رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2013
    المشاركات
    5,572
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    04-12-2016
    على الساعة
    12:51 PM

    افتراضي رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

    اختلف العلماء في بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية -بناءً على اختلافهم في المراد بالأحرف السبعة- على ثلاثة أقوال:
    القول الأول:
    أن المصاحف العثمانية اشتملت على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة، وهو حرف قريش، وأن الأحرف الباقية إما نسخت في زمن النَّبِيّ ?، أو اتفق الصحابة على تركها درءًا للفتنة التي كادت تفتك بالأمة عندما اختلف الناس في قراءة القرآن.
    وإلى ذلك ذهب ابن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، وابن حبان، والحارث المحاسبي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عبيد الله بن أبي صفرة.(1)
    وقال أبو شامة: وصرَّح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها.(2)
    قال ابن عبد البر: فهذا معنى الأحرف السبعة المذكورة(3) في الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث، منهم سفيان بن عيينة، وابن وهب، ومحمد بن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهم، وفي مصحف عثمان الذي بأيدي الناس منها حرفٌ واحد.(4)
    وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة: هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره.(5)
    وهذا القول مبني على القول بأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، وهو قول ابن جرير ومن وافقه.
    فقد رأى القائلون بِهذا القول ندرة الكلمات القرآنية التي يصدق عليها ما رأوه في المراد بالأحرف السبعة، فقالوا إنَّها نسخت، أو اتفق الصحابة على منع القراءة بِها، وكتبوا المصاحف على حرف واحد، هو لسان قريش.

    واحتج القائلون بِهذا القول بأدلة منها:
    قول عثمان ? لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.(6) قالوا: وهذا يدل على أنَّهم جمعوا القرآن على حرف واحد، وهو لسان قريش، وتركوا ما سوى ذلك من الأحرف الستة.
    أن الأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصة؛ للضرورة؛ لاختلاف لغة العرب ومشقة أخذ جميع الطوائف بلغة واحدة، فلما كثر الناس والكتاب، وارتفعت الضرورة ارتفع حكم هذه السبعة، ورجَّح ذلك قيامُ الخلاف بين القراء، بما كاد يؤدي إلى فتنة عظيمة، فأجمعت الأمة بقيادة إمامها الناصح الشفيق عثمان بن عفان ? على أن تقتصر على حرف واحد من الأحرف السبعة، جمعًا لكلمة المسلمين، فأخذت به، وأهملت كل ما عداه، فعاد ما يُقرأ به القرآن على حرفٍ واحدٍ.(7) أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبةً على الأمة، وإنما كانت جائزةً لهم مرخصًا لهم فيها، وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعًا شائعًا، وهم معصومون من الضلالة، ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام.(8) ثم اختلف القائلون بأن الباقي من الأحرف السبعة هو حرف واحد، هل نسخت الأحرف الستة في حياة النَّبِيّ ?، أو أن الصحابة اتفقوا على تركها؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّها نسخت في حياة النَّبِيّ ?، واستقر الأمر على حرف واحد، وذلك بعدما لانت ألسنة العرب بالقرآن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة.
    قال القرطبي: ثم اختلفوا: هل استقر في حياته ? أو بعد وفاته؟ والأكثرون على الأول.(9)

    القول الثاني:
    أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، ولم تُهمل منها حرفًا واحدًا.
    وهو ما ذهب إليه جماعات من القراءة والفقهاء والمتكلمين، وهو الذي اختاره القاضي الباقلاني وابن حزم والداودي وغيرهم.
    قال القاضي الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رَسُول اللهِ ?، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنَّما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا، وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضاربة ولا متنافية.(10)
    وقال الداودي: وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بِها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة، بل تكون مفرقة فيها.(11)

    واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
    أنه لا يجوز على الأمة أن تُهمل نقل شيء من الأحرف السبعة؛ لأنَّها قرآن منَزَّل. أن الصحابة ? أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وقد كانت مشتملة على الأحرف السبعة، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك.(12) أن الأحرف السبعة كان مرخصًا فيها، ولا يجوز أن يُنهى عن القراءة ببعض المرخص فيه، إذ ليس بعضه بأولى من بعضٍ.(13) أن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف كانت التيسير على الأمة في تلاوة القرآن، والتيسير ما زال محتاجًا إليه، إذ لم تكن قراءة القرآن على حرف واحد، في العصر الأول بين العرب الأقحاح -أصعب منها على من أتى بعدهم من المسلمين في العصور المتأخرة، وقد فشا فيهم اللحن والعجمة، فهم أحوج إلى التيسير من العرب الأُوَل. القول الثالث:
    أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، متضمنة لما ثبت في العرضة الأخيرة.
    قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ? على جبريل ?، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها.
    قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له.(14)
    واحتج أصحاب هذا القول بِما احتج به أصحاب المذهب الثاني على بقاء بعض الأحرف السبعة، والحاجة إليها، واحتجوا على أن السبعة لم تبق كلها بِما ورد من الآثار التي تدل على حدوث النسخ في العرضة الأخيرة لبعض أوجه القراءة، فكتب الصحابة في المصاحف عند الجمع ما تيقنوا أنه قرآن ثابت في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.
    قال السيوطي: ولا شك أن القرآن نُسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر، فاتفق الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.(15)
    وقال البغوي في شرح السنة: يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبِها لرسول الله ?، وقرأها عليه، وكان يُقرئ بِها الناس حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف.(16)
    وقد وردت الآثار بأن القرآن قد نسخ منه وغُيِّر في العرضة الأخيرة، وأن قراءتنا التي جمعها الصحابة هي ما كان في تلك العرضة.
    فَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أنه قال: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله ? في العام الذي قبض فيه -هذا القراءة التي يقرأها الناس.(17) يعني بذلك قراءة زيد بن ثابت ?.
    وعن سمرة ? قال: عُرض القرآنُ على رَسُول اللهِ ? عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة.(18)
    وعن ابن سيرين، قال: كان جبريل يعارض النبي ? كل سنة في شهر رمضان مرةً، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.(19)

    (1) انظر البرهان في علوم القرآن (1/224،226،239،241)، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/100).
    (2) البرهان في علوم القرآن (1/223).
    (3) يعني القول بأنَّها أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل، وهلم، وتعال… الخ.
    (4) انظر البرهان في علوم القرآن (1/220).
    (5) صحيح مسلم بشرح النووي (6/100).
    (6) رواه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب باب نزل القرآن بلسان قريشٍ (6/621)ح 3506.
    (7) تأويل مشكل الآثار للطحاوي (4/190-191)، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (6/100).
    (8) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/395-396).
    (9) انظر البرهان في علوم القرآن (1/213).
    (10) صحيح مسلم بشرح النووي (6/100)، والبرهان في علوم القرآن (1/223-224)
    (11) صحيح مسلم بشرح النووي (6/100).
    (12) الإتقان في علوم القرآن (1/141-142).
    (13) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/395-396).
    (14) النشر في القراءات العشر (1/31)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/141-142).
    (15) الإتقان في علوم القرآن (1/142).
    (16) شرح السنة للإمام البغوي (4/525-526).
    (17) رواه البيهقي في دلائل النبوة (7/155-156).
    (18) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. مستدرك الحاكم (2/230)، ورواه البزار في مسنده، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (7/154).
    (19) أخرجه ابن أشتة، انظر الإتقان في علوم القرآن (1/142).

    تابع : الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية
    القول الراجح
    والقول الذي يظهر صوابه هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف من أن الباقي من الأحرف السبعة هو ما ثبت في العرضة الأخيرة، وأن الصحابة ? لم يختاروا بعض الأحرف الثابتة دون بعض، بل دونوا ونقلوا كل ما ثبتت قرآنيته، وتركوا ما سوى ذلك.
    ولكن ينبغي التنبه إلى أن قولهم: إن المصاحف غير مشتملة إلاَّ على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ? على جبريل، متضمنة لها، لم تترك حرفًا منها -فيه نوع تناقض، إذ قد يُفهم منه أن هناك شيئًا من الأحرف السبعة عرضه النَّبِيّ ? على جبريل في العرضة الأخيرة، ولم يكتبه الصحابة في المصاحف العثمانية.
    فالأولى أن يقال جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة ? قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر.
    ويدل على صحة هذا القول مجموع الأدلة السابقة، فلا شكَّ أن الحكم ببقاء الأحرف السبعة أو عدم بقائها مبنيٌّ على المراد بالأحرف السبعة، ونحن إذا نظرنا إلى كافة الأقوال التي ذكرناها في المراد بالأحرف السبعة، بقطع النظر عن الراجح منها وجدنا في القرآن بعض تلك الأوجه بلا شكٍّ.

    أمَّا على القول بأن الحديث مشكلٌ لا يُدرى معناه، فلا إشكال في بقاء الأحرف السبعة أو عدم بقائها، فليس لهذا القول -على ضعفه الشديد- أثرٌ على اعتبار الأحرف السبعة باقية أو غير باقية.
    وأمَّا على القول الثاني القائل بأن حقيقة العدد غير مرادةٍ، بل المراد الكثرة، فلا إشكال أيضًا، إذ القراءات المتواترة التي نقلت إلينا فيها كثرةٌ ظاهرةٌ، لا يمكن معها الزعم بأن كل هذه الاختلافات هي حرفٌ واحد.
    وأمَّا على القول الثالث القائل بأن المقصود سبعة أصناف من المعاني والأحكام، وهي: الحلال والحرام، والأمر والزجر، والْمحكم والمتشابه، والأمثال، فلا شكَّ أن القرآن المنقول إلينا فيه كل ذلك، وهو أمر ظاهر جلي.
    على أن كل الأوجه السابقة في غاية الضعف.

    وأمَّا على القول الرابع القائل بأن المراد سبع لغات من لغات العرب الفصحى متفرقة في القرآن لا تجتمع في الكلمة الواحدة، فذلك أيضًا كثيرٌ في القرآن، فقد ورد فيه من غير لسان قريش شيء كثير، وقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، ونقل السيوطي من ذلك الكثير في باب أفرده فيما وقع بغير لغة الحجاز، وذكر فيه ما وقع في القرآن على نحو ثلاثين لغة من لغات العرب.(1)
    وقد سبق الرد على هذا القول وبيان ضعفه.

    وأمَّا على القول الخامس القائل بأن المراد سبع لغات تكون في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، فهو الذي دعا أصحاب القول الأول إلى زعم أن الأحرف الستة غير باقية في القرآن، وعلى فرض التسليم بأن قولهم هو الصواب في المراد بالأحرف السبعة في الحديث، فإنه ما زال في القرآن كلمات تقرأ باختلاف في اللفظ، مع اتفاق المعنى، ومن أمثلة ذلك من القراءات المتواترة:
    قوله -جلَّ ذِكْرُهُ: } قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ {،(2) فقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة، والباقون بالباء، واللفظان متوافقان في المعنى.(3) قوله تعالى: } إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا {،(4) وقوله: } إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا {،(5) فقد قرأها الجمهور هكذا من التبيُّن، وقرأ حمزة والكسائي وخلف في اختياره: } فَتثَبَّتُوا { من التثبت، والتبين والتثبت متفقان في المعنى.(6) قوله ?: } وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ {،(7) فقد قرأ عاصمٌ هكذا من البشر، جمع بشير، وقرأ الباقون من النشر، فقرأ حمزة والكسائي وخلف في اختياره: } نَشْرًا { على أنه حال، أي: ناشرةً، أو منشورةً، أو ذات نَشْرٍ، وقرأ أبو جعفرٍ ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: } نُشُرًا {، بضم النون والشين جمع ناشر، وقرأ عبد الله بن عامر: } نُشْرًا { بضم النون وسكون الشين، كالسابق مع التخفيف بتسكين الشين، والبشر والنشر متوافقان في المعنى.(8) وأمَّا على القول السادس بأن المراد بالأحرف السبعة الأنواع التي يقع بِها التغاير والاختلاف في القراءات القرآنية، أو في لغات العرب، فالموجود منها في القراءات المتواترة يفوق الحصر، وهو كل ما اختلف فيه القراء، من فتح وإمالة، وإثبات وحذف، واختلاف حركات الإعراب، والزيادة والنقصان.(9)
    ومن أظهر الأدلة على أن الصحابة عندما نسخوا المصاحف في زمن عثمان ? كتبوا كل ما ثبت عرضه في العرضة الأخيرة من الأحرف السبعة -اختلافُ المصاحف العثمانية وتفاوتُها، كما مرَّ بنا،(10) إذ لو كانت مكتوبة بلغة واحدة، على حرف واحد لَما كان بينها اختلافٌ.

    وأمَّا القول الأول القائل بأن الأحرف السبعة قد ذهبت ولم يبق إلا حرفٌ واحدٌ، فيجاب عن أدلته بِما يأتي:
    أما استدلالهم بقول عثمان ?: فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فقد سبق بيان أن ما نقل إلينا متواترًا من القرآن فيه الكثير من غير لغة قريش، وسبق أيضًا بيان أن مراد عثمان ? من ذلك أن أكثر القرآن ومعظمه نزل بلسانِهم، أو أن ابتداء نزوله كان كذلك، وعليه فلا إشكال في هذا الأثر على القول بأن بعض الأحرف باقٍ، إذ ليس فيه أن عثمان ? أمر بإلغاء تلك الأحرف.(11) قال الباقلاني: ومعنى قول عثمان: إنه أنزل بلسان هذا الحي من قريش، أي: معظمه وأكثره نزل بلغتها، ولم تقم حجة قاطعة على أن القرآن بأسْرِه نزل بلغة قريش… ويجزئ من الدليل قوله تعالى: } إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا{،(12) ولم يقل قرشيًّا…(13)
    كما أن قول عثمان ?: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ… يدل على أنه لم يأمر بإلغاء الأحرف السبعة، فاللفظ صريحٌ في أنه أمر بإثبات لغة قريش عند الاختلاف فقط، أما عند الاتفاق فليكتبوا بأي لغة صحَّ أن النَّبِيّ ? قرأ بِها في العرضة الأخيرة، ولم ينقل إلينا أنَّهم اختلفوا في شيء إلا في لفظ (التابوت) كما مرَّ.(14)

    وأما احتجاجهم بأن الأحرف السبعة كانت في أول الأمر ضرورة لاختلاف لغات العرب، ومشقة أخذ جميعهم بلغة واحدة، فقد سبق الكلام على أن المشقة ما زالت باقية، فما زال في الأمَّةِ: (الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلامُ وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ)، بل لعلها الآن أشد مِمَّا كانت عليه فيما مضى.
    وأما قولهم إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، فنحن نوافق على ذلك، ولكن نخالف في أن القراءة غير الحفظ، فإنه وإن لم يكن واجبًا على الأمة أن تقرأ بالأحرف السبعة جميعها، فإنه لا شكَّ أن حفظ هذه الأحرف التي هي بعض القرآن من الضياع واجبٌ على الأمة. ويدل على بقاء الأحرف التي ثبتت في العرضة الأخيرة أيضًا أنه قد ثبت أن كُتَّاب المصاحف في زمن عثمان إنما انتسخوا ما كتبه الصديق في الصحف في مصاحف وأرسلوها إلى الأمصار، وقد علمنا أن جمع أبي بكر للقرآن لم يلغ شيئًا مِمَّا ثبت في العرضة الأخيرة باتفاق، فثبت بذلك أن جمع عثمان لم ينقص شيئًا مِمَّا جمع في زمن أبي بكر ?.
    عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: … فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ.(15)

    ويردُّ دعوى أن عثمان ? إذ نسخ المصاحف ألغى الأحرف الستة واقتصر على حرف واحد -أنه لم يرد في خبر صحيح، ولا ضعيف أنه ? أمر كُتَّاب المصاحف أن يقتصروا في كتابتها على حرف واحد، ويلغوا الستة الباقية.(16)
    ويردُّ هذه الدعوى أيضًا أنه لو صحَّ أن عثمان ? جمع الناس على حرف واحد، وألغى الستة الباقية، وأجمع معه على ذلك الصحابة لكان ذلك كافيًا في القطع بالْمراد بالأحرف الستة، ولَمَا اختلف العلماء بعد ذلك في المراد منها كل هذا الاختلاف، ولَمَا حصل خلاف بعد الإجماع الأول في بقاء الأحرف السبعة من عدمه، إذ الإجماع حجة عند المسلمين، ولا يسوغ بعده خلافٌ.(17)
    ومِمًّا يرد به هذا القول أيضًا أنه يحمل طعنًا في الصحابة ?، واتِّهامًا لهم بالتصرف برأيهم في كتاب الله تعالى، ولا يكاد يصدق مؤمنٌ يعلم قدر الخليفة الراشد عثمان بن عفان ? أنَّه قرر برأيه إلغاء الأحرف الستة والإبقاء على حرف واحد، ولا يكاد يتصور أيضًا أن الصحابة ? وهم كثرة كاثرةٌ في ذلك الوقت يقرونه على ذلك الفعل.

    والخلاف الذي زعموا أنه استدعى إلغاء تلك الأحرف كان قد حصل مثله في زمن النَّبِيّ ?، كما جاء في الروايات التي أوردناها قريبًا في أول هذا الباب، فلم يؤدِّ إلى إلغاء الأحرف المنَزلة، بل أرشدهم النَّبِيّ ? إلى أن القرآن أنزل على جميع تلك الأوجه، وأقر كل واحد من المختلفين على قراءته.(18)
    ويدل أيضًا على عدم صحة هذه الدعوى أن عثمان ? لو أراد أن يجمع مصاحف الناس جميعًا لَما استطاع، ولو استطاع لَمَا قدر على أن يسلبهم ما يحفظون من الكتاب، إذ قد كانت دولة الإسلام في ذلك الوقت متسعة إلى حدِّ يستحيل معه مثل هذا، فجمعه ? كان أن كتب للناس مصاحف أئمة يُرجع إليها عند الاختلاف.
    قال ابن حزم: كل هذا(19) باطلٌ ببرهان كالشمس، وهو أن عثمان ? لم يلِ إلاَّ وجزيرة العرب كلها مَملوءة بالمسلمين والمصاحف والمساجد، والقراء يعلمون الصبيان والنساء، وكل من هبَّ ودبَّ، واليمن كلها في أيامه مدن وقرى، والبحرين كذلك، وعُمان كذلك، وهي بلاد واسعة، مدن وقرى وملكها عظيم، ومكة والطائف، والمدينة والشام كلها كذلك، في كل هذه البلاد من المصاحف والقراء ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وحده، فلو رام عثمان ما ذكروا ما قدروا على ذلك أصلاً.
    وأما قولهم: إنه جمع الناس على مصحف، فباطلٌ، ما كان يقدر على ذلك لِمَا ذكرنا، ولا ذهب عثمان قطُّ إلى جمع الناس على مصحف كتبه، إنما خشي عثمان ? أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل -رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم.
    وأما قول من قال أبطل الأحرف الستة، فقد كذب من قال ذلك، ولو فعل عثمان ذلك وأراده لخرج عن الإسلام، ولَمَا مطل ساعة، بل الأحرف السبعة عندنا موجودة كلها قائمة كما كانت، مبثوثة في القراءات المشهورة المأثورة، والحمد لله رب العالمين.(20)
    وأما القول الثاني القائل بأن جميع الأحرف السبعة باقية فيُرَدُّ بِما مرَّ من ثبوت وقوع النسخ لبعض وجوه القراءة في العرضة الأخيرة، وكذلك بأنه لا يوجد في القرآن ما يقرأ على سبعة أوجه بالنظر إلى الخلاف في المراد بالأحرف السبعة على أغلب الأقوال، إلا باعتبار وجوه القراءة الشاذَّة، ولا يخفى أنَّ الشاذَّ لا يثبت له الحكم بالقرآنية حتى تبنى عليه مثل هذه المسألة.

    والخلاصة أننا إذا نظرنا إلى حقيقة الخلاف بين الفريقين الثاني والثالث وجدناه خلافًا شكليًّا، إذ كلاهما متفقٌ على أن الصحابة لم يزيدوا ولم ينقصوا مِمَّا عرض في العرضة الأخيرة شيئًا، وإنما اختلفوا هل الأحرف كلها بقيت في العرضة الأخيرة أم لا، ولا يخفى أن النسخ قد ورد على كثير من تلك الأحرف كما مرّ بنا، فخلافهم إذن هو في حصول ذلك النسخ أو عدم حصوله.
    وأما الفريق الأول القائل بأن الباقي حرف واحد، فأكثرهم يرى أن ذلك لثبوت النسخ وعدم العرض في العرضة الأخيرة، وهو ما يوافق القولين الثاني والثالث، وإذًا يصبح الخلاف شكليًّا أيضًا، باعتبار أن البعض يرى أن اختلاف القراء هو الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، والبعض يرى أن هذا الاختلاف هو حرف واحد، مع اتفاق الجميع على أن الصحابة ? لم ينقصوا مِمَّا عرض في العرضة الأخيرة شيئًا.
    وأما الذين يرون أن الصحابة ? اتفقوا على أن تركوا ستة أحرف، وجمعوا الناس على حرف واحد بتصرف منهم واتفاق، بعد أن ترك النَّبِيّ ? الأحرف السبعة وقرأ الناس بِها زمن أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، فهؤلاء هم الذين اختلفنا معهم، وناقشنا أدلتهم ورددنا عليها.

    (1) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/89-104)، والبرهان في علوم القرآن (1/283-286).
    (2) من الآية 219 من سورة البقرة.
    (3) انظر إتحاف فضلاء البشر ص 157، والنشر في القراءات العشر (2/227).
    (4) من الآية 94 من سورة النساء.
    (5) من الآية 6 من سورة الحجرات.
    (6) النشر في القراءات العشر (2/251).
    (7) من الآية 57 من سورة الأعراف.
    (8) انظر النشر في القراءات العشر (2/269-270)، وإتحاف فضلاء البشر ص 226.
    (9) انظر: والنشر في القراءات العشر (1/25-28)، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 36-38، والإتقان في علوم القرآن (1/132-134).
    (10) انظر المبحث الأول من الفصل الثالث من باب جمع القرآن في زمن عثمان ? .
    (11) انظر البرهان في علوم القرآن (1/284)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 385، وفتح الباري (8/625).
    (12) من الآية 3 من سورة الزخرف.
    (13) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 385.
    (14) انظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 26، وفتح الباري (8/635). وتأويل مشكل الآثار للطحاوي (4/193)، وقد مرّ الحديث عن ذلك في الفصل الثالث من الباب الثالث.
    (15) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
    (16) لا يخفى أن الحديث الذي هو عمدة القائلين بذلك القول في أمر عثمان الكتاب بأن يرجعوا إلى لغة قريش عند الاختلاف لا يدل على الأمر بإلغاء الأحرف الستة، إذ قصارى ما فيه -كما أسلفنا- الاقتصار على لغة قريش عند الاختلاف فقط.
    (17) انظر مناهل العرفان (1/178).
    (18) انظر مناهل العرفان (1/177).
    (19) يعني دعوى أن عثمان ? جمع الناس على حرف واحد وترك الأحرف الستة.
    (20) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212-213).
    التعديل الأخير تم بواسطة صاحب القرآن ; 16-10-2014 الساعة 03:09 PM
    أرجو من الإدارة الكريمة الموقرة حذف رتبة محاور من عضويتي وإرجاعي عضو عادي


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2014
    المشاركات
    947
    آخر نشاط
    05-12-2016
    على الساعة
    03:49 AM

    افتراضي

    للرفع
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. ما معنى الأحرف السبعة ؟
    بواسطة أكرم حسن في المنتدى منتدى الأستاذ أكرم حسن مرسي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 16-10-2014, 02:05 PM
  2. الأحرف السبعة للقرآن كتاب الكتروني رائع
    بواسطة عادل محمد في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-07-2014, 09:28 PM
  3. التعليق على مناظرة مناصر الإسلام لنصراني حول الأحرف السبعة
    بواسطة الصارم الصقيل في المنتدى منتدى المناظرات
    مشاركات: 50
    آخر مشاركة: 14-09-2012, 01:42 AM
  4. صفحة إعداد المناظرة حول الأحرف السبعة
    بواسطة مناصر الإسلام في المنتدى منتديات اتباع المرسلين التقنية
    مشاركات: 32
    آخر مشاركة: 12-09-2012, 08:18 PM
  5. توضيح ما أبهم و أشكل حول الأحرف و القراءات السبعة للقرآن الكريم
    بواسطة د. محمد القط في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-02-2008, 02:41 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية

رد الشبهات و المطاعن المثارة حول الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية