الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

  1. #1
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,289
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    17-12-2017
    على الساعة
    12:56 PM

    افتراضي الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين





    دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله(*)


    مضمون الشبهة:
    يدعي بعض المشككين تعارض الاجتهاد في التشريع الإسلامي مع تمام الدين وكماله، ويستدلون على ذلك بقول الله عز وجل: )ما فرطنا في الكتاب من شيء( (الأنعام: 38)، وقوله عز وجل: )ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء( (النحل: 89)، وقوله عز وجل: )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( (المائدة: 3)، ويرمون من وراء ذلك إلى التشكيك في صلاحية هذا التشريع لكل زمان ومكان.

    وجوه إبطال الشبهة:
    الاجتهاد لغة: بذل الوسع والطاقة في طلب أمر ليبلغ مجهوده، ويصل إلى نهايته، وشرعا: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني.[1] ودليل مشروعيته وارد في الكتاب والسنة والإجماع[2].
    لا اجتهاد في أصول الدين؛[3] لاشتمال القرآن على كل الأصول العامة التي لا بد منها لصلاح البشر، ولا اجتهاد فيما علم من الدين بالضرورة، فلا يكون إلا في الأحكام الفرعية،[4] وبشرط عدم خروجها عن إطار الأصول المنبثقة عنها.
    الاجتهاد لا يترك لكل مجترئ، بل لا بد من توفر شروط محددة في المجتهد تؤهله للقيام بهذه المهمة.
    الاجتهاد يعتبر من ضرورات الدين، وهو حياة التشريع، فلا بقاء لشرع ما لم يظل الاجتهاد فيه حيا مرنا، ذا فعالية وحركة.


    التفصيل:

    أولا. معنى الاجتهاد لغة وشرعا، ودليل مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع:
    الاجتهاد في اللغة: هو بذل الوسع والطاقة في طلب أمر ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته. وفي الشرع: "هو بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني", فلا اجتهاد فيما علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلوات الخمس.
    وحكم الاجتهاد: هو فرض كفاية؛[5] إذ لا بد للمسلمين من استخراج الأحكام لما يجد من الأمور[6].
    مشروعية الاجتهاد من الكتاب، والسنة، والإجماع:
    يبين لنا مشروعية الاجتهاد وأدلته د. وهبة الزحيلي, فيذكر أن الإسلام قد دعا إلى إنعاش العلم والمعرفة والاجتهاد، ونبذ التقليد الأعمى، وذم المقلدين الذين يحاكون الأجداد والآباء من دون محاكمة ولا عقل، ففي القرآن الكريم يقول عز وجل: )وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)( (البقرة).
    وفي مقابل ذم هؤلاء المقلدين نجد مدح المبدعين والمفكرين في آيات كثيرة فيها أدلة واضحة على أن الاجتهاد أصل من أصول الشريعة، إما بطريق الإشارة أو بطريق التصريح، يقول عز وجل: )إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله( (النساء: 105)، فهو إقرار للاجتهاد بطريق القياس، ويقول عز وجل: )إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3)( (الرعد)، ويقول عز وجل: )إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4)( (الرعد).
    أما السنة النبوية؛ ففيها أكثر من تصريح بجواز الاجتهاد؛ منها:
    ما استدل به الإمام الشافعي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»[7].
    أما أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلماء المسلمين من بعدهم، فقد أقروا الاجتهاد، واتبعوه طريقا فيما لم يعثروا فيه على نص قرآني أو سنة، فقد بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - بالقياس - وهو نوع من الاجتهاد - قال عمر رضي الله عنه: رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، فكيف لا نرضاه لدنيانا؟[8] فقاسوا الخلافة[9] على إمامة الصلاة[10].
    ومن هنا يتبين لنا أن كل مصادر الشريعة الإسلامية من كتاب وسنة وإجماع، قد أقرت الاجتهاد وحثت على إعمال الفكر في الأمور التي لا يوجد فيها نص قطعي.
    "إن القرآن الكريم مشتمل على كل الأصول العامة التي لا بد منها لصلاح البشر في معاشه ومعاده، ومن هذه الأصول ما أرشد إليه الكتاب الكريم والسنة المطهرة من إلحاق الشبيه بشبيهه، والتوجه بالأعمال إلى تحقيق المصالح التي جرت عادة[11] الشارع بالمحافظة عليها "[12].
    ثانيا. لا اجتهاد في أصول الدين؛ لاشتمال القرآن على الأصول العامة اللازمة لصلاح البشر:
    فالاجتهاد قاصر على الأمور الفرعية، وما كان لبشر أن يقول: إن ميدانه إنما هو ميدان مفتوح بغير حدود "إن موضوع الاجتهاد، وما يعمل فيه المجتهد: هو هذه المسائل وتلك الوقائع التي ترددت في أحكامها بين طرفين، وضح في كل واحد منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر، فلم تنصرف ألبتة إلى طرف النفي، ولا إلى طرف الإثبات"[13].
    وهذا ما أكده د. وهبة الزحيلي؛ إذ يقول: حدد الغزالي المجتهد فيه بأنه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، [14] فخرج به ما لا مجال للاجتهاد فيه، مما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع,كوجوب الصلوات الخمس والزكوات ونحوها، فالأحكام الشرعية بالنسبة للاجتهاد نوعان:
    ما لا يجوز الاجتهاد فيه.
    ما يجوز الاجتهاد فيه.
    أما ما لا يجوز الاجتهاد فيه: فهو الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة والبداهة، أو التي ثبتت بدليل قطعي الثبوت،[15] قطعي الدلالة، مثل تحريم جرائم الزنا، والسرقة، وشرب الخمر والقتل وعقوباتها المقدرة لها، مما هو معروف بآيات القرآن الكريم وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القولية أو العملية، ومثلها أيضا كل العقوبات أو الكفارات[16] المقدرة، فإنه لا مجال للاجتهاد فيها، ففي قوله عز وجل: )الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة( (النور: 2)، لا يتأتى الاجتهاد في عدد الجلدات، وقوله عز وجل: )وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة( (النور: 56)، لا مجال للاجتهاد في المقصود بالصلاة أو الزكاة، بعد أن بينت السنة الفعلية[17] المراد منهما، وكذلك أحاديث الزكاة المتواترة،[18] لا مجال للاجتهاد فيها.
    وأما التي يجوز الاجتهاد فيها: فهي الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة، أو ظني أحدهما، والأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع.
    فإذا كان النص ظني الثبوت كان مجال الاجتهاد فيه: البحث في سنده، وطريق وصوله إلينا، ودرجة رواته من العدالة[19] والضبط،[20] وفي ذلك يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فبعضهم يأخذ به لاطمئنانه إلى ثبوته، وبعضهم يرفض الأخذ به لعدم الاطمئنان إلى روايته، مما يؤدي إلى اختلاف المجتهدين في كثير من أحكام الفقه العملية.
    وإذا كان النص ظني الدلالة، كان الاجتهاد فيه: البحث في معرفة المعنى من النص، وقوة دلالته على المعنى، فربما يكون النص عاما، وقد يكون مطلقا، وربما يرد بصيغة الأمر أو النهي، وقد يرشد الدليل إلى المعنى بطريق العبارة أو الإشارة أو غيرها، وهذا كله مجال الاجتهاد، فربما يكون العام[21] باقيا على عمومه، وربما يكون مخصصا[22] ببعض مدلوله، والمطلق[23] قد يجري على إطلاقه وقد يقيد، والأمر وإن كان في الأصل للوجوب[24] فربما يراد به الندب[25] أو الإباحة، [26] والنهي وإن كان حقيقة في التحريم، فأحيانا يصرف إلى الكراهة... وهكذا.
    والقواعد اللغوية ومقاصد الشريعة هما اللتان يلجأ إليهما لترجيح وجهة على ما عداها، مما يؤدي إلى اختلاف وجهة نظر المجتهدين، واختلاف الأحكام العملية تبعا لها.
    وإذا كانت الحادثة لا نص فيها ولا إجماع، فمجال الاجتهاد فيها هو البحث عن حكمها بأدلة عقلية, كالقياس[27] أو الاستحسان[28] أو المصالح المرسلة[29] أو العرف[30] أو الاستصحاب،[31] ونحوها من الأدلة المختلف فيها، وهذا باب واسع للاختلاف بين الفقهاء.
    والاجتهاد يقتصر على فهم النص واستنباط الحكم الإلهي منه، وليس لابتداع ما ليس في الدين، لذلك تقول القاعدة الفقهية المعروفة: "لا اجتهاد مع النص، ولكن الاجتهاد في النص"، وكما يقول سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية السورية، ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى: "التجديد لا يمكن أن يعني بحال تغيير نصوص القرآن أو السنة، بل يعني تغيير الفهم لبعض النصوص التي تحتمل ذلك بما يناسب الحال المعاصر للمسلمين.
    وملخص القول: إن مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلا، أو ما فيه نص غير قطعي، ولا يجري الاجتهاد في القطعيات وفيما يجب فيه الاعتقاد الجازم من أصول الدين؛ إذ لا مساغ للاجتهاد في مورد النص، إلا في فهم النص.
    وهذا الأصل جار في القوانين الوضعية، فمتى كان القانون صريحا لا اجتهاد فيه، ولو كان مغايرا لروح العدل، والقضاة مكلفون بتنفيذ أحكامه حسبما وردت؛ لأن تفسيره يرجع إلى المشرع، ولا مساغ للاجتهاد في موضع النص[32].
    وبهذا البيان يتضح أنه عندما يقتضي الحال يكون الاجتهاد واجبا، وتقوم الحاجة إليه بانعدام النص، أو بتعدد وجوهه وإشكالات الفهم فيه، أو بتعدد النصوص وتعارضها في الظاهر، مع كون ذلك في زمان عامر بالعلم والفهم الصحيح في الدين، أو على الأقل يوجد فيه من يعلم ويفهم فهما صالحا، وفي مكان يوجد فيه من اتصف بهذه الصفة.
    وأما إذا لم يقتض الحال شيئا من ذلك فلم تتوفر الدواعي والأسباب، أو أن الحال مقتض، غير أن الأهلية والاقتدار لم يتحققا - وهما بمثابة النور أو البصر الذي يرى به هذا الباب المفتوح الذي يدخل من خلاله - فإذا لم يتوفر للقاصد رؤية الباب المفتوح، ففتحه وإغلاقه في حق هذا سيان[33].
    ثالثا. الشروط الواجب توافرها في المجتهد:
    يقول الشاطبي: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
    أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
    والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.
    ويمكن تحليل هذا بتوضيح الشروط الواجب توافرها فيمن يريد بلوغ درجة الاجتهاد:
    أن يعرف معاني آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعا، وأن يعلم مواضعها ليرجع لها في وقت الحاجة.
    أن يعرف أحاديث الأحكام (لغة وشريعة), ويكون متمكنا من الرجوع إليها عند الاستنباط.
    معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤديه اجتهاده إلى ما هو باطل.
    أن يكون متمكنا من معرفة مسائل الإجماع ومواقعه؛ حتى لا يفتي بخلافه.
    أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام وطرق استنباطها من النصوص، ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية.
    أن يعلم علوم اللغة العربية من لغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب؛ لأن الكتاب والسنة عربيان، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم لغة العرب إفرادا وتركيبا، أو معرفة معاني اللغة وخواص تراكيبها.
    أن يكون عالما بعلم أصول الفقه؛ لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه.
    أن يدرك مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام؛ لأن فهم النصوص وتطبيقها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد[34].
    وعلى هذا فإن الاجتهاد ليس متروكا لكل من يطلبه، كما أنه ليس يدا تعبث في الشريعة الغراء، ومن ثم فليس هناك تعارض بين تمام أصول الدين التي تنبثق عنها فروع مختلفة باختلاف الزمان والمكان، وبين جواز الاجتهاد.
    وبهذا يتضح أن الاجتهاد ليس مباحا لكل شخص، وإنما هو علم له أصوله، من حاد عنها رد عليه اجتهاده.
    رابعا. للاجتهاد في الإسلام أهمية قصوى؛ فلا بقاء لشرع ما لم يظل الاجتهاد فيه حيا مرنا:

    وإلا فماذا يفعل المسلمون فيما يستجد من قضايا لم تكن موجودة من قبل، وقد حكم بها التطور التكنولوجي الذي وسم به هذا العصر، مثل: أطفال الأنابيب، والاستنساخ،[35] واستئجار الأرحام، وبنوك اللبن، إلى غير ذلك من الفقه المعاصر الذي لم يتناوله أجدادنا، وما كان لهم أن يفعلوا؟!
    وأما ما حدث من إغلاق باب الاجتهاد في فترة زمنية سابقة، فمرجعه إلى أن الدولة الإسلامية انقسمت في القرن الرابع الهجري إلى دويلات وممالك، مما أضعف الأمة الإسلامية، فكان من جراء الانقسام ضعف الاستقلال الفكري، وجمود النشاط العلمي، ووقوع العلماء في حمأة التعصب المذهبي، وفقدان الثقة بالنفس، وعكوف العلماء على تدوين المذاهب واختصار الكتب.
    وخاف بعض العلماء من ضعف الوازع الديني الذي قد يؤدي إلى هدم صرح الفقه الذي بناه الأئمة السابقون، فتنادوا بالتزام المذاهب المتقدمة ودعوا إلى سد باب الاجتهاد منعا من ولوج أناس فيه ليسوا أهلا للاجتهاد والاستنباط.
    وهذا من باب السياسة الشرعية التي تعالج شأنا خاصا، أو أمرا مؤقتا، أو فوضى اجتهادية قائمة بسبب ادعاء غير الأكفاء الاجتهاد، فإذا زال الموجب لما سبق، وجب العودة إلى أصل الحكم، وهو فتح باب الاجتهاد, إذ لا دليل أصلا على سد باب الاجتهاد، وإنما هي دعوى فارغة وحجة واهنة، أوهن من بيت العنكبوت؛ لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى التوارث[36].
    إن تحديد الإنتاج الفكري - فيما يتعلق بالتشريع - من الأخطاء الجسام التي لا مبرر لها، بعد أن استمر أكثر من ثلاثة قرون مفتوحا، أنتج خلالها الفكر الإسلامي في الفقه وأصوله ثروة خالدة أمدت التشريع الإسلامي والفقه بأسباب البقاء والخلود.
    لهذا, فإن باب الاجتهاد في الإسلام مفتوح لكل ذي بصيرة، حتى لا يحرم إنسان من التدبر والنظر وحرية الفكر وإعمال مواهبه، ولا يقال: إن طريق الاجتهاد موصد، فيحتاج إلى فتح ودعوة للتحرر؛ إذ لا يسلم بإقفال هذا الباب من الأصل.
    والاجتهاد لا يعني فقط إحداث آراء جديدة لوقائع جديدة، وإنما مجاله أيضا النظر في الأدلة ذاتها، دون التقيد بمذهب أحد.
    وقد أورد الإمام السيوطي - في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" - نصوص العلماء في جميع المذاهب المتفقة على القول بفرضية الاجتهاد وذم التقليد، فقد نهى أئمة المذاهب عن تقليدهم، وطالبوا بضرورة التفكر والنظر، كما تابعهم العلماء في ذلك،
    وحكم الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل" بعصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بهذا الفرض، وأقام على فرضيته دليلا عقليا قطعيا لا شبهة فيه، فقال: "وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد,ونعلم قطعا أنه لم يرد في كل حادثة نص,ولا يتصور ذلك أيضا,والنصوص إذا كانت متناهية, والوقائع غير متناهية,وما لا ينتهي لا يضبطه ما يتناهى, علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد"[37].
    أهمية الاجتهاد في عصرنا الحالي:
    أما إذا نظرنا إلى عصرنا الحالي، فسنجد أن الاجتهاد واجب وضرورة حتمية؛ إذ إنه حياة التشريع، فلا بقاء لشرع ما لم يظل الفقه والاجتهاد فيه حيا مرنا ذا فعالية وحركة، فالاجتهاد واجب لا سيما في عصرنا هذا, عصر التغيرات السريعة، وتعقد المعاملات، وتجدد الحوادث والمشكلات، فهناك الكثير من القضايا التي تستدعي حلولا شرعية سليمة، ولا ملجأ لحلها في غير الاجتهاد؛ لأنه نقطة الارتكاز التي يقوم عليها الحكم بصلاح شريعة الإسلام لكل زمان ومكان.
    أما القول: إن الشريعة قد تمت فهو دعوة للقعود إلى الكسل والرضا بما آل إليه فقه الإسلام من تخلف عن مسايرة ركب الحضارة، وهذا لا يرضي الله ورسوله ولا يقبله مسلم حريص على دين الله، وتطبيق أحكامه في الأنام[38].

    الخلاصة:
    الاجتهاد في اللغة: بذل الوسع والطاقة في طلب أمر ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته. والاجتهاد في الشرع: هو بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي؛ فلا اجتهاد مع نص قطعي كوجوب الصلوات.
    وحكم الاجتهاد هو فرض كفاية على المسلمين، فلا بد لهم من استخراج الأحكام لما يستجد من أمور، وقد أقرت كل مصادر الشريعة - من كتاب وسنة وإجماع - الاجتهاد وحثت عليه، وذمت التقليد والاتباع.
    الأصل في الإسلام هو جواز الاجتهاد لمن توافرت فيه شروط المجتهد، والاجتهاد ضرورة حتمية في عصرنا الحالي؛ لأنه نقطة الارتكاز التي يقوم عليها صلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.
    للمجتهدين شروط يجب توافرها؛ كالعلم بالقرآن والسنة، والناسخ والمنسوخ، وأصول الفقه، وعلوم اللغة العربية، وإدراك مقاصد الشريعة... إلخ، فلا يترك الاجتهاد لكل من هب ودب.
    الاجتهاد ضرورة ملحة من ضرورات العصر الحديث، بل كل العصور السابقة، وذلك للأسباب الآتية:
    أن الاجتهاد مقر به في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    أن الدين اشتمل على الأصول، ولم ينص على حكم كل الفروع.
    أن هناك الكثير من الأحداث التي تستجد في الأزمنة المختلفة، والبيئات المختلفة، وتحتاج إلى استنباط أحكام جديدة لها.
    أن الدعوة إلى عدم الاجتهاد دعوة إلى التجمد والتخلف، والتراجع للوراء، وهي بهذا تقتل حياة الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان.



    (*) أصول التشريع الإسلامي، الشيخ علي حسب الله، مجموعة محاضرات ألقيت على طلاب الدراسات العليا بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، طبعة خاصة.
    [1]. الظني: خلاف القطعي، وهو ما دل على معنى ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف عن هذا المعنى ويراد منه معنى غيره.
    [2]. الإجماع: هو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حكم شرعي في واقعة.
    [3]. أصول الدين: هي العلوم التي تتعلق بعلوم العقيدة وعلم الكلام.
    [4]. الأحكام الفرعية: هي الأحكام الجزئية، فالإيجاب حكم كلي يندرج تحته إيجاب الشهود في الزواج، وهو حكم جزئي وفرعي من الحكم الكلي.
    [5]. فرض الكفاية: هو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعضهم فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين، وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين أثموا جميعا بإهمال هذا الواجب؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    [6]. انظر: الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، دار الصفوة، القاهرة، ط4، 1414هـ/ 1993م، ج1، ص316.
    [7]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (6919)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (4584).
    [8]. ذكره الشافعي في مسنده، كتاب الصلاة، باب الجماعة وأحكام الإمامة (399).
    [9]. الخلافة: تعني ـ في الإسلام ـ منصبا سياسيا يجمع صاحبه بين السلطتين الزمنية والروحية، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على شرع الله، ومن حقه قيادة الدولة الإسلامية ورسم سياستها وتنفيذها على المستويين الداخلي والخارجي.
    [10]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م، ج2,ص1039، 1040 بتصرف.
    [11]. العادة: كل ما تعود الإنسان فعله حتى صار يفعل من غير جهد، والحالة تتكرر على نهج واحد، والعادة هي العرف العملي، وكذلك جاءت القاعدة الفقهية "العادة محكمة"، ويشترط في العادة المعتبرة ألا تكون مغايرة لما عليه أهل الدين.
    [12]. أصول التشريع الإسلامي, الشيخ علي حسب الله، مجموعة محاضرات ألقيت على طلاب كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، طبعة خاصة، ص 71.
    [13]. الاجتهاد في الإسلام: تحرير وتنوير، د. طه حبيشي، مكتبة رشوان، مصر، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص45.
    [14]. قطعي الدلالة: هو ما دل على معنى متعين فهمه منه ولا يحتمل تأويلا، ولا مجال لفهم معنى غيره منه.
    [15]. قطعي الثبوت: الجزم والقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن هو نفسه النص الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الأمة من غير تحريف ولا تبديل، وكل نصوص القرآن الكريم قطعية الثبوت؛ أي: جميعها قطعية من جهة ورودها وثبوتها ونقلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن نصوص السنة منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني الثبوت؛ فالأحاديث المتواترة قطعية الثبوت.
    [16]. الكفارات: جمع كفارة، وهي مأخوذة من الكفر وهو الستر؛ لأنها تغطي الذنب وتستره، وسميت بذلك لأنها تكفر الذنوب وتسترها مثل: كفارة الأيمان والظهار والقتل الخطأ، وقد بينها الله تعالى في كتابه وأمر بها عباده.
    [17]. السنة الفعلية: كل ما صدر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتبين أنه فعله فهو سنة عملية، سواء في السفر أم في الحضر، في السلم أم في الحرب، في السر أم في العلانية، من أمور التشريع أم من غيرها؛ كما ورد عن كيفية أكله وشربه، ولبسه ونومه، ومشيه وكلامه، ووضوئه وصلاته.
    [18]. الأحاديث المتواترة: هي ما رواها في كل عصر جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب؛ لكثرتهم وتباعد أماكنهم، مما تناوله أبصار الناس وأسماعهم.
    [19]. العدالة: صفة لصاحبها، فإذا كانت في الرواة فهي أن يكون الراوي مسلما بالغا عاقلا غير فاسق وغير مخروم المروءة، واشتراط العدالة في الراوي يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته، وعدم تساهله عند التحمل والأداء، وكون الإنسان عدلا لا يرتكب الكبائر وينأى عن الصغائر.
    [20]. الضبط: صفة من صفات رواي الحديث تجعله حافظا لما يرويه إن كان يرويه من حفظه، وحافظا وضابطا لكتابه إن كان يروي من كتابه.
    [21]. العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها.
    [22]. الخاص: هو لفظ وضع للدلالة على فرد واحد بالشخص؛ مثل: محمد، أو واحد بالنوع؛ مثل: رجل، أو على أفراد متعددة محصورة؛ مثل: ثلاثة وعشرة ومائة وقوم ورهط وجمع وفريق، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على عدد من الأفراد ولا تدل على استغراق جميع الأفراد.
    [23]. المطلق: هو اللفظ الخاص المطلق من أي قيد؛ أي هو ما دل على فرد غير مقيد لفظا بأي قيد؛ مثل: مصري، ورجل، وطائر، على عكس المقيد: وهو ما دل على فرد مقيد لفظا بأي قيد؛ مثل: مصري مسلم، ورجل رشيد، وطائر أبيض.
    [24]. الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا حتما؛ بأن اقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله.
    [25]. الندب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا غير حتم؛ كأن يرد الطلب من الشارع بصيغة "يسن كذا" أو "يندب كذا"، والمندوب أنواع؛ مندوب مطلوب فعله على وجه التأكيد، ومندوب مشروع فعله، ومندوب زائد يعد من الكماليات للمكلف، ويرجع إليه في مظانه من كتب أصول الفقه.
    [26]. الإباحة: هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه، فلم يطلب الشارع أن يفعل المكلف هذا الفعل، ولم يطلب أن يكف عنه.
    [27]. القياس: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها؛ لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم.
    [28]. الاستحسان: هو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم جزئي استثنائي؛ لدليل انقدح من عقله رجح لديه هذا العدول.
    [29]. المصالح المرسلة: هي المصالح التي لم يشرع الشارع حكما لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وسميت "مطلقة"، أو "مرسلة"؛ لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء.
    [30]. العرف: هو ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، ويسمى "العادة".
    [31]. الاستصحاب: هو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره.
    [32]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م، ج2, ص 1052: 1054. دور الاجتهاد في الفكر الإسلامي، أحمد كفتارو، ضمن بحوث المؤتمر العاشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وزارة الأوقاف، القاهرة، 1420هـ/ 1990م، ص87 بتصرف يسير.
    [33]. الاجتهاد والتجديد في الشريعة الإسلامية، الخواص الشيخ العقاد، دار الجيل، بيروت، ط1، 1418هـ/ 1998م، ص 91.
    [34]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م، ج2, ص 1043: 1049 بتصرف.
    [35]. الاستنساخ: استنسخ الشيء: طلب نسخه، وهي عمليات تقوم على استنتاخ الحيوان أو أجزائه.
    [36]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م، ج2، ص 1085 بتصرف يسير.
    [37]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م، ص1086، 1087 بتصرف يسير.
    [38]. أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1417هـ/ 1996م ، ص1087، 1088 بتصرف.

    منقول بتصرف
    بيان الإسلام
    _____________________

    موضوع ذو صلة
    الرد على لماذا إختلف العلماء في تفسير القرآن الكريم ؟
    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 04-09-2015 الساعة 12:51 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  2. #2
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,289
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    17-12-2017
    على الساعة
    12:56 PM

    افتراضي للإستذاده

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين






    المسألة الأولى : تعريف الاجتهاد
    الاجتهاد لغة: بذل الوسع والطاقة، ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد ومشقة، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة(1).
    وفي الاصطلاح: «بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية»(2).
    وقد اشتمل هذا التعريف على الضوابط الآتية(3):
    أ- أن الاجتهاد هو بذل الوسع في النظر في الأدلة، فهو بذلك أعم من القياس؛ إذ القياس هو إلحاق الفرع بالأصل، أما الاجتهاد فإنه يشمل القياس وغيره.
    ب- أن الاجتهاد لا يجوز إلا من فقيه، عالم بالأدلة وكيفية الاستنباط منها؛ إذ النظر في الأدلة لا يتأتى إلا ممن كان أهلاً لذلك.
    جـ- أن الاجتهاد قد ينتج عنه القطع بالحكم أو الظن به، وذلك ما تضمنه قيد "لاستنباط".
    د- وقد تضمن قيد "لاستنباط" أيضًا بيان أن الاجتهاد إنما هو رأي المجتهد واجتهاده، وذلك محاولة منه لكشف حكم الله، ولا يُسمى ذلك تشريعًا؛ فإن التشريع هو الكتاب والسنة، أما الاجتهاد فهو رأي الفقيه أو حكم الحاكم.
    __________
    (1) انظر: "المصباح المنير" (1/112)، و"مذكرة الشنقيطي" (311).
    (2) انظر: "الفقيه والمتفقه" (1/178)، و"روضة الناظر" (2/401)، و"مجموع الفتاوى" (11/264)، و"شرح الكوكب المنير" (4/458)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (179)، و"مذكرة الشنقيطي" (311).
    (3) انظر المصادر السابقة.

    ____________________________________________________________ ____________________________________

    المسألة الثانية : أقسام الاجتهاد
    ينقسم الاجتهاد إلى أقسام متعددة، وذلك باعتبارات مختلفة، وبيان ذلك كما يأتي:
    أولاً: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى أهله إلى اجتهاد مطلق واجتهاد مقيد. وفي هذين القسمين تجتمع أقسام المجتهدين الأربعة الذي ذكرها ابن القيم(1)، وهي:
    أ- مجتهد مطلق وهو العالم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة، يجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت.
    فهذا النوع هم الذين يسوغ لهم الإفتاء والاستفتاء، وهم المجددون لهذا الدين القائمون بحجة الله في أرضه.
    ب- مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، من غير أن يكون مقلدًا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.
    جـ- مجتهد مقيد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة.
    بل نصوص إمامه عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه إمامه استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص.
    وشأن هؤلاء عجيب؛ إذ كيف أوصلهم اجتهادهم إلى كون إمامهم أعلم من غيره، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه، وقعد بهم اجتهادهم عن النظر في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص.
    د- مجتهد في مذهب من انتسب إليه، فحفظ فتاوى إمامه، وأقر على نفسه بالتقليد المحض له، من جميع الوجوه، وذكر الكتاب والسنة عنده يكون على وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج به والعمل، بل إذا رأى حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسب إليه أخذ بقوله وترك الحديث، فليس عند هؤلاء سوى التقليد المذموم.
    __________
    (1) انظر: "إعلام الموقعين" (4/212 - 214). ويلاحظ أن ابن القيم ذكرها باسم أنواع المفتين.


    قال ابن القيم في هذه الأقسام الأربعة:
    «ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط، متشبه بالعلماء، محاكٍِ للفضلاء.....»(1).
    ثانيًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى المجتهد من حيث استيعابُه للمسائل أو اقتصاره على بعضها إلى مجتهد مطلق ومجتهد جزئي.
    فالمجتهد المطلق: هو الذي بلغ رتبة الاجتهاد بحيث يمكنه النظر في جميع المسائل.
    والمجتهد الجزئي هو الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، وإنما بلغ هذه الرتبة في مسألة معينة، أو باب معين، أو فن معين، وهو جاهل لما عدا ذلك.
    وقد اختلف العلماء في جواز تجزئة الاجتهاد، والذي عليه المحققون من أهل العلم جوازه وصحته(2).
    قال ابن القيم: «الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه.
    كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك.
    فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره.
    وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه:
    أصحها: الجواز، بل هو الصواب المقطوع به، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.
    فحجة الجواز: أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكمُ المجتهد المطلق في سائر الأنواع»(3).
    وقال أيضًا: «فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟
    __________

    (1) "إعلام الموقعين" (4/214، 215).
    (2) انظر: "روضة الناظر" (2/406، 407)، و"مجموع الفتاوى" (20/204، 212)، و"مذكرة الشنقيطي" (312).
    (3) "إعلام الموقعين" (4/216).


    قيل: نعم، يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمةٍ خيرًا. ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض. وبالله التوفيق»(1).
    ثالثًا: ينقسم الاجتهاد بالنسبة لعلة الحكم إلى ثلاثة أقسام(2):
    تحقيق المناط(3)، وتنقيحه، وتخريجه.
    أ- فتحقيق المناط: هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي، فينظر المجتهد في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان. كالأمر باستقبال القبلة واستشهاد شهيدين عدلين فينظر هل المصلي مستقبل القبلة؟ وهذا الشخص هل هو عدل مرضي؟
    وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء.
    ب- وتنقيح المناط: وهو تهذيب العلة، فإذا أضاف الشارع حكمًا إلى سببه واقترن بذلك أوصاف لا مدخل لها في إضافة الحكم، وجب حذف الأوصاف غير المؤثرة عن الاعتبار وإبقاءُ الوصف المؤثر المعتبر في الحكم.
    وذلك كأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الذي واقع أهله في رمضان بالكفارة(4) فعُلم أن كونه أعرابيًا، أو عربيًا، أو الموطوءة زوجته، لا أثر له في الحكم، فلو وطئ المسلم العجمي سريته كان الحكم كذلك، وهذا النوع قد أقر به أكثر منكري القياس.
    جـ- وتخريج المناط: وهو القياس المحض، وهو أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلاً، كتحريم الربا في البر، فيجتهد المجتهد في البحث عن علة الحكم ومناطه بطريقٍ من طرق ثبوت العلة.
    __________

    (1) المصدر السابق (4/216، 217).
    (2) انظر: "روضة الناظر" (2/229 - 234)، و"مجموع الفتاوى" (19/14 - 18)، و"مذكرة الشنقيطي" (243 - 245).
    (3) المناط لغة: موضع النوط، وهو التعليق والإلصاق. وفي اصطلاح الأصوليين يطلق على العلة. انظر: "مختار الصحاح" (685)، و"قواعد الأصول" (82)، و"الكليات" (873).
    (4) الحديث رواه البخاري (4/163) برقم (1936، 1937)، ومسلم (7/224).


    وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلاف المشهور في حجية القياس.
    رابعًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى كون المسائل المجتهد فيها جديدة أو متقدمة إلى قسمين:
    مسائل لا قول لأحد من العلماء فيها، ومسائل تقدم لبعض العلماء فيها قول.
    فالقسم الأول: وقع فيه خلاف بين العلماء، أما القسم الثاني: فلا خلاف في جواز الاجتهاد فيه.
    والصحيح في القسم الأول الجواز(1).
    قال ابن القيم: «إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
    أحدها: يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر»(2). وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله، وما عرف فيه أقوالاً واجتهد في الصواب منها.
    وعلى هذا درج السلف والخلف، والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث»(3).
    خامسًا: ينقسم الاجتهاد أيضًا بالنظر إلى المسائل المجتهد فيها من جهة وقوعها أو عدم وقوعها إلى قسمين: مسائل واقعة نازلة، ومسائل لم تقع.
    وقد تقدم آنفًا الكلام على القسم الأول، أما القسم الثاني وهو الاجتهاد في مسائل لم تقع فهذا فيه تفصيل لأهل العلم سيأتي بيانه إن شاء الله في شروط الاجتهاد(4).

    __________
    (1) انظر: "شرح الكوكب المنير" (4/526).
    (2) رواه البخاري (13/318) برقم (7352)، ومسلم (12/13) بلفظ آخر.
    (3) "إعلام الموقعين" (4/265، 266)، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في هذا الموضع أن الحق في هذه المسألة هو التفصيل، وهو: أن ذلك يجوز بل يستحب ويجب عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم، وإن عدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر جاز للحاجة دون عدمها.
    (4) انظر (ص476) من هذا الكتاب.


    سادسًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى بذل الوسع فيه إلى قسمين: اجتهاد تام، واجتهاد ناقص، فالاجتهاد التام ما كان بذل الوسع فيه إلى درجة يحس فيها المجتهد من نفسه العجز عن المزيد، والاجتهاد الناقص ما لم يكن كذلك، فيدخل فيه النظر المطلق في الأدلة لمعرفة الحكم(1).
    ومعلوم أن المطلوب من المجتهد بذل غاية وسعه وطاقته كما سيأتي نقل ذلك عن الشافعي عند الكلام على شروط الاجتهاد(2).
    سابعًا: ينقسم الاجتهاد إلى صحيح وفاسد.
    فالاجتهاد الصحيح هو الذي صدر من مجتهد توفرت فيه شروط الاجتهاد وكان هذا الاجتهاد في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد.
    أما الاجتهاد الفاسد، فهو: الذي صدر من جاهل بالكتاب والسنة ولغة العرب، لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، أو صدر من مجتهد أهل للاجتهاد لكنه وقع في غير موضعه من المسائل التي لا يصح فيه الاجتهاد(3).
    قال ابن قدامة بعد ذكره لآثار عن السلف في ذم الرأي - في معرض جوابه عنها-: «قلنا هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي، والقياس في غير موضعه أو بدون شرطه... جواب ثانِ، أنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلاً للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد»(4).
    ولابن القيم رحمه الله تعالى بحث نفيس في أنواع الرأي، أنقله فيما يأتي ملخصًا(5).
    «الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه.
    والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف.
    __________

    (1) انظر: "روضة الناظر" (2/401)، و"نزهة الخاطر العاطر" (2/401، 402).
    (2) انظر (ص 473) من هذا الكتاب.
    (3) انظر في المسألة الآتية: "شروط الاجتهاد" بيان من هو أهل للاجتهاد وبيان المسائل التي يجوز الاجتهاد فيها.
    (4) "روضة الناظر" (2/241، 242). وانظر: "الفتاوى الكبرى" (6/145).
    (5) انظر: "إعلام الموقعين" (1/67 - 85).


    فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتوا به، وسوغوا القول به.
    وذموا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.
    والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه.
    كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس فقال لي: عند الضرورة وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة.
    لم يفرطوا فيه، ويفرعوه، ويولدوه، ويوسعوه، كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها.
    أنواع الرأي الباطل:
    أ- الرأي المخالف للنص، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
    ب- الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهل النصوص وقاس برأيه من غير نظر إليها فقد وقع في الرأي المذموم الباطل.
    جـ- الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فقابلوا هذه النصوص بالتحريف والتأويل، وقابلوا بالتكذيب معاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلاً.
    د- الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن، وعم به البلاء.
    فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وإخراجه من الدين.
    ه- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم، وهو استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل، وتفريع الكلام عليها قبل أن تقع، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات.


    أنواع الرأي المحمود:
    أ- رأي الصحابة رضي الله عنهم فهم أفقه الأمة وأبرها قلوبًا، وأقلها تكلفًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الشريعة.
    فحقيق أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، كيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا، وحكمة وعلمًا، ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًّا، لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.
    ب- الرأي الذي تفسر به النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طرق الاستنباط منها.
    جـ- الرأي المجمع عليه، الذي تواطأت الأمة عليه وتلقاه خلفهم عن سلفهم، فإن ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما أن ما تواطئوا عليه من الرواية والرؤيا لا يكون إلا صوابًا.
    د- الرأي الذي يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فيما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة رضي الله عنهم، فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه، وأقر بعضهم بعضًا عليه» اه.


    المسألة الثالثة : شروط الاجتهاد
    يشترط لصحة الاجتهاد شروط، بعض هذه الشروط يرجع إلى المجتهد والبعض الآخر يرجع إلى المسائل المجتهد فيها.
    أما الشروط اللازم توفرها في المجتهد فيمكن إجمالها فيما يأتي(1):
    أولاً: أن يحيط بمدارك الأحكام وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وغيرها من الأدلة التي يمكن اعتبارها.
    وأن تكون لديه معرفة بمقاصد الشريعة، والمعتبر في ذلك أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومواقع الإجماع والخلاف، وصحيح الحديث وضعيفه.
    ثانيًا: أن يكون عالمًا بلسان العرب، ويكفي في ذلك القدر اللازم لفهم الكلام.
    ثالثًا: أن يكون عارفًا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي. ولا يلزمه من ذلك إلا القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويدرك به مقاصد الخطاب ودلالة الألفاظ، بحيث تصبح لديه ملكة وقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها.
    رابعًا: أن يبذل المجتهد وسعه قدر المستطاع وألا يقصر في البحث والنظر.
    قال الشافعي: «وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف عن نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك»(2).
    خامسًا: أن يستند المجتهد في اجتهاده إلى دليل، وأن يرجع إلى أصل.
    وقد بوب لذلك ابن عبد البر، فقال: «باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة»(3).
    __________

    (1) انظر: "الرسالة" (509 - 511)، و"إبطال الاستحسان" (40)، و"جامع بيان العلم وفضله" (2/61)، و"روضة الناظر" (2/4091 - 406)، و"مجموع الفتاوى" (20/583)، و"إعلام الموقعين" (1/46)، و"شرح الكوكب المنير" (4/459 - 467)، و"مذكرة الشنقيطي" (311، 312).
    (2) "الرسالة" (511).
    (3) "جامع بيان العلم وفضله" (2/55).


    وبعد ذكره رحمه الله لبعض الآثار قال: «......هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها، ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل.
    وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا فتدبر»(1).
    وقد ذكر ابن القيم – كما سبق نقل ذلك عنه(2)– أن من أنواع الرأي المذموم باتفاق السلف:
    الكلام في الدين بالخرص والتخمين، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها.
    وبين أن من جهل النصوص والآثار وقاس برأيه من غير نظر إليها فقد وقع في الرأي المذموم(3).
    وقد تقدم بيان تحريم القول على الله بدون علم(4)، فهذا الشرط راجع إلى هذا الأصل.
    سادسًا: أن يكون المجتهد عارفًا بالواقعة، مدركًا لأحوال النازلة المجتهد فيها.
    قال الشافعي: «ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به، دون التثبيت......»(5).
    وقال ابن القيم: «وأما قوله(6): (الخامسة معرفة الناس) فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال.....»(7).
    ( تنبيه:
    __________

    (1) المصدر السابق (2/57).
    (2) انظر (ص471) من هذا الكتاب.
    (3) انظر: "إعلام الموقعين" (1/68).
    (4) انظر (ص355) من هذا الكتاب.
    (5) "الرسالة" (510).
    (6) أي: الإمام أحمد وسيأتي نقل كلامه كاملاً. انظر (ص509) من هذا الكتاب.
    (7) "إعلام الموقعين" (4/204، 205).


    قال ابن قدامة: «فأما العدالة فليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالمًا بما ذكرناه فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلاً لا تقبل فتياه»(1).
    وأما الشروط اللازم توفرها في المسألة المجتهد فيها فيمكن إجمالها فيما يأتي:
    أولاً: أن تكون هذه المسألة غير منصوص(2) أو مجمع عليها.
    والدليل على هذا الشرط حديث معاذ - رضي الله عنه - المشهور(3)، إذ جعل الاجتهاد مرتبة متأخرة إذا لم يوجد كتاب ولا سنة.
    وقد كان منهج الصحابة رضي الله عنهم النظر في الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم الاجتهاد(4).
    ومعلوم أن الاجتهاد يكون ساقطًا مع وجود النص.
    قال ابن عبد البر: «باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة»(5).
    وقال الخطيب البغدادي أيضًا: «باب في سقوط الاجتهاد مع وجود النص»(6).
    وقال ابن القيم: «فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك»(7).

    __________
    (1) "روضة الناظر" (2/402).
    (2) المراد بذلك ألا يوجد في المسألة نص أصلاً - وهذا ما ذكر في الشرط الأول - وإن وجد نص فيشترط أن يكون هذا النص محتملاً غير قاطع - وهذا ما ذكر في الشرط الثاني - ويمكن بيان المراد من هذين الشرطين وجمعهما في شرط واحد بأن يقال: يشترط ألا يوجد في المسألة نص قاطع ولا إجماع. انظر: "مذكرة الشنقيطي" (314، 315).
    (3) انظر (ص190) من هذا الكتاب.
    (4) انظر: "إعلام الموقعين" (1/85، 61، 62، 84) وانظر (279) من هذا الكتاب.
    (5) "جامع بيان العلم وفضله" (2/55).
    (6) "الفقيه والمتفقه" (1/206).
    (7) "إعلام الموقعين" (2/279).


    ثانيًا: أن يكون النص الوارد في هذه المسألة -إن ورد فيها نص- محتملاً، قابلاً للتأويل، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»(1). فقد فهم بعض الصحابة من هذا النص ظاهره من الأمر بصلاة العصر في بني قريظة ولو بعد وقتها، وفهم البعض من النص الحث على المسارعة في السير مع تأدية الصلاة في وقتها ولم ينكر - صلى الله عليه وسلم - على الفريقين ما فهم، ولم يعنف الطرفين على ما فعل(2).
    قال الشافعي: «قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا لم يحل الاختلافُ فيه لمن علمه، وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره، لم أقل: إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص»(3).
    وقد استدل الشافعي على أن الاختلاف مذموم فيما كان نصه بينًا بقوله تعالى: { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } [البينة: 4]، وقوله تعالى: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 105].
    وقد عد ابن تيمية ذلك من أسٍباب الاختلاف بين العلماء فقال:
    «.......وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث: هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟»(4).
    ثالثًا: ألا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل العقيدة، فإن الاجتهاد والقياس خاصان بمسائل الأحكام على النحو الذي سبق بيانه في القياس(5).
    __________

    (1) رواه البخاري (7/407) برقم (4119).
    (2) انظر: "مجموع الفتاوى" (3/344).
    (3) "الرسالة" (560).
    (4) "مجموع الفتاوى" (20/259).
    (5) انظر (ص183، 194) من هذا الكتاب.


    قال ابن عبد البر: «قال أبو عمر: لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة - وهم أهل الفقه والحديث - في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي(1) ومن قال بقوله فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا.....»(2).
    وعد ابن القيم(3) من أنواع الرأي المذموم باتفاق سلف الأمة الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال(4).
    رابعًا: أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل، أو مما يمكن وقوعه في الغالب والحاجة إليه ماسة. أما استعمال الرأي قبل نزول الواقعة والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات والاستغراق في ذلك، فهو مما كرهه جمهور أهل العلم واعتبروا ذلك تعطيلاً للسنن وتركًا لما يلزم الوقوف عليه من كتاب الله عز وجل ومعانيه(5).
    وقد استدل الجمهور على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»(6).
    __________

    (1) هو: داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي، الفقيه المشهور بالظاهري، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع يعرفون بالظاهرية، وكان ولده أبو بكر محمد على مذهبه، توفي سنة (270ه). انظر: "وفيات الأعيان" (2/255)، و"شذرات الذهب" (2/158).
    (2) "جامع بيان العلم وفضله" (2/74).
    (3) انظر: "إعلام الموقعين" (1/68) وانظر (ص471) من هذا الكتاب.
    (4) سبق التنبيه على حكم القياس في باب التوحيد وما يجوز منه وما لا يجوز انظر (ص 183) من هذا الكتاب.
    (5) انظر: "جامع بيان العلم وفضله" (2/139)، و"إعلام الموقعين" (1/69)، و"جامع العلوم والحكم" (1/240 - 252)، و"شرح الكوكب المنير" (4/584 - 588).
    (6) رواه البخاري (13/264) برقم (7289) واللفظ له، ومسلم (15/110).


    وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»(1). قال ابن القيم: «ولكن إنما كانوا [أي الصحابة رضي الله عنهم } يسألونه [أي النبي - صلى الله عليه وسلم -] عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم، وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } [المائدة: 101، 102].
    ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله ...»(2).
    فعلم بذلك أن المجتهد لا ينبغي له أن يبحث ابتداء في مسألةٍ لا تقع، أو وقوعها نادر، لكن إن سئل عن مسألة من هذا القبيل، فهذه قضية أخرى، لعل الكلام عليها أليق بمسائل الفتوى.
    المسألة الرابعة : حكم الاجتهاد
    والكلام على هذه المسألة في جهتين:
    الجهة الأولى: حكم الاجتهاد إجمالاً.
    الجهة الثانية: حكم الاجتهاد على التفصيل.
    1- أما حكم الاجتهاد على سبيل الإجمال، فالقول بجواز الاجتهاد مذهب الجمهور(3).
    قال ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة»(4).
    والأدلة على ذلك كثيرة منها:
    __________

    (1) رواه البخاري (13/340)، برقم (1477)، ومسلم (12/12).
    (2) "إعلام الموقعين" (1/71، 72)، وانظر (1/85) منه، و"تفسير ابن كثير" (2/109).
    (3) انظر: "الرسالة" (487)، و"جامع بيان العلم وفضله" (2/55)، و"الفقيه والمتفقه" (1/199).
    (4) "مجموع الفتاوى" (20/203).


    أ- قول الله تعالى: { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } [الأنبياء: 78، 79].
    دل قوله تعالى: { إِذْ يَحْكُمَانِ } على أن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام حكما في هذه الحادثة معًا، كل منهما بحكم مخالفٍ للآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف، فدل على أن الحكم الصادر من كل منهما اجتهاد.
    يؤيد ذلك قوله تعالى: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } إذ خص الله سليمان عليه الصلاة والسلام بتفهيمه الحكم الصحيح، ولو كان الحكم نصًا لاشترك في فهمه الاثنان عليهما الصلاة والسلام(1).
    ب- قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(2).
    جـ- حديث معاذ - رضي الله عنه - المشهور، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن، قال له: «بم تحكم؟» قال بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال اجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»(3).
    د- وقوع الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - في وقائع كثيرة منها(4):
    أنه أخذ الفداء في أسرى بدر(5)، ولذلك عاتبه الله فقال سبحانه: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ } [الأنفال: 67].
    __________

    (1) انظر: "مجموع الفتاوى" (20/224)، و"أضواء البيان" (4/596، 597).
    (2) رواه البخاري ومسلم. وقد تقدم تخريجه. انظر (ص465).
    (3) سبق تخريجه. انظر (191).
    (4) انظر: "روضة الناظر" (2/409)، و"إعلام الموقعين" (1/198)، و"شرح الكوكب المنير" (4/476).
    (5) انظر ذلك في الحديث الذي رواه مسلم (12/84).


    ه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه -رضوان الله عليهم- بالاجتهاد، وكان يقرهم على الصواب من اجتهاداتهم(1).
    فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ(2)- رضي الله عنه - لما حكمه في بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل»(3).
    2- أما حكم الاجتهاد على وجه التفصيل، فإنه قد يجب وقد يحرم، وقد يستحب وقد يكره، وقد يكون مباحًا.
    وذلك يختلف بحسب أهلية المجتهد، وحسب نوع المسألة المنظور فيها، وحسب الحاجة إليها، وحسب الوقت(4).
    * فيكون الاجتهاد واجبًا: إذا كان المجتهد أهلاً للاجتهاد، وكانت المسألة مما يسوغ فيه الاجتهاد، وقد قامت الحاجة الشديدة إلى معرفة الحكم مع ضيق الوقت.
    * ويكون مستحبًا إذا لم تكن الحاجة قائمة وكان الوقت متسعًا مع كون المجتهد أهلاً للاجتهاد.
    * ويكون محرمًا إذا لم يكن المجتهد أهلاً ولم توجد الحاجة لذلك، أو كان أهلاً لكن كانت المسألة مما لا يجوز فيه الاجتهاد؛ بأن كان الحكم منصوصًا أو مجمعًا عليه.
    * ويكون مكروهًا إذا كان المجتهد أهلاً وكانت المسألة مما يستبعد وقوعه.
    * ويكون مباحًا إذا كان المجتهد أهلاً وكانت المسألة مما يمكن وقوعه، وكان الوقت متسعًا.
    __________

    (1) انظر: "روضة الناظر" (2/407)، و"إعلام الموقعين" (1/203)، و"زاد المعاد" (3/394)، و"شرح الكوكب المنير" (4/481).
    (2) هو: سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري، سيد الأوس، شهد بدرًا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة، ثم انتقض جرحه فمات وذلك سنة خمس للهجرة. انظر: "الاستيعاب" (2/25)، و"الإصابة" (2/35).
    (3) رواه البخاري (6/165) برقم (3043)، ومسلم (12/95) واللفظ له.
    (4) انظر: "إعلام الموقعين" (4/157، 219، 266). وانظر شروط الاجتهاد السابق بيانها في المسألة الثالثة.
    ____________________
    منقول
    معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة
    رسالة "دكتوراه" نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .




    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 04-09-2015 الساعة 03:25 AM سبب آخر: إضافة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  3. #3
    الصورة الرمزية فداء الإسلام
    فداء الإسلام غير متواجد حالياً عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    May 2016
    المشاركات
    34
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    25-06-2017
    على الساعة
    06:41 PM

    افتراضي

    جزيتم خيرا

الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الرد على شبهة ( تعارض القرآن الكريم مع الحقائق العملية بشأن تثبيت الجبال للأرض )
    بواسطة شعشاعي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26-09-2015, 10:47 PM
  2. الرد على : شبهة الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى
    بواسطة عطاء الله الأزهري في المنتدى شبهات حول القران الكريم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-09-2007, 11:46 PM
  3. دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الكونية ؟
    بواسطة محمد مصطفى في المنتدى حقائق حول الكتاب المقدس
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-12-2005, 11:19 AM
  4. الرد على دعوى أن جسد النبى الشريف قد أسن
    بواسطة أبـــ(تراب)ـــو في المنتدى شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 21-08-2005, 02:39 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله

الرد على دعوى تعارض الاجتهاد مع تمام التشريع وكماله