ككل القضايا في هذا العصر التي يكون المسلمون أحد عناصرها تقدم رقابهم لتوضع على المذبح! قواعد الإستراتيجيات تقضي بهذا؛ فالعنصر الأضعف في أي صراع هو المرشح دوماً لتكون كل التسويات على حسابه؛ فالأضعف يخسر عادة بينما أطراف الصراعات تتفاوت في معايير المكاسب والخسائر! وإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون من أسباب القوة ولا يستندون إلى دولة كبرى تدافع عن حقوقهم مثلما هو الحال بالنسبة للآخرين فمن الطبيعي أن تقهرهم أي تسوية.

في أوكرانيا، وفي اللحظات الأولى لإطاحة الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش واختفائه، ترددت الأنباء القائلة بأن الرجل قد فر إلى إقليم القرم، أحد أهم معاقل الروس في أوكرانيا، فالإقليم يمثل الروس أكبر كتله يليهم الأوكرانيون ثم المسلمون التتر الذين كانوا يمثلون أغلبيته قبل تهجيرهم قسراً منذ سبعة عقود، ثم بدأت الاضطرابات تحصل في الإقليم والأخبار تتوالى بأن الإقليم سيفصله الروس عن أوكرانيا تمهيداً لإلحاقه أو تبعيته للروس.

وما كان يتردد همساً علا حتى أصبح حقيقة؛ فالرئيس المعزول قال مؤخراً لوكالة (إنترفاكس) الأوكرانية إنه (واثق بأن القرم وشرق أوكرانيا معه)، وقبل تصريحه كانت قوات مظلية روسية -على ما يبدو- مسلحة وترتدي ملابس مدنية قد سيطرت على مبنيي برلمان وحكومة القرم الذاتية الحكم في مدينة سيمفروبول (عاصمة الإقليم أو آق مسجد بحسب التسمية التترية لها) بعد أن طردت حراسهما، والذي تريد روسيا من البرلمان أن يعلن انفصاله عن أوكرانيا.

المسلمون هبوا لمنع البرلمان من عقد جلسته الاستثنائية وانتظم أكثر من عشرين ألفاً منهم أمام بوابته، لكن يبدو أن قوتهم الفاعلة أضعف من التصدي لهذه الهجمة الروسية، وما يفيدهم فقط هو أن النظام الجديد في أوكرانيا يرفض الانفصال ولا يريد للروس أن يستأثروا بشرق وجنوب البلاد.

مسلمو القرم بالجنوب، ومسلمو الدنباس بالشرق، يخشون الآن من أن تفضي الأحداث الجارية في أوكرانيا إلى وقوعهم تحت نير احتلال روسي خبروا مغباته على مر القرون؛ فعندما كانت الدولة العثمانية كان الإقليم الإستراتيجي الذي يشرف على بحري الأزوف والأسود ضمن أملاك الدولة العثمانية، ثم طالبت روسيا القيصرية في أعقاب حرق الأسطول العثماني قبل أكثر من قرنين بانفصال الإقليم، ثم لما ضعفت الدولة العثمانية أكثر ضمته روسيا إليها.

هذا السيناريو الذي تكرر في بلدان إسلامية كثيرة، منها دول وجمهوريات القوقاز على سبيل المثال تريد روسيا تكراره اليوم بضم الإقليم إليها وكذا شرق أوكرانيا الذي يضم التتر الدونباس المسلمين، والمسلمون البالغ عددهم نحو مليوني نسمة ونيف ينتابهم قلق عميق خشية تكرار الماضي حيث أرغم أربعة ملايين مسلم على الهجرة من ديارهم، وقبل سبعين عاماً كان أكثر من 300 ينقلون بطريقة ليست آدمية لخارج وطنهم ما أودى بحياتهم جميعاً.

للمسلمين أن يخشوا من مغبة انتقال الصراع إلى حالة عسكرية قد تفضي إلى إعادة تهجيرهم أو حتى قتلهم، ولا تعويل على فكرة (تحضر) أوروبا أو عدم سماحها بمثل هذه الجرائم؛ فما يعايشه المسلمون في سوريا مثلاً وحتى دول القوقاز يسمح للخيال بتذكر مآسي التاريخ.

لكن حتى لو لم تكن الأمور سوداوية هكذا؛ فالأمر يتعلق بتسوية لا تأخذ المسلمين باعتبارها، وبالتالي فربما ستصير الأوضاع إلى ما هو أسوأ من الحالي لو ظلت الهيمنة الروسية على مناطق المسلمين. أما إذا ظلت أوكرانيا موحدة وذات توجه أوروبي؛ فلربما تحسنت الأحوال وشعر المسلمون بحرية وانطلاق أكبر في ممارسة شعائر دينهم وإعادة كثير من إخوانهم المهجرين إلى ديارهم، وتحسن أحوالهم المعيشية.

وإذا كان علينا أن نتفاءل في وسط هذه الأجواء الغائمة؛ فإن مما يبعث على ذلك تصريح وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الذي قال إنه يعتزم زيارة إقليم القرم ضمن زيارته القادمة لأوكرانيا إن "تركيا مع وحدة الأراضي الأوكرانية" فـ"القرم مهم بالنسبة لتركيا، إذ يقطن شبه الجزيرة أحد الشعوب التركية وهم التتار".

القرم مهمة لتركيا.. مهمة لكل مسلم أيضاً..