كان أعداء الإسلام دائمًا وعلى مر العصور يخافون أكثر ما يخافون من اتحاد المسلمين واجتماعهم تحت راية واحدة، هذه الراية هي الخلافة الإسلامية، لذلك كانت الحرب الضروس التي لا هوادة فيها على الخلافة الإسلامية هي السمة العامة والأساسية، بل وربما الوحيدة للصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.

ولقد كان للخلافة العثمانية نصيب الأسد في المواجهة بين العالمين الإسلامي والغربي، ذلك لأن هذه الدولة العثمانية هي التي نالت شرف فتح القسطنطينية وإدخال الإسلام إلى قلب أوروبا حتى عمق بولندا، وأنزلت بالعالم الأوروبي "الممثل وقتها للعالم الغربي" الكثير من الهزائم، وفتحت العواصم القديمة وحطمت القوى العريقة، مما أورث الغرب الأوروبي حقدًا وكراهية حالكة السواد ضد الخلافة العثمانية، دفعا الغرب الأوروبي للعمل الدؤوب ليل نهار من أجل تقويض هذه الدولة وإعادة عرش القسطنطينية كما كان، ومع مر العصور ضعفت الدولة العثمانية وحققت أوروبا عليها انتصارات كثيرة، حتى شاخت هذه الدولة وشارفت على الموت، وأطلق عليها الأوروبيون الرجل المريض الذي له تركة لابد من اقتسامها أو بالأحرى ما تبقى من تركته.

كان دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى أو استدراجها على وجه الدقة كان يعتبر المرحلة الأخيرة في مراحل الصراع الطويل بين العالمين الإسلامي والغربي، وهي مرحلة تمزيق أشلاء الدولة العثمانية واقتسام تركتها بين أباطرة الاستعمار الأوروبي وقتها [إنجلترا ـ فرنسا ـ روسيا] في منتصف سنة 1334هـ ـ 1916م، والحرب العالمية الأولى على أشدها، والقتال مشتعل على عدة جبهات، والحكومة البريطانية تواصل خداعها للشريف حسين أمير الحجاز وتستدرجه للقيام بثورة كبيرة على الدولة العثمانية باسم العروبة والاستقلال.

سايكس - بيكو

في هذه الأثناء والأوقات العصيبة يجتمع مندوبون من إنجلترا وفرنسا وروسيا بمدينة بطرسبرج الروسية، وذلك من أجل التباحث ووضع الخرائط النهائية للمناطق التي ستلتهمها كل دولة منهم.

وقد مثَّل إنجلترا في هذه المفاوضات "مارك سايكس" عضو البرلمان البريطاني وهو المندوب البريطاني لشئون الشرق الأدنى، ومثَّل فرنسا فيها "جورج بيكو" قنصل فرنسا السابق في بيروت، ومثل روسيا المعتمد "سازونوف"، وقد انتهت هذه المفاوضات بتوقيع معاهدة "سايكس - بيكو" الشهيرة في 14 رجب 1334هـ / 16 مايو 1916م.

وبموجبها أصبحت فلسطين والأردن والعراق من نصيب إنجلترا، وسوريا الكبرى وجزء كبير من جنوب "الأناضول" من نصيب فرنسا، على أن تكون القسطنطينية مع أراضي واسعة على جانبي البوسفور وشرق الأناضول من نصيب روسيا.

وقد ظلت هذه الاتفاقية سرية حتى قيام الثورة الشيوعية بروسيا، فأذاعت بنود هذه الاتفاقية وانسحبت روسيا منها، ومع ذلك دخلت بنود المعاهدة ولم تستطع الدولة العثمانية وقف النهاية المأساوية لدولة الخلافة.

والجدير بالذكر أن هذه المعاهدة ظلّت سرًا لا يدري به العرب، إلى أن نشرتها الحكومة السوفييتية (سابقا عام 1917م). وسارعت بريطانيا عندئذ إلى طمأنة العرب إلى أن المعاهدة أصبحت ملغاة بعد انسحاب روسيا من الحرب وانضمام العرب إلى جانب الحلفاء.

تقسيم العالم الإسلامي

تم تقسيم المنطقة بموجب الاتفاق فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من بلاد الشام وجزء كبير من جنوب الأناضول ومنطقة الموصل في العراق، أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية.

كما تقرر وضع المنطقة التي اقتطعت فيما بعد من جنوب سوريا "فلسطين" تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا (لاحقاً وبموجب وعد بلفور لليهود، أعطيت فلسطين للصهاينة لبناء دولة إسرائيل المزعومة).

لكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا بريطانيا بالمقابل استخدام ميناء إسكندرون الذي كان سيقع في دائرة سيطرتها.

معاهدة سايكس - بيكو

الجزء الخاص بانجلترا وفرنسا، نيسان / أبريل - أيار / مايو 1916م

المادة الأولى

إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا دولة عربية برئاسة رئيس عربي في المنطقتين "أ" (داخلية سوريا) و"ب" (داخلية العراق) المبينة في الخريطة الملحقة بهذا الاتفاق. يكون لفرنسا في منطقة (أ) ولإنجلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (أ) وإنجلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثانية

يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (سوريا الساحلية) ولإنجلترا في المنطقة الحمراء (منطقة البصرة) إنشاء ما ترغبان به من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة، بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثالثة

تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين)، يعين شكلها بعد استشارة روسيا وبالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

المادة الرابعة

تنال إنجلترا ما يلي:

-ميناءي حيفا وعكا.

- يضمن مقدار محدود من مياه دجلة والفرات في المنطقة (أ) للمنطقة (ب)، وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بألا تتخلى في أي مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن جزيرة قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدماً.

المادة الخامسة

يكون إسكندرون ميناء حراً لتجارة الإمبراطورية البريطانية، ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا تفرض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية. وتباح حرية النقل للبضائع الإنجليزية عن طريق إسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء، سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو إلى المنطقتين (أ) و(ب) أو صادرة منهما.

ولا تنشأ معاملات مختلفة مباشرة أو غير مباشرة على أي من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانئ المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية. تكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها، ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية، ويكون نقل البضائع حراً بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الإنجليزية في المنطقة السمراء (فلسطين)، سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء، أو من المنطقتين (أ) و(ب) أو واردة إليها.

ولا يجري أدنى اختلاف في المعاملة بطريق مباشر أو غير مباشر يمس البضائع أو البواخر الفرنسية في أي سكة من سكك الحديد ولا في ميناء من الموانئ المذكورة.

المادة السادسة

لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (أ) إلى ما بعد الموصل جنوباً، ولا إلى المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالاً، إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد بحلب ماراً بوادي الفرات، ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين.

المادة السابعة

يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيد لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط.

ويجب أن يكون معلوماً لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد، وأنه إذا حالت دون إنشاء خط الاتصال في المنطقة السمراء مصاعب فنية أو نفقات وافرة لإدارته تجعل إنشاءه متعذراً، فإن الحكومة الفرنسية تسمح بمروره في طريق بربورة- أم قيس- ملقا- إيدار- غسطا- مغاير إلى أن يصل إلى المنطقة (ب).

المادة الثامنة

تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء في المنطقتين (أ) و(ب)، فلا تضاف أية علاوة على الرسوم، ولا تبدل قاعدة التثمين في الرسوم بقاعدة أخذ العين، إلا أن يكون باتفاق بين الحكومتين. ولا تنشأ جمارك داخلية بين أي منطقة وأخرى في المناطق المذكورة أعلاه، وما يفرض من رسوم جمركية على البضائع المرسلة يدفع في الميناء ويعطى لإدارة المنطقة المرسلة إليها البضائع.

المادة التاسعة

من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجري مفاوضة في أي وقت للتنازل عن حقوقها، ولا تعطي ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى سوى للدولة أو لحلف الدول العربية، بدون أن توافق على ذلك مقدماً حكومة جلالة الملك التي تتعهد بمثل ذلك للحكومة الفرنسية في المنطقة الحمراء.

المادة العاشرة

تتفق الحكومتان الإنجليزية والفرنسية، بصفتهما حاميتين للدولة العربية، على أن لا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية على ساحل البحر المتوسط الشرقي، على أن هذا لا يمنع تصحيحاً في حدود عدن قد يصبح ضرورياً بسبب عداء الترك الأخير.

المادة الحادية عشرة

تستمر المفاوضات مع العرب بنفس الطريقة السابقة من قبل الحكومتين لتحديد حدود الدولة أو حلف الدول العربية.

المادة الثانية عشرة

من المتفق عليه ما عدا ذكره أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى الدول العربية.