بقلم: د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفر
نسية




الاســـم:	sadf3t.png
المشاهدات: 949
الحجـــم:	266.9 كيلوبايت

من المرات النادرة أن يتأخر النشر الكامل لخطاب عام للبابا قبل أن يوضع فى أحد المواقع الفاتيكانية العامة : ترى هل كان ذلك خوفا ، أو خجلا ، أم مجرد لؤم ؟! ففى 17 يناير 2016 قام البابا بزيارة رسمية لمعبد روما اليهودى، متبعا فى ذلك الخطى التنازلية لبابوات ما بعد مجمع الفاتيكان الثانى : يوحنا بولس الثانى (1986) وبنديكت 16 (2010). وقد قام بها بصفته أسقفا لمدينة روما، غير أن تصريحاته كانت بإسم الكنيسة قاطبة !

وتمثل هذه الزيارة بلا أدنى شك تنازلا جديدا فى مجال السيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية. وقد قام بالإعداد لهذه الزيارة جماعة اليهود فى روما ومكتب الخدمات البابوية، وهى تمثل منحنى جديدا فى العلاقات بين اليهود والكاثوليك، منحنى هو بكامله فى صالح اليهود الصهاينة. والعبارات الحديثة التى صرح بها كبير حخامات روما ، ريكاردو دى سينييى ، كتمهيد لهذه الزيارة تؤكد هذه التنازلات ، ولا أذكر هنا سوى أحد العناوين الصحافية التى علقت على ذلك المطلب : "المطالب الباهظة الإحجاف لكبير حخامات روما"..
ففى 14 يناير 2016 تقدم رئيس الجماعة اليهودية فى روما بوثيقة يطلب فيها من البابا عند زيارته للمعبد اليهودى الكبير يوم 17 يناير ، أن يعلن صراحة : "أن الكنيسة الكاثوليكية لا يتعيّن عليها تبشير وتنصير اليهود" ، وفقا لما أعلنته حديثا إحدى وثائق الكرسى الرسولى. فبالنسبة لكبير حخامات روما، إن زيارة البابا للمعبد فى روما يجب أن تكون فرصة لتوجيه رسالة واضحة للأتباع الكاثوليك فى العالم أجمع ، ويطالب بأن يعيد البابا إعلان "أن الكنيسة لا تشجع أى عمل تبشيرى تجاه اليهود. وفى الواقع، لقد سبق وتم تأكيد ذلك فى وثيقة تم نشرها عن طريق الكرسى الرسولى للعلاقات الدينية مع اليهود. وعلى حد قول كبير الحخامات : "إذا قالت الكنيسة يجب أن نقوم بتقدير وإحترام اليهود ، لكنها تكتفى بكتابة ذلك فى وثيقة لاهوتية، فقليلون هم من سيقرأونها ، لكن إذا قام البابا بزيارة مكان له أهمية تاريخية مثل المعبد الكبير فى روما ، وأعلن ذلك ، عندئذ ستكون رسالة الصداقة والإحترام واضحة الفهم ومعلنة للجميع". وهو ما يمكن وصفه بأنه دق مسمار التنازلات حتى أخره ، بما أن رسالة "التبشير" فرضتها الكنيسة على العالم أجمع منذ 1965 كأساس لا رجعة فيه بالنسبة لرسالتها !
ومما لا شك فيه أن الوثيقة التى نشرتها الكنيسة فى ديسمبر الماضى هى "شديدة الأهمية" فى نظر كبير الحخامات، "لأن لاهوت الإحلال يتضمن معنى أن اليهودية باتت فرع ميت قد أدت دورها فى التاريخ. وذلك يعنى أن اليهود قد قاموا بدورهم منذ ألفى عام، وهو ما يمكن أن يعرّضهم للهجمات المتواصلة وعدم الإحترام.
وهذا النص المشار إليه قد تناولته بنفس عنوانه : "هِبات ونِداء الله حتمية !" ، وكان نتيجة عامين ونصف من العمل المتواصل بين لجنة العلاقات الدينية مع اليهود ولجنة عقيدة الإيمان. فهو ليس "وثيقة سيادية" ولا "وثيقة عقائدية" وفقا لما هو واضح من المقدمة، التى تشير إلى أنه مجرد "أداه" بكل بساطة لمناقشات مستقبلية.. لذلك أصر كبير الحخامات على تأكيد التنازل بصورة علنية لا رجعة فيها.
ومن الناحية اللاهوتية فإن هذا الحوارمع اليهود يتضمن العديد من التنازلات من جانب الكنيسة، نذكر منها على سبيل المثال : "إن إيمان اليهود الوارد فى الإنجيل (...) لا يمثل دينا آخرا بالنسبة للمسيحيين وإنما هو أساس دينهم" ؛ "الكنيسة لا تحل محل شعب الله فى إسرائيل" ؛ "العهد الجديد لا يلغى العهود السابقة وإنما يؤدى إلى إكتمالها. فمع مجئ المسيح أدرك المسيحيون أن كل ما تم قبل ذلك بحاجة إلى إعادة تفسير" ؛ أو كيف يمكن التوفيق بين "واقع أن اليهود يساهمون فى الخلاص بصورة لا رجعة فيها" وبين ما تقوله العقيدة المسيحية انه "لا يوجد خلاص إلا عن طريق واحد هو يسوع" ؟.. وتأتى الإجابة واضحة : "هذا غموض إلهى لا يمكن فهمه" على حد قول اللجنة "الشديدة الكاثوليكية" الخاصة بالعلاقات مع اليهود ! غير أن المسألة الأكثر حرجا تظل عملية "تبشير اليهود" لأنها تمس وجود الشعب اليهودى نفسه إضافة إلى الإعتراف بيسوع المسيح.
وبخلاف كل ما تقدم، يطالب اليهود بإلغاء "صلاة يوم الجمعة" التى تطالب بتبشير اليهود، وكانت لا تزال سارية علما بأن البابا السابق بنديكت 16 قد قام بتعديلها لتكون أكثر تقبلا من جانب اليهود ، إلا أنهم يطالبون بإلغائها تماما ؛ كما يرون أن عبارة "الفاريسيين" عبارة جارحة ولا بد من إعادة النظر فيها ؛ وأن الإتفاقية الدبلوماسية الموقعة بين الكرسى الرسولى و"دولة فلسطين" يجب إعادة النظر فيها لإلغائها. وأيا كان الأمر فقد تقدم 71 حخاما على الصعيد العالمى بإرسال خطاب رسمى للبابا فرنسيس ليرفض هذا الإقتراح الدبلوماسى ! وهو ما يعنى ضمنا : إقتلاع الفلسطينيين نهائيا من أرضهم المحتلة المسلوبة على مرأى ومسمع من جميع المتحكمين فى العالم.
ورغم كل ذلك فإن عبارة كبير الحخامات تأتى كالضربة القاسمة للكيان الكنسى حين يعلن : "ان الفاتيكان يساند اليهود على أنهم شعب الله المختار، حتى وإن كنا لا نؤمن بيسوع ، ومن الناحية العملية فذلك يعنى أن اليهود ليسوا بحاجة لأى تبشير. فاليهودية معتبره كدين يمثل جزء لا يتجزأ من النسق الدينى المسيحى ويجب إحترامه". ولا أملك إلا قول "تحية" لذلك الحخام الذى بإعلانه بهذا الوضوح أن اليهود لا يؤمنون بيسوع المسيح، وأنهم مستمرون فى أن يكون لهم دور فى الخلاص، كغير مؤمنين بيسوع ، فهو يلغى بجرة قلم الرسالة المزعومة للكنيسة الفاتيكانية بضرورة تبشير العالم ! وهو ما يعنى إلغاء أهم عناصر الكاثوليكية وتلزمها بإعادة صياغة لاهوتها وتاريخها برمته وفقا لما يفرضه عليها اليهود من خلال ذلك الحوار الدينى أو "الأسرى" كما تتشدق به وثائقها !
وسوف يتعيّن على تلك الكنيسة "المقدسة" أن تلغى العديد من النصوص من العهد الجديد، بدأً مما يقوله بطرس فى أعمال الرسل : "يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل، إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسان سقيم بماذا شفى هذا. فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه بإسم يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم ، الذى أقامه الله من الأموات. بذلك وقف هذا أمامكم صحيحا. هذا هو الحجر الذى احتقرتموه أيها البناؤون الذى صار رأس الزاوية. وليس بأحد غيره الخلاص. لأنه ليس إسم أخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" (اع 4 : 8 ـ 12) ؛ أو عبارة "هذا أخذتموه مسلّما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه" (اع 2 : 23).. وأيا كان الأمر فقد سبق للبابا يوحنا بولس الثانى أن وعدهم بإلغاء 70 آية من الأناجيل لا تتفق ومطالبهم الآمرة.
ومما له أهميته الإشارة إلى بعضِ مما قاله البابا فرنسيس فى خطابه بالمعبد اليهودى :
"إن الشعب اليهودى قد عرف طوال مسيرته تجربة العنف والإضطهاد حتى إبادة يهود أوروبا أثناء المحرقة. واليوم أرغب فى أن أتذكرهم بصفة خاصة : آلامهم ، ومعاناتهم ، ودموعهم لا يجب أن ننساها أبدا. والماضى يجب أن يقدم لنا درسا للحاضر وللمستقبل. إن المحرقة تعلمنا أنه يجب أن نستعين بأكبر قدر من الهمة ليمكننا أن نتدخل بسرعة لحماية الكرامة الإنسانية والسلام".
وهنا لا بد من توضيح أن الرقم الذى يُعلن للمحرقة ليس حقيقيا و وجوب إحترامها قد تم فرضه على العالم عن طريق محكمة نارينبرج. وبدلا من حديث البابا عن الكرامة الإنسانية والسلام لصالح اليهود، كان من الأمانة أن يتذكر فلسطين ويتولى الدفاع عن شعب بأسره تم إنتزاعه من أرضه ويجاهد بحياته ، إذ ما تبقى منه يحتضر فى معسكر إعتقال مكشوف السقف، فى ظروف أكثر من بشعة ، محروم من كل شئ بسبب "أصدقاؤه أو إخوته الكبار". خاصة وأن وثائقه تملى عليه أن هؤلاء الصهاينةـ الإرهابيون لا حق لهم فى هذه الأرض الالمحتلة. وبدلا من أن يقول : "لا لمختلف أشكال معاداة السامية ومعاداة الصهيونية" أو "ضرورة مضاعفة الجهود لبناء السلام والعدل فى العالم، وخاصة فى الأراضى المقدسة" ، كان يتعين عليه أن يفكر بأمانة وموضوعية فى ذلك االشعب الذى ساعد هو وأذنابه وشركاؤه فى النظام العالمى الجديد على الإستيلاء على أرضه وعلى إقتلاع شعبه.
ومن الواجب أن أشير إلى أن خطاب البابا لم يتضمن ، شكلا ، ما كان الحخام الكبير قد ألح على أن يعلنه البابا صراحة وعلانية، أن اليهود ليسوا بحاجة إلى التبشير أو أن الكنيسة ليست لديها أية مهمة تبشيرية لليهود. ورغمها ، فبعد الإحتفالية الرسمية فى المعبد "البابا والحخام الكبير إلتقيا بمفردهما للتشاور" ، وفقا لما أعلنته وسائل الإعلام.. ليت هذا القاء المغلق لا يقدم أكثر مما يحمل عنوان هذا المقال الشديد الصدق : "خوفا، خجلا ، أم لؤما ؟" ، بمعنى : الخوف مما سيفرضه "الإخوة الكبار" على الكنيسة ؛ وخجلا من الأتباع مما يقدمه من تنازلات ؛ ولؤما ، إذ طلب البابا من المسؤلين المسلمين دعوة رسمية لزيارة مسجد روما ، بعد أن قام هو وكنيسته بكل ما فى وسعهم من أجل شيطنة الإسلام لإقتلاعه..
وبما أن هذا البابا قد أعلن "أننا ننتمى جميعا إلى أسرة واحدة، أسرة الله ، الذى يرافقنا الطريق ويحمينا كشعبه"، أقول له : ليتك تعيد قر اءة بداية القرار رقم 4 من وثيقة "فى زماننا هذا" التى تبدأ بالعبارة التالية : "بالبحث فى أعماق سر غموض الكنيسة تذكر مجمع الفاتيكان الثانى العلاقة التى يرتبط بها شعب العهد الجديد بشعب أبراهام". ليتك تبحث أيها البابا فى أعماق الكنيسة لتتذكر أن المسلمين هم أيضا وخاصة من شعب سيدنا إبراهيم ، وأن إسماعيل ، الإبن الأكبر لسيدنا إبراهيم قد تلقى العهد قبل مولد إسحاق بثلاثة عشر عاما.. وهل لى أن أذكرك أيضا أن شرع "إخوتك الكبار" يحدد أن الزواج يرفع الزوجة إلى مصاف زوجها ، وأن ساره قد اُعطيت كزوجة لسيدنا إبراهيم ، زوجة تتساوى مع مكانته الإجتماعية ، وليست محظيته أو خادمته مثلما حرفتها وثائقكم ، وإن إستبعاد سيدنا إسماعيل كإبن بكر لسيدنا إبراهيم من عمليات التحريف الكبرى التى قامت بها الكنيسة ؟؟


زينب عبد العزيز
23 يناير 2016