    8 ـ وفي مسند أحمد حديث رقم 22874 باقي مسند الأنصار حديث ‏عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ:
    [ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنَا ‏ ‏فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ‏ ‏عَنْ ‏‏عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ‏ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خِيَارُكُمْ وَخِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا لَكُمْ ‏ ‏الْخَمْسَ ‏أَلَا وَمَنْ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا أَتَى وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ].
    9 ـ مسند أحمد 25391 باقي مسند الأمصار حديث أم سلمة:
    [ قَالَ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ضَبَّةَ بْنِ مُحْصِنٍ ‏ ‏عَنْ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَيَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَغِبَ وَتَابَعَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا الصَّلَاةَ ‏
    حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ضَبَّةَ بْنِ مُحْصِنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ].

    10ـ وفي سنن الترمذي2190 باب الفتن:
    [ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ‏ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ خِيَارُهُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ وَشِرَارُ أُمَرَائِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ‏ قَالَ‏ ‏أَبُو عِيسَى ‏هَذَا ‏ ‏حَدِيثٌ غَرِيبٌ ‏ ‏لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏يُضَعَّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ‏].

    11ـ وفي سنن الترمذي 2125 باب الفتن:
    ‏[ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ‏‏حَدَّثَنَا ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ‏ ‏عَنْ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَرَجُلٌ سَأَلَهُ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا ‏ ‏حُمِّلُوا ‏ ‏وَعَلَيْكُمْ مَا ‏ ‏حُمِّلْتُمْ ‏ ‏قَالَ ‏أَبُو عِيسَى ‏ ‏هَذَا ‏ ‏حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ‏].

    12ـ صحيح البخاري 6529 كتاب الفتن:
    ‏[ حَدَّثَنَا‏ ‏مُسَدَّدٌ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ ‏].

    13ـ البخاري 6557 كتاب الفتن:
    [ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى‏ ‏حَدَّثَنَا ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏ ‏يَقُولُ ‏كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ ‏ ‏قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ‏].

    14 ـ وفي صحيح البخاري باب الفتن حديث رقم 6531:
    حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ‏ ‏الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً‏ ].

    15 ـ ‏ وفي سنن أبي داوود حديث رقم 4134:
    ‏[حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَرْفَجَةَ ‏ ‏قَالَ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ سَتَكُونُ فِي أُمَّتِي ‏ ‏هَنَاتٌ ‏ ‏وَهَنَاتٌ ‏ ‏وَهَنَاتٌ ‏ ‏فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ]
    عون المعبود شرح سنن أبي داود
    ‏قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَنَات وَهَنَات ‏
    بِفَتْحِ أَوَّله قَالَ فِي النِّهَايَة أَيْ شُرُور وَفَسَاد , يُقَال فِي فُلَان هَنَات أَيْ خِصَال شَرٍّ وَلَا يُقَال فِي الْخَيْر, وَاحِدهَا هَنْت وَقَدْ تُجْمَع عَلَى هَنَوَات. وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمُرَاد بِهَا هَاهُنَا الْفِتَن وَالْأُمُور الْحَادِثَة. ‏
    ( وَهُمْ جَمِيع ):أَيْ وَالْحَال أَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيع وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة ‏
    ( كَائِنًا مَنْ كَانَ ) : قَالَ الْقَارِي : أَيْ سَوَاء كَانَ مِنْ أَقَارِبِي أَوْ غَيْرهمْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْأَوَّل أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَهِيَ الْخِلَافَة قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ . وَلَيْسَ لِعَرْفَجَة فِي كُتُبهمْ سِوَى هَذَا الْحَدِيث . وَضُرَيْح بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا يَاء آخِر الْحُرُوف سَاكِنَة وَحَاء مُهْمَلَة.

    16 ـ عن ابن عمر قال إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر. (العقد الفريد ج 1 ص 8).

    17ـ عن أبي ذر الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر كيف بك عند ولاه يستأثرون عليك بهذا الفيء، قال: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك، قال: أولا أدلك على ما هو أخير لك من ذلك؟ تصبر حتى تلحقني. (نيل الأوطان للشوكاني ج 7 ص 80-81).
    18ـ ويراجع بالتفصيل البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 118 وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة ج 2 ص 406 وابن تيمية الفقيه المعذب لعبد الرحمن الشرقاوي..

    19ـ مسلك الإمام أبي العباس تقي الدين بن تيمية مع الحكام ، وابن تيمية يمثل الثورة على الفساد والعنف في تغيير المنكر والأمر بالمعروف عند جماعة الجهاد إلا أنهم لم يحسنوا التلقي عن الشيخ الثائر المجاهد دائما فماذا كان مسلكه مع الحكام ومع تلاميذه إنه لمسلك مغاير تماما لما وصفوه ـ أي جماعة الجهاد ـ به ، فلقد رأيناه بعد أن هدأ الناس واستقرت أمورهم بعد الانتصار الكاسح الساحق على التتار، فما هدأ ولا استقر إنه ليحاول أن يستخلص العبرة من كل ما مر بالأمة من أحداث ، ولقد استقر رأيه على أن يحاسب المفسدين والذين خانوا الأمانة فناصروا التتار والصليبيين حينما كان يحارب سيظلون ثغرة يتسرب منها العدو وعلى المؤمنين سد الثغور حقا لقد جاء يوم الحساب والعقاب، ليس هؤلاء وحدهم هم الذين يستحقون ولكنهم أيضا الولاة الذين يظلمون الرعية ويدفعونها إلى اليأس حتى لتستوي لديها أظفار الذئاب المغيرة عليها وعصا رعاتها الظالمين، ثم صناع البدع والضلالات ممن يخرجون بالأمة عن نهج السنة ويشغلونها بالأباطيل هؤلاء وبال يجب الخلاص منه ولكنه اشتغل بهذا كله لزعم حساده من العلماء أنه ترك الفقه وعلوم الدين ليشتغل بالسياسة طلبا للرياسة والسلطة والجاه..لا..ما اهتمامه بهذا البهتان..إنه ليعرف أن هدف الشريعة هو تحقيق المصلحة للأمة ودفع الضرر وإماطة الأذى، إذن فالعلماء ليسوا فيران كتب ولكنهم حملة مشاعل وأدوات تنوير، هم أولو الأمر كالولاة وهم مسئولون أمام الله عن نصرة الحق ودحض الباطل وإقامة المجتمع الفاضل وإلا ما جدوى ما يحملون من علم إنهم إن سكتوا حقت عليهم لعنة الله وضلوا ضلالا بعيدا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر بالخسران في الدنيا والآخرة قوما حملوا التوراة فلم يحملوها ولم يعملوا بها فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا..
    فليذهب إلى نائب السلطان فيكلمه في الباطنية الذين ناصروا التتار وكاتبوا الصليبيين زمن الحرب غير أنه تردد بعض الشيء فهو لا يحب أن يطرق أبواب الحكام فلقد أقام السلطان محمد بن قلاوون نفسه في دمشق أياما بعد الانتصار فما ذهب الشيخ إليه فكان السلطان يدعوه كل ليلة بعد الإفطار ويسأله النصيحة والموعظة..
    إن الشيخ لا يجد عند الحكام إلا ما يوجع القلب..
    فهو يجد أهل الزيف والنفاق وبعضهم ـ واحر قلباه ـ من العلماء..
    الحكام تعودوا أن يسمعوا لغة غير التي يتقنها الشيخ ، لقد استطعموا المداهنة والمديح والشيخ لا يعرف غير المصارحة والمكاشفة وقوله الحق ..
    ولكن تردد الشيخ لم يطل فهو لا يذهب إلى هذا الحاكم أو ذاك للمؤانسة ولكن دفعا للضرر عن الأمة وجلبا لمنفعة الناس..
    ذهب إلى نائب السلطان وطلب منه أن يعلن الحرب على الباطنية الذين يعتصمون بالجبل تأديبا لهم عما اقترفوه من خيانة الأمة وطلب من نائب السلطان أن يمهله رويدا فحرب كهذه يجب أن يأذن بها السلطان نفسه فقرر الشيخ أن يكتب هو نفسه للسلطان على أن يحمل الزاجل رسالته على جناح السرعة ..
    إلا أنه خلال انتظاره لم يلتزم الصمت بل جعل كل دروسه وعظاته توجيها للناس ليتطوعوا لجهاد الباطنية إن أذن لهم السلطان وأفتى الشيخ أن قتالهم واجب على المسلمين جميعا ولا تكفي فيه فئة كالعسكر عن سائر المسلمين ذلك أنهم معتدون، فصار دفع عدوانهم واجبا على المقصودين بالعدوان غير المقصود لإعانتهم كما قال تعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم ، ولكن خروج المسلمين لقتالهم لا يصح شرعا إلا بإذن ولي الأمر وهو السلطان فلينتظر أمر السلطان..
    وسأله سائل: إذا كان قتالهم واجب على كل مسلم وقادر ففيم انتظارنا حتى يأذن السلطان؟ قال الشيخ: لأنه ولي الأمر هو الراعي المسئول عن الرعية بنص الحديث الشريف ولا تعلن الحرب إلا بإذنه وله على الرعية الطاعة وإلا اضطربت أمور الناس وتحكم الهوى وعمت الفوضى وتفرق الشمل واشتعلت الفتنة وقد جاء في الأثر أن مائة عام من سلطان جائر خير من يوم واحد بلا سلطان ، فإذا أخطأ ولي الأمر فله علينا النصيحة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم .
    وأذن السلطان بقتال الباطنية وأرسل أمره إلى نائبه بدمشق أن يقود حمله من العسكر إلى الباطنية ومعه الشيخ تقي الدين بن تيمية ومن يتطوع معه للقتال وقد كان ، ولما علم الشيخ أن في الجبال صخرة بارزة يتبرك بها العامة ويسألونها قضاء الحاجة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة ـ فكل طواف إلا الطواف بالكعبة بدعة ـ طلب من نائب السلطان إصدار أمر بإبطال الطواف حول الصخرة وأصدر نائب السلطان أمره ولكن الناس ظلوا على حالهم فطلب الشيخ من نائب السلطان أن يأذن له في الخروج لقطع الصخرة فأذن له وخرج برجاله ومعه بعض الحجارين بمعاولهم فقطعوا الصخرة وعادوا..
    وفي طريق العودة سأله أحد أصحابه : ما بالك تحملنا على ألا نغير منكرا إلا بإذن السلطان أو نائبه؟ أما كانت جماعتنا منذ عشرين عاما ترهب أهل الفساد؟ أما كنا نمضي دون إذن من أحد فنكسر الحانات ونريق الخمور ونكبس البيوت المتخذة للفواحش ونضرب الفساق ونحلق شعور المتشبهين من الرجال بالنساء وغيرهم من الغلمان ورجم من فعل فِعل قوم لوط؟ أما كنا نغير المنكر بأيدينا فما بالك اليوم تكف أيدينا حتى يأذن لنا السلطان أو نائبه؟!..
    قال الشيخ : سأجيبك في الحلقة لتعم الفائدة إنشاء الله..
    وعندما اكتملت له حلقته في الجامع الأموي قال : كنا نقاوم المنكر بأيدينا على نحو عشرين عاما دونما إذن من ولي الأمر ولكن عندما فتح الله علينا وزادنا علما بفضله تبين لنا أن ما كنا نقوم به ليس هو الشرع فاعلموا منذ اليوم أن إقامة الحدود وتعزير الخاطئين من ضرب وسجن وجلد ونحوه وإتلاف المال الحرام كل ذلك من عمل ولي الأمر فهو المسئول وحده عن إنزال العقاب وليس لأحد من الأمة القيام عنه بهذا إلا إذا أذن له ولي الأمر .. ولى الأمر وحده هو الذي يحق له عقاب أهل الجنايات وقهر الناس على التزام الجادة وإتباع حكم الشريعة ..
    أما ما كنا نقوم به منذ عشرين عاما فهو غلط سببه نقص العلم وقد أوقعتنا فيه الغيرة على السنه وحمية الشباب وشدته وجهل ما للراعي على الرعية من حقوق فعفا الله عما سلف .. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
    فسأله شاب متحمس : فإذا قصر ولى الأمر في محاربة البدع والفساد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ألسنا مأمورين بأن ننهض عنه بهذا ؟!..
    قال : من ذا الذي يأمركم بهذا يا بني ؟!..
    إن قصر الحاكم أو خرج عن حدود العدالة وواجبات ولى الأمر أصبح حكمه ملكا دنيويا لا خلافة نبوية، فهو بإجماع جمهور الفقهاء ملك على المسلمين وطاعته واجبة .. إن الصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه لما في الخروج عليه من فتنة ينتج عنها قتل الأبرياء، كلا الأمرين مكروه ولكن أقوى المكروهين ـ أي الفتنة والقتل ـ أولى بالترك..
    ومثل هذا الحاكم يطاع في العدل ولا يطاع أمر بمعصية فلا طاعة في معصية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، وقال:(من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة وعلينا له النصيحة ومواجهته بكلمة الحق)، قال صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)..
    أنا أحدثكم عن ولي الأمر الذي يتولى منصب الإمامة الكبرى كالخلفاء والملوك والسلاطين أما أولو الأمر في المناصب التي تلي الإمامة الكبرى فتغييرهم ممكن من غير فتنة ولذلك يجب المطالبة بتغييرهم إذا جاروا ..
    هذا هو مسلك الإمام أبي تيمية الفقيه المعذب الذي ظلموه حينما نقلوا عنه فتاوى قالها في محلها وفتاوى قالها وعدل عنها ولكنهم ـ أي جماعة الجهاد ـ أساؤوا إليه ويا ليتهم فقهوا فقه الإمام ومسلكه مع الحكام مثلما فهمه تلاميذه الذين خرجوا بعد انتهاء درس الشيخ يتعاهدون فيما بينهم على ألا يزعجوا أحدا باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا ينازعوا ولي الأمر سلطانه في عقاب أهل المنكر والفساد وأصحاب البدع والجنايات ولسوف يصبرون على جور الحكام حذار الفتنة..


    3ـ مسلك صاحب السلطة الشرعية مع البغاة

    من المتفق عليه في كل المذاهب الشرعية أن قتال الخارجين لا يجوز قبل سؤالهم عن سبب الخروج والأصل في ذلك كما قال الإمام ابن حزم:
    ( .. هو قول الحق سبحانه وتعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله).. فأمر الله تعالى بالإصلاح ثم بالقتال فلا يجوز أن يقدم القتال على الإصلاح ولا يكون الإصلاح إلا برد المظالم ورفع الجور، فيجب على صاحب السلطة الشرعية ألا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينا ناصحا لهم يسألهم عن الأسباب التي دعتهم إلى الخروج فإذا ذكروا مظلمة كانت سببا في ذلك أو ذكروا شبهه أزالها لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة فإن أصروا بعد إزالة مظالمهم أو رد شبهاتهم على موقفهم نصحهم ووعظهم وبين لهم سوء عاقبة عملهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود ولقد رأينا القوم الذين اجتمعوا للخروج على علي ـ رضي الله عنه ـ فجعل الرجل يأتيه يقول له : يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك..
    قال : دعهم حتى يخرجوا حتى كان ذات يوم فدخل عليهم الصحابي الجليل ابن عباس وهم قائلون (أي مستريحون في القيلولة وقت الظهيرة) فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر من أثر السجود في جباههم كأن أيديهم ثفن الإبل (أي خشنة) عليهم قمص مرحضة (مستعملة)..
    فقالوا : ما جاء بك يا بن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟
    قال: قلت: ما تعيبون مني ذلك؟ فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن الثياب اليمنية قال: ثم قرأت هذه الآية الكريمة ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)
    فقالوا: ما جاء بك؟
    قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم نزل القرآن وهو أعلم بتأويله ، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم..
    فقال بعضهم: فلنكلمه..
    قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة..
    قال: ما نقمتم عليه؟
    قالوا: ثلاثا..
    فقلت: ما هن؟
    قالوا: حكّم الرجال في أمر الله والله يقول (إن الحكم إلا لله)
    قال: قلت هذه واحدة.. وماذا أيضا؟
    قالوا: فإنه قاتلهم ولم يُسبِ ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم ولئن كانوا كافرين حل قتالهم وسبيهم..
    قال: قلت وماذا أيضا؟
    قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين فإن لم يكن أمير للمؤمنين فهو أمير الكافرين..
    قال: قلت أرأيتكم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما ينقص قولكم هذا أترجعون؟!
    قالوا: وما لنا لا نرجع؟!
    قلت: أما قولكم حكّم الرجال في أمر الله فإن الله تعالى قال في كتابه( يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) ،وقال في المرأة وزوجها (وإن خفتم شقاق بينهما فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) فصير الله ذلك إلى حكم الرجال فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات البين أفضل؟! أم في ثمن أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة؟!
    قالوا: بلى هذا أفضل..
    قال: أخرجتم من هذه؟
    قالوا: نعم..
    قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم ،أتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم فأنتم ترددون بين ضلالتين.. أخرجتم من هذه؟
    قالوا: نعم..
    قال: وأما قولكم محا نفسه من إمرة المؤمنين فأنا أتيكم بمن ترضون..
    إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو ما نعلم أنك رسول الله ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسولك يا علي اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا جميعا..) (ابن حزم ـ المحلى ج 12 ص 530).
    وقد نقل ابن عابدين ما جاء في جامع الفصوليين فقال:
    أن المسلمين إذا اجتمعوا على إمام وصاروا آمنين به فخرج عليه طائفة من المؤمنين فإن فعلوا ذلك لظلم ظلمهم به فهم ليسوا بغاة وعليه أن يترك الظلم وينصفهم ولا ينبغي للناس أن يعينوا الإمام عليهم لأن فيه إعانة على الظلم، ولا أن يعينوا تلك الطائفة على الإمام أيضا لأن فيه إعانة على خروجهم على الإمام وإن لم يكن ذلك لظلم ظلمهم ولكن لدعوى الحق والولاية فقالوا الحق معنا فهم أهل البغي ، فعلى كل من يقوى على القتال أن ينصروا إمام المسلمين على هؤلاء الخارجين لأنهم ملعونون على لسان صاحب الشرع قال عليه الصلاة والسلام (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) وعلى هذا الرأي ابن عقيل وابن الجوزي وابن رزين من فقهاء الحنابلة.. (تكملة ابن عابدين ج 4 ص 261)

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    4 ــ الخارجون على الإمام ثلاثة أنواع

    أولا: الخارجون بلا تأويل سواء كانوا ذوي منعه أو شوكة أو لا منعه لهم


    وحكم الخارجين بلا تأويل ولا شوكة لهم عند أبي حنيفة وأحمد حكم قطاع الطرق فيعاملون على هذا الأساس وكتب الحنابلة والأحناف تجعل حكمهم حكم قطاع الطريق دون تفصيل مما يفهم منه أنهم يقررون الأمر كذلك دون قيد أو شرط..
    أما حكمهم عند الشافعي فهو حكم غيرهم من أهل العدل ويحاسبون على ما يأتون من أفعال فإن كونت جريمة حرابه عوقبوا على الحرابة وإن كونت جرائم أخرى عوقبوا عليها ..

    ثانيا: الخارجون بتأويل ولا شوكة أو لا منعه لهم


    على الرغم من أن الرأي الراجح في مذهب الإمام أحمد أن المتأول بلا شوكة يعتبر محاربا فإن بعض فقهاء المذهب لا يشترط الشوكة مع التأويل فلا فرق عنده بين الكثير والقليل ما دام الخروج أساس التأويل ويعتبر المتأول بلا شوكة باغيا لا محاربا وحجتهم في هذا هو أن الخروج أساس التأويل لا الشوكة وعقيدة الخارج لا عدد من يشاركونه تلك العقيدة فلا معنى لاشتراط الشوكة..

    ثالثا: الخارجون بتأويل وشوكة وهم قسمان


    1 ـ الخوارج ومن يذهبون مذهبهم ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويسبون نسائهم ويكفرون بعض أصحاب سول الله..

    2 ـ الخارجون بتأويل ولهم منعه وشوكة ممن لا يذهبون مذهب الخوارج ولا يستحلون دماء المسلمين ولا يستبيحون دمائهم وأموالهم ونسائهم..

    وحجة القائلون بالشوكة أن ابن ملجم لما جرح عليا قال علي للحسن: (أطعموه واسقوه واحبسوه فإن عشت فأنا ولي دمي أعفوا إن شئت وإن شئت استقدت وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به) فقد اعتبر علي جريمة ابن ملجم جريمة عادية ولم يعتبره باغيا لأن خروجه لم يكن بشوكة كما أن إثبات حكم البغاة للعدد اليسير يشجع على الخروج ويؤدي إلى إتلاف أموال الناس لأن البغاة يسقط عنهم ضمان ما أتلفوا.. هذا عن الأحناف..
    أما مذهب مالك فيمن يعتبر باغيا هو كل من امتنع عن الطاعة في غير معصية بمغالبة ولو تأويلا فكل من خرج بمغالبة فهو باغ سواء كان متأولا أو غير متأول ذا منعة وشوكة أو ليس له منعه وشوكة، ويجوز أن يكون الباغي فردا واحدا ويجوز أن يكون الباغي أكثر من فرد واحد ، ولعل المالكية يتفقون مع ما يراه الحنفية.(المغني لابن قدامة ج 10 ص 49).
    يقول الدردير في الشرح الكبير هامش حاشية الدسوقي ولا يضمن باغ متأول في خروجه على الإمام ما أتلف من نفس أو مال حال خروجه لعذره بالتأويل بخلاف الباغي غير المتأول. (الشرح الكبير هامش حاشية الدسوقي ج 4 ص 266).
    ويقول ابن حزم إن كل من خرج على الإمام مغالبة بتأويل أو غير تأويل فهو باغ سواء كان فردا أو جماعة ما لم يكن خروجه بحق فهو ليس باغيا.(المحلى لابن حزم ج 12 ص 525).
    أما عند الشافعيين فيعتبر الخارج باغيا ولو كان خارجا بحق وسواء كان على صواب أو على خطأ وذلك لأن الخارج يسلك الطريق الصحيح الذي يؤدي لإقرار وتصحيح الخطأ فإذن لم يكونوا بغاة فيما يطلبون ولكن بغاة في تحقيق اختيار الوسيلة التي يريدون بها الوصول إلى حقهم لأنها تؤدي إلى الفساد وزعزعة أركان الدولة لأنه من المحرم عليهم الخرج على من ثبتت إمامته لأن من ثبتت إمامته تجب طاعته. (أسنى المطالب شرح روض الطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري ج 4 ص 111).

    كما أهم يشترطون لوجود المنعة أو الشوكة أن يكون في الخارجين مطاع ولو لم يكن إماما عليهم يسمعون له ويطيعون له لأن الشوكة لا تتم إلا بوجوده ولأنه لا شوكة لمن لا مطاع فيهم مهما كانت قوتهم..

    5 ــ المقصود بالتأويل

    التأويل المقصود هو إدعاء سبب للخروج والتدليل عليه، ويستوي أن يكون التأويل صحيحا أو فاسدا حتى ولو كانت الأدلة علي التأويل ضعيفة..
    مثال ذلك :
    1 ـ إدعاء أهل الشام في عهد علي بأنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم فقصة التحكيم التي وقعت بين عمرو ابن العاص وأبي موسى الأشعري تعطي انطباعا خاطئا لأن الخلاف كان له صورة أخرى، إذ أن معاوية رفض إعلان البيعة لعلي ابن أبي طالب بحجة أنه كان مقصرا في توقيع العقاب على قتلة عثمان ابن عفان أي أن القضية لم تكن تتعلق بالخلافة وإنما كانت تتعلق بأحقية علي في البيعة قبل توقيع ذلك القصاص فهذا هو أساس الخروج على علي ابن أبي طالب وهو تأويل فاسد لأنه بأي صفة قانونية كانت تلزم علي رضي الله عنه بتوقيع القصاص وهي ـ لم تؤول ـ إليه بعد؟..

    ولكن منشأ هذا التأويل الفاسد هو المركز القانوني لمعاوية ذلك أن معاوية كان واليا على الشام في خلافة عمر ابن الخطاب فلما انتقل عمر إلى الرفيق الأعلى وولى عثمان أقره على ولاية الشام فلما استشهد عثمان وولى علي لم يقر معاوية على ولاية الشام وبالتالي فقد معاوية مركزه القانوني كحاكم للشام ، وحين امتنع معاوية عن بيعة علي بحجة انتظار القصاص من قتلة عثمان كان هذا يعني أن معاوية ومن تبعه قد صاروا خارجين على الإمام الشرعي وصار حكمهم حكم الثائرين على ولي الأمر..

    2 ـ نوع آخر من التأويل الفاسد..
    كإدعاء الخوارج الذين خرجوا من عسكر علي أنه كفر ومن معه من الصحابة حيث حكم الرجال في دين الله والله تعالى يقول (إن الحكم إلا لله) وتلك كبيرة ومرتكب الكبيرة في رأيهم كافر ، وفساد هذا التأويل مرجعه إلى أنه هناك فرق كبير بين قول الإنسان (لنحكم بما أنزل الله) وقول آخر (إن الحكم إلا لله) ، الإنسان الأول يستدعي المشورة ويفكر في أسلوب للحكم بما أنزل الله أما الثاني فلم يفعل شيئا لقد أنكر حكم البشر وخرج لقد انشق على الجماعة رافضا ولم يقدم بديلا واحدا لما يرفضه أو يشير لبديل واحد يمكن أن يقبل به وهذا تعطيل للعقل البشري والشريعة والاجتهاد..

    ثمة أمر آخر في منتهى الأهمية ألا وهو أن من يزعم أنه يحكم بحكم الله ـ هكذا مجردا ـ يعني أن نقده غير ممكن ولا جائز لأن نقد الله عز وجل غير ممكن ولا جائز فهو كفر وبالتالي تفقد الدولة الإسلامية عنصر الشورى والحرية وتتحول إلى دولة ثيوقراطية استبدادية، ومن ثم قال علي بن أبي طالب فور سماعه هذه الكلمة (إن الحكم إلا لله) قال : كلمة حق يراد بها باطل..

    الفرع الثاني

    استعمال القوة في الخروج وأن يكون بشوكة ومنعة


    يشترط لكي يكون الخروج بغيا أن يكون استعمال القوة هو شرط الخروج، فإذا كان الخروج غير مصحوب باستخدام القوة فلا يعتبر بغيا، كرفض مبايعة الإمام بعد أن بايعت له الأغلبية، فقد امتنع علي بن أبي طالب عن مبايعة أبي بكر أشهرا ثم بايع ورفض سعد بن عبادة مبايعته ولم يبايعه حتى مات، وكامتناع عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر لمبايعة يزيد ومثل ما وقع من الخوارج في عهد علي رضي الله تعالى عنه فهو لم يتعرض لهم حتى استعملوا القوة ولم يعتبرهم بغاة إلا بعد استعمالها..

    ويعتبر الخروج بغيا عند مالك والشافعي وأحمد وابن حزم حينما يبدأ الخارجون باستعمال القوة فعلا ، أما قبل استعمالها فلا يعتبر الخروج بغيا ولا يعتبرون بغاة ويعاملون كما يعامل العادلون ولو تحيزوا في مكان وتجمعوا ولو كانوا يقصدون استعمال القوة في الوقت المناسب..
    أما أبو حنيفة فيعتبرهم بغاة ويعتبر حالة البغي قائمة من وقت تجمعهم بقصد القتال والامتناع لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه القمع..

    1 ـ ولا يبدأ الإمام قتال الخارجين عليه إلا بعد أن يراسلهم و يسألهم عن سبب خروجهم فإن ذكروا مظلمة أزالها أو شبهة كشفها لأن ذلك طريق إلى الصلح ووسيلة إلى الرجوع عن الحق ، وقد فعل ذلك علي ابن أبي طالب ولأن الله سبحانه وتعالى يقول (فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي) فيجب أن يتقدم ما قدمه الله سبحانه وتعالى وهو الصلح ويتأخر ما أخره وهو القتال، ثم يدعوهم بعد ذلك للطاعة فإن استجابوا وإلا قاتلهم إلا أن يعاجلوه بالقتال فله أن يقاتلهم دون أن يسألهم..

    2 ـ وتعتبر حالة البغي قائمة طالما الباغي في مركز المقاتل أو المدافع ، ففي الشرح الكبير للدردير أنه من ألقى سلاحه من البغاة أو كف عن القتال فلا يجوز قتله حيث زالت حالة البغي وهي استعمال القوة وعلى هذا الأساس لا يقتل المدبر ولا الأسير ولا يجهز على الجريح سواء كانت حالة الحرب قائمة أو انتهت وهذا ما يراه الشافعي وأحمد. (الشرح الكبير للدردير هامش حاشية الدسوقي ح 4 ص 265).
    وفي مذهب أحمد لا يتبع المدبر أصلا ولا يقتل ولو كان متحيزا إلى فئة، وفي مذهب الشافعي أنه يجب إتباع المنهزمين إذا انهزموا مجتمعين أو انسحبوا بنظام وكانوا متفرقين فإذا هم انهزموا متفرقين بحيث تزول شوكتهم لم يتبعوا وإلا اتبعوا حتى يتبددوا وتزول شوكتهم ومن تخلف منهم عجزوا أو ألقى سلاحا تاركا للقتال لم يقاتل. (أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 114).

    3 ـ والقاعدة عند المالكيين أنه لا يتبع المنهزم ولا يجهز على الجريح ، إلا إذا خيف منهم أو انحازوا إلى فئة ففي هذه الحالة يتبع المنهزم أما الأسير فإذا كانت الحرب قائمة فللإمام قتله ولو كانوا جماعة إذا خيف أن يكون منهم ضرر فإذا انقطعت الحرب فلا يقتل.(مواهب الجليل مختصر خليل للخطاب ص 277).

    4 ـ ويرى ابن حزم أنه لا يجوز قتل الأسير بأي حال ولو أن قتله كان مباحا قبل الإسار لأن حل قتله قبل الإسار ليس مطلقا وإنما الذي أحل قتله هو قتاله أو دفاعه فإن لم يكن باغيا أي مقاتلا أو مدافعا حرم قتله لزوال حالة البغي وهو إذا أسر فليس حينئذ باغيا ولا مدافعا فدمه محرم وكذلك لو ترك القتال وقعد مكانه ولم يدافع يحرم دمه وإن لم يؤسر لأن الله جل شانه قال (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فمن فاء فلا يقاتل وإنما حل قتال الباغي بمقاتلة ولم يحل قتله قط في غير المقاتلة وكذلك الحكم في الجرحى لأن الجريح إذا قدر عليه فهو أسير وأما لم يقدر عليه كان ممتنعا فهو باغ وأما المدبرون فإن كانوا تاركين للقتال جملة منصرفون إلى بيوتهم فلا يحل إتباعهم أصلا وإن كانوا منحازين إلى فئة أو لاذين بمعقل أو زائلين عن الغالبين لهم من أهل العدل إلى مكان يأمنون فيه ثم يعودون إلى حالهم فيتبعون لأن الله افترض علينا قتالهم حتى يفيئوا لأمر الله وهم لم يفيئوا بعد إلى أمر الله، وإذا قتل من البغاة أسير أو جريح أو مدبر عند من لا يجيزون قتله فقاتله مسئول عن قتله جنائيا ويرى بعضهم هم القصاص من القاتل لأنه قتل معصوما لا شبهه في قتله ، ويرى البعض أن لا قصاص لأن في قتلهم اختلافا بين الأئمة فكان ذلك شبهه دارئه للقصاص عند من يقول أن الشبهات تدرأ الحدود. ( المحلى لابن حزم ج 12 ص 505).

    وأبي حنيفة يرى أن أموال البغاة تظل على ملكهم وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد فكلهم ـ أي الأئمة ـ يتفقون على تحريم أموال البغاة وسبي ذراريهم لأنهم معصومون وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم وما عداه يبقي على أصل التحريم، وقد رويَ أن علي رضي الله تعالى عنه يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه..

    وكان بعض أصحاب علي قد أخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبخ فأبى وكبه وأخذها وبعد موقعة النهروان أمر عليا مناديه فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر بعد الهزيمة ولا يفتح باب ولا يستحل فرج ولا مال ذلك لأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة..

    ويرى الشافعي أنه لا يجوز استعمال شيء من أموال البغاة وأنها ترد جميعا بعد انتهاء الحرب لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه لكن إذا اقتضت الضرورة استعمال مال من أموال البغاة جاز استعماله كما لو تعين استعمال سلاحهم للدفاع أو استعمال خيلهم للتغلب عليهم ويرى البعض أنه يجب أن تؤدي أجرة المال المستعمل كما هو الشأن في حالة الضرورة ولا يرى البعض ذلك لأن الضرورة هنا منشأها فعل البغاة ولم تنشأ من جهة المضطر ومذهب الظاهريين كمذهب الشافعي فهم يرون الحيلولة بين البغاة وبين كل ما يستعينون به على باطلهم من مال أو سلاح فيحبس عنهم حتى يفيئوا ولا يجوز استعماله إذا اضطر أهل العدل لأن يدفعوا به عن أنفسهم. (أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 114).

    أحكام قتلى أهل العدل والبغاة :


    بالنسبة لقتيل أهل العدل فيرى الظاهرية أنه ليس شهيدا بل يغسل ويصلى عليه ويدفن لأنهم وإن ماتوا شهداء في ظاهر الأمر إلا أنهم لم يموتوا في معركة الكفار وذلك استنادا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد) ومن طريق أحمد بن شعيب يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم (ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد)..

    ومن قتل من أهل العدل قتل على أحد هذه الوجوه فهو من ظاهر الأمر شهيد ، وليس كل شهيد يدفن دون غسل ولا صلاه وقد صح أن المبطون شهيد والمطعون شهيد والغريق شهيد وكل هؤلاء لا خلاف في أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم..

    والأصل في كل مسلم كذلك إلا من خصه نص أو إجماع ولا نص ولا إجماع إلا فيمن قتله الكفار في المعترك ومات في مصرعه فهؤلاء هم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلزموا بدمائهم في ثيابهم ويدفنون كما هم دون غسل ولا تكفين ولا يجب فرضا عليهم صلاه فبقي سائر الشهداء والموتى على حكم الإسلام في الغسل والتكفين والصلاة. (المحلى لابن حزم ج 12 ص 516).

    والمالكية يوافقون الظاهرية في ذلك وعند بعض الشافعيين كذلك أنه مسلم قتل في غير حرب الكفار فهو كمن قتله اللصوص وكذلك عند الحنابلة من أن قتيل أهل العدل ليس شهيدا بالمعنى الاصطلاحي الذي يترتب عليه عدم الغسل والتكفين وأما قتيل أهل البغي فيرى المالكية والشافعية والحنابلة أن من قتل من البغاة يغسل ويكفن ويصلى عليه فما دام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه تجري عليه أحكام المسلمين لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) ولأنهم مسلمون ولا شك أنهم لم يكفروا ببغيهم وما دام الأمر كذلك تجري عليهم أحكام المسلمين ، إلا أن الإمام أحمد لا يصلي على بعض البغاة كالخوارج الذين يكفرون بعض المسلمين فإنه قال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم..

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    الفرع الثالث

    نية الخارج


    يشترط لوجود البغي أن يتوفر لدى الخارج القصد الجنائي أي قصد الخروج على الإمام مغالبة بقصد خلعه أو عدم طاعته فإذا كان الخارج لم يقصد من فعله الخروج على الإمام أو لم يقصد المغالبة فهو ليس باغيا..
    وعن مسئولية الباغي أثناء المغالبة يقول الأستاذ عبد القادر عودة أن الجرائم التي تقع من البغاة أثناء المغالبة والحرب وإما أن لا تقتضيها حالة الحرب كمقاومة رجال الدولة وقتلهم والاستيلاء على البلاد وحكمها والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها وإتلاف الطرق والكباري وإشعال النار في الحصون وكشف الأسوار والمستودعات وغير ذلك مما تقتضيه ردعهم والتغلب عليهم فإذا ظهرت الدولة عليهم وألقوا سلاحهم عصمت دماؤهم وأموالهم وكان لولي الأمر أن يعفوا عنهم وأن يعزرهم على بغيهم لا على الجرائم والأفعال التي أتوها أثناء خروجهم. (التشريع الجنائي ج 2 ص 198).

    فعقوبة البغي عند التغلب على البغاة هي التعزير أما عقوبة البغي في حالة المغالبة والحرب فهي القتال ذلك إن جاز أن نسميها عقوبة وما يستتبعه من قتل وجرح وقطع والواقع أن القتال لا يعتبر عقوبة وإنما هو إجراء دفاعي لدفع البغاة وردهم إلى الطاعة ولو كان عقوبة لجاز قتل البغاة بعد التغلب عليهم لأن العقوبة هي جزاء على ما وقع ولكن من المتفق عليه أنه إذا انتهت حالة المغالبة امتنع القتال و القتل..

    والخلاف منحصر في قتل الأسير والإجهاز على الجريح حيث يجيزه البعض ولا يجيزه البعض فإذا انتهت حالة المغالبة فالباغي معصوم الدم لأن البغي هو الذي أباح دمه ولا بغي إذا لم تكن مغالبة ، فعن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن مسعود (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها) ، كذلك يجوز للسلطات مؤاخذة (قاتل الباغي) باعتباره مفتاتا على السلطات العامة وذلك إذا لم تأذن له بذلك..

    خاتمة هذا الجزء


    ظهر من موضوع البغي أن البغاة تختلف أحكامهم بحسب أحوالهم وأنه في أحوال يجوز للإمام تعزيرهم وفي أحوال أخرى يجوز قتلهم كما في حالة الاشتباك.. والملاحظ أنه في القتل في حالة الاشتباك لا يحتاج لحكم يصدر بالإعدام فهو نتيجة طبيعية لمسلكهم فلا يمكن القول حيال ذلك أن البغاة لهم عقوبة محددة مقدما من الشارع وهي الإعدام لأن الإعدام ليس مقصودا لذاته وإنما هو دفع لشر البغاة وإعادتهم إلى الطاعة..

    ولعل طبيعة جريمة البغي هي التي جعلت لها تلك الأحكام التي تتميز عن أحكام الكفار والمرتدين من جهة وقطاع الطريق من جهة أخرى ذلك أن البغاة مفروض فيهم أنه ليس من غرضهم المال ينهبونه والأنفس يقتلونها ظلما ولا السعي في الأرض بالفساد وليست مقاومتهم لأجل الدين في ذاته لأنهم مسلمون ولكن لوقوفهم في وجه صاحب السلطة الشرعية ينازعون السلطة هادفين إلى تغييره لا بقصد الإفساد في الأرض وإنما بتأويل سائغ نحي عنهم وصف الإفساد في الأرض وكان عاملا في تكييف خروجهم تكييفا ينأى بهم عن نطاق الجريمة العادية..

    وإذا نظرنا إلى ما يحدث مجرد الخروج مرتبطا بأهدافه نظريا وبعيدا عن واقع الاشتباك الفعلي وجدنا أنه يفتح بابا للفتنة والاضطراب واسعا قد يكون خطره مدمرا، وحسبنا ما تمخضت عنه الفتنة الكبرى من انقسام كلمة المسلمين ثم تناحرهم الأمر الذي أتاح لأعداء الإسلام فرص النفخ في نارها حتى هاجت واشتد هياجها وأصبح المسلمون شيعا وأحزابا..

    هذا الواقع الأليم من حصاد التجربة يطمئننا إلى القول بأنه ليس ثمة ما يمنع من وضع عقوبات تعزيرية للخارجين عن السلطة الشرعية..

    والمفروض أن صاحب السلطة الشرعية في الدولة الإسلامية يقيم الحكم على نحو ما أنزل الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والخروج عليه معصية والمعاصي تواجه بالتعزيرات الملائمة..

    كما أنه من المفروض أصلا أنه إن كانت هناك مظلمة لفرد أو جماعة يجب أن تقدم وتناقش وتعالج بما يظهر أنه الحق فإذا لم ينصع الخارجون فهم في هذه الحالة عاصون..

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    مفاهيم يجب أن تصحح
    غياب المصطلحات

    إن غياب المصطلحات المتخصصة وعدم إدراك مدلولاتها يوقع الكل في أخطاء جسيمة لا يُحمد عقباها..
    خذ على سبيل المثال مصطلح: (نظام الحكم في الإسلام) و (مبادئ نظام الحكم في الإسلام). والخلط بينهما.. ثم مصطلح( مقاصد الشريعة الإسلامية )

    إن معرفة دلالة كل لفظ له أهميته من حيث النتائج والآثار المترتبة عليها..
    فالإسلام في نظام الحكم مثلاً لم يأت بنظام معين أو بصورة معينة أو قالب معين مفروض على الأمة وقال هذا هو نظام الحكم في الإسلام فطبِقوه.أبداً.. لم يحدث هذا..فالحكم الملكي صورة من صور الحكم، والحكم السلطاني صورة من صور الحكم، والحكم الجمهوري صورة من صور الحكم، والخلافة صورة من صور الحكم. كل هذه صور من صور الحكم تخضع لدستور الدولة والذي يحكمه مجموعة من مبادئ نظام الحكم..
    فالإسلام في نظام الحكم إنما جاء بمجموعة من المبادئ والنظريات تصلح للتطبيق في كل مكان وفي كل زمان ، على أن تترك صور الحكم تبعاً لكل بلد طالما التزم النظام بمبادئ الحكم في الإسلام..
    يراجع بالتفصيل كتاب " مبادئ نظام الحكم في الإسلام" للدكتور عبد الحميد متولي..ومن الضروري جداً قراءة المقدمة والتي لأهميتها طبعها منفصلة عن الكتاب..
    هذا عن مصطلح( نظام الحكم في الإسلام ) والخلط بينه وبين (مبادئ نظام الحكم في الإسلام).
    ولسوف نتعرض بالتفصيل في الفصل الثاني من هذه الدراسة.
    أما الحديث عن مقاصد الشريعة الإسلامية والمحددة في المادية الثانية من الدستور الرسمي للدولة فالأمر فيها مختلف تماماً، ولا شك أن دستور الدولة يعكس فلسفتها السياسية والاجتماعية أيا كانت تلك الفلسفة ومن ثم فانه علي ذلك يعتبر الأساسي الشرعي لكل الأنظمة القانونية في الدولة .

    معني الدستور : يثير فقهاء القانون الدستوري جدلا طويلا حول المذهب الموضوعي – والمذهب الشكلي في معني القانون الدستوري . وليس يعنينا هنا أن نعالج هذه القضية بتفصيل، وإنما يعنينا منها القدر الذي يتعلق بموضوعنا ،فالدستور ـ علي أي حال ـ هو القانون الأساسي في دولة ما ـ هو قمة التنظيم القانوني في أي دولة. ولا يتصور وجود قاعدة قانونية تسمو علي الدستور وإنما يتصور العكس بمعني سمو الدستور علي كل قواعد القوانين الأخرى .

    والدستور يتعلق بتنظيم الدولة باعتبارها مؤسسة المؤسسات السياسية أو المؤسسة ألام لكل المؤسسات داخل الدولة من حيث كيفية تكوينها واختصاصها وكيفية مباشرتها لهذه الاختصاصات وحدود وضوابط هذه الاختصاصات، كذلك علاقة سلطات الدولة ببعضها، وعلاقتها بالمواطنين، كذلك فان الدستور لابد وان يعني بحقوق المواطنين في مواجهة السلطات العامة وكيفية حماية هذه الحقوق . هذا هو المعني العام الموجز للدستور .
    وإذا استرجعنا المفهوم الواسع الدستور. . فإننا سنري انه هو الذي يضم القواعد الأساسية التي تحدد سلطات الدولة واختصاصها، وعلاقاتها بالأفراد.. ومن ثم فان الرقابة علي دستورية القوانين لابد وأن يتولاها قضاء دستوري متخصص..وهو ما يعرف بالمحكمة الدستورية العليا.

    فموضوع القضاء الدستوري والرقابة علي دستورية القوانين مهم جداً لأننا لا نستطيع إلا أن نتوقف عند الوثيقة الدستورية، وكل نص ورد فيها فهو نص دستور بصرف النظر عن موضوع الحكم الذي يتضمنه ذلك النص. وكل نص لم يرد في الوثيقة الدستورية فانه لا تنسحب عليه الحماية التي قررها الدستور عندما يقرر رقابة دستورية القوانين .
    المعيار إذن هو الوثيقة الدستورية : أو كل نص يأخذ حكمها ومرتبتها ودرجتها..
    هذا هو ما يقوله فقهاء القانون الدستوري..
    فمثلاً ينص الدستور المصري في مواده الخاصة بالحريات على أن :

    المادة 1: جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة. والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة.

    مادة2: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

    المادة 40 :المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

    المادة 46 :تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

    المادة 47 :حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني.

    ولكن في الدولة الدينية التي لا تُحترم فيها الأقليات العقائدية ولا حرية الاعتقاد ولا المواثيق الدولية ولا الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ويأخذ التمييز والإقصاء والاضطهاد أشكال عدة في الكم وفي الكيف إلى أن يصل إلى التمييز بين مذاهب الدين الواحد.
    فتطبيق المادة الثانية من الدستور المصري يحمل تبعيات ونتائج وهي :
    أولاً : تلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية للبحث عن بغيته فيها مع إلزامه بعدم الالتجاء إلى غيرها.

    ثانياً : إن لم يجد في الشريعة الإسلامية حكماً صريحاً فإن وسائل استنباط الأحكام من المصادر الاجتهادية في الشريعة الإسلامية تمكن المشرع من الوصول إلى الأحكام التي يريد وضعها في القانون بحيث لا تخالف الأصول والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية.
    وعليه فمبادئ الشريعة الإسلامية ( المادة الثانية من الدستور) هي عبارة عن صياغة قوانين الدولة طبقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية..
    ومن ثم يجب على دعاة الفكر أن يفهموا المصطلح الفقهي لمفهوم: مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان..وهو موضوع الدراسة التالية..

    المطلب الأول
    مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان

    يرتبط إحقاق حقوق الإنسان بالإصلاح الاجتماعي، فلا إحقاق للحقوق في ظِلِّ الفساد والإفساد القائم على الجور والظلم، ولذلك فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد أقرَّت المقاصد الشرعية الإسلامية لتحقيق الإصلاح الاجتماعي القائم على إنصاف الإنسان وإعطائه كامل حقوقه في ظلِّ العدل والمساواة، وبناءً على ذلك تتطابق نتائج حِكْمَةِ الْحُكم وعلته، ويتجلى ذلك في المقصد الذي ترمي إليه الأحكام من خلال درء المفاسد، وجلب المصالح للمخلوقات.
    وإن استقراء المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية يوضح أن الشريعة قد جاءت من أجل حماية الكون، وفي مقدمته إنصاف الإنسان، وتحريره من الظلم، وفرضت أحكام الحلال والحرام، وأباحت الرخص بشروطها المعقولة في حالات استثنائية من أجل حفظ المهجة، ورعاية المصالح العامة والخاصة، واعتماد تقعيد العموم والخصوص، وإقرار فقه الحقوق الإنسانية العامة والخاصة عملا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
    ومَن يستقرئ أصول الأحكام الشرعية وفروعها يجد توافقاً عقلياًّ وشرعياًّ على ضرورة توفر الشروط الخاصة بكل حُكم، والشرطُ العامّ هو توفر الأهلية باعتبارها مناط التكليف الشرعي القائم على الأمرِ بطاعةٍ، والنهي عن معصيةٍ، واشتراطُ الأهلية لوجوب التكليف هو الضمان الأساسي لحقوق الإنسان لأن انعدام الأهلية يُسقط التكليف لعدم وجود الاستطاعة.
    وبمعنى آخر : إن طاعة الحاكم الشرعي، أو غير الشرعي لا تقتضي ظلم الرعية لأن ظلمها يتعارض مع مقاصد الشريعة الشرعية، ومع شرعة حقوق الإنسان الوضعية، والفارق كبير بين طاعة الخالق، وطاعة المخلوق، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب طاعة المخلوق من أجل طاعة الخالق، وبناء على ذلك يتضح الواجب الشرعي القاضي بالإنصاف، والناهي عن الظلم، وميزان تقييم تأدية الواجب هو مدى التزام الحكام عامةً وخاصّةً بتطبيقِ العدل المأمور به شرعاً وعقلاً ونقلاً، وتَجَنُّبِ الْجَور المنهي عنه شرعاً وأخلاقياًّ وإنسانياًّ وفلسفياًّ.
    إن رصد وقائع الأحداث في عالمنا المعاصر يوضِحُ وجود حراك وجدال ومناظرات في الميادين الفكرية والتشريعية والسياسية والفلسفية، وكل فريق يدعي أنه يمتلك الحل السحري للمعضلات البشرية، ويضمن حقوق الإنسان من العدوان، ويتمسك بالديمقراطية التي تخدمه، ولو ألغت الفريق المعارض له، وفي خضم الجدال نجد بعض المجادلين الناقمين على الإسلام يعادون أفكار الآخرين بسبب التعصب الذاتي، وبسبب جهلهم ما عند الآخر، والإنسان عدو ما يجهل بالغريزة، ومن هنا نجد من يعادي الشريعة الإسلامية ويعتبرها خطراً على حقوق الإنسان لأنه يجهل أحكام الشريعة وأسبابها وشروطها وعللها.
    وهنالك مَن يدعي مسّ الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان، وسبب الادعاءات هو أن ذلك الْمُدّعي لم يقرأ التراث الشرعي الإسلامي، ويهاجم بدوافع الحقد والكراهية، والأحكام المسبقة دون اعتبار للأدلة الواضحة للمنصفين، ولكن المنصف الذي درس التراث، واعتنى بتأصيل العلوم، ومعرفة سياقها التاريخي بشكل دقيق يعلم عدالتها، ويتأكد من شرعيتها بإسنادها إلى المصدر الأول في عهد النبوة، إذ أن العمل بما هو شرعي يقتضي النصَّ قولاً أو عملاً أو إقراراً، ولدى استقراء ما وصلنا من عهد النبوة والخلافة الراشدة، ثم الخلافة الأموية فالعباسية فالعثمانية نجد تسلسل انتقال العلوم من التأصيل إلى التفريع، ومن الإجمال إلى التفصيل، وفي استقراء وقائع الأحداث في جميع المراحل التاريخية منذ فجر الإسلام حتى الآن نجد أن حفظ حقوق الإنسان منوط بالتمسك بمقاصد الشريعة التي يُعبَّرُ عنها بالمصالح، وقد وصلتنا نصوص مخطوطة لعلماء أجلاء تدعم الروايات الشفوية المتواترة بالسماع الصحيح الذي أخذه الخلف عن السلف.
    ومن العلماء المؤلفين الذين تركوا لنا نصوصا مضيئة حول المصالح الإنسانية الإمام العزّ بن عبد السلام المتوفى عام 660 ﻫ / 1262م، وضمّنها كتابه ‏(‏قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وبيَّن كيفية "جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا"، وقال: "لِلدارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا" وفي هذا الكلام إشارة إلى حفظ حقوق الإنسان في الدنيا والآخرة.
    ومن كتب التراث الإسلامي الرائدة في إيضاح حقوق الإنسان كتاب الموافقات الذي ألفه الإمام الشاطبي المالكي، وضمَّنه مقاصد الشريعة الإسلامية التي تضمن حقوق الإنسان، وكانت وفاة الشاطبي سنة 790 ﻫ / 1388م في عهد السلطان العثماني مراد الأول الذي استشهد بعد الانتصار في معركة كوسوفو، ومصطلح المقاصد عند الأصوليين مُواز لمصطلح المصالح، وما فيه مقصد للشريعة فيه مصلحة للبشر، ومجيء المصالح بمعنى المقاصد وارد عند الإمام الزركشي الشافعي( 745 - 794 ﻫ / 1344 - 1392م) حيث يستخدم مصطلح المصالح بدل مصطلح المقاصد، وهذا واضح في كتاب البحر المحيط في أصول الفقه حيث يقول:

    "قَالَ أَصْحَابُنَا: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ كُلَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ, إجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ, إمَّا عَلَى جِهَةِ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ عَلَى أَصْلِنَا, أَوْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ, فَنَحْنُ نَقُولُ: هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ, وَلا لأَنَّ خُلُوَّ الأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ, وَإِنَّمَا نَقُولُ: رِعَايَةُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَمْرٌ وَاقِعٌ فِي الشَّرْعِ, وَكَانَ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ لا يَقَعَ كَسَائِرِ الأُمُورِ الْعَادِيَّةِ".
    ويستخدم الزركشي مصطلح الاستصلاح في قوله: "وَلَكِنَّ الَّذِي عَرَفْنَاهُ مِنْ الشَّرَائِعِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى الاسْتِصْلَاحِ , ودَلَّتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى مُلاءَمَةِ الشَّرْعِ لِلْعِبَادَاتِ الْجِبِلِيَّةِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنَّهَا لا تَنْفَكُّ عَنْ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ"، وتتعدد المصطلحات المرتبة بالمقاصد والمصالح عند الأصوليين المسلمين، وهذا واضح عند الزركشي في معرض البحث في موضوع "[ الْمَسْلَكُ ] الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ [الْمُنَاسَبَةُ]" حيث يقول الزركشي:

    "وَهِيَ مِنْ الطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ , وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ " الإِخَالَةِ " وَبِـ " الْمَصْلَحَةِ " وَبِـ " الاسْتِدْلالِ " وَبِـ " رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ ". وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا " تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ " لأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ. وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ، وَغَمْرَتُهُ، وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ. وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ , أَيْ : الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُلاءَمَةُ" وفي هذا الكلام إيضاح عدد من المرادفات التي استعملها العلماء للتعبير عن مراعاة المقاصد الشرعية ورعاية المصالح الإنسانية، وهذا دليل على قِدَم الاهتمام بالمقاصد والمصالح رغم تنوع المصطلحات المعبرة عنها عبر القرون التي سبقت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ومازالت معتبرة حتى العصر الحاضر.

    لاشك أن العلوم قد تطورت، وتفرعت عن الأصول فروع كثيرة، ولم تتخلف الشريعة الإسلامية عن مواكبة العصر حسبما يراه بعض المتخلفين الذين لم يفهموا الشريعة، فللشريعة مقاصد حيوية مناسبة لكل عصر، والمقاصد تتعلق بالفرد وبالمجتمع، وهي بذلك تحفظ حقوق الإنسان الفرد الضرورية المتمثلة بحفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، كما تحفظ الشريعة الإسلامية حقوق الجماعة الإنسانية التي تبدأ بالأسرة، وتتسع لتشمل الإنسانية عامة، وتبدأ بحفظ الحقوق الإنسانية ابتداءً بالعلاقات الأُسَريّة التي تشمل حفظ النوع البشري بتنظيم العلاقة بين الجنسين، وحفظ النسب، وتحقيق السكن والمودة والرحمة جراء التعاون علمياًّ وعملياًّ في كافة المناشط الإنسانية العاطفية والدينية والاقتصادية، وبالإضافة للعلاقات الأسرية أوجبت الشريعة في حلقة أوسع حقوق الأُمّة، وفرضت قيام مؤسسات الدولة لإقامة العدل بين الناس، ولحفظ الأمن والأمان، ورعاية مكارم الأخلاق، وإقرار التكافل الاجتماعي، ونشر العلوم، ومكافحة الجهل، والمحافظة على المال الخاص والعام، والتعاون مع الأمم الأخرى لتحقيق إعمار الأرض المأمور به شرعاً، ومكافحة التدمير والتخريب المنهي عنه شرعا، والأدلة الشرعية على ذلك ثابتة بنصوص القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية المطهرة، وأدلة إجماع السلف الصالح، وما يتضمنه التراث الشرعي الإسلامي من المنقول والمعقول.
    ولا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضروريات، بل تتجاوزها إلى الحاجيات والتحسينيات والتكميليات.
    فأما الحاجيّات فهي ما يُفْتَقَرُ إليه من حيث التَّوْسِعة على الناس، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وتشمل ما يتعلق بالحاجات العامة، ولا يصل إلى مرتبة الضروريات.
    وأما التحسينات فتشمل مكارم الأخلاق، ومُستحسَن العادات والتقاليد، وتستبعد ما يؤذي الذوق العام مما يأنفه العاقلون، واستقراء ما تضمنته الشريعة الإسلامية من مقاصد الشريعة وما انطوت عليه من الضروريات والحاجيات والتحسينيات والتكميليات يُوضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت حقوق الإنسان كأفضل ما يكون، وأن دعاوى النقاد المعادين ما هي إلا غمامة صيف لا مطر فيها ولا خير للإنسانية، بل هي دعاوى شاذة تقوم على الجهل والتجني.
    وتضمنت الشريعة الإسلامية آلية لحفظ الحقوق الإنسانية، وذلك بفرض العقوبات على المخالفين لتردعهم عن إلحاق الأذى بغيرهم، وتناسبت الحدود الشرعية مع نوعية المخالفة وما تنتجه من ضرر خاص أو عام، فهنالك حَدُّ الردة لحفظ الدين، وحَدُّ القتل العمد العدوان قصاصاً لحفظ النفس، وحَدُّ الزنا لحفظ النسب أو النسل، وحَدُّ شرب الخمر لحفظ نعمة العقل، وحَدُّ قطع السارق لحفظ المال، وحَدُّ القذف لحفظ العِرْض والسُّمعة من افتراء المفترين، وتطبيق هذه الحدود هو من أجل ردع من تسول له نفسه تدمير القيم الإنسانية، وليست من أجل التنكيل بالمجرم.
    إن المنقول والمعقول الشرعي الإسلامي قد نصَّ على حفظ حقوق الإنسان في الحياة، والدليل قوله تعالى:
    {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32

    وحق الإنسان في الحرية التي أشار إليها الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوله لابن الأكرمين: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" وحق المساواة بين الناس والحكم بالعدل، والدليل قوله تعالى:
    { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} سورة النساء، الآية:58.

    وحق الدفاع عن النفس والعرض والمال، وذلك بالرد على المعتدي، والدليل قوله تعالى:
    {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة البقرة، الآية: 194.
    وهنالك حقوق كثيرة ضمنها الشريعة لكي يحيا الإنسان حياة حرة كريمة دون أن يؤذى، أو يُلحق الأذى بالآخرين عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول: " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة" ويكون ذلك بالحكمة، وليس اعتباطاً.

    لقد أوضح الإمام ابن تيمية الطريقة القويمة والمنهاج الواضح في كيفية التعامل مع كافة القضايا حيث يقول: "والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين: لم يَعْرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يَعْرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومَن عبدَ الله بغير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح" ومن هنا وجب على مَن يتصدى للحديث في شؤون الأمة بشكل عامّ ، وحقوق الإنسان بشكل خاص أن يعلم مضمون الشريعة، وكيفية تعاملها في الحقوق والواجبات كي يستطيع أن يكون مُنصفا، وليس مُتجنياًّ كما هو حال الكثيرين الذين يتشدقون بحقوق الإنسان، ويدعون أن الشريعة الإسلامية هي السبب، والراجح أن الذي يدفعهم إلى اتخاذ تلك المواقف هو سبب واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما الحقد على الإسلام والمسلمين، وإما الجهل المطلق بمضمون الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    المطلب الثاني
    مصادر التشريع الإسلامي


    لا يخلو مجتمع، صغر حجم أفراده أو كبر، قلّ باعه في المدنية أو كثر، من شريعة وقانون ينظم مسيرة أبنائه، يسلك بهم سبل التعاون على الخير، ويبين حدود كل واحد منهم، وما له من حقوق وما عليه من واجبات، ضمن منظومة مجتمعية حاكمة لها سلطة القانون، وحتى في المجتمعات الصغيرة المتناثرة التي انقطع عنها حبل المدنية والحضارة، أو لم يصل إليها نور الشرائع روحها، فإنها تعيش في إطار شبكة من الشرائع التي تبنتها على مدار الزمن ودونتها عقليات هذا المجتمع وان تدانت في المدنية من وجهة نظر الآخرين.
    وتصاغ الشريعة في صورة قوانين ..والقانون، في السياسة وعلم التشريع، هو مجموعة قواعد التصرف التي تجيز وتحدد حدود العلاقات و الحقوق بين الناس والمنظمات، والعلاقة التبادلية بين الفرد والدولة ؛ بالإضافة إلى العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعدَ المؤسسة للقانون..
    أي أن القانون لكي يمكن تطبيقه واحترامه يجب أن يتكون من قواعد واضحة ليس فيها لبس.. ولهذا السبب استقر الرأي في كل الدول الحديثة أنه لا يتم سن أي قوانين إلا من خلال مجلس واحد وهو المجلس التشريعي المنتخب ولا يتم تعديله إلا من خلال هذا المجلس.. ليكون القانون واضحا يسهل علي القضاة الحكم به.. ويسهل علي الدولة تطبيقه.. ويسهل علي الأفراد حكاما ومحكومين احترامه.. واتفق ببساطة أن التشريع يعني سن القوانين..
    وتقابل الشريعة أو القانون، اللاقانون والفوضى، حتى إذا ما أريد وصف الحالة الفوضوية المؤدية إلى خراب البلد، قيل في مثل هذا البلد والمجتمع أن شريعة الغاب تحكمه وتتحكم في أفراده، في إشارة إلى الحياة السبعية في الغابات والأدغال، على إن الحياة السبعية هي الأخرى تحكمها قوانين خاصة بها، وإلا لما أُطلق عليها شريعة الغاب، بل إن بني البشر في بعض الأحيان تسوقه الفوضى والخراب إلى الدرجة التي يتفوق فيها في اللاقانون على سكان الغابة من الوحوش الكاسرة، فلا يصدق معه مفهوم شريعة الغابة، ولا الشريعة المدنية، فيكون هو أقرب إلى شريعة القتل وهتك الحرمات منه إلى شريعة الغاب.
    وبالرغم من تمايز الشرائع ما بين شريعة سماوية وأخرى بشرية، فان قاسم الشرائع جميعها منصب على خلق النظام في صفوف المجتمع الواحد أو الطائفة أو الأمة، ولكن ما يميز شريعة الإسلام الخاتم لجميع الأديان السماوية، عن غيره، أنها شريعة متكاملة ومتطورة ومواكبة لتحولات العصور والدهور، ومنسجمة تماما مع ناموس الحياة والكون، لا يعجز الفقيه الحاذق من إيجاد الفتوى والرأي الفقهي من بين ثنايا نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة، للمرونة المتوفرة في الفقه الإسلامي والسعة القانونية التي تتصف بها شريعة الإسلام، ما جعلها قائمة إلى يومنا هذا، وتنعقد عليها العشرات من الحكومات والإمبراطوريات، وتتصدر المادة الأولى من دستور أية دولة، بغض النظر عن حجم التطبيق والممارسة.
    ولبيان معالم التشريع الإسلامي ومصادره، وقراءة معرفية لأصوله لدى المذاهب الإسلامية المختلفة..
    والفقه الإسلامي بمرونته وحيويته قادر على حلّ كل المشكلات مهما تجددت الحوادث وتشعبت مذاهب الحياة فيها، وهذا يعود إلى طبيعة الشرع الإسلامي المتجدد بذاته، والى باب الاجتهاد المفتوح أمام الفقهاء العدول للبت في مستحدثات الحياة، فيما لا نص فيه، قطعيا في صدوره كان أو ظنيا.
    ولأن مصادر التشريع تشعبت بمرور الزمن، فكثيرا ما تلتقي المذاهب الإسلامية في أمور وتختلف في غيرها، وذلك لأن مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة لم تنتظم في سلك واحد لدى الفقهاء جميعاً، فمنهم من عمل ببعضها ومنهم من أخذ بغيرها.
    فالتشريع هو الدين بنصه وحكمه وآياته وتنزيله.
    وأما الفقه، فهو فهمنا للدين، وقدرتنا على إتباعه، والاستفادة من أدلته. فالفقيه إذن ليس مشرعا بذاته، وإنما فاهماً وشارحاً ومفسراً ومبيناً لأمور الشرع. وهؤلاء الفقهاء وان استقلوا بفتاواهم أو علومهم، فإنهم يأخذون عن غيرهم من العلماء، ومن هنا كنت تجد العلماء يعتمدون نصوص بعضهم ويتتلمذ الواحد منهم على الآخر، حتى قال الشافعي رحمه الله (كلنا عيال على أبي حنيفة)". وصح تواتر القول عن الإمام أبي حنيفة النعمان: (لولا السنتان لهلك النعمان)، وهو بذلك يشير إلى السنتين اللتين جلس فيهما يأخذ العلم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق.
    ولكن هل يصدق القول على كل من لبس العمة والجبة، أنه دخل سلك الفقهاء وصار منهم؟.
    إن الفقيه هو من أتقن علوم الدين من كتاب وسنة وتفسير وعقيدة ولغة، وأصبحت لديه الملكة المؤهلة للخوض والاجتهاد في أمور الدين وعلى هذا فيمكننا أن نحدد أن الفقيه من استطاع أن يستنبط الأحكام ليقرّب أمور الدنيا من أمور الدين، وجعل أمور الدنيا ومستجداتها تدور في دائرة الشرع ولا تخرج عنها مستعينا بما يملك من إمكانيات ووسائل تعينه في ذلك.
    إذن، فان مصالح الناس، هي محور عمل الفقيه واجتهاده.
    إذن "مصادر التشريع" هي: "السبل التي يستخدمها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية، ويعتمد عليها في الوصول إلى مبتغاه".
    وبالطبع ليس الأحكام كلها، لأنه في الشريعة الإسلامية وربما في غيرها ثوابت ومتغيرات وإن شئت فسمّها بالساكن والمتحرك، فهناك ضرورات لا تطالها يد الاجتهاد، وهي:
    التي تشمل جميع الأحكام المبينة من المحكمات وما ورد فيه نص إلهي أو نص نبوي أو نص إمام من الأئمة الأربعة، مما لا خلاف عليه فلا يمكن تعديه، هذا هو الثابت من الشريعة وما تبقى خارج هذه الدائرة فهو المتحرك من هذه الشريعة، والمتغير من القانون، حيث تُرك المجال مفتوحاً أمام الفقيه أو الحاكم ليملأه حسب الحاجة طبقا للكتاب والسنة.
    على أن الفقيه يبحث في التشريع المختص بالأحكام الشرعية لا العقائدية، لان موضوع التشريع هو الفقه وليس الكلام.
    كما أن للتشريع مادتين أساسيتين وهما: القرآن الكريم والسنّة النبوية، ووقع الخلاف بين المذاهب الإسلامية، في أربعة عشر موردا، وهي: الإجماع، العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح الذرائع وسدّها، العرف، شرع مّن قبلنا، مذهب الصحابي، القرعة، الحيل الشرعية، الشهرة، السيرة، والأصول العملية.

    أصول الشريعة المتفق عليها:

    التشريع أو الفقه الإسلامي هو مجموعة الأحكام الشرعية التي أمر الله عباده بها، ومصادره أربعة وهي التالية:

    القرآن:
    وهو كلام الله تعالى وهو المصدر و المرجع لأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت لنا مسألة رجعنا قبل كل شيء إلى كتاب الله عز وجل لنبحث عن حكمها فيه، فإن وجدنا فيه الحكم أخذنا به، ولم نرجع إلى غيره. ولكن القرآن لم يقصد بآياته كل جزئيات المسائل وتبيين أحكامها والنص عليها، وإنما نص القرآن الكريم على العقائد تفصيلاً، والعبادات والمعاملات إجمالاً ورسم الخطوط العامة لحياة المسلمين، وجعل تفصيل ذلك للسنة النبوية. فمثلاً: أمَرَ القرآن بالصلاة، ولم يبين كيفياتها، ولا عدد ركعاتها. لذلك كان القرآن مرتبطاً بالسنة النبوية لتبيين تلك الخطوط العامة وتفصيل ما فيه من المسائل المجملة.

    السُنَّة النبوية:
    وهي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير. وتُعَدُّ في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم، شريطة أن تكون ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، والعمل بها واجب، وهي ضرورية لفهم القرآن و العمل به.

    الإجماع:
    هو اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي، فإذا اتفق هؤلاء العلماء - سواء كانوا في عصر الصحابة أو بعدهم - على حكم من الأحكام الشرعية كان اتفاقهم هذا إجماعاً وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن علماء المسلمين لا يجتمعون على ضلالة، فما اتفقوا عليه كان حقاً.
    روى أحمد في مسنده عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألتُ الله عز وجل أن لا يَجمَعَ أمَّتي على ضلالةٍ فأعطانيها ".
    والإجماع يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الرجوع إليه، فإذا لم نجد الحكم في القرآن، ولا في السنة، نظرنا هل أجمع علماء المسلمين عليه، فإن وجدنا ذلك أخذنا وعملنا به.
    مثاله، إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أن الجد يأخذ سدس التركة مع الولد الذكر، عند عدم وجود الأب.

    4- القياس:
    وهو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما. وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع. فالقياس إذاً في المرتبة الرابعة من حيث الرجوع إليه.
    أركان القياس أربعة: أصل مقيس عليه، وفرع مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع.
    ودليله قوله عز وجل: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، أي لا تجمدوا أمام مسألة ما، بل قيسوا وقائعكم الآتية على سنَّة الله الماضية. وروى مسلم وغيره عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ".
    وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أرسله رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم إلى اليمن ليُعَلِّمَ الناس دينهم، فقال: يا معاذ بما تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أقيس الأمور بمشبهاتها ( وهذا هو الاجتهاد )، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تهلل وجهه سروراً: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله، وفي رواية أخرى قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (أي أجتهد و لا أترك).
    مثاله: إن الله تعالى حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، و العلة في تحريمه: هي أنه مسكر يُذهِب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حَكَمنا بتحريمه قياساً على الخمر، لأن علة التحريم ـ وهي الإسكار ـ موجودة في هذا الشراب؛ فيكون حراماً قياساً على الخمر.


    الأصول المختلف عليها
    :

    الإجماع، الذي يعني عند أهل اللغة، الاتفاق، وعند أهل الفقه والأصول هو اتفاق الأمة أو الصحابة أو العلماء، فالإجماع بالإجمال أسلوب حضاري سبق المسلمون غيرهم إلى الأخذ بآراء أرباب العلم.
    وبعيدا عن الخلافات حول متعلق الإجماع فانه بالإجمال حجة عند جميع المذاهب وهو أحد الأصول المعتمدة في التشريع"، على إنه ليس أصلا بذاته.

    العقل، وهو الذي يوصف بأنه: القوة التي يدرك بها الإنسان ويحكم من خلالها على مدركاتها، وإنما سمي بالعقل لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك". وعليه فيجب على الفقيه المجتهد الجامع للشرائط أن يتحلى بعقلية قريبة من الفطرة الإنسانية والواقع المعاش والمذاق الإسلامي، بلحاظ أن للبيئة تأثيرا على نمط الفتوى والحكم وهذه النظرية جديرة بالاهتمام حيث أنها تتوافق مع صلب الإسلام من جهة، كما والتطور الاجتماعي وكلّ ملابساته من جهة أخرى.

    القياس: والذي وردت فيه تعريفات عدة، والذي يعني فيما يعني التعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره، وفيما إذا لم يرد بذلك الحكم نص من الكتاب والسنة. على إن القياس واحد من الأصول المتنازع عليها بين المذاهب.

    الاستحسان: وهو عد الشيء حسناً، مع اختلاف الفقهاء الأصوليين في تعريفه والاستدلال عليه، فان: "الاستحسان: في الواقع لا يغني عن الحق شيئاً وانه مجرد عد الشيء حسناً كما عرّفه اللغويون وهذا هو الرأي بعينه وربما أضاف بعضهم بعض الشروط ليقيدها بما يلائم القواعد الأصولية". وهو لا يعد دليلا في قبال الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

    المصالح المرسلة: المصطلح مركب من كلمتين: المصالح وهي جمع المصلحة وتعني كل ما في فعله أو تركه منفعة، والمرسلة، وهي مؤنث المرسل وهو الذي لم يحدد ولم يقيد.
    والمصالح المرسلة: إما مردّها إلى الدليل العقلي أو إلى النص الإلهي أو النبوي، فلا معنى لعدها دليلا مستقلا ووصفها في قبال الكتاب والسنة والعقل، وأما إن كان خلفيتها الرأي والقياس وما إلى ذلك فهو مرفوض .

    الذرائع: أو سد الذرائع وفتحها، أي بمعنى الوسيلة، كما أنها ليست أصلا برأسها.

    العُرف: الذي يعني في اللغة: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
    ويعنى في الأصول: ما تبناه المجتمع من دون إنكار..كما أن العرف ليس أصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنة بل مآله إما إلى العقل أو إلى السنة.

    8 ـ الشرائع السابقة: أو ما اصطلح عليه بـ "شرع من قبلنا شرع لنا"، وهي الشرائع المنزلة على أنبياء الله، وهي ليست بأصل قائم لوحده بل مرجعه إلى الكتاب والسنّة.

    مذهب الصحابي: أو ما يعبر عنه بقول الصحابي أو رأيه أو فتواه. والاعتماد على مذهب الصحابي كأصل في التشريع بل لا يمكن الركون إليه في قبول روايته أيضا بمجرد كونه صحابيا إلا بعد التثبت من عدالته.

    10ـ الحيل الشرعية: أي الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف. فدور الفقيه كدور المحامي،حيث يسلك طريقا قانونيا ليخلص موكله من المأزق الذي وقع فيه، ويسمى بالتحايل على القانون، ولكنه في إطار القانون.
    فالحيلة الشرعية إن كانت من هذا النوع بمعنى سلوك طريق شرعي آخر دون أن يصطدم بحكم شرعي آخر أو يضيع حقاً أو ما شابه ذلك فلا إشكال فيه، ولكنه ليس مصدرا مستقلا بذاته.

    11ـ الشهرة: والتي تعني في اللغة الذيوع والوضوح، وعند المحدثين بالشهرة الروائية دلالة على استفاضة رواة الحديث، وعند الفقهاء بالشهرة الفتوائية، دلالة على شيوع الفتوى وذيوعها، وخلاصة الأمر أن: "الشهرة ليست أصلاً بل من المسائل المرتبطة إما بالسنة وعلومها أو بالإجماع وفروعه.

    12ـ السيرة: والتي تعني السلوكية وحسن السيرة بين الناس، فما خص عقلاء الناس سمي سيرة العقلاء، وما خص الفقهاء سمي سيرة المتشرعة، وهي ليست أصلا من الأصول التشريعية.

    13ـ القرعة: وتعني السهم والنصيب، وإجالة شيء بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها..

    14ـ الأصول العملية: أي أساس الشيء، وبتعبير الأصوليين، القواعد التي يستندون إليها في استنباط الأحكام، مثل أصالة الإطلاق والعموم والظهور وغيرها.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    المطلب الثالث

    مصطلح (الدولة المدنية).

    والخلط بينه وبين مصطلح (الدولة الدينية)


    إذ أن الدولة المدنية المسلمة تسمح بوجود أقليات عرقية غير مسلمة ..في حين أن الدولة الدينية لا تسمح إطلاقاً بوجود مثل هذه الأقليات..
    خذ مثلاً دولة دينية كإسبانيا المسيحية فماذا بعد سقوط غرناطة المسلمة وسيطرة الدولة الدينية المسيحية عليها؟..لقد ظهرت محاكم التفتيش؟..فما هي محاكم التفتيش؟..
    محاكم التفتيش

    1ـ سقطت غرناطة ـ آخر قلاع المسلمين في إسبانيا ـ سنة (897 ﻫ=1492م)، وكان ذلك نذيرًا بسقوط صرح الأمة الأندلسية الديني والاجتماعي، وتبدد تراثها الفكري والأدبي، وكانت مأساة المسلمين هناك من أفظع مآسي التاريخ؛ حيث شهدت تلك الفترة أعمالاً بربرية وحشية ارتكبتها محاكم التحقيق (التفتيش)؛ لتطهير أسبانيا من آثار الإسلام والمسلمين، وإبادة تراثهم الذي ازدهر في هذه البلاد زهاء ثمانية قرون من الزمان.
    وهاجر كثير من مسلمي الأندلس إلى الشمال الإفريقي بعد سقوط مملكتهم؛ فرارًا بدينهم وحريتهم من اضطهاد النصارى الأسبان لهم، وعادت أسبانيا إلى دينها القديم، أما من بقي من المسلمين فقد أجبر على التنصر أو الرحيل، وأفضت هذه الروح النصرانية المتعصبة إلى مطاردة وظلم وترويع المسلمين العزل، انتهى بتنفيذ حكم الإعدام ضد أمة ودين على أرض أسبانيا.
    ونشط ديوان التحقيق أو الديوان المقدس الذي يدعمه العرش والكنيسة في ارتكاب الفظائع ضد الموريسكيين (المسلمين المتنصرين)، وصدرت عشرات القرارات التي تحول بين هؤلاء المسلمين ودينهم ولغتهم وعاداتهم وثقافتهم، فقد أحرق الكردينال "خمينيث" عشرات الآلاف من كتب الدين والشريعة الإسلامية، وصدر أمر ملكي يوم (22 ربيع أول 917 ﻫ /20 يونيو 1511) يلزم جميع السكان الذي تنصروا حديثًا أن يسلموا سائر الكتب العربية التي لديهم، ثم تتابعت المراسيم والأوامر الملكية التي منعت التخاطب باللغة العربية وانتهت بفرض التنصير الإجباري على المسلمين، فحمل التعلق بالأرض وخوف الفقر كثيرًا من المسلمين على قبول التنصر ملاذًا للنجاة، ورأى آخرون أن الموت خير ألف مرة من أن يصبح الوطن العزيز مهدًا للكفر، وفر آخرون بدينهم، وكتبت نهايات متعددة لمأساة واحدة هي رحيل الإسلام عن الأندلس.

    2ـ توفي فرناندو الخامس ملك إسبانيا في (17 ذي الحجة 921 ﻫ =23 يناير 1516م) وأوصى حفيده شارل الخامس بحماية الكاثوليكية والكنيسة واختيار المحققين ذوي الضمائر الذين يخشون الله لكي يعملوا في عدل وحزم لخدمة الله، وتوطيد الدين الكاثوليكي، كما يجب أن يسحقوا طائفة محمد!.
    وقد لبث "فرناندو" زهاء عشرين عامًا بعد سقوط الأندلس ينزل العذاب والاضطهاد بمن بقي من المسلمين في أسبانيا، وكانت أداته في ذلك محاكم التحقيق التي أنشئت بمرسوم بابوي صدر في (رمضان 888 ﻫ = أكتوبر 1483م) وعين القس "توماس دي تركيمادا" محققًا عامًا لها ووضع دستورًا لهذه المحاكم الجديدة وعددًا من اللوائح والقرارات.
    وقد مورست في هذه المحاكم معظم أنواع التعذيب المعروفة في العصور الوسطى، وأزهقت آلاف الأرواح تحت وطأة التعذيب، وقلما أصدرت هذه المحاكم حكمًا بالبراءة، بل كان الموت والتعذيب الوحشي هو نصيب وقسمة ضحاياها، حتى إن بعض ضحاياها كان ينفذ فيه حكم الحرق في احتفال يشهده الملك والأحبار، وكانت احتفالات الحرق جماعية، تبلغ في بعض الأحيان عشرات الأفراد، وكان فرناندو الخامس من عشاق هذه الحفلات، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها. وبث هذا الديوان منذ قيامه جوًا من الرهبة والخوف في قلوب الناس، فعمد بعض هؤلاء الموريسكيين إلى الفرار، أما الباقي فأبت الكنيسة الكاثوليكية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الذي أجبروا على اعتناقه؛ لأنها لم تقتنع بتنصير المسلمين الظاهري، بل كانت ترمي إلى إبادتهم.
    3ـ شارل الخامس والتنصير الإجباري
    تنفس الموريسكيون الصعداء بعد موت فرناندو وهبت عليهم رياح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون عهد "شارل الخامس" خيرًا من سابقه، وأبدى الملك الجديد ـ في البداية ـ شيئًا من اللين والتسامح نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال في مطاردتهم، وكفت عن التعرض لهم في أراجون بسعي النبلاء والسادة الذين يعمل المسلمون في ضياعهم، ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية المتعصبة في البلاط وفي الكنيسة، فغلبت كلمتها، وصدر مرسوم في (16 جمادى الأولى 931 ﻫ =12 مارس 1524م) يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من إسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصر أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
    ولما رأى الموريسكيون هذا التطرف من الدولة الإسبانية، استغاثوا بالإمبراطور شارل الخامس، وبعثوا وفدًا منهم إلى مدريد ليشرح له مظالمهم، فندب شارل محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برئاسة المحقق العام لتنظر في شكوى المسلمين، ولتقرر ما إذا كان التنصير الذي وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحًا ملزمًا، بمعنى أنه يحتم عقاب المخالف بالموت.
    وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذي وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة؛ لأن هؤلاء الموريسكيين سارعوا بقبوله اتقاء لما هو شر منه، فكانوا بذلك أحرارًا في قبوله.
    وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين تنصروا كرهًا على البقاء في أسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت أو المصادرة، وقضى الأمر في الوقت نفسه، بأن تحول جميع المساجد الباقية في الحالة إلى كنائس.
    وكان قدر هؤلاء المسلمين أن يعيشوا في تلك الأيام الرهيبة التي ساد فيها إرهاب محاكم التحقيق، وكانت لوائح الممنوعات ترد تباعًا، وحوت أوامر غريبة منها: حظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر الاستحمام والاغتسال، وحظر ارتداء الملابس العربية.
    ولما وجدت محكمة تفتيش غرناطة بعض المخالفات لهذه اللوائح، عمدت إلى إثبات تهديدها بالفعل، وأحرقت اثنين من المخالفين في (شوال 936 ﻫ /مايو 1529م) في احتفال ديني.
    كان لقرارات هذا الإمبراطور أسوأ وقع لدى المسلمين، وما لبثت أن نشبت الثورة في معظم الأنحاء التي يقطنونها في سرقسطة وبلنسية وغيرهما، واعتزم المسلمون على الموت في سبيل الدين والحرية، إلا أن الأسبان كانوا يملكون السلاح والعتاد فاستطاعوا أن يخمدوا هذه الثورات المحلية باستثناء بلنسية التي كانت تضم حشدًا كبيرًا من المسلمين يبلغ زهاء (27) ألف أسرة، فإنها استعصت عليهم، لوقوعها على البحر واتصالها بمسلمي المغرب.
    وقد أبدى مسلمو بلنسية مقاومة عنيفة لقرارات التنصير، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بني وزير)، فجردت الحكومة عليهم قوة كبيرة مزودة بالمدافع، وأرغمت المسلمين في النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن يتنصروا، وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة، وافتدى الأندلسيون من الإمبراطور حق ارتداء ملابسهم القومية بمبلغ طائل.
    وكانت سياسة التهدئة من شارل الخامس محاولة لتهدئة الأوضاع في جنوب الأندلس حتى يتفرغ للاضطرابات التي اندلعت في ألمانيا وهولندا بعد ظهور مارتن لوثر وأطروحاته الدينية لإصلاح الكنيسة وانتشار البروتستانتية؛ لذلك كان بحاجة إلى توجيه كل اهتمامه واهتمام محاكم التحقيق إلى "الهراطقة" في شمال أوروبا، كما أن قيام محاكم التحقيق بما يفترض أن تقوم به كان يعني إحراق جميع الأندلسيين؛ لأن الكنيسة تدرك أن تنصرهم شكلي لا قيمة له، يضاف إلى ذلك أن معظم المزارعين الأندلسيين كانوا يعملون لحساب النبلاء أو الكنيسة، وكان من مصلحة هؤلاء الإبقاء على هؤلاء المزارعين وعدم إبادتهم،وكان الإمبراطور شارل الخامس حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى في الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تتحقق قط، وشعر هؤلاء أنهم ما زالوا موضع الريب والاضطهاد، ففرضت عليم ضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئًا فشيئًا، حتى أصبحوا أشبه بالرقيق والعبيد، ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، صدر قرار في سنة (948 ﻫ =1514م)، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية التي كانت دائمًا طريقهم المفضل إلى الهجرة، ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من هذه الثغور إلا بترخيص ملكي، نظير رسوم فادحة. وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بشدة. ولم تمنع هذه الشدة من ظهور اعتدال من الإمبراطور في بعض الأوقات، ففي سنة (950 ﻫ =1543م) أصدر عفوًا عن بعض المسلمين المتنصرين؛ تحقيقًا لرغبة مطران طليطلة، وأن يسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التي دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التي ارتكبوها، وهكذا لبثت السياسة الأسبانية أيام الإمبراطور شارل الخامس (922 ﻫ =1516م) حتى (963 ﻫ =1555م) إزاء الموريسكيين تتردد بين الشدة والقسوة، وبين بعض مظاهر اللين والعفو، إلا أن هؤلاء المسلمين تعرضوا للإرهاق والمطاردة والقتل ووجدت فيهم محاكم التحقيق الكنسية مجالاً مفضلاً لتعصبها وإرهابها.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    الألخميادو

    4ـ وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الاستشهاد المحزن، الذي فرض عليها تحاول بكل وسيلة أن تستبقي دينها وتراثها، فكان الموريسيكيون بالرغم من دخولهم في النصرانية يتعلقون سرًا بالإسلام، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وكانوا يحافظون على لغتهم العربية، إلا أن السياسة الإسبانية فطنت إلى أهمية اللغة في تدعيم الروح القومية؛ لذلك أصدر الإمبراطور شارل الخامس سنة( 932ﻫ =1526م) أول قانون يحرم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة؛ لأن هؤلاء الموريسكيين دفعوا له (100) ألف دوقة حتى يسمح لهم بالتحدث بالعربية، ثم أصدر الإمبراطور فيليب الثاني سنة (964 ﻫ /1566م) قانونًا جديدًا يحرم التخاطب بالعربية، وطبق بمنتهى الشدة والصرامة، وفرضت القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل، ومع ذلك وجد الموريسكيون في القشتالية متنفسًا لتفكيرهم وأدبهم، فكانوا يكتبونها سرًا بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضي الزمن عن خلق لغة جديدة هي "ألخميادو" وهي تحريف إسباني لكلمة "الأعجمية"، ولبثت هذه اللغة قرنين من الزمان سرًا مطمورًا، وبذلك استطاعوا أن يحتفظوا بعقيدتهم الإسلامية، وألف بها بعض الفقهاء والعلماء كتبًا عما يجب أن يعتقد المسلم ويفعله حتى يحتفظ بإسلامه، وشرحوا آيات القرآن باللغة الألخميادية وكذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشهر كتاب هذه اللغة الفقيه المسمى "فتى أبيرالو" وهو مؤلف لكتب التفسير، وتلخيص السنة، ومن الشعراء محمد ربدان الذي نظم كثيرًا من القصائد والأغنيات الدينية؛ وبذلك تحصن الموريسيكيون بمبدأ "التقية" فصمدوا في وجه مساعي المنصرين الذين لم تنجح جهودهم التبشيرية والتعليمية والإرهابية في الوصول إلى تنصير كامل لهؤلاء الموريسيكيين، فجاء قرار الطرد بعد هذه الإخفاقات.

    ولم تفلح مساعي الموريسيكيين في الحصول على دعم خارجي فعال من الدولة العثمانية أو المماليك في مصر، رغم حملات الإغارة والقرصنة التي قام بها العثمانيون والجزائريون والأندلسيون على السفن والشواطئ الأسبانية، ودعم الثوار الموريسيكيين.
    واستمرت محاكم التحقيق في محاربة هؤلاء المسلمين طوال القرن السادس عشر الميلادي، وهو ما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة في النفوس بقيت بالرغم من المحن الرهيبة وتعاقب السنين، ولعل من المفيد أن نذكر أن رجلاً أسبانيًا يدعى "بدية" توجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج سنة (1222 ﻫ =1807م) أي بعد 329 سنة من قيام محاكم التحقيق.

    وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس، أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوماً سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
    ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى إسبانيا بعد الثورة الفرنسية ( كتب (الكولونيل ليموتسكي) أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا قال: " كنت سنة 1809 ملحقاً بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا وكانت فرقتي بين فرق الجيش الذي احتل (مدريد) العاصمة وكان الإمبراطور نابيلون أصدر مرسوماً سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية غير أن هذا الأمر أهمل العمل به للحالة والاضطرابات السياسية التي سادت وقتئذ.
    وصمم الرهبان الجزوبت أصحاب الديوان الملغى على قتل وتعذيب كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاماً من القرار الصادر وإلقاءً للرعب في قلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلوا لهم الجو.

    وبينما أسير في إحدى الليالي أجتاز شاراً يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما عليّ يبغيان قتلي فدافعت عن حياتي دفاعاً شديداً ولم ينجني من القتل إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف في المدينة وهي كوكبة من الفرسان تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام فما أن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش فأسرعت إلى (المارشال سولت) الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ وقال لا شك بأن من يقتل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار لا بد من معاقبتهم وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة .. "

    حدث إطلاق نار من اليسوعيين حتى دخلوا عنوة ثم يتابع قائلاً " أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على أولئك القساوسة جميعاً وعلى جنودهم الحراس توطئة لتقديمهم إلى مجلس عسكري ثم أخذنا نبحث بين قاعات وكراس هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة وقد صنعت أرض هذه الغرفة من الخشب المصقول المدهون بالشمع وكان شذى العطر يعبق أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو، وعلمنا بعد أنَّ تلك الروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد أمام صور الرهبان ويظهر أن هذا الشمع قد خلط به ماء الورد " .
    " وكادت جهودنا وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها. فلم نجد شيئاً يدل على وجود ديوان للتفتيش. فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهماً باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تطفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت "دي ليل" استمهلني قائلاً: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟!!. قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئاً مريباً. فماذا تريد يا لفتنانت؟!.. قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.

    عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة – وكنا نرقب الماء – فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابط "دي ليل" من شدة فرحه، وقال ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.

    أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة.
    وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول، وضع راهب يسوعي يده على كتفي متلطفاً، وقال لي: يا بني: لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال، إنها شمعة مقدسة.

    قلت له، يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك!؟!.
    وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود، شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها.
    وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي.
    رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممداً بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.
    كان السجناء رجالاً ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم ، وهم في الرمق الأخير من الحياة.
    كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعاً عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء.
    أخرجنا السجناء إلى النور تدريجياً حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحاً، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهداً يبكي الصخور.
    ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت.
    وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة.
    كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إرباً إرباً.
    كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.
    وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم.وصل الخبر إلى مدريد فهب الألوف ليروا وسائل التعذيب فأمسكوا برئيس اليسوعيين ووضعوه في آلة تكسير العظام فدقت عظامه دقاً وسحقها سحقاً وأمسكوا كاتم سره وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليه الأبواب فمزقته السكاكين شر ممزق ثم أخرجوا الجثتين وفعلوا بسائر العصابة وبقية الرهبان كذلك. ولم تمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على حياة ثلاثة عشر راهباً ثم أخذ ينهب ما بالدير.
    قال الله تعالى:
    (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)[سورة البروج].

    وقال الله تعالى :
    ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [سورة التوبة: 7ـ 10].

    [ وعَنْ أبي عبد اللَّه خباب بن الأرت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: شكونا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو متوسد بردة له في طل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمِنْشار فيوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عَنْ دينه! واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون!]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
    هذا هو نموذج لوضع الأقليات المسلمة في الدولة الدينية المسيحية.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    فماذا عن جود الأقليات غير مسلمة
    في الدولة المدنية الإسلامية


    توضّح الإحصائيات أن الدول العربية يقطنها مسلمون إما بنسبة 100% أو 99% في حالات عديدة، كما يوجد في حالات أخرى أقلّيات غير إسلامية بنسبة 3 و4%. وفي مصر يمثل غير المسلمين نسبة ما بين 5%، كما تظهر بعض الإحصائيات الرسمية، و10%، كما يرى بعض المسيحيين، والدولة العربية الوحيـدة التي تشذّ عن هذا هي لبنان إذ تبلغ نسبة غيـر المسلمين ما يماثل 40%.
    وعندما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان من أعماله الأولى أن وضع وثيقة أطلق عليها المفكرون المحدثون "دستور المدينة"، وظهرت في المراجع القديمة باسم "صحيفة الموادعة".

    قرّرت هذه الوثيقة أن الأنصار ـ وهم السكان الأصليون للمدينة ـ والمهاجرين وهم من أهل مكّة أصلاً آمنوا بالإسلام وهاجروا إلى المدينة فراراً من اضطهاد المشركين لهم وتقبلهم الأنصار على الرحب والسعة. واليهود الذين كان لهم جالية كبيرة في المدينة استوطنوها في قديم وبنو لأنفسهم "الآطام" أي الحصون واشتغلوا بالتجارة والصناعة وأقاموا بينهم وبين بعض قبائل الأنصار حلفاً، قرّرت الوثيقة أن هذه الفئات الثلاث "أمة واحدة"، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأنهم يتكافلون بالمعروف ولا يحارب بعضهم بعضاً كما يشتركون في الدفاع عن المدينة معاً..

    أقامت هذه الوثيقة ـ لأوّل مرّة ـ حق المواطنة ـ على أساس الأرض.وليس على أساس الدين..

    فكل من يتخذ من الأرض وطناً له يصبح مواطناً له الحقوق والواجبات التي تمنح لكل الذين يقيمون في هذا الوطن على اختلاف أصولهم وأديانهم وأجناسهم.

    لم يلتزم اليهود ببنود هذه الإتّفاقية، أو يقدّروا ما فيها من كرم، لهيمنة فكرة أنهم الشعب المختار وأن النبوّات محصورة فيهم، فضلاً عن نظرتهم الدونية إلى العرب، أبناء إسماعيل بن الجارية، والذي يده على كل الناس ويد كل الناس عليه.. وكان النقض الأعظم عندما تحالفوا مع المشركين في أشدّ حملاتهم ضراوة على المسلمين، حملة الخندق، فحكم عليهم من اختاروه بأنفسهم..

    وبعد فترة النبوّة وعندما انطلقت الفتوح وانتصر فيها المسلمون وجدوا أنهم يهيمنون على أراض شاسعة، وعلى مجموعات غفيرة من السكان من ذوى الأديان المختلفة، فوجدوا أن الحل الذي يتفق مع الإسلام ويحقق أفضل النتائج أن يدعو هؤلاء السكان على ما هم عليه وأن يفسحوا لهم في الحرية الدينية بحيث يحتفظون بدياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم مع المحافظة على كنائسهم ومعابدهم وأديارهم ورجال دينهم وأن يقوموا بحمايتهم وكفالة الأمن والسلام والدفاع عنهم لقاء ضريبة هي "الجزية" ويُعَدّون أهل ذمّة، أي أن حمايتهم والحفاظ عليهم هي ذمّة المسلمين، وكانت تلك صفقة سعيدة للطرفين. وتمتعت هذه الأقليات في ظلها بحرياتهم الدينية ونشاطاتهم المدنية والاقتصادية ومع الزمن تقلّد بعض أفرادهم مناصب في الدولة الإسلامية أو شغلوا مراكز رفيعة فئ مجال العلوم.

    كان أخذ الجزية من الأقلّيات هو الأمر المقرر في كل الدول في هذه العصور، وقد دفع السيد المسيح نفسه الجزية للرومان.

    فالمسلمون لم يبدعوا هذا النظام ولكنهم وجدوه مقرّراً، وما جاءوا به هو أنهم خفّفوه إلى أقصى درجة وجعلوه مقصوراً على الرجال دون النساء ودون الأطفال كما اُستثنى منه الشيوخ وكل رجال الدين أو الرهبان.. وكان ذلك بمقاييس العصر تقدّماً ملحوظا جعل الأقلّيات تفضل أن تعيش في ظل الحكم الإسلامي عن العيش في ظل حكم آخر، إذا وجدت مثل هذا الحكم لأن النظام المقرّر في أوروبا كان لا يسمح بوجود أقلّيات أو حتى أفراد يدينون بغير دين الملك. حتى لو كانوا من الدين نفسه ولكن من مذهب يخالف مذهب الملك، والمذابح والحروب ما بين البروتستانت والجزويت معروفه.

    كان مسيحيو مصر يدينون بغير المذهب الذي تدين به بيزنطة ولهذا اضطهدتهم بيزنطية اضطهاداً رهيباً بحيث أنه عندما دخل عمرو بن العاص مصر كان البطريرك القبطي مختبئاً في مكان ما، هارباً من الاضطهاد البيزنطي. ولما تم النصر لـعمرو بن العاص، إلى حد ما بمساعدة من الأقباط، فإنه أعاد البطريرك وأعاد له كل سلطاته بحيث يمكن القول أن ميلاد الكنيسة القبطية في هذه اللحظة تم على يدي عمرو بن العاص.

    وكان أقباط مصر قد تخصصوا في مهن معينة مثل تحصيل ضرائب الأراضي والعقارات فكان الجباة من أصغر جابي في قرية حتى رئيس الجباية التي يشرف عليها في عموم القطر من الأقباط، وقد سلم لهم الحكام المسلمون بممارسة هذه المهمة حتى أيام محمد علي وأبنائه، كما شمل حكام مصر من الأسرة العلوية بطريرك الأقباط بنوع خاص من الرعاية وأحاطوه بتوقير واحترام وتبرعوا بمئات الفدادين والمعونات المالية لإقامة مدارس قبطية أو مشروعات خيرية..

    من الصحيح أنهم تعرضوا في بعض الفترات لعربدات بعض الحكام وتصرفاتهم الشاذة، ولكن من الصحيح أنهم في ظل حكام آخرين وصلوا إلى مناصب الوزارة وكانت لهم حظوة حتى وجد المسلمون أنهم قد ظلموا مع العلم أن نزق بعض الحكام وبطشهم لم يكن مقصوراً على الأقلّيات ولكن على كل الشعب، مسلمين وغير مسلمين.. وأنه كان طابع العصر في كل العالم القديم...

    من هنا لم يحدث بين الأقباط وبين حكام مصر توتّرات وساد الصفاء علاقتهم بالمسلمين وعاشوا في القرية جنباً إلى جنب إخوانهم المسلمين لا يفرّق بينهم إلا أن بعضهم يقصد المسجد يوم الجمعة بينما يقصد البعض الآخر الكنيسة يوم الأحد.

    أما حالات التوتّر فكانت استثناء لا يتصوّر انتفاءه مع تطاول الأمد وامتداد الرقعة وبالنسبة لمجموعات كبيرة بمئات الألوف أو الملايين بحيث لابد أن يوجد الشارد أو المنحرف في المجموعتين، ولا يؤبه له لأنه أحد الظواهر الاجتماعية الطبيعية.

    قد ورثت مصر من العهد العثماني "فرماناً" يضع القيود على بناء الكنائس وكان من مبرراته حسم الحساسيّات التي يمكن أن تؤدّي إلى احتكاكات إذا تُرِكَ الأمر على علاته، قد وجد عدد كبير من الأقباط أن هذا يتضمن نوعاً من الحجر على حرّية التعبير واستجابت لهم الدولة بقدر ما يسمح "الهاجس الأمني" الذي يسيطر عليها ويتحكم فيها في كل شيء ونحن نرى أن بناء الكنائس أو المساجد أمر يجب أن يُتْرَك لأصحابه حتى لو بنوا مائة كنيسة، ففي هذا المجال قد لا يكون مفرّ من اتباع التجربة والخطأ بمعنى ترك الحرية حتى تثبت التجربة خطأ ممارسة ما وعندئذ يكون الإقلاع عنها أمراً طبيعياً. ومع أن هذا حلّ باهظ التكلفة فإنه يسدّ باب الادّعاءات التي يكون مبعثها الغرض أو سوء الفهم، ولا يمكن إصلاحها بالمنطق.
    المهمّ فيما نحن بصدده أن مخاوف المسيحيين ليس لها أساس، أولاً: لأننا استبعدنا الدولة الدينية ، وثانياً: لأن تطبيق الشريعة لن يكون إلا مشروعاً لإحلال مبادئ عامة على رأسها العدل وجعله محوراً في عالم العلاقات والقيم والتي تحكم المجتمع.
    وأن يتمّ هذا بالشكل الديمقراطي أي عندما تريد ذلك الأغلبية وتسلك إلى تطبيقه عبر الطرق المشروعة – أي الانتخابات، ولعلّي لو كنت مسيحياً لا يساورني بعض الخوف من ذلك ولأثرت التمسك بإعمال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة التي تحرم تحريماً قاطعاً المساس بحقوق الأقليات غير المسلمة بحيث لا يمكن حتى للأغلبية في المجلس التشريعي أن تمسها والأمر في النهاية إليهم.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    مبادئ نظام الحكم في الإسلام


    ماذا يعني تطبيق الشريعة الإسلامية؟..

    هناك فارق كبير بين التطبيق والتدوين..فمرحلة التدوين ـ أي تدوين الشريعة ـ سابقة بداهة عن التطبيق, وتستلزم جهداً كبيراً من العلماء والفقهاء وجهابذة القانون وكل منهم متخصص في فرع من فروع القانون سواء الجنائي أو المدني أو الاقتصادي أو الدولي..
    ومرحلة التطبيق يسبقها مرحلة الإعداد ـ أي إعداد المجتمع لتقبل هذه القوانين ومعه دول الجوارـ وهذه هي أصعب المراحل..
    وعليه فإن تدوين الشريعة الإسلامية في صورة قوانين ومواد وشروحات ليست بالأمر الهين..
    فماذا نعني حينما نقول ـ على سبيل المثال ـ أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس من مصادر الشريعة الإسلامية؟..
    خذ مثلاً آية الدين الواردة في سورة البقرة فهذه الآية عبارة عن مجموعة من النظريات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في الإثبات والتعاقد:

    حيث اشتملت الآية الكريمة من الناحية القانونية على خمس نظريات في قضية الإثبات والتعاقد فقط وهي :

    1ـ نظرية الإثبات بالكتابة
    2 ـ نظرية إثبات الدين التجاري
    3ـ نظرية حق الملتزم في إملاء العقد
    4ـ نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات
    5ـ أحكام أخرى في آية الدين

    فهذه مجموعة من النظريات التي جاءت بها الشريعة الغراء نعرضها تحت عنوان واحد (الإثبات والتعاقد)، لأن القرآن الكريم جاء بها جميعاً في آية واحدة هي آية الدين، ولأن بعضها يتصل بالبعض الآخر اتصالاً وثيقاً،ولأننا سنتكلم عنها فقط بالقدر الذي يبرز فيها مميزات الشريعة الإسلامية.
    يقول سبحانه وتعالى:
    [ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] البقرة{282}

    فنص الآية الكريمة يشمل عدداً من المبادئ التشريعية والنظريات الفقهية وسنبين أهمها فيما يلي:
    نظرية الإثبات بالكتابة:

    فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة وسيلة لإثبات الدين المؤجل سواء كبرت قيمة الدين أو صغرت، وذلك قوله تعالى: [ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ]..
    وقوله تعالى: [وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ]..ويدخل تحت لفظ الدين كل التزام أيًّا كان نوعه، لأن الالتزام ليس إلا دينا في ذمة الملتزم له، فيدخل تحت لفظ الدين القرض والرهن والبيع بثمن مؤجل والتعهد بعمل وغير ذلك، كذلك يمكن قياس أي التزام على الدين إذا احتفظ لكلمة الدين بمعنى القرض لأن كليهما شيء مقوم التزام به بعد أجل معين.

    أما التصرفات التي تتم في الحال فليس من الواجب كتابتها ما دام كل متعاقد قد وفى بالتزاماته واستوفى حقوقه كمن يشتري شيئاً من آخر ويتسلمه ويسلمه الثمن في الحال، ومثل هذه التصرفات يجوز إثباتها بغير الكتابة مهما بلغت قيمتها إذا أثبتت باعتبارها وقائع لا باعتبارها التزامات لأن الوقائع المادية يجوز إثباتها بكل طرق الإثبات.
    وظاهر من النص الذي فرض الكتابة أنه نص عام ومرن إلى حد بعيد وأنه يصلح للتطبيق اليوم كما كان صالحاً من خمسة عشر قرناً، وكما سيكون صالحاً للمستقبل البعيد، وهذه إحدى مميزات الشريعة التي هيأتها لتكون غير قابلة للتعديل والتبديل.
    ويم نزل هذا النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان العرب أميين يعيشون في أعماق البادية وفي خشونة من العيش، وأمثال هؤلاء تقل بيتهم المعاملات بحيث لا تحتاج إلى تشريع خاص، ولو أن الشريعة كانت كالقانون تأتي على قد حاجة الناس لما جاء بها شيء خاص بإثبات الالتزامات، أو لجأ بها من الأحكام ما يتفق مع أمية العرب وجهالتهم، أما أن تجيء الشريعة على هذا الوجه فتفرض عل الأميين كتابة الصغير والكبير فذلك هو السمو الذي تتميز به الشريعة الكاملة الدائمة.
    فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة بين الأميين لتحملهم على أن يتعلموا فتتسع مداركهم وتتثقف عقولهم، ويحسنوا فهم هذه الحياة الدنيا فيصبحوا ـ وقد تعلموا ـ أهلاً لمنافسة الأمم الأخرى وللتفوق والسيطرة عليها، وهذه أغراض اجتماعية وسياسية بحته، أما الغرض القانوني فهو حفظ الحقوق وإقامة الشهادات ولابتعاد عن الريب والشكوك.
    فالشريعة حين أوجبت الكتابة في الصغير والكبير جاءتنا بنظرية عظيمة ذات وجوه سياسية واجتماعية وقانونية، وهذه النظرية التي نزل بها القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي هي من أحدث النظريات في القوانين الوضعية وفي المذاهب الاجتماعية الحديثة، فالدول قد بدأت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي تفرض على شعوبها أن يتعلموا تعليماً إجبارياً رجالاً ونساء، وهذا الذي تفرضه الدول على الشعوب إنما هو تطبيق للنظرية الإسلامية في ناحيتها السياسية والاجتماعية.
    وقد بدأت الدول تأخذ بالناحية القانونية من النظرية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حين افترض القانون الفرنسي الذي أخذت عنه القوانين الأوربية أن يكون مكتوباً إذا زاد عن مقدار معين، وكن شرّاح القانون رأوا أن نظرية الإثبات بالكتابة تكون أكمل وأكثر توفيقاً لو اشترطت الكتابة في الصغير والكبير وظلوا ينادون برأيهم به ويأملون تحقيقه.
    وإذن فأحدث نظريات الإثبات في عصرنا الحاضر هي نفس نظرية الشريعة الإسلامية أخذت بها القوانين الوضعية ولا يزال الشراح في بعض الدول يطالبون دولهم أن تأخذ بها..

    2 ـ نظرية إثبات الدين التجاري.

    اشترطت الشريعة ـ كما بينا ـ الكتابة لإثبات الدين سواء كان الدين صغيراً أو كبيراً، ولكنها استثنت من هذا المبدأ العام الدين التجاري وأباحت إثباته بغير الكتابة من طرق الإثبات وذلك قوله تعالى: [إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا] والعلة في استثناء الديون التجارية من شرط الكتابة أن الصفقات التجارية تقتضي السرعة ولا تحتما الانتظار، ولأن المعاملات التجارية أكثر عدداً وتكراراً وتنوعاً، فاشتراط الكتابة فيها يؤدي إلى الحرج وقد يضيع فرصة الكسب على المشتري أو يعرض البائع للخسارة، ومن أجل هذا لم تقيد الشريعة المعاملات التجارية بما قيدت به المعاملات المدنية من اشتراط الكتابة.
    والنص المقرر لهذه النظرية عام ومَرِنٌ إلى آخر الحدود بحيث لا يحتاج على مَرِّ الأزمان تعديلاً أو تبديلاًن وليس أدل على ذلك من صلاحيته لوقتنا الحاضر مع أنه نزل منذ أكثر من خمسة عشر قرنا.
    ومن يعرف شيئاً عن تاريخ العرب وحالهم وقت نزول النص يعلم أن النص لم ينزل مجاراة لحال الجماعة أو تمشياً مع ما وصلت إليه، وإنما كان نزول النص ضرورة لتكميل الشريعة الدائمة الكاملة ولرفع مستوى الجماعة وتوجيههم الوجهة الصالحة.
    واستثنت الشريعة الإسلامية أيضاً من الإثبات بالكتابة حالة الضرورة وذلك قوله تعالى:
    [وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ].
    وليس أدل على سمو الشريعة وكمالها من أن نظرياتها في إثبات الدين التجاري هي نفس النظرية السائدة اليوم في القوانين الوضعية الحديثة، وإنها تعتبر أحدث ما وصل إليه القانون الوضعي في عصرنا الحاضر.

    نظرية حق الملتزم في إملاء العقد:

    جاءت الشريعة الإسلامية بمبدأ عام أوجبته في كتابة العقود وهو أن يملي العقد الشخص الذي عليه الحق أو بمعنى آخر أضعف الطرفين، والمقصود من هذا المبدأ العام هو حماية الضعيف من القوي، فكثيراً ما يستغل القوي مركزه فيشترط على الضعيف شروطاً قاسية، فإن كان دائناً مثلاً قسا على المدين، وإن كان صاحب عمل سلب العمل كل حق واحتفظ لنفسه بكل حق، ولا يستطيع المدين أو العامل أن يشترطا لنفسيهما أو يحتفظا بحقوقهما لضعفهما، فجاءت الشريعة وجعلت إملاء العقد معلومة له حق العلم، وليقدر ما التزم به حق قدره.
    وهذه الحالة التي عالجتها الشريعة من يوم نزولها هي من أهم المشاكل القانونية في عصرنا الحاضر، وقد برزت في أوروبا في القرون الماضية على أثر النهضة الصناعية وتعدد الشركات وكثرة العمال وأرباب الأعمال، وكان أظهر صور المشكلة أن يستغل رب العمل حاجة العامل إلى العمل أو حاجة الجمهور إلى منتجاته فيفرض على العامل أو على المستهلك شروطاً قاسية يتقبلها العمل أو المستهلك وهو صاغر، إذ يقد يقدم عقد العمل أو عقد الاستهلاك مكتوباً مطبوعاً فيوقعه تحت تأثير حاجته للعمل أو حاجته للسلعة، بينما العقد يعطى لصاحب العمل كل الحقوق ويرتب على العامل أو المستهلك كل التبعات.
    ذلك العقد الذي نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني( عقد الإذعان).
    وقد حاولت القوانين الوضعية أن تحل هذا المشكل، فاستطاعت أن تحله بين المنتج والمستهلك بفرض شروط تحمي المستهلك من المنتج وبتعيين سعر السلعة، ولكنها لم تستطع أن تحل إلا بعض نواحي المشكلة بين أصحاب العمل والعمال، مثل إصابات العمال والتعويضات التي يستحقها العمل إذا أصيب أو طرد من عمله، لأن التدخل بين صاحب العمل والعمال في كل شروط العمل مما يضر بسير العمل والإنتاج، وبقيت من المشكلة نواح هامة كأجر العمل وساعات العمل ومدة الإجازات وغيرها,يحاول العمال من ناحيتهم حلها بتأليف النقابات والاتحادات وتنظيم الإضرابات، ويرى العمال من ناحيتهم أن حل مشاكلهم لن يتأتى إلا إذا كان لهم حق إملاء شروط عقد العمل، ويظاهرهم على ذلك بعض المفكرين والكتاب، فهذا الحق الذي يطالب به العمال في كل أنحاء العالم والذي أضرب العمال من أجله وهددوا السلم والنظام في دول كثيرة في سبيل تحقيقه، هذا الحق الذي حقق القانون الوضعي بعضه ولم يحقق بعضه الآخر والذي يأمل العمال أن يتحقق كله وللملتزمين على الملتزم لهم وجاء به القرآن الكريم في آية الدين [وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ]..
    وظاهر أن صيغة النص بلغت من العموم والمرونة كل مبلغ.
    وهذا هو الذي جعل الشريعة تمتاز بأنها لا تقبل التغيير والتبديل.
    ووجود هذا النص في الشريعة تمتاز دليل بذاته على سموِّها وكمالها وعدالتها فقد جاءت به منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، بينما القوانين الوضعية لم تصل إلى تقرير مثله حتى الآن مع ما يدعي لها من الرقي والسمو.

    نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات:

    حرمت الشريعة على الإنسان أن يدعى للشهادة فيمتنع عنها، أو أن يشهد واقعة فيكتمها، أو يذكرها على غير حقيقتها، وقد نص على الحالة الأولى في آية الدين في قوله تعالى:[ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ] والمقصود إباؤهم حينما يدعون ليشهدوا تصرفاً مَّا أو واقعة معينة، فالنص جاء بتحمل الشهادة وليس خاصاً بأدائها.
    أما الحالتان الثانية والثالثة فقد نص عليهما في قوله تعالى:[ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ] ..وقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ] النساء{135}.
    والنصان الأخيران خاصان بتحريم كتمان الشهادة أو الامتناع عن أدائها وبتحريم شهادة الزور.
    والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور أو كتمان الشهادة، ولكنها لم تصل بَعْدُ إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الجهة.
    إذن فإن المصلحة العامة تقتضي بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس ولامتناع عن تحمل الشهادة يقضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعقيد المعاملات وبطئها وهناك عقود لابد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج..
    فإذا كان الامتناع عن تحمل الشهادات مباحاً تعطلت هذه العقود..
    ومن ير النصوص التي جاءت في تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة أو في تحريم كتمانها أو تغييرها يعلم مدى ما بلغته هذه النصوص من العموم والمرونة ويفهم العلة في أن الشريعة لا تقبل التعديل أو التبديل..
    ومن يقارن الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية يعلم مدى ما وصلت إليه الشريعة من السمو والكمال، ويتبين أن نصوص الشريعة لم ترد مسايرة لحال الجماعة وإنما وردت لتكمل الشريعة بما تحتاج إليه الشريعة الكاملة الدائمة، ولترفع مستوى الجماعة حتى تقترب من مستوى الشريعة الكامل..

    أحكام أخرى في آية الدين:

    هذه أربع نظريات جاءت بها آية واحدة من القرآن الكريم هي آية الدين، أخذت القوانين الوضعية الحديثة باثنين وبدأت تأخذ بالثالثة ولم تأخذ بَعْدُ بالرابعة، وليست هذه القوانين الأربع هي كل أحكام آية الدين، وإنما هي بعض أحكامها، فالآية تشترط أن يكون الكاتب محايداً عدلاً عالماً بأحكام الشريعة فيما يكتبه، وتوجب عليه أن لا يمتنع عن الكتابة وتشترط أن يشهد على سند الدين رجلان أو رجل عدل وامرأتان، وتوجب عدم الإضرار بالكاتب أو الشاهد ، وهذه كلها مبادئ عامة لا نستطيع أن نستعرضها جميعاً في هذه الدراسة.
    وإذا كنا قد تكلما عن نظريات دستورية واجتماعية وإدارية ومدنية فإنما قصدنا من ذلك أن نبين أن نصوص الشريعة في كل ما جاءت فيه تتميز بالكمال والسمو والدوام حتى لا يظن البعض أن هذه المميزات تتوفر في قسم دون آخر من الشريعة.

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى ... 2 3 4 ... الأخيرةالأخيرة

طلائع الرفض في المجتمع المصري

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. أثر الرشوة في المجتمع
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-11-2009, 09:49 PM
  2. دور العقيدة في إصلاح المجتمع
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-11-2009, 09:49 PM
  3. أثر جهود صلاح الدين التربوية في تغير واقع المجتمع المصري
    بواسطة دفاع في المنتدى المنتدى التاريخي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19-08-2008, 03:52 PM
  4. أثر جهود صلاح الدين التربوية في تغير واقع المجتمع المصري
    بواسطة دفاع في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19-08-2008, 03:52 PM
  5. المجتمع الإسلامي الحقيقي
    بواسطة *فتاة الإسلام* في المنتدى منتدى الأسرة والمجتمع
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 31-01-2008, 11:57 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

طلائع الرفض في المجتمع المصري

طلائع الرفض في المجتمع المصري