الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    2,493
    آخر نشاط
    23-11-2015
    على الساعة
    06:28 PM

    افتراضي الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

    دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف(*)
    مضمون الشبهة:

    يستنكر بعض المغالطين على النبي صلى الله عليه وسلم موقفه من ظاهرة الكسوف والخسوف، قائلين: إن الذي يقرأ الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما يرى مدى خوفه من هذه الظاهرة، فمن جهة تذكر الأحاديث أن الله يخوِّف عباده بكسوف الشمس، ومن جهة أخرى تأمرهم أن يفزعوا إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتكبير حتى يكشف ما بهم. وفي هذا دليل على عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم السبب الحقيقي لهذه الظاهرة وأنها ظاهرة طبيعية لها وقتها ولا تصيب أحدًا بضرر. ويتساءلون: إذا كان الإنسان قد استطاع تحديد أوقات الكسوف والخسوف بدقة، فهل معنى ذلك أنه أصبح يعلم متى يخوف الله عباده؟
    وجها إبطال الشبهة:

    1) لقد صحَّح النبي صلى الله عليه وسلم المعتقدات الخاطئة التي كانت سائدة في عصره عن ظاهرة الكسوف والخسوف عندما قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته"، فالشمس والقمر يسيران وفق نظام محكم دقيق، وظاهرة الكسوف ظاهرة طبيعية بما أودع الله لها من أسباب ومسببات، على مقتضى القدرة الإلهية والإرادة الحاكمة، وليس لها أية علاقة بأيٍّ من هذه المعتقدات الفاسدة التي كان يعتقدها الناس، ولم يدرك العلماء هذه الحقائق إلا حديثًا؛ ففي أوربا حتى عهد قريب كان الناس يعتقدون أن ظاهرة الكسوف مرتبطة بالخرافة. ومن ثم؛ فإن هذا الحديث يعتبر الأساس لعلم الفلك الصحيح.
    2) ليس من شك في أن الكسوف أمر طبيعي لا يتقدم ولا يتأخر عن موعده ومكانه، ولكن الأمور الطبيعية -وفقًا للسنن الكونية- ليست خارجة عن دائرة الإرادة الإلهية، فكل ما في الكون يحدث بمشيئته تعالى وقدرته، ومثل هذا الذي يحدث لهذه الأجرام العظيمة جدير أن ينبَّه القلوب إلى عظمة سلطان الله سبحانه وتعالى وشمول قدرته وبالغ حكمته. ومن ثم؛ وجب أن تتجه القلوب إليه بالتعظيم، والألسنة بالدعاء، والجباه بالسجود. وإذا ما أضفنا إلى ذلك ما يقترن ـ في العادة ـ بظاهرة الكسوف من أضرار علمنا لـمَ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة والدعاء؛ وبذلك فلا حجة لمن يتساءل: ممَّ التخويف وهي ظاهرة طبيعية؟!
    التفصيل:

    أولاً -في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله» تصحيح للمعتقدات الخاطئة التي كانت سائدة:
    1) الحقائق العلمية:

    أ‌. كسوف الشمس (solar eclipse):
    كشفت الدراسات -كما هو مقرر- أن الأرض والقمر يستمدّان الضوء من أشعة الشمس الساقطة عليهما، وعلى ذلك لا يرى الإنسان القمر إلا إذا كانت هناك أشعة تسقط عليه لكي تضيئه وتنعكس على سطح الأرض، وهكذا يرى الملاحظ من الأرض كلًّا من الشمس والقمر في بعض الأوقات، وقد يرى أجزاء منهما، أو قد لا يرى أيًّا منهما في بعض الأوقات الأخرى.
    ومن المعروف أن من خصائص الأشعة الضوئية أنها تنتشر في خطوط مستقيمة في الوسط المتجانس، ويكون انتشارها على هيئة حزم تعرف بالحزم الضوئية، في حين أن الظلال تتكون نتيجة لاعتراض جسم ما معتم مجال أشعة الضوء، وهذا يفسِّر لنا أسباب حدوث عملية كسوف الشمس وخسوف القمر؛ إذ إن هاتين الظاهرتين الطبيعيتين ينتج عنهما احتجاب الشمس أو القمر عن الأرض نتيجة لانتشار أشعة الشمس المتوازية في خطوط مستقيمة.
    وعلى ذلك؛ فإن كسوف الشمس (solar eclipse) عبارة عن احتجاب ضوء الشمس كله أو جزء منه عن الأرض، وهذا لا يحدث إلا إذا وقع القمر بين الأرض والشمس، وكانت مراكز الأرض والشمس والقمر كلها على خط زوال واحد؛ أي على استقامة واحدة([1]).




    الكسوف الشمسي
    · أنواع الكسوف:
    للكسوف أربعة أشكال يظهر بها، هي:
    o الكسوف الكلي:
    بأن يحجب القمر كامل قرص الشمس، وعندما تختفي الشمس الصفراء كاملة، وتظهر من خلف القمر أشعة هي أشعة الإكليل الشمسي التي هي أخفت بمليون مرة من أشعة الشمس، ولا تظهر إلا في أثناء الكسوف الكلي، ويمثِّل الكسوف الكلي ما نسبته 28% من مجمل الكسوفات.



    الكسوف الكلي
    o الكسوف الجزئي:
    وهو مرور القمر أمام جزء كبير أو صغير من قرص الشمس، لكن أشعة الشمس الصفراء تبقى ظاهرة من الجزء المتبقي من الشمس، ولا يظهر معها الإكليل الشمسي.
    وفي هذه الحالة يكون المشاهدون واقفين في منطقة شبه الظل على الكرة الأرضية، وليس في منطقة ظل القمر التي يكون فيها الكسوف كليًّا، وتمثِّل الكسوفات الجزئية ما نسبته 35% من مجمل الكسوفات الشمسية.



    الكسوف الجزئي
    o الكسوف الحلقي:
    وهو الكسوف العجيب الذي يقع القمر فيه أمام قرص الشمس تمامًا، كما في الكسوف الكلي إلا أنه لا يغطيها كاملة، إنما يترك حوله حلقة من أشعة الشمس الصفراء؛ ولهذا فقد سُمِّي كسوفًا حلقيًّا، وسبب ذلك أن القمر يكون بعيدًا عن الأرض أو الشمس قريبة من الأرض، فيكون قرص الشمس أكبر من قرص القمر، فلا يستطيع القمر حجب كامل قرص الشمس. ويمثل هذا الكسوف ما نسبته 32% من مجمل الكسوفات.




    الكسوف الحلقي
    o الكسوف الحلقي الكلي:
    في بعض الأحيان يكون الكسوف مزيجًا من الكسوفات الثلاثة السابقة. ولرؤية أحد الكسوفين الكلي أو الحلقي، يجب رؤية كسوف جزئي يسبقهما([2]).
    ب‌. خسوف القمرLunar eclipse:
    يقصد بخسوف القمر: "احتجاب ضوء القمر كله أو جزء منه عن الأرض"، وهذا لا يحدث كذلك إلا إذا وقعت الأرض بين كل من الشمس والقمر، عندما يكون مركزها على استقامة واحدة؛ أي على خط زوال واحد.


    الخسوف القمري
    وهناك نوعان من الخسوف يحدثان للقمر، وهما:
    · خسوف القمر الكلي Totallunareclipse:
    وفيه يختفي القمر تمامًا، ولا يظهر بالنسبة إلى الراصد على سطح الأرض.
    · خسوف القمر الجزئيpartial lunar eclipse:
    وهو يحدث عندما يقع جزء من القمر في منطقة ظل الأرض، والجزء الآخر يقع في منطقة شبه الظل، فيرى الملاحظ أن الجزء الأخير مضيء، أما الجزء الآخر الذي يقع في منطقة الظل فيظهر معتمًا([3]).
    2) التطابق بين الحقائق العلمية وبين ما جاء به الحديث الشريف:

    انكسفت الشمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يوم أن مات ابنه إبراهيم، فأسرع الناس يقولون: إن الشمس انكسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم.
    وكان من عادة القدماء أن ينسبوا أية ظاهرة إلى الأساطير والخرافات، فكانوا عندما تنكسف الشمس يقولون: إنها انكسفت لموت إنسان عظيم، وكانوا أحيانًا يقولون: إن هذا دليل على أننا سنخسر هذه المعركة، أو أن ذلك الملك سيموت أو سيزول ملكه.
    ومن الأشياء المضحكة التي كان يعتقد بعض الناس فيها -كما في الصين القديمة- أن الشمس عندما تنكسف كأن هنالك تنينًا ابتلع هذه الشمس، فكانوا يضربون على الطبول، ويقذفون بالأسهم إلى السماء لإخافة هذا التنين، ثم يقولون: إنه خاف وقذف بالشمس وهرب. وكان بعض الناس يعتقد أن الشمس إذا انكسفت؛ فإن هذا يدل على أن هناك حدثًا عظيمًا سيحدث؛ لأنهم كانوا يربطون الشمس بالآلهة. هذه المعتقدات كانت بالنسبة إلى ذلك الزمن معتقدات يقينية.
    ولقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم الدرس المنهجي الأول في القضاء على هذه الخرافات وتلك المعتقدات الفاسدة؛ ولذا لما قال الناس: لقد انكسفت الشمس لموت إبراهيم، لم يقرُّهم على أخطائهم، وإنما صحَّح لهم هذه المعتقدات الخاطئة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلُّوا»([4]).
    ونستطيع أن نستنتج من هذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر يسيران بنظام محكم ودقيق، وأن عملية الكسوف هي عملية طبيعية جدًّا ليس فيها آلهة وليس لها علاقة بموت أحد من الناس ولا بحياته([5]).
    وقديمًا كان الناس يعتقدون أن من يطيل النظر إلى القمر عندما يكون بدرًا؛ فإنه يتعرَّض للجنون، وهذه خرافة ضمن خرافات كثيرة، منها: النحس المرتبط بخسوف القمر عند الهنود، الذين كانوا يعتقدون أن القمر غاضب عليهم لأنهم كسالى، وكذلك أهالي إنجلترا الذين اعتقدوا أن مشاهدة الهلال الجديد شؤم إلا إذا كان في جيوبهم قطعة من الفضة، وأن أنسب الأوقات لإحصاء نقودهم هو الوقت الذي يكون فيه القمر بدرًا لتزداد نقودهم مع ازدياد حجم القمر، وغير ذلك من خرافات رفضها الإسلام الذي نهى عن عبادة الشمس والقمر؛ فالقدماء المصريون، وقبيلة حمير عبدوا الشمس، بينما عبدت قبيلة كنانة القمر في الجاهلية؛ لهذا نزل قوله تعالى: )لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ((فصلت: ٣٧)([6]).
    ومن ثم؛ فليس صحيحًا ما يدعيه الطاعن من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل ماهية الكسوف والخسوف؛ بل وضع النبي صلى الله عليه وسلم حدًّا لسخافات واعتقادات الناس والمنجمين والمشعوذين؛ لأن الشمس والقمر بل جميع الأجرام السماوية تسير وفق نظام أبدعه خالق الكون لتشهد على عظمته وحكمته، وبديع أمره في خلقه، وتنطق بكمال علمه ونفاذ مشيئته، وتدل على قدرته وجلاله، وأن كل شيء عنده بمقدار وميزان، وليس للأفلاك علاقة بمصائر الناس وحظهم في الحياة، وصدق تعالى حينما قال: )الشمس والقمر بحسبان (5)((الرحمن)، هذا من ناحية.
    ومن ناحية أخرى؛ فإن هذا الحديث يحمل في طياته إشارة خفية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق في دعوته إلى الله وأنه لا يريد الدنيا ولا زينتها ولا شهرتها، فلو كان صلى الله عليه وسلم يريد شيئًا من الدنيا لأقرَّ قومه على قولهم عندما قالوا: «إن الشمس انكسفت لموت ابن النبي صلى الله عليه وسلم »، فهذا الكلام يزيد من قدره في نظر قومه، ويعزِّز مكانته بينهم، ولكنه لا يريد الدنيا، ولا يريد الشهرة، بل يريد وجه الله سبحانه وتعالى، ويريد لنا أن نبني إيماننا على أساس علمي متين([7]).



    لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله» أساسًا علميًّا لعلم الفلك الحديث، وعندما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته»، إنما أبعد الخرافات عن عقول البشر.
    ثانيًا -الحكمة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفزع إلى الصلاة والدعاء والاستغفار عند رؤية الكسوف والخسوف:
    ثمة سببان للكسوف والخسوف:
    1. سبب حسِّي:
    فسبب كسوف الشمس أن القمر يقع بينها وبين الأرض، فيحجب بعض ضوئها عن الأرض ولا يحجب ضوءها كله، لأن الشمس أكبر من القمر؛ لذلك لا يمكن أن يحدث كسوف كلي على بقاع الأرض جميعها في آن واحد.
    وخسوف القمر يحدث بسبب وقوع الأرض بين الشمس والقمر، فتحُول الأرض بينهما، ومعلوم أن القمر جرم معتم يستمد نوره من الشمس، فإذا حالت الأرض بينهما وقع الخسوف.
    2. سبب شرعي:
    يتضح ذلك جليًّا في الحديث الذي رواه المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله»([8]).
    وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوِّف بهما عباده»([9]). وإذًا فالسبب الشرعي في حدوث الكسوف والخسوف هو تخويف الله للعباد؛ ليتركوا ما وقعوا فيه من الذنوب والمعاصي.
    ومن ثم؛ فإن قول الطاعن: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فافزعوا إلى الصلاة» وتقريره أن الله يخوف عباده بالكسوف ـ دليل على عدم معرفته السبب الحقيقي لكسوف الشمس؛ إذ لماذا نخاف من كسوفها ونحن نعلم أنها ظاهرة طبيعية لها وقتها ولا تصيب أحدًا بضررـ نقول: إن هذا القول مردود من نواحٍ عدة:
    · فمن ناحية أولى: إن كونهما آيتان تعرفان بالحساب لا يمنع كونهما تخويفًا من الله عز وجل، وأنهما تحذير منه سبحانه وتعالى، فهو الذي أجرى الآيات ورتب أسبابها كما تطلع الشمس وتغرب في أوقات معينة، وهكذا القمر والنجوم، وكلها آيات من آيات الله، قال تعالى: )إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54)((الأعراف).
    فالله وحده سبحانه القادر على تحريك هذه الكواكب وتصريفها، فعندما يقدر سبحانه الكسوف يجعل القمر في مكان بين الشمس والأرض، ولا أحد غير الله يستطيع أن يحدث كسوفًا ولا خسوفًا، وإنما غاية ما يستطيعه الإنسان -بتعليم من الله- أن يعرف متى يحصلان([10]).
    يقول الإمام ابن دقيق العيد: "ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: «يخوف الله بهما عباده»، وليس بشيء (يعني هذا الاعتقاد)؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف؛ لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلا أن يشاء الله خرقها".
    وإذًا فالكسوف والخسوف بمثابة الإنذار للعباد بوقوع العقوبة من الله عز وجل، قال تعالى: )وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59)((الإسراء)،وهذا من حكمة الله تعالى لكي يراجع الناس دينهم إذا طغوا وبغوا قبل أن يحل بهم عذاب ربهم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد حصول الكسوف أو الخسوف بالدعاء والصلاة والاستغفار والتوبة والصدقة والعتق.
    · ومن ناحية ثانية: كشفت الدراسات الفلكية الحديثة النقاب عن أن ما يحدث على سطح الأرض من ظواهر تتعلق بالشمس والقمر، يحدث أيضًا بين الأجرام والكواكب التي تسبح في الفضاء السماوي، وأن هذا له تأثيره المباشر على ما يحدث من أمور على سطح الأرض، فعند وقوع كل من الشمس والقمر والأرض جميعًا على خط زوال واحد، واحتجاب ضوء الشمس عن سطح القمر عند سقوطه عليه في حالتي المحاق والبدر، تزداد قوة جاذبية القمر والشمس على قوة الطرد المركزية للأرض، وتتأثر بذلك الغازات في الغلاف الغازي والمياه في المحيطات على سطح الأرض، ويتكون ما يعرف بـ "المد العالي" (High tides).
    كما تبيَّن أنه في لحظات كسوف الشمس تقل كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا، فتنخفض درجة حرارة الأرض. وعلى العكس من ذلك؛ فإنه في لحظات خسوف القمر تزداد كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا، فترتفع درجة الحرارة نسبيًّا لدقائق معدودة([11]).
    ولما كانت هذه الأمور محسوبة بدقة بالغة؛ فإن الأرض تكون معرضة في خلال هاتين الظاهرتين الكونيتين لمخاطر لا يعلمها إلا الله، ومن هنا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الله بتحميده وتكبيره وتمجيده، وباللجوء إلى الصلاة، والمبادرة بإخراج الصدقات لعل الله تعالى يكشف تلك المخاطر عن الأرض ومن عليها، فلا تزال هاتان الظاهرتان تكتنفان من المخاطر والأسرار ما لا يعلمه إلا الله([12]).
    · ومن ناحية ثالثة: فإن العلماء يؤكدون ضرورة أن نبتعد عن النظر إلى الشمس في أثناء الكسوف؛ لأنه بمجرد النظر لمدة ثوانٍ قليلة؛ فإن شبكية العين تصاب بجروح وقروح خطيرة، وقد تسبب هذه الأشعة العمى المؤقت أو الدائم. ولذلك؛ فإن العلماء يقولون: لا يجوز النظر إلى الشمس في أثناء الكسوف لأنها تبث كميات كبيرة من الأشعة تحت الحمراء.
    وقد أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم علاجًا لهذه الظاهرة لندرأ خطرها عن أنفسنا عندما أمرنا أن نلجأ إلى الصلاة والدعاء وذكر الله.
    وتذكر بعض الأساطير التاريخية أن هناك شعوبًا كانوا يعتقدون أن النظر إلى الشمس في أثناء الكسوف أمر يجعل الإنسان عظيما، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من ذلك حينما قال: «... فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله عز وجل وإلى الصلاة»([13]) ([14]).




    الكسوف الشمسي
    عندما تنكسف الشمس؛ فإن هذه الظاهرة خطيرة؛ لأن الشمس هي السراج الذي يبث الضوء والإشعاعات الخطيرة، ومن أخطر هذه الإشعاعات الأشعة تحت الحمراء، والأشعة تحت الحمراء هي أشعة تبثها الشمس بشكل دائم، ولكنها تكون أكثر خطورة في أثناء الكسوف.
    ومن ثم؛ فإن استنكار الطاعن على النبي صلى الله عليه وسلم خوفه من الكسوف بحجة أنها ظاهرة طبيعية لها وقتها ولا تصيب أحدًا بضرر ـ استنكار لا مسوغ له؛ لأن كونها ظاهرة طبيعية جعل الله لها أسبابًا تعرف بها، لا يمنع من كونها تخويفًا وتحذيرًا منه عز وجل، كما أن الضرر حادث لما يقترن بهذه الظاهرة -في الغالب- بما يخاف الناس منه مما يضرهم، فالكسوف والخسوف يقترنان غالبًا بوقوع حدث في الأرض من زلازل وبراكين وغيرها.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله صلى الله عليه وسلم: «يخوف الله بهما عباده»: هذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سبب لنزول عذاب بالناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفًا، قال تعالى: )وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59)((الإسراء)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يزيل الخوف؛ حيث أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى يكشف ما بالناس([15]).
    وعليه؛ فلا حجة لمن استنكر على النبي صلى الله عليه وسلم خوفه من الكسوف، وقد كان من شدة خوفه صلى الله عليه وسلم عندما كسفت الشمس أنه خرج مسرعًا وجلاً، حتى إنه أخذ درع إحدى نسائه ظنًّا منه أنه رداؤه كما جاء في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ففزع، فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك...»([16]).
    فالواجب على البشرية أن تقتدي بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يخاف الناس عند حلول هذه الظواهر الكونية، كالكسوف والخسوف والأعاصير والفيضانات وغيرها، فالعلم الذي لا يزيد في الإيمان والتقوى لا فائدة منه؛ لأن العمارة الحقيقية للدنيا تكون بتطويع ما فيها من إمكانات مادية وعلمية لعبادة الله وحده لا شريك له، فما الفائدة من معرفة حدوث الكسوف والخسوف للبشر؟ هل الفائدة حاصلة في الاستمتاع بمشاهدة هذه الظواهر؟ فالناس في عصر التقدم العلمي لا يقيمون رأسًا لهذه الآيات التي يخوف الله بها عباده لينيبوا إليه ويتذكروا، قال تعالى: )أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99)((الأعراف).
    · ومن ناحية أخيرة: فإن الطاعن يتساءل: هل أصبح الإنسان يعلم متى يخوف الله عباده بعد استطاعته تحديد وقتي الكسوف والخسوف بدقة؟
    وتساؤله هذا مردود عليه؛ ذاك أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب، إذ لو كانت من علم الغيب لما استطاع البشر معرفة وقتيهما، بل هو من العلم الحسي المدرك؛ فقد كان الناس من قديم الزمان يعرفون وقت الكسوف والخسوف، فالفراعنة قبل أكثر من أربعة آلاف سنة كانوا يعرفون وقت الكسوف والخسوف بدقة.
    كما أن العلم بوقت الكسوف والخسوف لا ينفي الخوف منهما، فمشاهدة البراكين والأعاصير والفيضانات والكسوف والخسوف وغيرها من الظواهر لا ينفي كونها مخوفة؛ بل لعل ذلك يكون أوقع في النفس وأخوف.
    إن في ظاهرة الكسوف أمرًا يتنبَّه له المؤمن ويلتفت إليه -إذا كان غيره لا يلتفت إليه- وهو التذكير بقيام الساعة وانتهاء هذا العالم؛ فإن مما ثبت بطريق الوحي اليقيني: أن هذا الكون سيأتي عليه يوم ينفطر فيه عقده، وينتثر نظامه، فإذا سماؤه قد انفطرت، وكواكبه قد انتثرت، وشمسه قد كورت، وجباله قد سيرت، وأرضه قد زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وآذن ذلك كله بتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبروز الخلق لله الواحد القهار.
    فالشمس والقمر ليسا أبديين ككل شيء في هذا العالم، إنهما يجريان -كما قال الله خالقهما- إلى أجل مسمًّى، نعم مسمى معلوم عند الله، خفي مجهول عند الناس، ولكن المؤمن يوقن به ولا يغفل عنه، فإذا شاهد ظاهرة كالكسوف والخسوف، انتقل قلبه من اليوم إلى الغد، ومن الحاضر إلى المستقبل، وخصوصًا إذا تذكر قول الله تعالى: )وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب( (النحل: ٧٧)، وقوله تعالى: )فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10)((القيامة)([17]).
    3) وجه الإعجاز:

    · إن الكسوف والخسوف لا يكونان لموت زعيم ولا لحياته، ولا لموت عالم ولا لموت رفيع أو وضيع؛ بل آية كونية تسير وفق نظام محسوب: )الشمس والقمر بحسبان (5)((الرحمن).
    · يقترن الكسوف والخسوف عادة بما يخاف الناس منه مما يضرهم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الصلاة والدعاء والاستغفار.
    · النظر إلى الشمس ضارٌّ ومؤذٍ جدًّا عندما تنكسف الشمس، بينما النظر إلى القمر ليس فيه أية مشكلة. ولذلك؛ فإن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم حذَّر من ظاهرة كسوف الشمس؛ لأنها الأخطر.
    · ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وأمرنا أن ندعو الله ونلجأ إلى الذكر؛ لكي يذكرنا بقدرة الله عز وجل، وأنه يرانا في كل حركة من حركاتنا؛ لذلك ينبغي علينا أن نذكر الله في كل حركة من حركات هذا الكون.



    (*) منتدى:
    [1]. موسوعة الإعجاز العلمي في سنة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ، حمدي عبد الله الصعيدي، مكتبة أولاد الشيخ للتراث، مصر، ط1، 2007م، ص246- 247.
    [2]. كسوف الشمس الحلقي، هاني محمد الضليع، بحث منشور بمجلة الإعجاز العلمي، مرجع سابق، العدد (22)، رمضان 1426هـ، ص59.
    [3]. موسوعة الإعجاز العلمي في سنة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، حمدي عبد الله الصعيدي، مرجع سابق، ص248.
    [4]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس، (2/ 611)، رقم (1042). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف "الصلاة جامعة"، (4/ 1509)، رقم (2086).
    [5]. أسرار كسوف الشمس والقمر، عبد الدائم الكحيل، بحث منشور بموقع: المهندس عبد الدائم الكحيل www.kaheel7.com.
    [6]. المعارف الكونية بين العلم والقرآن، د. منصور محمد حسب النبي، مرجع سابق، ج1، ص162- 163.
    [7]. أسرار كسوف الشمس والقمر، عبد الدائم الكحيل، بحث منشور بموقع: المهندس عبد الدائم الكحيل www.kaheel7.com.
    [8]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس، (2/ 612)، رقم (1043). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف "الصلاة جامعة"، (4/ 1509)، رقم (2087).
    [9]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الكسوف، باب: قول النبى صلى الله عليه وسلم: «يخوف الله عباده بالكسوف»، (2/ 623)، رقم (1001).
    [10]. الكسوف والخسوف، يحيى بن موسى الزهراني، مقال منشور بموقع: صيد الفوائد www.saaid.net.
    [11]. موسوعة الإعجاز العلمي في سنة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ، حمدي عبد الله الصعيدي، مرجع سابق، ص249.
    [12]. الإعجاز العلمي في السنة النبوية، د. زغلول النجار، نهضة مصر، القاهرة، ط6، 2004م، ج1، ص174.
    [13]. حسن صحيح: أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الكسوف، باب: نوع آخر، رقم (1494). وقال عنه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (1483): حسن صحيح.
    [14]. أسرار الكسوف والخسوف، عبد الدائم الكحيل، بحث منشور بموقع: المهندس عبد الدائم الكحيل www.kaheel7.com.
    [15]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: د. أنور الباز و د. عامر الجزار، دار الوفاء، القاهرة، ط3، 1426هـ/ 2005م، ج24، ص259.
    [16]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الكسوف، باب: ما عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، (4/ 1505)، رقم (2073).
    [17]. الحكمة في صلاة الكسوف والخسوف، د. يوسف القرضاوي، مقال منشور بمنتدى: المسلم اليوم

    منقول
    بيان الإسلام

    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 29-08-2015 الساعة 07:33 PM

  2. #2
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,287
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    13-12-2017
    على الساعة
    02:04 PM

    افتراضي

    بسم الله الرجمن الرحيم
    و به نستعين





    اقتباس
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوغسان مشاهدة المشاركة
    ومن ثم؛ فإن قول الطاعن: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فافزعوا إلى الصلاة» وتقريره أن الله يخوف عباده بالكسوف ـ دليل على عدم معرفته السبب الحقيقي لكسوف الشمس؛ إذ لماذا نخاف من كسوفها ونحن نعلم أنها ظاهرة طبيعية لها وقتها ولا تصيب أحدًا بضررـ نقول: إن هذا القول مردود من نواحٍ عدة:
    · فمن ناحية أولى: إن كونهما آيتان تعرفان بالحساب لا يمنع كونهما تخويفًا من الله عز وجل، وأنهما تحذير منه سبحانه وتعالى، فهو الذي أجرى الآيات ورتب أسبابها كما تطلع الشمس وتغرب في أوقات معينة، وهكذا القمر والنجوم، وكلها آيات من آيات الله، قال تعالى: )إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54)((الأعراف).
    فالله وحده سبحانه القادر على تحريك هذه الكواكب وتصريفها، فعندما يقدر سبحانه الكسوف يجعل القمر في مكان بين الشمس والأرض، ولا أحد غير الله يستطيع أن يحدث كسوفًا ولا خسوفًا، وإنما غاية ما يستطيعه الإنسان -بتعليم من الله- أن يعرف متى يحصلان([10]).
    يقول الإمام ابن دقيق العيد: "ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: «يخوف الله بهما عباده»، وليس بشيء (يعني هذا الاعتقاد)؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف؛ لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلا أن يشاء الله خرقها".
    وإذًا فالكسوف والخسوف بمثابة الإنذار للعباد بوقوع العقوبة من الله عز وجل، قال تعالى: )وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59)((الإسراء)،وهذا من حكمة الله تعالى لكي يراجع الناس دينهم إذا طغوا وبغوا قبل أن يحل بهم عذاب ربهم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد حصول الكسوف أو الخسوف بالدعاء والصلاة والاستغفار والتوبة والصدقة والعتق.
    .
    .
    .

    وقد أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم علاجًا لهذه الظاهرة لندرأ خطرها عن أنفسنا عندما أمرنا أن نلجأ إلى الصلاة والدعاء وذكر الله.
    وتذكر بعض الأساطير التاريخية أن هناك شعوبًا كانوا يعتقدون أن النظر إلى الشمس في أثناء الكسوف أمر يجعل الإنسان عظيما، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من ذلك حينما قال: «... فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله عز وجل وإلى الصلاة»([13]) ([14]).




    الكسوف الشمسي
    عندما تنكسف الشمس؛ فإن هذه الظاهرة خطيرة؛ لأن الشمس هي السراج الذي يبث الضوء والإشعاعات الخطيرة، ومن أخطر هذه الإشعاعات الأشعة تحت الحمراء، والأشعة تحت الحمراء هي أشعة تبثها الشمس بشكل دائم، ولكنها تكون أكثر خطورة في أثناء الكسوف.
    ومن ثم؛ فإن استنكار الطاعن على النبي صلى الله عليه وسلم خوفه من الكسوف بحجة أنها ظاهرة طبيعية لها وقتها ولا تصيب أحدًا بضرر ـ استنكار لا مسوغ له؛ لأن كونها ظاهرة طبيعية جعل الله لها أسبابًا تعرف بها، لا يمنع من كونها تخويفًا وتحذيرًا منه عز وجل، كما أن الضرر حادث لما يقترن بهذه الظاهرة -في الغالب- بما يخاف الناس منه مما يضرهم، فالكسوف والخسوف يقترنان غالبًا بوقوع حدث في الأرض من زلازل وبراكين وغيرها.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله صلى الله عليه وسلم: «يخوف الله بهما عباده»: هذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سبب لنزول عذاب بالناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفًا، قال تعالى: )وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59)((الإسراء)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يزيل الخوف؛ حيث أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى يكشف ما بالناس([15]).
    وعليه؛ فلا حجة لمن استنكر على النبي صلى الله عليه وسلم خوفه من الكسوف، وقد كان من شدة خوفه صلى الله عليه وسلم عندما كسفت الشمس أنه خرج مسرعًا وجلاً، حتى إنه أخذ درع إحدى نسائه ظنًّا منه أنه رداؤه كما جاء في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ففزع، فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك...»([16]).
    فالواجب على البشرية أن تقتدي بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يخاف الناس عند حلول هذه الظواهر الكونية، كالكسوف والخسوف والأعاصير والفيضانات وغيرها، فالعلم الذي لا يزيد في الإيمان والتقوى لا فائدة منه؛ لأن العمارة الحقيقية للدنيا تكون بتطويع ما فيها من إمكانات مادية وعلمية لعبادة الله وحده لا شريك له، فما الفائدة من معرفة حدوث الكسوف والخسوف للبشر؟ هل الفائدة حاصلة في الاستمتاع بمشاهدة هذه الظواهر؟ فالناس في عصر التقدم العلمي لا يقيمون رأسًا لهذه الآيات التي يخوف الله بها عباده لينيبوا إليه ويتذكروا، قال تعالى: )أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99)((الأعراف).
    · ومن ناحية أخيرة: فإن الطاعن يتساءل: هل أصبح الإنسان يعلم متى يخوف الله عباده بعد استطاعته تحديد وقتي الكسوف والخسوف بدقة؟
    وتساؤله هذا مردود عليه؛ ذاك أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب، إذ لو كانت من علم الغيب لما استطاع البشر معرفة وقتيهما، بل هو من العلم الحسي المدرك؛ فقد كان الناس من قديم الزمان يعرفون وقت الكسوف والخسوف، فالفراعنة قبل أكثر من أربعة آلاف سنة كانوا يعرفون وقت الكسوف والخسوف بدقة.
    كما أن العلم بوقت الكسوف والخسوف لا ينفي الخوف منهما، فمشاهدة البراكين والأعاصير والفيضانات والكسوف والخسوف وغيرها من الظواهر لا ينفي كونها مخوفة؛ بل لعل ذلك يكون أوقع في النفس وأخوف.
    إن في ظاهرة الكسوف أمرًا يتنبَّه له المؤمن ويلتفت إليه -إذا كان غيره لا يلتفت إليه- وهو التذكير بقيام الساعة وانتهاء هذا العالم؛ فإن مما ثبت بطريق الوحي اليقيني: أن هذا الكون سيأتي عليه يوم ينفطر فيه عقده، وينتثر نظامه، فإذا سماؤه قد انفطرت، وكواكبه قد انتثرت، وشمسه قد كورت، وجباله قد سيرت، وأرضه قد زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وآذن ذلك كله بتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبروز الخلق لله الواحد القهار.
    فالشمس والقمر ليسا أبديين ككل شيء في هذا العالم، إنهما يجريان -كما قال الله خالقهما- إلى أجل مسمًّى، نعم مسمى معلوم عند الله، خفي مجهول عند الناس، ولكن المؤمن يوقن به ولا يغفل عنه، فإذا شاهد ظاهرة كالكسوف والخسوف، انتقل قلبه من اليوم إلى الغد، ومن الحاضر إلى المستقبل، وخصوصًا إذا تذكر قول الله تعالى: )وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب( (النحل: ٧٧)، وقوله تعالى: )فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10)((القيامة)([17]).
    الله سبحانه قال في القرآن الكريم مبيناً ما يحصل عند قيام الساعة من الأهوال ومن جملتها الكسوف قال تعالى: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) سورة القيامة إنه يخشى إذا حصل الكسوف أن يستمر ولا ينكشف وأن تقوم الساعة عند حدوثه لأن وقت قيامها لا يعلمه إلآ الله ولا يكون إلا بغتة . صالح بن فوزان الفوزان

    وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : رُبَّمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ يُنَافِي قَوْلَهُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ مَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هُنَا جَيِّدٌ .
    وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ - كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ - مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِخُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ يَعْقِلُهَا أَهْلُ الْحِسَابِ ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ . وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُصِيبَ أَهْلُ الْحِسَابِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَ ، بَلْ قَدْ يُخْطِئُونَ فِي حِسَابِهِمْ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَدِّقُوا وَلَا أَنْ يَكْذِبُوا ، وَالتَّخْوِيفُ بِذَلِكَ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لِأَنَّ لِلَّهِ أَفْعَالًا [ ص: 625 ] عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ ، وَأَفْعَالًا خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ ، وَقُدْرَتَهُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَطِعَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ . وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ لِقُوَّةِ إعْتِقَادِهِمْ فِي عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ إِذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ عِنْدَهُمُ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِإعْتِقَادِ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَسْبَابٌ تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَةُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خَرَقَهَا . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مُخَوِّفًا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى .
    فتح الباري شرح صحيح البخاري

    أليس جَعل الليل سرمدا أو النهار سرمدا إلى يوم القيامة يدعو الى الخوف ؟

    ويقول الله سبحانه و تعالى

    ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) ) سورة القصص

    و قال الله سبحانه و تعالى
    ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( 146 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) سورة الأعراف
    ____________________

    فمعلوم أنّ هناك علامات ليوم القيامة و لا أحد يعلم متى يوم القيامة و لا الأبن فلابد أن يكون هناك خوف إذا ظهرت علامات مشابهة لعلامات يوم القيامة

    أصحاح 21 من إنجيل لوقا
    21 حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا،
    22 لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ.
    23 وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! لأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هذَا الشَّعْبِ.
    24 وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ.
    25 « وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ،
    26 وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ.


    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 31-08-2015 الساعة 12:03 AM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. دعوى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مجهول النسب
    بواسطة ابوغسان في المنتدى شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 22-08-2015, 11:13 PM
  2. الرد على دعوى تفضيل المسيح - عليه السلام - على محمد صلى الله عليه وسلم
    بواسطة الشهاب الثاقب. في المنتدى الذب عن الأنبياء و الرسل
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 17-02-2014, 10:43 PM
  3. الرد على شبهة ( دعوى جهل النبى بماهية الكسوف والخسوف )
    بواسطة شعشاعي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-04-2012, 04:21 PM
  4. نبوءات بشرت بظهور النبي محمد صل الله عليه وسلم في الرسالات السماوية السابقة عليه
    بواسطة ابوغسان في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-10-2010, 12:49 AM
  5. عفو النبي صلى الله عليه وسلم
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-02-2010, 02:00 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف

الرد على دعوى عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بماهية الكسوف والخسوف