هل ابتُلِي أيوب - عليه السلامُ- بالأمراض المنفرة؟!


زعموا أنّ الإسلامَ أساءَ إلى أيوب النبيّ، فتارة يذكر القرآنُ أنّه أذنب ذنبًا كبيرًا، لذلك ابتلي بلاءًا شديدًا، وتارَةً يقولُون: أساءَ القرآن إليه لما نسب إليه أمراضًا منفرة، مثل الدود الذي كان يخرج من جسده ويضعه مرّة أخرى، وأنه كان مرمى على كناسة (زبالة) مدة سنين...

تعلّقوا على ذلك بما جاء في بعض تفاسيرِ قول الله I: ] وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِن عندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ(84) [(الأنبياء).

جاءَ في تفسيرِ ابنِ كثيرٍ: يذكر تعالى عن أيوب u ما كان أصابه مِنَ البلاء، في ماله وولده وجسده، وذلك أنّه كان له مِنَ الدواب والأنعام والحرث شيء كثيرٍ، وأولاد كثيرٍة، ومنازل مرضية. فابتلي في ذلك كلّه، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يُقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله - عز وجل- حتى عافه الجليس، وأفردَ في ناحية مِنَ البلد، ولم يبق مِنَ الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره، ويُقال: إنّها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبيّ r: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" وفي الحديث الآخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإنّ كان في دينه صلابة زيد في بلائه ".
وقد كان نبيّ اللهِ أيوب u غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.
وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب u بذهاب الأهل والمال والولد، ولم له يبق شيء، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة، إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كلّه مني، وفرَّغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس مِن ذلك منكرًا.
قال: وقال أيوبu يا رب إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك. وأنّه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقولُ لنفسي: يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم.
وقد ذكرَ عن وهب بن منبه في خبره قصّة طويلة، ساقها ابن جريرٍ وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرَها غير واحد من متأخري المفسّرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول.
وقد روى أنّه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوبu سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كُنَاسَة بني إسرائيلَ، تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه، وعَظَمَّ له الأجر، وأحسن عليه الثناء.
وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص.
وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجَزَعت مِن ذلك فخرجت، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإنّ إبليسَ انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه مِنَ البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنّه إن شرب منه بَرَأ. فأتياه، فلمّا نظرا إليه بكيا، فقال: مِن أنّتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان! فرحَّب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا يا أيوب، لعلك كنت تُسر شيئًا وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره. ولكن ربّي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه بَرَأت. قال: فغضب وقال جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليّ حرام. فقاما مِن عندِه، وخرجت امرأته تعمل للناس فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصًا، وكان ابنُهم نائمًا، فكرهوا أنْ يوقظوه، فوهبوه لها.
فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر. قال: فلعلَّ الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله. [فانطلقي به إليه. فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء! فلمّا صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله]، لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: رحم الله أيوب فدفعت القرص إليه ورجعت. ثم إنّ إبليسَ أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سُقمه، فإنّ أرادَ أنْ يبرأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنّه يبرأ ويتوب بعد ذلك. فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث. لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة. فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيُريدُونها، فلمّا اشتد عليْها ذلك وخافت على أيوب لجوع حلقت من شعرها قرنًا فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعامًا طيبًا كَثِيرًا فأتت به أيوب، فلمّا رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني. فأكل منه، فلمّا كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضًا قرنًا فباعته مِن تلك الجارية، فأعطوها مِن ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلمّا رأى رأسها محلوقًا جزع جزعًا شديدًا، فعند ذلك دعا ربه I: { أنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }. وقال ابنُ أبي حاتم: حدّثَنا أبي، حدّثَنا موسى بن إسماعيل، حدّثَنا حمّاد، حدّثَنا أبو عمران الجوني، عن نَوْف البِكَالي؛ أنّ الشيطان الذي عرج في أيوب كان يُقال له: "سوط"، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: "ادع الله فيشفيك"، فجعل لا يدعو، حتى مر به نفر مِن بني إسرائيلَ، فقال بعضُهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: "رب إنّي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".
وحدّثَنا أبي، حدّثَنا أبو سلمة، حدّثَنا جرير بن حازم، عن عبد اللهِ بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب - عليه السلامُ- أخوان فجاءا يومًا، فلم يستطيعا أنْ يدنوا منه، من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه بهذا؟ فجزع أيوب مِن قَولِهما جَزعا لم يجزع من شيء قطّ، فقال: اللهمّ، إن كنت تعلم أنّي لم أبت ليلة قطّ شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. فصدق مِنَ السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهمّ، إن كنت تعلم أنّي لم يكنْ لي قميصان قطّ، وأنا أعلم مكان عار، فَصَدقني فصدق مِنَ السماء وهما يسمعان. اللهمّ بعزتك ثم خر ساجدًا، ثم قال اللهمّ بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني. فما رفع رأسه حتى كشف عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعًا بنحو هذا فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد، عن عُقَيل، عنِ الزهري، عن أنسٍ بن مالك، أنّ رسولَ اللهِ r قال: " إن نبيّ اللهِ أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تَعَلَّم -والله- لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد مِنَ العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمَه اللهُ فيكشف ما به. فلمّا راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوبu:ما أدري ما تقول، غير أنّ اللهَ - عز وجل- يعلم أنّي كنت أمرَ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهة أنْ يذكرا الله إلا في حقِّ. قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلمّا كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى إلى أيوب في مكانه: أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب". رفع هذا الحديث غريب جدًا.
وقال ابنُ أبي حاتم: حدّثَنا أبي، حدّثَنا موسى بن إسماعيل، حدّثَنا حمّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: وألبسه الله حلة مِنَ الجنّةِ، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءَت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد اللهِ، أين ذهب المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعلَّ الكلاب ذهبت به أوِ الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك! أنا أيوب! قالت: أتسخر مني يا عبد اللهِ؟ فقال: ويحك! أنا أيوب، قد ردّ الله علي جسدي. وبه قال ابنُ عباسٍ: ورد عليه ماله وولده عيانا، ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإنّ فيه شفاءك، وقرب عن صاحبتك قربانًا، واستغفر لهم، فإنّهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم.
[وقال] أيضًا: حدّثَنا أبو زُرْعَة، حدّثَنا عمرو بن مرزوق، حدّثَنا همام، عن قتادةَ، عنِ النضر ابن أنس، عن بَشير بن نَهِيك، عن أبي هرَيْرةَ، عنِ النبيِّ r قال: "لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جرادًا من ذهب، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه". قال: "فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك".
أصله في الصحيحين، وسيأتي في موضع آخر.
وقوله: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } قد تقدّم عنِ ابنِ عباسٍ أنّه قالَ: ردوا عليه بأعيانهم. وكذا رواه العوفي، عنِ ابنِ عباسٍ أيضًا. وروي مثله عنِ ابنِ مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة.
وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإنّ كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النَّجْعَة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب، وصح ذلك عنهم، فهو ممّا لا يصدق ولا يكذب. وقد سماها ابن عساكر في تاريخه -رحمَه اللهُ تعالى- قال: ويُقال: اسمها ليا ابنة مِنَشَّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويُقال: ليا بنت يعقوب، عليه السلامُ، زوجة أيوب كانت معه بأرض البَثَنيَّة.
وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنّةِ، فإنّ شئت أتيناك بهم، وإن شئت وهكذا روي عن قتادةَ، والسدي، وغير واحد مِنَ السلفِ، واللهُ أعلمُ.
وقوله I: { رَحْمَةً مِن عندِنَا } أيْ: فعلنا به ذلك رحمة مِنَ اللهِ به، { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أيْ: وجعلناه في ذلك قدوة، لئلا يظن أهل البلاء إنّما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك. اهـ


الردُّ على الشبهةِ

أولًا: إن ظاهر القرآن الكريم يدلُّ على أنّ اللهَ I ابتلى نبيَّه أيوب u لم يكنْ ذلك بسببِ ذنب أو مخالفة، وإنّما كان لحكمة يعلمها I، لعلَّ منها أنْ يرفعه I بصبره الدرجات العلى، وينال به المقامات العظمى...
فقد أثنى I على صبره قائلًا I: ] إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إنّه أَوَّابٌ [(ص 44)، وهذا سياق ثناء ومدح ورفع مقام، بخلافِ سياق العتاب الذي جاءَ في قصّةِ يونس u الذي لم يصبر على دعوة قومه، وذلك في قولِه I: ] فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْلَا أنّه كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ [(الصافات 142 -145).


وعليْه: فإنّ القرآنَ الكريمَ لم يسئ لنبيِّ اللهِ الكريم أيوب uبل أثنى عليه خيرًا وذلك لمّا قال: ]نِعْمَ الْعَبْدُ إنّه أَوَّابٌ [(ص 44). ومن المعروف لدى العرب واللغويين أن كلمة (نِعْمَ) كلمة ثناء ومدح...

وأمّا الذي أساءَ إلى أيوب النبيّ هو الكتاب المقدّسِ في سفرِ أيوب كما ستقدّم معنا - إنْ شاءَ اللهُ -.


ثانيًا: إنّ الأمراض التي ذكرت بشأنِ نبيّ اللهِ أيوب أمراض منفرة ينفر منها الناس ولا تليق بأنبياء الله تعالى، ونحن لا نصدق هذه الأمراض المنفرة التي جاءَت في كتبِ التفاسير، لأنّها ليست ظاهرة مِن كتابِ الله، ولم يذكرَها النبيّ r في حديث صحيح، بل هي نقولات مِنَ الإسرائيليات...

جاءَ حديثٌ صحيحٌ واحدٌ بهذا الشأن هو ما رواه أبو يعلى في مسنده برقمِ 3617 حدّثَنا حميد بن الربيع الخراز حدّثَنا سعيد بن أبي مريم المصري حدّثَنا نافع بن يزيد عن عقيل بن خالد عنِ ابنِ شهاب: عن أنسٍ بن مالك أنّ رسولَ اللهِ r قال:(إن أيوب نبيّ اللهِ كان في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه كانا من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه فقال أحدهما لصاحبه: أتعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد قال صاحبه: وما ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يكشف عنه؟ !

فلمّا راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب: لا أدري ما يقولُ غير أنّ اللهَ يعلم أنّي كنت أمرَ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أنْ يذكر الله إلا في حقِّ قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلم كان ذات يوم أبطأ عليهما وأوحي إلى أيوب u في مكانه { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } فاستبطأته فلقيته ينتظر وأقبل عليهما قد أذهب الله ما به مِنَ البلاء وهو على أحسن ما كان فلمّا رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبيّ اللهِ هذا المبتلى ووالله على ذلك ما رأيت أحدا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإنّي أنا هو وكان له أنذران: أنذر للقمح وأنذر للشعير فبعث الله سحابتين فلمّا كانت إحداهما على أنذر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى على أنذر الشعير الورق حتى فاض).

قال حسين سليم أسد: رجاله رجال الصحيح خلا حميد بن الربيع الخزاز.

وصحّحَه الشيخ مصطفى العدوي في كتابِ صحيح تفسير ابن كثيرٍ.

نُلاحظُ مِنَ الحديثِ: أنّ هذه الإمراض المنفرة تخلوا تمامًا منه، وليس فيه ما ذكرَه المفسّرون... فكل ما هنالك أنّ اللهَ ابتلاه بمرض أقعده عن دعوته وعن الناس، حتى أنّه ما كان يستطيع أنْ يدخل الخلاء بنفسه إلا بمساندة زوجته... وهذا أمرَ غير منفر أبدًا، فالحكمة الظاهرة في ابتلاء الأنبياء هي رفع الدرجات وإعلاء الذكر والمقامات؛ لذا ثبتَ عنِ النبيِّ الكريم في مسند الإمام أحمد برقمِ 25832 قال رَسُولُ اللَّهِ r:" إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ".

تعليق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح لغيره وهذا إسناد حسن.



ومما يدلُّ على بطلان ادعاء المُعترضين ما يلي:

1- ما قاله ابن العربي كما ذكر القرطبي في تفسيرِه:
السادس - أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما لهذا عند الله قدر، فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس.
وهذا ممّا لم يصح سنده.
واللهُ أعلمُ، قاله ابن العربي.
السابع - أن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح " مسني الضر " فقيل: أعلينا تتصبر.
قال ابنُ العربي: وهذا بعيد جدا.

مع أنّه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده.
الثامن - أنّ الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال: " مسني الضر " لاشتغاله عن ذكر الله.
قال ابنُ العربي: وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة.
التاسع - أنّه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، أو تعذيب، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذخر أو طهر، فقال: " مسني الضر " أي ضر الإشكال في جهة أخذ البلاء.
قال ابنُ العربي: وهذا غلو لا يحتاج إليه.
العاشر - أنّه قيل له سل الله العافية فقال: أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين وحينئذ أسأله فقال: " مسني الضر ".
قال ابنُ العربي: وهذا ممكن ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصّة...
الرابع عشر - أن معنى: " مسني الضر " من شماتة الأعداء، ولهذا قيل له: ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال شماتة الأعداء.
قال ابنُ العربي: وهذا ممكن فإنّ الكليم قد سأله أخوه العافية مِن ذلك فقال: " إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء "(الأعراف 150). اهـ بتصرف

2- ما جاءَ في تفسيرِ الألوسي (ج 17 ص 358:( وفي هداية المريد للقاني أنّه يجوز على الأنبياء - عليهم السلام - كلّ عرض بشري ليس محرمًا ولا مكروهًا ولا مباحًا مزريًا ولا مزمنًا ولا ممّا تعافه الأنفس ولا ممّا يؤدي إلى النفرة ثم قال بعد ورقتين، واحترزنا بقولِنا ولا مزمنًا ولا ممّا تعافه الأنفس عما كان كذلك كالإقعاد والبرص والجذام والعمى والجنون، وأمّا الإغماء فقال النووي لا شكّ في جوازه عليهم لأنّه مرض بخلافِ الجنون فإنّه نقص، وقيد أبو حامد الإغماء بغيرِ الطويل وجزم به البلقيني، قال السبكي: وليس كإغماء غيرهم لأنّه إنّما يستر حواسهم الظاهرة دون قلوبهم لأنّها معصومة مِنَ النوم الأخف، قال: ويمتنع عليهم الجنون وإن قل لأنّه نقص ويلحق به العمى ولم يعم نبيّ قطّ، وما ذكر عن شعيب من كونه كان ضريرًا لم يثبت، وأمّا يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت.
وفرق بعضهم في عروض ذلك بين أنْ يكونَ بعد التبليغ وحصول الغرض مِنَ النبوّة فيجوز وبين أنْ يكونَ قبل فلا يجوز، ولعلك تختار القول بحفظهم ممّا تعافه النفوس ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة مطلقًا وحينئذٍ فلا بد مِنَ القول بأنّ ما ابتلي به أيوب u لم يصل إلى حد الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن قتادةَ ونقله القصاص في كتبِهم، وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري ولا أعتقد صحة ذلك والله تعالى أعلم. اهـ
3- لما قام الشيخ مصطفى العدوي - حفظه الله- بعمل اختصار وتحقيق تفسير ابن كثيرٍ حذف كلّ الروايات والآثار التي فيها الأمراض المنفرة ممّا يعني رفضه لها...


4- إنّ النبيَّ r ذكر أنّ اللهَ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء؛ جاءَ في سنن أبي داوُد برقمِ 1308 عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ r: " إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فإنّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالَ: فَقَالُوا يا رسولَ اللهِ و:َكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ. قَالَ: " إنّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ -".

قلتُ: فإذا كانتِ الأرضُ لا تأكل أجساد الأنبياء وهم في داخلها فهل تأكلهم وهم على ظاهرها في الحياة الدنيا كما ذُكر في تلك الروايات الباطلة أنّ الدود كان يخرج من جسده ويضعه مكانة مرّة أخرى...؟!



ثانيًا: إنْ قيلَ: وماذا عن قول الله I: ] وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أنّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ(41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(42) [(ص).

قال الألوسي في تفسيرِه: وإسناد المس إلى الشيطان قيل على ظاهره وذلك أنّه عليه اللعنة سمع ثناء الملائكة عليهم السلام على أيوب u فحسده وسأل الله تعالى أنْ يسلطه على جسده وماله وولده ففعل- عز وجل- ابتلاءً له، والقصّة مشهورة.
وفي بعض الآثار أنّ الماس له شيطان يُقال له مسوط، وأنكر الزمخشري ذلك فقال: لا يجوز أنْ يسلط الله تعالى الشيطان على أنبيائه - عليهم السلام- ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرّرَ في القرآنِ أنّه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب، وجعل إسناد المس إليه هنا مجازًا فقال: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله تعالى به مِنَ النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى uالأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى اللهِ سبحانَه في دعائه مع أنّه - جل وعلا- فاعله ولا يقدر عليه إلا هو، وهذه الوسوسة قيل وسوسته إليه u أنْ يسأل الله I البلاء ليمتحن ويجرب صبره على ما يصيبه...
إنّه كان مريضًا فاقد الأهل والمال فقيل هما ما كانا له من وسوسة الشيطان إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط مِنَ الرحمة والإغراء على الجزع كان الشيطان يوسوس إليه بذلك وهو يجاهده في دفع ذلك حتى تعب وتألم على ما هو فيه مِنَ البلاء فنادى ربه يستصرفه عنه ويستعينه عليه { أَنّى مَسَّنِي الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }.اهـ بتصرف

قلتُ: إنّ الذي يظهر لي أنّ اللهَ Iابتلى أيوب بالأمراض ونحوها ليزيد بالابتلاء أجره ويعظم شانه ويمحو به ذنبه...
فكان في فترة مرضه يأتيه الشيطانُ بالوسوسةِ إليه قائلًا مثلًا: إلى متى تصبر على هذا البلاء؟ أنت نبيٌّ كيف يتركك الله هكذا دون أنْ يشفيك...؟

أو وسوس الشيطانُ لأصحابه قائلًا لهم مثلًا: كيف يتركك الله هكذا دون أنْ يعافيك؟ لو كنت صالحًا وبارًا ما تركك اللهُ هكذا لقد أذنبت ذنبًا كبيرًا...؟

وظل محاربًا له بالوسوسة... فصاح u قائلًا: يارب ] أَنّى مَسَّنِي الشيطانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ فجاء الشفاء مِنَ اللهِ I لمّا قال له: ] ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(42) [(ص).

كما أنّني اتفقُ تمامَ الاتفاق مع الإمام الزمخشري فلا يسلط الله I على نبيّ مِنَ الأنبياء شيطانًا أبدًا، وإنّما ذُكر ذلك في الكتابِ المقدّسِ في سفرِ أيوب وليس عندنا نحن – المسلمين- كما ستقدّم معنا - إنْ شاءَ اللهُ-،وكذلك فإن الشيطان لا يملك القدرة على أن يُمرض الناس بالامراض الجسدية المعروفة، فلا يملك إلا الوسوسة لا أكثر.



ثالثًا: إنّ الذي أساءَ لنبيِّ اللهِ أيوب u هو الكتاب المقدّسِ كما ذكرت أنفًا، وذلك لأنّنا نجدُ فيه أنّ الشيطان ابتلى أيوب وتسلط عليه من قبل الله I حتى أصابه بالأمراض...

جاءَ ذلك في سفرِ أيوب الإصحاحِ الأوّل عدد 8 " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ في الأرضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عنِ الشَّرِّ». 9فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ 10أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كلِّ مَا لَهُ مِنْ كلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ في الأرضِ. 11وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإنّه فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». 12فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أمامَ وَجْهِ الرَّبِّ".

ونقرأ أيضًا في الإصحاحِ الثاني مِن سفرِ أيوب عدد3 " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ في الأرضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». 4فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. 5وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإنّه فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». 6فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ».7فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. 8فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ ". لا تعليقُ !

كتبه / أكرم حسن مرسي