وما أن تركا الأشجار والنخيل وأصبحا فى العراء فى وادٍ من أودية الصحراء التى ملأ ها القمر نوراً وضياء ..


إذا بِهما بشابٍ لم يتجاوز من العمر العشرين جالساً على أحد الكثبان متيّمٌ ولْهان لم يشعر بِحضورهما إلا


بعد أن أقبل عليه الرجل مُلقياً السلام قائلا له : أيها الشاب :


أ فاض قلبك بمحبة الله وامتلأ عقلك بذكر الله .. ؟ فغاب حسك عنا .. !!


نظر الشاب إلى الرجل نظرة خجل وانكسار .. وارتعدت فرائصه .. وأطبق أوراقه وهو يرمق الشيخ الذى كان يتأمله


ويتفحصه بنظراته .. ثم رد السلام واستدار وترك المكان وولّى مدبراً عنهما .


اتجه الرجل إلى الشيخ بعينيه ينظر إليه .. وقد بدَت عليه علامات الدهشة والإعجاب ..


فأزال الشيخ عجبه ودهشته حين قال له :


إنّها يا أخى : الفتنة والإفتتان التى سرت وتسرى فى هذا الزمان .. إنها الفتنة التى تولدت من اختلاط الفتَيات مع الفِتيان ..


والتى هى من هواجم الآراء وشوائب البدع والأهواء ..


الفتنة التى فشت بين الخلائق فى كل مكان نتيجة : عدم الإستقامة على شرع الله ..


ونجمت بسبب البعد وعدم التمسك بمنهج الله ... إنّها يا أخى : فتنة الحب ..


لقد رأى فيها المنافقين وأعداء الدين أنها أعتى سهماً وأمْضى سيفاً يصيبون به المسلمين ..


فأغرقوهم فى بحارها وأولجوهم فى غياهبها وقِيعانِها وكالوا لهم منها بكل ما هو جديد .


وما زالوا يكيلون لنا منها بما ينأى بتعاليم الإسلام ببعيد .. !


عاثوا بعقولنا فى شأنِها كما شاءوا وهاموا بفكرنا بالزيغ فيه كما أرادوا .. ولا من ناصر ولا نصير .. ألا ترى .. ؟


هذا الإبداع الذى أبدعناه لها فى كتبنا وكتب كتابنا وأدبائنا وشعرائنا ..


ألا ترى .. ؟ ! هذا السبق والتسابق فيها بالأبحاث والمجلدات والمجلات والروايات ..


ألا ترى .. ؟ ! الغناء والتمثيل والسفاهة والإنحطاط فى غالب وسائل علمنا وتعليمنا ..


هذا الفتى الذى رأيناه يا أخى .. لا يناجى الله : بل : يناجى محبوبته ..


قلبه لم يفِض بحب الله : إنما هام وجداً بِها . وتحرّق شوقاً لها ..


لم يمتلىء عقله بذكر الله : بل ذاب ولهاً لِلقْياها .. والتمتع برؤياها ..


فجلس فى هذا الوادى يتنعم بنعم الله : يسطر ويكتب ويناجى مخلوقاً من عبيد الله .


وليس هو فحسب : بل وغيره الكثير من الفتيان .. والفتيات ..


جميعهم أحاطوا هذه الفتنة بالعناية والرعاية فترعرعت وأزهرت حتى أغشت قلوبَهم


وأينعت فى عقولهم .. ورسخت فى صدورهم ..


فألِفها المسلمون وتربّواْ فيها وشبّوا وشابوا عليها ..


وأصبح التخلص منها بعيد المدرك متوعر المسلك ..


فقد تغلغلت وتربعت لا يضارعنا فيها أحد ولا يماثلنا فيها أرقى العلوم وأعلى الفنون .. !!


عز نظيرنا وقلّما يوجد مثيلنا .. !!


يا أخى :


الكفار والمشركين انحرفت فطرتُهم عن مجراها ولم يعلموا معالم الحق فالْتوت بِهم سبل النجاة ..


فما سند المسلمين ..!! ألم يعلموا أوامر الدين ونواهيه .. ألم يدركوا حدود الإسلام .. ألم يعوا ما


فيه من أصول وأسس وأحكام .. ألسنا بذلك نكون أظلم للدين من غير المسلمين .. ؟


أبعد هذا : تسائلنى وتقول :


ما هذا الركون والإرتكاس الذى أصاب المسلمين فجعلهم فى انحدار .. !!


وأين من ينتهض لدين الله بالعزة والإنتصار .. !! .. وأين من يكلأ شعار الدين وأحكامه فى مختلف الأقطار .. !!..


*********
يا أخى الكريم : الزلات تجرى مع الأنفاس .. والنفس بالسوء أمارة تارة وتارة ..


أنظر إلى قصة سيدنا يوسف عليه السلام وخذ منها العظة والعبرة :


امرأة عزيز مصر .. أحبت سيدنا يوسف عليه السلام


{ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً } سورة يوسف : الآية رقم 30


فتنة الحب .. فتنتها .. فماذا نجم عنها ..؟


أوْدت بِها إلى أن راودت نبى الله إلى الضلال والغواية .. أقدمت على الرزيلة ودفعت بِها إلى البعد عن الفضيلة ..


منعتها من قول الحق والصدق فكذبت وادعت زوراً وبُهتاناً بأن سيدنا يوسف أراد بِها سوءاً ..


أصدرت حكماً ظالماً وخياراً جائراً أدخلت به نبى الله السجن لبضع


سنين .. ثم .. بماذا عزَت ما اقترفته ..؟


لقد عزَت ما اقترفته من جرم إلى : النفس الأمارة بالسوء .. :


{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }


سورة يوسف : الآية رقم 53


فيا أخى الكريم :


المتلصصين والمتربصين لهدم الدين وجدوا فى اختلاط الرجال بالنساء ضالتهم .. فبذلوا لها كل غال وثمين ..


وجنّدوا لها أفاقين ومنافقين يحققون لأعداء الدين ما أرادوه ويبررون لنا ما أفسدوا به الدين وما به يفسدوه ..


حتى آل الحال إلى ما نحن عليه الآن .. فغالب النساء .. !!


مزقن من على وجوههن حجب الرشاد .. ابتذلن بإسدال شعورهن .. تفنن فى إبداء زينتهن .. تبذلن فى ارتداء ملابسهن ..


تبرجن دون عفاف أو حياء .. أظهرن مفاتِهن وأجسادهن ..


صال وجال بِهن الشيطان .


يا أخى : إن الفتنة والإفتتان قد غلبت على الإنسان ..


ولكن ذو العقل الحكيم يدرك أن هناك : منهج مستقيم ودين قويم قد أمر به رب العالمين


وأن كل ما يؤول إلى أصل الدين فهو أولى باعتناء إمام المسلمين وأحرى له بالوقاية والحماية


ثم الآباء لأبنائهن والأوصياء للموصى عليهن .. والعلم والتعليم .. !