حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :

    فقد استفاضت الأحاديث في تحريم اتخاذ القبور مساجد و في تحريم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة لما فيها من الغلو في صاحب الضريح و تعظيم صاحب القبر و لما فيها من مظنة الصلاة لصاحب الضريح و ،و لخشية تطور الأمر إلى عبادة صاحب الضريح و لحماية جناب التوحيد ولسد ذريعة الوقوع في الشرك وللبعد عن التشبه بعبدة الأوثان والمشركين .

    ولم يلتزم كثير من الناس الهدي النبوي فاتخذوا القبور مساجد وصلوا في المساجد التي بها أضرحة وتطور الأمر عند البعض حتى آل إلى الطواف حول الضريح و النذر لصاحب الضريح و اعتقاد أنه يمكن أن يجلب خيرا أو يدفع مكروها وهذا شرك أكبر مخرج من الملة .

    وإذا نصحت أحدهم و عرضت له النصوص النبوية التي لا تجيز الصلاة على القبور أو الصلاة في المساجد التي بها قبور تجده متعلق ببعض الشبهات يظن منها أنها تجيز الصلاة في المساجد التي بها أضرحة ،وهي في الحقيقة لا تقوى و لا تستطيع أن تعارض النصوص الصريحة الواضحة في عدم جواز الصلاة في المساجد التي بها قبور فكان لا بد من بيان هذه الشبه و الجواب عنها نصيحة لله والله من وراء القصد ربيع أحمد.


    من أدلة تحريم الصلاة على القبور و الصلاة في مسجد به قبر


    الدليل الأول : عَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ »[1]
    الشاهد من الحديث : قول النبي - صلى الله عليه وسلم – " أولئك شرار الخلق " بعد قوله : " أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ يدل على أن حكم كونهم من شرار الخلق علق على بناء المساجد على القبور و تصوير الصور أي من أسباب كونهم من شرار الخلق : بناء المساجد على القبور و تصوير الصور مما يدل أن بناء المساجد على القبور حرام .

    ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر، كانوا قديماً إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجداً ليأنسوا برؤية صورته، ويتعظوا لمصيره ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها [2].

    و قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد – رحمه الله -: ( الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك.

    والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة )[3].

    وتحريم بناء المساجد على القبور يستلزم تحريم الصلاة فيها ؛ لأنها هي المقصودة بالبناء .

    و قال الألباني – رحمه الله - : ( النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عن من باب أولى .

    ومن البين جدا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بالذات كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودا بالذات بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبا أو إيجابا يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلا بنى مسجدا في مكان قفر غير مأهول ولا يأتيه أحد للصلاة فيه فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد بل هو عندي آثم لإضاعة المال ووضعه الشئ في غير محله .

    فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا ) [4].

    ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر، كانوا قديماً إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجداً ليأنسوا برؤية صورته، ويتعظوا لمصيره ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها [5].

    و قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد – رحمه الله -: ( الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك.

    والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة )[6].

    الدليل الثاني : عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها »[7] .
    الشاهد من الحديث : قوله " نهى أن يبنى على القبور " يدل أن أي بناء على القبر منهي عنه ومن ضمن البناء على القبر بناء مسجد على القبر والأصل في النهي أنه يفيد التحريم[8] فبناء المسجد على القبر حرام لا يجوز ،وتحريم بناء المساجد على القبور يستلزم تحريم الصلاة فيها ؛ لأنها هي المقصودة بالبناء .


    وقوله " أو يصلى عليها " صريح في أن الصلاة على القبر منهي عنها ، والأصل في النهي أنه يفيد التحريم ،و تحريم الصلاة على القبر يستلزم تحريم بناء المسجد على القبر للصلاة فيه إذ المقصود ببناء المسجد على القبر الصلاة فيه ،والصلاة على القبر محرمة بنص الحديث فتحرم الوسيلة الموصلة إليها وهي بناء المسجد على القبر .
    الدليل الثالث : عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها »[9]
    الشاهد من الحديث : قول النبي- صلى الله عليه وسلم - " و لا تصلوا إليها " صريح في النهي عن الصلاة إلى القبر ،واتخاذ القبر قبلة ،قال النووي -رحمه الله - : ( قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِليْهَا " فيه تصريح بالنهى عن الصلاة إلى القبر قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ )[10].

    وقال ابن تيمية – رحمه الله - : ( لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. و كما نهى عن اتخاذها مساجد نهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له. فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذي سدَّ الله ورسوله ذريعته )[11] .

    و قال ابن القيم – رحمه الله - : ( فَلَمَّا كَانَ نَهْيُهُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا نَوْعَ تَعْظِيمٍ لَهَا عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهَا حَتَّى تُجْعَلَ قِبْلَةً )[12] .

    وقال الشوكاني – رحمه الله - : ( الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ إلَى الْقُبُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَعَلَى مَنْعِ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ )[13].

    و إذا حرمت الصلاة إلى القبر فمن باب أولى الصلاة عند القبر و على القبر ؛ لأن في الصلاة إلى القبر أو الصلاة على القبر مظنة الصلاة لصاحب القبر وفيها تعظيم لصاحب القبر وفيها غلو في صاحب القبر ،وهي في الصلاة عند القبر أظهر ففي الصلاة على نفس القبر زيادة على الصلاة إليه[14] .

    و تحريم الصلاة عند القبر يستلزم عدم بناء مسجد على القبر للصلاة فيه و يستلزم تحريم الصلاة في المسجد المبني على القبر .

    الدليل الرابع : عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ، قَالَتْ عَائِشَةُ : « لَوْلاَ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا »[15] .
    الشاهد من الحديث : بعد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " لعن الله اليهود " قال " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " أي علق اللعن على اتخاذ القبور مساجد أي من أسباب اللعن اتخاذ القبور مساجد واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم فيكون الفعل الذي أوجب اللعن حراماً[16] وعليه فاتخاذ القبور مساجد كبيرة من الكبائر .

    وَالْمَسْجِدُ بَيْتُ الصَّلَاةِ[17] أو المكان المتخذ للصلاة[18] ،وهو اسمٌ جامعٌ حيثُ يُسجَدُ عَلَيْهِ، وَفِيه ، وحيثُ لَا يُسجَدُ بعد أَن يكون اتُّخِذَ لذَلِك ، فأمّا المَسْجَدُ منَ الأَرْض فموضعُ السُّجْودِ نفسُه[19] ، وقال ابن سيده : المَسْجِد: الْموضع الَّذِي يُسْجَد فِيهِ وَقَالَ الزّجاج: كل مَوضِع يتعبد فِيهِ فَهُوَ مسجِد[20].


    قال ابن رجب – رحمه الله - : ( واتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك )[21].

    وقال المهلب – رحمه الله -: ( هذا النهى من باب قطع الذريعة، لئلا يعبد قبره الجهالُ كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها )[22].

    ونهيه - صلى الله عليه وسلم -، وتشديده في اتخاذ القبور مساجد بالصلاة لله عندها، وإخباره بلعن من فعل ذلك، مع أنه لم يعبدها ولم يدعها، وإنما ذلك ذريعة لعبادتها والشرك بها، فكيف بمن عبدها، وتوجه إليها، ونذر لها، وطاف بها، وذبح لها، ودعا أهلها، وطلب منهم النفع والضر[23] .

    و من الملاحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ولم يقل اتخذوا على قبور أنبيائهم مساجد لتحريم جميع صور الاتخاذ من الصلاة عليه أو إليه أو له أو السجود إليه أو عليه أو له أو بناء المسجد عليه بخلاف ما لو قال اتخذوا على قبور أنبيائهم مساجد إذ لو قال اتخذوا على قبور أنبيائهم مساجد لكان فيه تحريم لبعض الصور دون البعض .

    و لأن من صور اتخاذ القبور مساجد بناء المسجد على القبر ،والصلاة فيه فالصلاة في المسجد المبني على القبر تكون محرمة لحرمة اتخاذ القبور مساجد .

    و تحقق معنى الاتخاذ في بناء المسجد على القبر أكثر من غيره ؛ لأن الاتخاذ أخذ الشَّيْء لأمر يسْتَمر فِيهِ مثل : الدَّار يتخذها مسكنا وَالدَّابَّة يتخذها قعده[24] ،وبناء المسجد على القبر يجعل القبر مكانا دائما للصلاة .

    الدليل الخامس : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- : « اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِى وَثَناً، لَعَنَ الله قَوْماً اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ »[25] .
    الشاهد من الحديث : بعدما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم – " اللهم لا تجعل قبري وثنا " قال " لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " مما يشير أن اتخاذ القبور مساجد من أسباب جعل القبر وثنا يعبد من دون الله ، و أن الغلو في قبور الأنبياء و الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ، والحديث يدل على حرمة اتخاذ القبور مساجد من وجهين :
    الوجه الأول : لعن المتخذي القبور مساجد
    الوجه الثاني : أن اتخاذ القبور مساجد من أسباب عبادة القبور ،وكل ما كان وسيلة للشرك فهو حرام.
    و لأن من صور اتخاذ القبور مساجد بناء المساجد على القبور ،والصلاة فيها فالصلاة في المساجد المبنية على القبور تكون محرمة لحرمة اتخاذ القبور مساجد .

    الدليل السادس : عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِمَسْعُوْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقوْلُ : « إنّ مِنْ شِرَارِ الناس ِ، مَنْ تدْرِكهُمُ السّاعَة ُ وَهُمْ أَحْياءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ القبوْرَ مَسَاجِد »[26].
    الشاهد من الحديث : تعليق وصف شرار الناس على من تدركهم الساعة و هم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد أي أن من فعل شرار الناس اتخاذ القبور مساجد مما يدل على عدم جواز اتخاذ القبور مساجد ،و لأن من صور اتخاذ القبور مساجد بناء المساجد على القبور ،والصلاة فيها فالصلاة في المساجد المبنية على القبور تكون محرمة لحرمة اتخاذ القبور مساجد .

    قال المراغي – رحمه الله - : ( فليعتبر المسلمون اليوم بهذه الأخبار التي لا مرية فى صحتها، وليقلعوا عما هم عليه من اتخاذ المساجد فى أضرحة الأولياء والصالحين والتبرك بها، والتمسح بأعتابها، وليعلموا أن هذه وثنية مقنّعة، وعود إلى عبادة الأوثان والأصنام على صور مختلفة، والعبرة بالجوهر واللب، لا بالعرض الظاهر، فذلك إشراك بالله فى ربوبيته وعبادته، وقد حاربه الدين أشد المحاربة، ونعى على المشركين ما كانوا يفعلون )[27].

    الدليل السابع : عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: « إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ » [28].
    الشاهد من الحديث : قول النبي - صلى الله عليه وسلم –: " فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ " و قوله : " إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ " نص في تحريم اتخاذ القبور مساجد ،و لأن من صور اتخاذ القبور مساجد بناء المساجد على القبور ،والصلاة فيها فالصلاة في المساجد المبنية على القبور تكون محرمة لحرمة اتخاذ القبور مساجد .

    الدليل الثامن : عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ : « اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا » [29]

    الشاهد من الحديث : قول النبي - صلى الله عليه وسلم – : " وَلَا تتخذوها قُبُورًا " ؛ أي: مثل القبور في عدم الصلاة فيها و كأن المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها ، والنهي عن ترك الصلاة في البيوت لئلا تشبه المقابر دليل واضح على أن المقابر ليست موضعا للصلاة فكيف تكون موضعا لإقامة مسجد و الصلاة فيه ؟! ،ولا فرق بين القبر و المقبرة في الحكم ،و إن كان الْقَبْر هُوَ الحفرة الَّتِي يستقّر بهَا الميّت والمقبرة اسْم للمكان الْمُشْتَمل على الحفرة، وَمَا ضمّت[30] .

    وقال الشوكاني – رحمه الله - : ( قَوْلُهُ " وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا " لِأَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ بِمَحِلٍّ لِلْعِبَادَةِ، وَقَدْ اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ، وَنَازَعَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْقَبْرِ لَا فِي الْمَقَابِرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْمَقَابِرِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ " )[31] .

    الدليل التاسع : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ »[32] .
    الشاهد من الحديث : شبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – البيت الذي لا يقرأ فيه سورة البقرة بالمقبرة مما يدل أن المقابر ليست موضعا للقراءة القرآن ،وإذا لم تكن موضعا لقراءة القرآن فكيف تكون موضعا للصلاة ؟ وكيف تكون موضعا يبنى عليه مسجدا ويصلى فيه و هي ليست موضعا لقراءة القرآن ؟!!







    [1] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528

    [2] - إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم للقاضي عياض 2/450

    [3] - حاشية كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم ص 155

    [4] - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص 37

    [5] - إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم للقاضي عياض 2/450

    [6] - حاشية كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم ص 155

    [7] - رواه أبو يعلى في مسنده رقم 1020 وإسناده صحيح

    [8] - المحصول للرازي 2/281 ،والبحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 3/366

    [9] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 972 وأبو داود في سننه رقم والترمذي في سننه رقم 1050

    [10] - شرح النووي على صحيح مسلم 7/38

    [11] - قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة لابن تيمية ص 153

    [12] - إعلام الموقعين لابن القيم 4/122

    [13] - نيل الأوطار للشوكاني 2/157

    [14] - السيل الجرار للشوكاني ص 104

    [15] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529

    [16] - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن عبيد الله المباركفوري 2/419

    [17] - المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ ص 218 و المصباح المنير للفيومي ص 266

    [18] - المطلع على ألفاظ المقنع لأبي عبد الله البعلي ص 29

    [19] - تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي 10/301

    [20] - المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده 7/261

    [21] - فتح الباري لابن رجب 3/193

    [22] - شرح صحيح البخاري لابن بطال 3/311

    [23] - حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف ص 98

    [24] - الفروق اللغوية للعسكري ص138

    [25] - رواه أحمد في مسنده رقم 7352 قال المحقق أحمد شاكر : إسناده صحيح 7/173

    [26] - رواه أحمد في مسنده رقم 4143 ،وابن خزيمة في صحيحه رقم 789 و ابن أبي شيبة في مسنده رقم 272 و ابن حبان في صحيحه رقم 2325

    [27] - تفسير المراغي 15/134

    [28] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 532

    [29] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 432 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 777

    [30] - المتواري علي تراجم أبواب البخاري لابن المنير ص84

    [31] - نيل الأوطار للشوكاني 2/157

    [32] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 780
    طبيب

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي

    لماذا لا نصلي في مسجد به قبر ؟

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – لعن من فعل ذلك فقال : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » [1] ،والصلاة في مسجد به قبر من اتخاذ القبور مساجد .

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن الصلاة في المساجد التي بها قبور و بناء المساجد على القبور من فعل اليهود و النصارى حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : « أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ »[2] ،و قال : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ، وقد أمرنا بمخالفة الكفار و المشركين فيما هو من خصائصهم فقد قال النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « خَالِفُوا المُشْرِكِينَ »[3] ،و قال : « إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ »[4] ،و قال : « جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس »[5] ، و مخالفة الكفار في الظاهر توجب المباينة منهم في الباطن، و المشاركة في أفعالهم الظاهرة توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين أهل الإسلام وأهل الكفر والشرك.

    لا نصلي في مسجد به قبر حتى لا نتشبه باليهود و النصارى في صلاتهم في المساجد التي بها قبور ،و قد قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[6] ،والتشبه بالكفار يدل على نوع مودة ومحبة لهم، وإن لم يجاهر المتشبه بذلك إذ المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر .

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها[7] ،والصلاة في مسجد به قبر تدخل في حكم الصلاة على القبور ومن يفعل ما حذر منه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فهو على خطر عظيم فقد قال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ النور من الآية 63 ]


    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن الصلاة في مسجد به قبر و بناء المساجد على القبور و اتخاذ القبور مساجد من فعل شرار الخلق فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم – : « أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ »[8] ،وقال : « إنّ مِنْ شِرَارِ الناس ِ، مَنْ تدْرِكهُمُ السّاعَة ُ وَهُمْ أَحْياءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ القبوْرَ مَسَاجِد »[9] ، و كيف يليق بعاقل أن يفعل فعل شرار الناس ؟!! .

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن في الصلاة في مسجد به قبر ذريعة إلى عبادة صاحب القبر ،والتعلق به ودعائه في جلب المنفعة ،ودفع النقمة ،وهذا عين الشرك الذي وقع فيه المشركين وحذر منه الأنبياء والمرسلين ،وقال ابن باديس – رحمه الله - : ( وذرائع الفساد تسد، لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها، وكيف كان مآلها.

    وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه، فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم، وينذرون لهم، ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها، ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها. فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله )[10].


    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن في الصلاة في مسجد به قبر تعظيم لصاحب القبر تعظيما غير مأذون فيه و غلو في صاحب القبر وهذا لا يجوز قال ابن تيمية – رحمه الله - : ( وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَعِنْدَ وُجُودِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَقَالَ إنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُصَلِّي السُّجُودَ إلَّا لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ. فَكَيْفَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِتَعْظِيمِ الْقُبُورِ؟!! ) [11].

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن في الصلاة في مسجد به قبر مظنة الصلاة لصاحب القبر ولا يؤمن أن يجيء من بعد العصر الذي اتخذ فيه القبر مسجدا من يظن أن العبادة لصاحب القبر تعظيما له ،وهذا لا يجوز .

    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن القبور ليست محلا للصلوات و العبادة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم – : « اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا » [12] ،وقال : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ »[13] .


    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن في الصلاة في مسجد به قبر شبهة التبرك بصاحب القبر ،و التبرك بالقبور حرام لا يجوز ،وفيه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ، وإذا اعتقد الشخص أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر .


    قال ابن تيمية – رحمه الله - : ( فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من أن الصلاة عند القبر - أي قبر كان - لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا، بل مزية شر )[14].



    لا نصلي في مسجد به قبر ؛ لأن المساجد التي بها قبور يأتي إليها كثير من الناس للتبرك أو اعتقاد فضل الصلاة عندها أو استجابة الدعاء بسبب وجود المقبور فيها فالصلاة في هذه المساجد فيها إقرار لما يفعل من شركيات و أفعال محرمة .
    هل تصح الصلاة في مسجد به قبر ؟

    الصلاة في مسجد به قبر منهي عنها و النهي يعود لوصف ملازم للصلاة ،وهو النهي عن الصلاة في مسجد به قبر أي النهي عن معنى متصل بمكان الصلاة ،والمكان وصف ملازم للصلاة ،و لا يتقرب إلى الله تعالى بما ينهى عنه، ولأن العبادات تكليفات دينية تعلقت بها أوامر الله تعالى، فإذا تعلق مع ذلك بها نهيه فمعنى ذلك أن المؤدى غير المأمور به، وإلا كان الأمر والنهى واردين على محل واحد فيكون التناقض .


    و قال ابن عثيمين – رحمه الله - : ( المحرم إذا كان محرماً في ذات العبادة أفسدها، وإن كان تحريمه عاماً لم يفسدها )[15]، و الصلاة في مسجد به قبر لا تصح ؛ لأن التحريم عائداً للصلاة نفسها ؛ فالنبي- صلّى الله عليه وسلّم - قال: « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » فالنهي خاص ،

    و قال ابن رجب - رحمه الله - : ( فِي الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، إنْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَائِدًا إلَى ذَاتِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهَا لَمْ يَصِحَّ )[16].



    شبهات و ردود

    شبهة 1 : يقول بعض الناس أن المصلي في مسجد به قبر يصلي لله لا لصاحب القبر فلا تكون صلاته حراما ،والجواب النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد ،والصلاة في مسجد به قبر ، واتخاذ القبر مسجدا عمل محرم فاسد ،والتحريم منصب على اتخاذ القبر مسجدا ،وإن كان المصلي يصلي لله ؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها، فكيف إذا عبدها ؟!! وكل ما كان وسيلةً إلى الوقوع في الشرك بالله فهو محرم .

    و قال ابن باديس – رحمه الله - : ( فإن قيل: إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم. قلنا: إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر، بقطع النظر على قصد صاحبه به، ولو كانت صورة البناء للتبرك غير مرادة بالنهي لاستثناها الشرع، فلما لم يستثنيها علمنا أن النهي على العموم، وذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها في مظنة أن تودي إلى ذلك في المآل.

    وذرائع الفساد تسد، لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها، وكيف كان مآلها.

    وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه، فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم، وينذرون لهم، ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها، ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها. فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله.

    وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا، فكفانا عموم النهي وصراحته، والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغتر بكل قول قيل )[17].

    شبهة 2 : يقول البعض : لعن من يتخذ القبور مساجد خاص باليهود والنصارى وليس المسلمين ،والجواب اللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم[18] فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و لعن اليهود و النصارى على اتخاذهم القبور مساجد تحذير للمسلمين أن يفعلوا ما فعله اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم ،وقد أتت نصوص أخرى بالنهي عن الصلاة إلى القبور أو البناء على القبور أو اتخاذ القبور مساجد و لم يذكر فيها اليهود أو النصارى.

    شبهة 3 : ويقول البعض : لعن من يتخذ القبور مساجد خاص بمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَهُوَ تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، لِأَنَّ التَّعْظِيمَ وَالِافْتِتَانَ لَا يَخْتَصَّانِ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ[19] .

    شبهة 4 : يقول البعض : تحرم الصلاة في مسجد به ضريح إذا كان الضريح في اتجاه القبلة فقط ،والجواب الصلاة في مسجد به ضريح محرمة على كل حال ، سواء كان الضريح أمامه أم خلفه، يمينه أم يساره، فالصلاة فيها محرمة على كل حال، ولكن الحرمة تشتدّ إذا كانت الصّلاة إلى الضريح، لأن المصلّي في هذه الحالة، يرتكب مخالفتين، المخالفة الأولى: الصلاة في مسجد به قبر فعن أبي سعيد الخدري : « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها »[20] ،والمخالفة الثانية : الصلاة إلى الضريح قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها »[21].

    شبهة 5 : قال بعضهم: مَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ، وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا لِتَعْظِيمٍ لَهُ؛ وَلَا لِتَوَجُّهٍ نَحْوَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَعِيدِ ،والجواب : اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ بِقُرْبِهِ وَقَصْدُ التَّبَرُّكِ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، ثُمَّ أَحَادِيثُ النَّهْيِ مُطْلَقَةٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ[22].




    [1] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529

    [2] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528

    [3] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 5892 ، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 259

    [4] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 3462 ، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 2103

    [5] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 260

    [6] - - رواه أبو داود في سننه حديث رقم 4031

    [7] - رواه أبو يعلى في مسنده رقم 1020 وإسناده صحيح

    [8] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528

    [9] - رواه أحمد في مسنده رقم 4143 ،وابن خزيمة في صحيحه رقم 789 و ابن أبي شيبة في مسنده رقم 272 و ابن حبان في صحيحه رقم 2325

    [10] - مجالس التذكير من حديث البشير النذير لابن باديس ص 149

    [11] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 27/489

    [12] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 432 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 777

    [13] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 780

    [14] - اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/192

    [15] - الشرح الممتع لابن عثيمين 6/413

    [16] - القواعد لابن رجب ص 12

    [17] - مجالس التذكير من حديث البشير النذير لابن باديس ص 149

    [18] - حاشية كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم ص 155

    [19] - نيل الأوطار للشوكاني 2/159

    [20] - رواه أبو يعلى في مسنده رقم 1020 وإسناده صحيح

    [21] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 972 وأبو داود في سننه رقم والترمذي في سننه رقم 1050

    [22] - سبل السلام للصنعاني ص 229





    ......يتبع
    طبيب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي

    شبهة 6 : قال بعضهم :قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » يراد به عين القبر لا ملحق القبر فإن الملحق بالقبر شيء غير القبر نفسه، ولهذا لا يسمى المسجد قبرا، ولا القبر مسجدا ،و الصلاة في المساجد الملحقة بالقبور خارجة عن النهي ، لأنها شيء غير القبر نفسه ،والجواب أن كل مَا دَخَلَ فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْلَ الْقُبُورِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمَنْعَ يَكُونُ مَتْنًاوَلَا لِحُرْمَةِ الْقَبْرِ الْمُنْفَرِدِ وَفِنَائِهِ الْمُضَافِ إلَيْهِ [1]، والنهى عن البناء على القبور يصدق على ما بُنِي على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثيرٌ من الناس من رفع قبور الموتى ذراعاً فما فوقه؛ لأنَّه لا يُمكن أن يجعل نفس القبر مسجداً، فذلك مِمَّا يدلُّ على أنَّ المراد بعض ما يقربه مِمَّا يتصل به.


    ويصدُق على من بنى قريباً من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها، فإنَّ هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، كما يقال: بَنَى السلطانُ على مدينة كذا، أو على قرية كذا سوراً، وكما يقال: بَنَى فلانٌ في المكان الفلاني مسجداً، مع أنَّ سمكَ البناء لم يباشر إلاَّ جوانب المدينة أو القرية أو المكان.


    ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومَن زعم أنَّ في لغة العرب ما يَمنع من هذا الإطلاق فهو جاهلٌ لا يعرف لغةَ العرب، ولا يَفهم لسانَها ولا يدري بما استعملته في كلامها[2].

    شبهة 7 : يقول البعض : المراد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد اتخاذ القبور قبلةً يصلون إليها ويسجدون لها ،وليس بناء المساجد عليها بدليل أنه لم يقل اتخذوا على القبور مساجد بل قال اتخذوا القبور مساجد ،والجواب أن اِتِّخَاذ الْقُبُورِ مَسَاجِد أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ إلَيْهَا، أَوْ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهَا [3] أو بمعنى بناء المسجد عليها أو بمعنى السجود لها أو إليها فاتخاذ القبور مساجد يشمل جميع هذه الصور ،وتخصيص بعض هذه الصور دون بعض تخصيص بلا مخصص .

    والأحاديث الشريفة منها ما جاء عاما في النهي عن كل صور اتخاذ القبور مساجد ومنها ما جاء خاصا في النهي عن بعض صور الاتخاذ فقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » يشمل النهي عن جميع صور اتخاذ القبور مساجد ، و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ » صريح في أن بناء مسجد على القبر من فعل شرار الخلق .

    وحديث أبي سعيد الخدري : « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها » صريح في النهي عن البناء على القبر ،والنهي عن الصلاة على القبر .

    قال الألباني – رحمه الله - : ( النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عن من باب أولى .

    ومن البين جدا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بالذات كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودا بالذات بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبا أو إيجابا يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلا بنى مسجدا في مكان قفر غير مأهول ولا يأتيه أحد للصلاة فيه فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد بل هو عندي آثم لإضاعة المال ووضعه الشئ في غير محله .

    فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا ) [4].

    وقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها »[5] صريح في النهي عن الصلاة إلى القبر ،واتخاذ القبر قبلة ،و إذا حرمت الصلاة إلى القبر فمن باب أولى الصلاة عند القبر ؛ لأن فيهما مظنة الصلاة لصاحب القبر و فيها تعظيم لصاحب القبر تعظيما غير مأذون فيه .

    وجميع صور اتخاذ القبور مساجد تشترك في أنها مظنة الصلاة لصاحب القبر وفيها تعظيم لصاحب القبر و فيها غلو في صاحب القبر ،وفيها الخشية من تطور الأمر إلى عبادة صاحب القبر والشريعة لا تفرق بين المتماثلات .


    شبهة 8 : مما يجيز الصلاة على القبور ،وبناء المساجد عليها ما رواه ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟» قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ[6].

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا - أَوِ امْرَأَةً - كَانَ يَكُونُ فِي المَسْجِدِ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟» قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ «أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي؟» فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا - قِصَّتُهُ - قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ، قَالَ: «فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ[7].

    وعَنِ الشَّعْبِيِّ : « أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا »[8]

    والجواب عن هذه الأدلة أنها أخص من موضع النزاع فهي واردة في صلاة الجنازة ،ويمكن القول أن أدلة النهي عن الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبور و على القبر مخصصة بما سوى صلاة الجنازة .

    وقال ابن القيم – رحمه الله - : ( وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ؛ فَهَذَا قَوْلُهُ وَهَذَا فِعْلُهُ، وَلَا يُنَاقِضُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا إلَى الْقَبْرِ غَيْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي عَلَى الْقَبْرِ؛ فَهَذِهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَيِّتِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، بَلْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِيهِ؛ فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ عَلَى قَبْرِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى نَعْشِهِ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

    وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى النَّعْشِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ فِي بَطْنِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِي الْقُبُورِ وَلَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَأَيْنَ مَا لَعَنَ فَاعِلَهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَهُ شِرَارُ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ: «إنَّ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ » إلَى مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِرَارًا مُتَكَرِّرًا ؟ )[9].


    شبهة 9 : يقول البعض : النهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسة ، وقد ردا شيخا الإسلام ابن تيمية و ابن القيم على هذه الشبهة خير الرد .

    و قال ابن تيمية – رحمه الله - : ( وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ نُهِيَ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ النَّجَاسَةِ؛ لِاخْتِلَاطِ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ. وَالْقَدِيمَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَائِلٌ أَوْ لَا يَكُونَ.

    وَالتَّعْلِيلُ بِهَذَا لَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا وَإِنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ ظَنُّوهَا وَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي زَمَنِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: إنَّمَا هُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَنْ تَصِيرَ ذَرِيعَةً إلَى الشِّرْكِ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ. وَقَالَ: « إنَّ أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ » . وَقَالَ: « إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ » وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا.


    وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ. فَمَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُنْتِنُ بَلْ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَبْلُونَ وَتُرَابُ قُبُورِهِمْ طَاهِرٌ وَالنَّجَاسَةُ أَمَامَ الْمُصَلِّي لَا تُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ كَانُوا يَفْرِشُونَ عِنْدَ الْقُبُورِ الْمَفَارِشَ الطَّاهِرَةَ فَلَا يُلَاقُونَ النَّجَاسَةَ وَمَعَ أَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّلُونَ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَنْفُونَ هَذِهِ الْعِلَّةَ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ النَّهْيَ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَشْيَةِ التَّشَبُّهِ بِذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ؛ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمِنْ فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ أَيْضًا وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ بَعْدَ لَعْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُبَالَغَتِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ )[10] .


    و قال ابن تيمية – رحمه الله - أيضا : ( والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين :


    إحداهما: نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى، وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة، وهذه العلة في صحتها نزاع، لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد .


    وقد ثبت في الصحيح : أن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حائطًا لبني النجار، وكان قبورًا من قبور المشركين، ونخلا وخربًا فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت وجعل النخل في صف القبلة[11] .

    فلو كان تراب قبور المشركين نجسا ؛ لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقل ذلك التراب ، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره، والعلة الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور؛ لما يفضي إليه ذلك من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم.

    والمعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضًا، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة: من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد، وغيره وعللوا بهذه الثانية أيضًا، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى .


    وقد قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [ نوح : 23 ] ذكر ابن عباس وغيره من السلف: " أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " قد ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير: كابن جرير وغيره وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة وغيره.

    ويبين صحة هذه العلة أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» . وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا» فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة، وحسم المادة، بأن لا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله . وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله ؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها .


    وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتسبيحات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه .


    وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين؛ حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه: " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " على مذهب المشركين من الهند والصابئة، والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم الهندي، وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في هذا الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى أهل الكتاب ) [12].

    و قال ابن القيم – رحمه الله - : ( وأبلغ من هذا : أنه نهى عن الصلاة إلى القبر ، فلا يكون القبر بين المصلى وبين القبلة فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى - رحمه الله - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم – قال : " لا تجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلوا إِلَيْهَا "[13] .

    و فى هذا إبطال قول من زعم أن النهى عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شئ عن مقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو باطل من عدة أوجه :

    منها : أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة .

    ومنها : أنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم فى قبورهم طريون.

    ومنها : أنه نهى عن الصلاة إليها.
    ومنها : أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام[14]. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.


    ومنها : أن موضع مسجده - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجداً: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت فى الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "لَمّا قَدِمَ النبىُّ - صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم - المدِينَة فَنزَلَ بأَعْلَى المدِينَةِ فى حَىّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأَقَامَ النّبىُّ - صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ - فيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى مَلاء بَنىِ النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلدِى السُّيُوفَ، وَكَأَنى أَنْظُرُ إِلى النَّبى - صلّى اللهُ عليْه وسلّم - عَلَى رَاحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِى النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حتى أَلْقَى بِفناءِ أبي أَيُّوبَ. وكان يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّىَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلّى فى مَرَابضِ الْغَنمِ، وَأنّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فأَرْسَلَ إِلى مَلإٍ بَنى النَّجّارِ، فَقَالَ: يَا بنِى النجّارِ، ثَامِنُونى بحَائِطِكُمْ هذَا. قَالُوا: لا واللهِ، مَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إلى اللهِ فكَانَ فيه ما أقُولُ لكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وفيه خَرِبٌ. وفيه نخْل. فأمَرَ النّبىُّ - صَلّى اللهُ تَعَالَى عَليْهِ وَاله وسلّم - بِقُبُورِ المشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخْرِبِ فَسُويَتْ. وَبالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجّعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ. وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ. وهم يَرْيَجِزُونَ، وذكر الحديث"[15].


    ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة فى القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التى لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التى كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها فى المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبى - صلى الله عليه وآله وسلم - قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم.


    ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعاً .


    ومنها: أنه قرن فى اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها[16]. فهما فى اللعنة قرينان. وفى ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون ، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالي عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿ لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [ الكهف : 21 ] .

    ومنها: أنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -قال:"اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِى وَثَناً يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"[17].فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.

    وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم –مقاصده ، جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه : صيغة : "لا تفعلوا" وصيغة : "إنى أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبى - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه ، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد .

    ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن فى طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التى أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم .

    فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم فى صورة التعظيم لهم. قال الشافعى: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس".

    وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم فى كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه فقال- بعد أن ذكر حديث أبى سعيد أن النبى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال: "جعلت لى الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبى - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : "نهى عن الصلاة فى سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة فى المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" ) [18].

    شبهة 10 : قال البعض : قوله تعالى : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [ الكهف :21 ] معناه : لنتخذن على باب الكهف مسجداً يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم مما يدل على جواز بناء المساجد على القبور ،والجواب أن الآية صرحت بأن القائلين من أهل الكلمة والنفوذ ؛ لأن الذي له الغلبة في الأمر هو من يملك الأمر والنهي في المنكر وهم الكبراء، وأصحاب النفوذ أي ليسوا من أهل العلم والفضل ،وليسوا من الرسل و لا أتباع الرسل مما يشعر بذم فعلهم .


    ومجرد حكاية ما قالوا ليس دليلا على جواز ما قالوا ولم يمدح القرآن قولهم ،ولم يقره بل السياق يشعر بذمه فإنَّ الله َ- عَزَّ وَجَلَّ - لمْ يَصِفْ أُوْلئِك َ المتغلبيْنَ، بوَصْفٍ يُمْدَحُوْنَ لأَجْلِهِ، وَإنمَا وَصَفهُمْ باِلغلبةِ! وَإطلاقهَا دُوْنَ قرْنِهَا بعَدْل ٍ أَوْ حَقّ: يدُلُّ عَلى التَّسَلطِ وَالهوَى وَالظلمِ، وَلا يدُلُّ عَلى عِلمٍ وَلا هُدَى، وَلا صَلاحٍ وَلا فلاح [19].

    قال ابن رجب – رحمه الله - : ( فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور ، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة وإتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى )[20].

    و الآية الكريمة تدل أن بناء المساجد على القبور قد وقع في الأمم السابقة ،وهذا موافق للحديث : « أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ »[21] ،والسنة موضحة للقرآن ،وعليه فما فعلوه أهل الغلبة على الأمر من فعل شرار الخلق ،وليس بصواب .

    ويمكن أن يقال : الآية حكت القول دون استرسال فيه لفحشه ،ولم تصرح بفحشه لوضوحه فاكتفت بذكره و ذكره قائله .

    وعلى التسليم الجدلي بأن الآية تدل أن من شرع من قبلنا جواز اتخاذ مساجد على القبور فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا ،و اتخاذ المساجد على القبور قد خالف شرعنا لاستفاضة النصوص في النهي عن ذلك فلا حجة فيه .

    ....يتبع



    [1] - الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/327

    [2] - شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص 14

    [3] - سبل السلام للصنعاني ص 299 ،و الروضة الندية شرح الدرر البهية لأبي الطيب محمد القنوجي ص 180 ،و مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن عبيد الله المباركفوري 2/419

    [4] - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص 37

    [5] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 972 وأبو داود في سننه رقم والترمذي في سننه رقم 1050

    [6] - رواه البخاري في صحيحه رقم 1247

    [7] - رواه البخاري في صحيحه رقم 1337

    [8] - رواه مسلم في صحيحه رقم 954

    [9] - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/263

    [10] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 27/160

    [11] -- قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ» رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 428 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 524


    [12] - اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/299 - 302

    [13] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 972 وأبو داود في سننه رقم والترمذي في سننه رقم 1050

    [14] - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « كُلُّ الْأَرْضِ مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ » رواه أحمد في مسنده رقم 11784 قال المحقق شعيب الأرناؤوط : حديث صحيح ،ورواه ابن حبان في صحيحه رقم 1699 ،ورواه الترمذي في سننه رقم 317 و قال الألباني : صحيح ،ورواه ابن ماجة في سننه رقم 745 ورواه أبو يعلى في مسنده رقم 1350 وقال المحقق حسين سليم أسد : إسناده صحيح ،ورواه الدارمي في سننه رقم 1430 ،وواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 4272 و قال : حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْصُولًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَحَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ مَوْصُولٌ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى وَصْلِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ 2/609

    [15] -- رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 428 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 524

    [16] - عن ابن عباس قال: لَعَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائراتِ القبورِ والمتخذين عليها المساجَدَ والسُّرُج.رواه أحمد في مسنده رقم 2030 وقال المحقق أحمد شاكر إسناداه صحيحان 2/491 ،ورواه أبو داود في سننه رقم 3236 و قال المحقق شعيب الأرناؤوط : حسن لغيره 5/139 ،ورواه النسائي في سننه رقم 2043 ورواه الترمذي في سننه رقم 320 وقال الترمذي: هذا حديث حسن ورواه ابن حبان في صحيحه رقم 3179 ،وواه الطبراني في المعجم الكبير رقم 12725 ،ورواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 7206 ،وقد ضعف الألباني الحديث فقال : هذا الحديث على شهرته ضعيف الإسناد فإنه من رواية أبي صالح باذام عن ابن عباس وباذام ضعفه الجمهور بل اتهمه بعضهم بالكذب كما ذكرته في "أحكام الجنائز" وفصلته في "التعليقات الجياد" ويراجع له "تهذيب السنن" و "التلخيص". تمام المنة للألباني ص 297


    [17] - رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلًا رقم الحديث 593ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلًا و قال الألباني في المشكاة حديث رقم 750 : صحيح ص 234

    [18] - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم 1/187 - 189

    [19] - مجانبة أهل الثبور للراجحي ص 128

    [20] - فتح الباري لابن رجب 3/193

    [21] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528
    طبيب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي



    شبهة 11 : قال بعضهم مما يدل على جواز بناء المساجد على القبور بِنَاءُ أَبِي جَنْدَلٍ مَسْجِدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَصِيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الاسْتِيْعَابِ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ

    و الجواب القصة بتمامها كما يقول ابن عبد البر عن أبي بصير: وله قصة فِي المغازي عجيبة ذكرها ابْن إِسْحَاق وغيره، وقد رواها معمر عن ابن شهاب، ذكر عبد الرازق، عَنْ معمر، عَنِ ابْن شهاب فِي قصة القضية عام الحديبيّة، قال: ثم رجع رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى المدينة فجاءه أَبُو بصير- رجل من قريش- وَهُوَ مسلم، فأرسلت قريش فِي طلبه رجلين، فقالا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: العهد الَّذِي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلما.

    فدفعه النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرجلين، فخرجا حَتَّى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فَقَالَ أَبُو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هَذَا جيدًا يَا فلان، فاستله الآخر، وَقَالَ: أجل والله، إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فَقَالَ له أَبُو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حَتَّى برد.

    وفر الآخر حَتَّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فَقَالَ له النَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين رآه: لقد رأى هَذَا ذعرًا. فلما انتهى إِلَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أَبُو بصير، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قد والله وفت ذمتك، وقد رددتني إليهم، فأنجاني اللَّه منهم. فَقَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ويل أمه مسعر حرب. لو كَانَ معه أحد. فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم، فخرج حَتَّى أتى سيف البحر.

    قَالَ: وانفلت منهم أَبُو جندل بْن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير، وجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فو الله مَا يسمعون بعير خرجت لقريش إلا اعترضوا لهم، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إِلَى النَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناشده اللَّه والرحم إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن.

    وذكر مُوسَى بْن عُقْبَةَ هَذَا الخبر فِي أبي بصير بأتم ألفاظ وأكمل سياقه، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بصير يصلي لأصحابه، وَكَانَ يكثر من قول اللَّه العلي الأكبر، من ينصر اللَّه فسوف ينصره. فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمّهم،واجتمع إِلَى أبي جندل حين سمع بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة وطوائف من العرب، حَتَّى بلغوا ثلاثمائة وهم مسلمون، فأقاموا مَعَ أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها.

    وذكر مرور أبي العاص بْن الربيع بهم وقصته، قَالَ: وكتب رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عَلَيْهِ ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقرؤه، فدفنه أَبُو جندل مكانه، وصلى عَلَيْهِ، وبنى عَلَى قبره مسجدًا[1].

    وقال ابن حجر : ( وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَصِيرٍ فَقَدِمَ كِتَابُهُ وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ فَمَاتَ وَكِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا قَالَ وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا فَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ قَالَ فَعَلِمَ الَّذِينَ كَانُوا أَشَارُوا بِأَنْ لَا يُسَلِّمَ أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى أَبِيهِ أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرٌ مِمَّا كَرِهُوا )[2] .

    و القصة المذكورة من رواية الزهري ،وهو من التابعين ،وليس صحابيا ،ولم يرو الزهري هذه القصة عن صحابي بل رواها دون إسناد إلى صحابي فالحديث مرسل ،ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل .

    قال ابن أبي حاتم – رحمه الله - : (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يَرَى إرْسَالَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ شَيْئًا وَيَقُولُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ حُفّاظٌ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الشَّيْءَ عَلَّقُوهُ . قرىء عَلَى عَبَّاسٍ الْدُّورِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ مَرَاسِيلُ الْزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ )[3]


    و قال الذهبي – رحمه الله - : ( ومِن أوهى المراسيل عندهم – أي عند علماء الحديث - مراسيلُ الحَسَن. وأوهى من ذلك: مراسيلُ الزهري، وقتادة، وحُمَيد الطويل، من صغار التابعين. وغالبُ المحقِّقين يَعُدُّون مراسيلَ هؤلاء مُعْضَلاتٍ ومنقطِعات، فإنَّ غالبَ رواياتِ هؤلاء عن تابعيٍّ كبير، عن صحابيّ. فالظنُّ بِمُرْسِلِه أنه أَسقَطَ من إسنادِه اثنين )[4].

    وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - : ( وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما يقدر أن يسمى سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه.

    وقال يحيى بن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء.

    وقال الشافعي: إرسال الزهري - عندنا - ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم.

    وقد روي أيضا تضعيف مراسيل الزهري عن يحيى بن سعيد، وأن أحمد بن صالح المصري أنكر ذلك عليه. لكن من وجه لا يثبت )[5].

    وقال ابن عبد الهادي الحنبلي – رحمه الله - : ( ومراسيل الزهريِّ ضعيفةٌ، وقد كان يحيى القطَّان لا يرى إرسال الزهريِّ وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. ويقول: هؤلاء قوم حفَّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه وروى الدُّوريُّ عن يحيى بن معين قال: مراسيل الزهريِّ ليس بشيء )[6]

    وقال السيوطي – رحمه الله - : (مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ: لِأَنَّا نَجِدُهُ يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ.

    وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ شَرٌّ مِنْ مُرْسَلِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ حَافِظٌ، وَكُلَّمَا قَدَرَ أَنْ يُسَمِّيَ سَمَّى، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهُ ) [7].

    و الحديث المرسل لا حجة فيه ؛ لأنه من أقسام الحديث الضعيف حتى نعلم الراوي الساقط ونتيقن من عدالته.

    و قال النووي – رحمه الله - : ( المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين والشافعي وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول )[8]

    وقال الجعبري – رحمه الله - : ( حكم الْمُرْسل حكم الضَّعِيف إِلَّا أَن يَصح مخرجه بمجيئه من وَجه آخر إِمَّا مُسْندًا أَو مُرْسلا عَن غير رجال الأول فَيكون حجَّة محتجا بِهِ وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة يحْتَج بالمرسل مُطلقًا ورده قوم مُطلقًا وَالْأول أصح وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْعلمَاء والمحدثين ) [9].


    وقال زين الدين العراقي – رحمه الله - : ( وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد إلاثر وقد تداولوه في تصانيفهم )[10].


    وقال السيوطي – رحمه الله - : (الْمُرْسَلُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُحَدِّثِينَ وَالشَّافِعِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ مُسْلِمٌ فِي صَدْرِ صَحِيحِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ "، وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمَالِكٍ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الأصول ) [11].


    وقال د .محمد أبو شهبة : ( الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث الضعيف للجهل بحال المحذوف؛ لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن الصحابي, بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر, وهو يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي, وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا الاحتمال إما بالتجويز العقلي, فإلى ما لا نهاية، وإما بالاستقراء, فإلى ستة أو سبعة, وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض.


    ومتى احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفا, فقد سقط عن درجة الاحتجاج به. قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر, فوروده من وجه آخر يدل على صحة مخرج المرسل ... وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" )[12].

    و قد ضعف الألباني – رحمه الله – هذه الرواية فقال : فأنت ترى أن هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار انه تابعي صغير سمع من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وإلا فهي معضلة وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: " وبنى على قبره مسجدا " لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه بل هو من رواية موسى بن عقبة كما صرح به ابن عبد البر لم يجاوزه .

    وابن عقبة لم يسمع أحدا من الصحابة فهذه الزيادة أعني قوله " وبنى على قبره مسجدا " معضلة (80) بل هي عندي منكرة لأن القصة رواها البخاري في " صحيحة " (5 / 351371) وأحمد في " مسنده " (4 / 328331) موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة وكذلك أوردها ابن إسحاق في " السيرة " عن الزهري مرسلا كما في " مختصر السيرة " لابن هشام (3 / 331339) ووصله أحمد (4 / 323326) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (3 / 271285) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة لإعضالها و عدم رواية الثقات لها ) [13].

    و قال الشيخ عبد الله درويش – رحمه الله - : ( قال في الجزء الخامس ص 351 " وفي رواية موسى بن عقبة عن الزهري فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً "

    هذا لا يثبت لأنه إما مرسل أو معضل خصوصاً مراسيل الزهري فإنها من أضعف المراسيل كما روى ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ج 1: ص 246 عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً ويقول هو بمنزلة الريح ويقول هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا شيء عقلوه وأيضاَ يعارضه ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم اتخاذ المساجد على القبور )[14] .


    و على التسليم الجدلي بصحة الرواية فلا تفيد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أطلع على فعل أبي جندل و أقره ،وقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – في أحاديث كثيرة حرمة اتخاذ المساجد على القبور .


    وعلى فرض أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اطلع على فعل أبي جندل و أقره فلا يعارض ما نهى عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – آخر حياته من اتخاذ القبور مساجد فعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ : « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ، قَالَتْ عَائِشَةُ : « لَوْلاَ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا »[15] ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: « إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ » [16].

    و على التسليم الجدلي بإقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – لفعل أبي جندل وعدم العلم بتاريخ نهيه عن اتخاذ القبور مساجد فالنصوص الصريحة بالتحريم تقدم على النص المبيح لاتخاذ القبور مساجد ، وأقوال النبي – صلى الله عليه وسلم – الصريحة بالتحريم تقدم على إقراره .


    شبهة 12 : مما يدل على جواز بناء المساجد على القبور فعل الصحابة - رضي الله عنهم - يتضح في موقف دفن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلافهم فيه، وهو ما رواه الإمام مالك - رضي الله عنه - في الموطأ، حيث قال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه"، فحفر له فيه . وجه الاستدلال : أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقترحوا أن يدفن -صلى الله عليه وسلم -عند المنبر، وهو داخل المسجد قطعا، ولم ينكر عليهم أحد هذا الاقتراح، بل إن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - اعترض على هذا الاقتراح ليس لحرمة دفنه - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وإنما تطبيقا لأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يدفن في مكان قبض فيه -صلى الله عليه وسلم - .

    و الجواب الحديث من بلاغات مالك – رحمه الله – أي حذف فيها مالك الإسناد ،و قال بلغني و الرواية بتمامها : حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثنين، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ». فَقَالَ نَاسٌ: يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ » ، فَحُفِرَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ ، أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ. فَسَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ : «لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ» ، فَلَمْ يُنْزَعِ الْقَمِيصُ ، « وَغُسِّلَ وَهُوَ عَلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - »[17] .

    والشاهد أن مالك – رحمه الله – بلغه أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – توفي يوم الاثنين ....الحديث فمن الذي بلغ الإمام ؟ والجواب لم يذكر الإمام من الذي بلغه ،وعليه فالحديث غير متصل السند أي حديث منقطع ،والحديث المنقطع ليس بحجة للجهل بحال الراوي المحذوف .

    و إن قيل بلاغات مالك قد وصلها ابن عبد البر عدا أربعة أحاديث فالجواب عندما تحدث ابن عبد البر عن الحديث ،وذكر شواهد كل فقرة فيه لم يذكر شاهد لصحة فقرة الدفن عند المنبر ،وعليه فهذه الفقرة ليست بصحيحة .

    و على التسليم الجدلي بصحة الرواية فغاية ما فيها اختلاف الصحابة – رضي الله عنهم – في مكان دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ،وكل أدلى بدلوه وقول أحدهم لا جميعهم يدفن عند المنبر هذا اجتهاد منه مخالف للأحاديث المستفيضة في حرمة اتخاذ القبور مساجد ،ولعله لم يبلغه التحريم إذ الصحابة كان منهم المكثر في حفظ الأحاديث ومنهم المقل ، وكان فيهم الملازم للنبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لا يشغله عن تعلم الدين شاغل ومنهم من شغله أمور كطلب الرزق الحلال و الجهاد في سبيل الله ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .

    وسكوت الصحابة عن بيان خطأ من قال يدفن عند المنبر أو ندفنه في المسجد ليس دليلا على الإقرار لوجوه :
    الوجه الأول : عدم الجزم بأن كل الصحابة قد سمعوا قوله فكيف يقال أن كل الصحابة تركوا الإنكار عليه و لم نعرف من من الصحابة الذي حضر هذا القول و من الذي سمع هذا القول ومن الذي لم يسمع هذا القول ؟
    الوجه الثاني : قد يترك الإنكار على الخطأ إذا كان الخطأ معلوما واضحا لا يحتاج إلى بيان ،ومن الخطأ البين القول بأن يدفن عند المنبر أو في مسجده .
    الوجه الثالث : قد لا يرى من سمع هذا القول من الصحابة البدار بالإنكار ؛ لأن المقام لا يحتمل الإنكار و ذكر الأدلة فمصيبة موت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كانت شديدة عليهم و لكل مقام مقال .
    الوجه الرابع : قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أنه قول سائغ لمن أداه إليه اجتهاده ، وإن لم يكن موافقا عليه بل يعتقد خطأه .
    الوجه الخامس : قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أنه لو أنكر لم يلتفت إلى إنكاره وربما أدى إلى ما هو أنكر مما يريد أن ينكر لشدة المصيبة ،وتقبل الناس النصح في حال الحزن و الشدة ليس كتقبلهم في حال الفرح والسرور و الرخاء ،وقد مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى»[18]
    .
    الوجه السادس : قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أن العبرة بما آل إليه الاختلاف و ما انتهى إليه و ليست بالأقوال التي قيلت ، وقد انتهى الاختلاف إلى دفنه حيث قبض فلا عبرة بالأقوال الأخرى .

    الوجه السابع : الإنسان في وقت المصيبة قد يغفل عن أشياء و ينسى أشياء و هذه طبيعة النفس البشرية وقت الحزن و الشدة و كم من إنسان وقت حزنه أتى بما يستغرب من مثله وكم من إنسان وقت حزنه أتى بما لا يعهد منه ، والصحابة بشر و ليسوا أنبياء فقد يقول أحدهم وقت حزنه لشرود ذهنه قولا هو لا يستسيغه و الصحابة لا يقرونه و لكن لشدة ما أصابهم يتركون الإنكار لانشغالهم بالأهم أو لوضوح الخطأ أو لعدم تهيؤ الوقت المناسب للنصح .

    و عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- ، زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: «بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا»

    قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجَ، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، فَأَبَى، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144] إِلَى ﴿ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران: 144]

    " وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا[19] .

    و عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، - قَالَ: إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالعَالِيَةِ - فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ " فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ [20] .

    وعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَزِنَ عَلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ. فَكُنْتُ مِمَّنْ حَزِنَ عَلَيْهِ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ إِذْ مَرَّ بِي عُمَرُ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ لِمَا بِي مِنَ الْحُزْنِ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ. أَلا أُعَجِّبُكَ؟ مَرَرْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ! فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَأَقْبَلا جَمِيعًا حَتَّى أَتَيَانِي فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: يَا عُثْمَانُ جَاءَنِي أَخُوكَ فَزَعَمَ أَنَّهُ مَرَّ بِكَ فَسَلَّمَ عَلَيْكَ فَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ. فَمَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟

    فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى وَاللَّهِ وَلَكِنَّهَا عُبِّيَّتُكُمْ يَا بَنِي أُمَيَّةَ! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ بِي وَلا سَلَّمْتَ عَلَيَّ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ. أَرَاكَ وَاللَّهِ شُغِلْتَ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ! قَالَ: فَقُلْتُ أَجَلْ! [21]

    وعَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ، قَالَ: " قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ , وَلِأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ , كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ أَهَلُّوا جَمِيعًا بِالْإِحْرَامِ، فَقُلْتُ: مَهْ؟ قَالُوا: هَلَكَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "[22]

    و إذا كان هذا حال الصحابة لخبر موت رسول الله فكيف نتلقف كلمة من أحدهم قالها و هو شديد الحزن وربما غاب عنه في هذا الوقت فسادها وبطلانها ثم ندعي أن الصحابة جميعهم سمعوه و أقروه وهم مشغولون بأشد مصيبة ؟!!

    الوجه الثامن : أن هناك من أنكر من الصحابة وممن ورد عنه الإنكار السيدة عائشة فقد روى ابن سعد (2/ 241) بسند صحيح عن الحسن- وهو: البصري- قال: ائتمروا [23] أن يدفنوه - صلى الله عليه وآله وسلم - في المسجد، فقالت عائشة: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان واضعاً رأسه في حجري، إذ قال: «قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة [..24]......يتبع



    [1] - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 4/1612-1614 ،الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي 10 /108

    [2] - فتح الباري لابن حجر 5/351

    [3] - المراسيل لابن أبي حاتم ص 3

    [4] - الموقظة للذهبي ص 40

    [5] - شرح علل الترمذي لابن رجب 1/535

    [6] - تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي 4/585

    [7] - تدريب الراوي للسيوطي 1/232

    [8] - التقريب و التيسير للنووي ص 35

    [9] - المنهل الروي للجعبري ص43

    [10] - التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح لزين الدين العراقي ص 73

    [11] - تدريب الراوي للسيوطي 1/222

    [12] - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث لأبي شهبة ص 282

    [13] - تحذير الساجد للألباني ص 70

    [14] - التعليق على فتح الباري لعبد الله درويش ص 12

    [15] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529

    [16] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 532

    [17] - رواه مالك في الموطأ حديث رقم 790 تحقيق الأعظمي

    [18] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 1283

    [19] - رواه البخاري في صحيحه رقم 1241

    [20] - رواه البخاري في صحيحه رقم 3667

    [21] - الطبقات الكبرى لابن سعد 2/238

    [22] - معرفة الصحابة لابن منده ص 855 ،معرفة الصحابة لأبي نعيم رقم 6778 ،معجم الأدباء للحموي 3/1275 ،والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 7/111 ،وفتح الباري لان حجر 8/580 ،وكنز العمال للمتقي الهندي رقم 18827

    [23] - ائتمروا أي تشاوروا

    [24] - تحذير الساجد للألباني ص 36
    طبيب

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي

    شبهة 13 : كانت عائشة – رضي الله عنها - تصلي في حجرتها والرسول - صلى الله عليه وسلم- مقبور فيها فهي كانت تصلي عند القبر ،ولو كانت الصلاة عند القبر غير جائزة ما فعلت ،والجواب دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في بيت عائشة – رضي الله عنها - لا دلالة فيه على أنها كانت تصلي عند القبر ،ولا في مكان القبر من وجوه :

    الوجه الأول : من المعلوم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دفن في جزء من البيت لا كل البيت فقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَصُّ بِهَا شَرْقِيَّ مَسْجِدِهِ فِي الزَّاوِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ الْقِبْلِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ[1] ، وقد جُعل رأس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى المغرب، ورجلاه إلى المشرق، ووجه إلى القبلة ،و إذ كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد دفن في جزء من البيت لا كل البيت ففي بقية البيت متسع للصلاة ،وفرق بين الصلاة عند مكان القبر ،والصلاة في بيت به قبر .


    الوجه الثاني : دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في بيت عائشة – رضي الله عنها – ليس نصا في أنها كانت تصلي عند مكان قبره إذ البيت من بيوت الناس معروف [2] ،و عادة يتكون البيت من أكثر من مكان كمكان للنوم ، و مكان للأمتعة من طعام وشراب وملبس ،و مكان لإعداد الطعام والشراب و مكان لاستقبال الضيوف ،و قد يكون مكان الطعام و الشراب هو مكان استقبال الضيوف ،و هناك مكان للصلاة وقد يكون بجانب مكان النوم أو في مكان الطعام والشراب .


    و عن جابر – رضي الله عنه - قال: ركبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فرساً بالمدينة، فصَرَعَه على جِذْمِ نخلةٍ، فانفكَّت قَدَمُه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مَشرُبةٍ لعائشةَ يُسبِّحُ جالساً، قال: فقُمنا خلفَه، فسكت عنَّا، ثمَّ أتيناه مرَّةً أُخرى نَعودُه، فصلّى المكتوبةَ جالساً، فقُمنا خلفَه، فأشار إلينا، فقَعَدنا، قال: فلمَّا قضى الصَّلاةَ قال: « إذا صلَّى الإمامُ جالساً فصلُّوا جُلوساً، وإذا صلَّى الإمامُ قائماً فصلوا قياماً ولا تفعلوا كما يفعلُ أهلُ فارسٍ بعُظمائها »[3] الشاهد من الحديث قول جابر – رضي الله عنه - : " مشربة لعائشة " و ليس مشربة عائشة مما يدل على وجود أكثر من مشربة في بيت عائشة و أن بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – كان مقسما .

    وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: كُنَّا فِي ظِلِّ حَائِطٍ فِي مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ السَّاعَةَ [4] الشاهد من الحديث : قول حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ : " مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ " و ليس مشربة عائشة مما يدل على وجود أكثر من مشربة في بيت عائشة و أن بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – كان مقسما .

    وعَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: جَلَسَ رَجُلٌ بِفِنَاءِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ أُسَبِّحُ لَقُلْتُ لَهُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، إِنَّمَا كَانَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصْلًا، تَفْهَمُهُ الْقُلُوبُ »[5] . الشاهد من الحديث : قول عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ : " بِفِنَاءِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ " مما يدل أن بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – كان فيه فناء مما يدل أن بيتها كان مقسما إلى أجزاء .

    و المقصود أن بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – كان مكونا من أكثر من جزء فمكان القبر ليس بلازم أن يكون مكان الصلاة .


    الوجه الثالث : وعلى التسليم الجدلي بأن البيت لم يكن مقسما فإن البيت أربعة أجزاء وهي : شمال شرق و شمال غرب و جنوب شرق وجنوب غرب ،و النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دفن في الزاوية الغربية الجنوبية ،وبالتالي هناك ثلاثة أجزاء ليس فيها قبر و لا مكان قبر لكن بجوار مكان القبر ،و المحرم الصلاة عند القبر أو علي القبر أو في القبر أو إلى القبر وليس في مكان بجوار مكان القبر باعتبار أنه سكن فعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كانت تسكن في بيتها و في مكان غير مكان القبر .

    قال ابن تيمية – رحمه الله - : ( مَعَ أَنَّ قَبْرَهُ مِنْ حِينِ دُفِنَ لَمْ يُمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهِ لَا لِزِيَارَةِ وَلَا لِصَلَاةِ وَلَا لِدُعَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ بَيْتُهَا. وَكَانَتْ نَاحِيَةً عَنْ الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ الْقُبُورَ فِي مُقَدِّمِ الْحُجْرَةِ وَكَانَتْ هِيَ فِي مُؤَخِّرِ الْحُجْرَةِ. وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَدْخُلُونَ إلَى هُنَاكَ )[6].

    و الصلاة بجوار مكان القبر ليست كالصلاة في مكان القبر ومثله الصلاة في مسجد بجانبه قبر ليست كالصلاة في مسجد بني على قبر ،ومثله الصلاة بجوار مكان الحمام ليست كالصلاة في الحمام ،والصلاة في معاطن الإبل ليست كالصلاة في مكان بجوار معاطن الإبل .

    الوجه الرابع : عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: " كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي "[7] الشاهد قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : " كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي " يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد[8] ، و بالجمع بين هذا وبين دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في الزاوية الغربية الجنوبية أي باقي ثلاث زوايا ليس فيها قبر يتبين أن مكان الدفن كان مميزا محددا عن باقي البيت فخرج قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – و قبر أبي بكر – رضي الله عنه – عن البيت ،وصار ذلك الجزء من البيت مدفنا ،وهذا المدفن لم يبق منه إلا موضع قبر - في ظنها - ،و إلا لأمكن من دفنها و دفن غيرها إن أرادت في باقي البيت .

    الوجه الخامس : يستحيل أن يكون مكان القبر مكان معيشة عائشة – رضي الله عنها – لأن في جعل المدفن مكان المعيشة امتهان لحرمة الموتى بأن يقع على مكان القبر شيء أو يصل إليه ماء أو يجلس عليه أحد فتعين أن يكون هناك ما يفصل ما بين مكان المعيشة ومكان الدفن ،ويستأنس لهذا قول مالك – رحمه الله - قُسِمَ بَيْتُ عَائِشَةَ بِاثْنَيْنِ: قِسْمٌ كَانَ فِيهِ الْقَبْرُ. وَقِسْمٌ كَانَ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ. وَبَيْنَهُمَا حَائِطٌ. فَكَانَتْ عَائِشَةُ رُبَّمَا دَخَلَتْ حَيْثُ الْقَبْرُ فُضُلا. فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ لَمْ تَدْخُلْهُ إلا وهي جامعة عليها ثيابها[9] .

    الوجه السادس : عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ : «كُنْتُ أَدْخُلُ الْبَيْتَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُمَا عُمَرُ، وَاللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودٌ عَلَيَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - »[10] الشاهد من الحديث : قول عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – " كُنْتُ أَدْخُلُ " ،وقولها:" مَا دَخَلْتُ " يستلزم أنها لم تكن مقيمة في مكان القبر ،و أن القبر في مكان مميز مفصول عن مكان معيشتها تدخل إليه من وقت لآخر ،وليست مقيمة فيه ،ويستأنس لهذا قول مالك – رحمه الله - قُسِمَ بَيْتُ عَائِشَةَ بِاثْنَيْنِ: قِسْمٌ كَانَ فِيهِ الْقَبْرُ. وَقِسْمٌ كَانَ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ. وَبَيْنَهُمَا حَائِطٌ. فَكَانَتْ عَائِشَةُ رُبَّمَا دَخَلَتْ حَيْثُ الْقَبْرُ فُضُلا. فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ لَمْ تَدْخُلْهُ إلا وهي جامعة عليها ثيابها[11].


    وقولها " البيت الَّذِي دُفِنَ مَعَهُمَا عُمَرُ " و لم تقل : بيتي يستلزم أن هذا الجزء من البيت لم يعد في حكم بيتها بل أصبح جزءا مفصولا مميزا عن بقية البيت ،وقولها : " مَشْدُودٌ عَلَيَّ ثِيَابِي " يستلزم أنها ليست في بيتها المخصص للمعيشة ؛لأن في البيت المخصص للمعيشة تضع النساء الحجاب .

    و عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّهِ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - :«فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ»[12] الشاهد قول القاسم - رحمه الله - : " اكشفي لي " يدل أن القبر في مكان غير مكان المعيشة و أن مكان القبر مفصول عن مكان المعيشة بساتر .

    و ليس معنى أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دفن في حجرة عائشة أن الحجرة لم تكن مكونة من أكثر من جزء فمن المعلوم أن الحجرة في اللغة أعم من الحجرة بمفهومنا اليوم فالحجرة لغة كل منزل محوط عَلَيْهِ[13] أو الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها[14] ، و أَصل الحُجْرِ فِي اللُّغَةِ مَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ أَي مَنَعْتَهُ مِنْ أَن يُوصَلَ إِليه. وَكُلُّ مَا مَنَعْتَ مِنْهُ، فَقَدْ حَجَرْتَ عَلَيْهِ؛ وَكَذَلِكَ حَجْرُ الحُكَّامِ عَلَى الأَيتام: مَنْعُهم؛ وَكَذَلِكَ الحُجْرَةُ الَّتِي يَنْزِلُهَا النَّاسُ، وَهُوَ مَا حَوَّطُوا عَلَيْهِ[15].

    الوجه السابع : أن عائشة - رضي الله عنها - ممن روى الأحاديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد‏ منها: « لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ، قَالَتْ عَائِشَةُ : « لَوْلاَ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا »[16] ،والصحابي في الغالب لا يخالف مرويه و لو كانت تصلي في الحجرة التي فيها القبور لخالفت الأحاديث التي روتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وهذا لا يليق بها .
    الوجه الثامن : لو سلمنا جدلا أن عائشة كانت تصلي في الحجرة التي فيها القبر لكان الحجة في مرويها لا في فعلها ، ورأي الصحابي إذا خالف الكتاب والسنة لا يعتد به .
    فائدة : قال ابن قدامة – رحمه الله - : ( وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي. فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِرَ فِي بَيْتِهِ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ؟ قُلْنَا: قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ رُوِيَ: " يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ " وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ )[17].


    شبهة 14 : قال بعضهم : بتأملنا في دفنه - صلى الله عليه وسلم- نجد أنه قُبض في حجرة السيدة عائشة -رضي الله عنها -، وهذه الحجرة كانت متصلة بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمون، فوضع الحجرة بالنسبة للمسجد كان تقريبا هو نفس وضع المساجد المتصلة بحجرة فيها ضريح لأحد الأولياء في زماننا ،وعليه فيجوز الصلاة في مسجد به قبر إذا كان القبر في حجرة منفصلة عن مكان الصلاة ، والجواب فرق بين مسجد بجانب قبر ،ومسجد بني على قبر فمادام القبر خارج حدود المسجد والقبر ليس داخلا في حدود المسجد بل لكل منهما بناء مستقل أو جدار مستقل فهذا جائز ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دفن في بيت عائشة ،وبيت عائشة كان بجوار المسجد لا في المسجد و إذا كان بيت عائشة بيتا فله حكم البيوت لا حكم المساجد فقد كان بناءا مستقلا عن المسجد و كان يعيش فيه النبي - صلى الله عليه وسلم- وزوجه و كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يأتي فيه أهله .

    و النبي - صلى الله عليه وسلم- هو الذي بنى بيته و بنى مسجده و ليس المسجد مبني على القبر و لا القبر دخل في المسجد بل كل منهما بناء مستقل وحال وجود حجرة عائشة في المسجد النبوي من جنس المقبرة التي أمام المسجد مفصولة عنه فلا تضره ، والصحابة – رضي الله عنهم – دفنوه في بيته بجانب مسجده ،و ظل مكان قبره خارج المسجد النبوى في عهد الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وفي عهد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه - ،وفي فترة من خلافة بني أمية ،وحتى بعد إدخال الحجرة في المسجد لم يتغير الحكم لأن صورة المسألة بيت مستقل في مسجد لا قبر في مسجد .

    شبهة 15 : قال بعضهم : لا يمكن أبدًا القول ببطلان الصلاة أو حرمتها في المساجد التي تضم الأضرحة والقبور وإلا لوجب القول ببطلان صلاة المسلمين وحرمتها في المسجد النبوي الشريف ، لأنه يضم قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقبر أبي بكر وقبر عمر - رضي الله عنهما - .

    و الجواب هناك فرق شاسع بين الصلاة في مسجد به ضريح ، و الصلاة في المسجد النبوي و هناك فرق شاسع بين حال المساجد التي بها أضرحة و حال المسجد النبوي ومن هذه الفروق :
    الفرق الأول : المساجد التي بها أضرحة صورتها ضريح في مسجد و المسجد النبوي صورته بيت في مسجد .
    الفرق الثاني : المساجد التي بها أضرحة بني المسجد على الضريح أو أدخل الضريح في المسجد أما المسجد النبوي أدخل البيت في المسجد .
    الفرق الثالث : المساجد التي بها أضرحة بنيت من أجل قصد التبرك أما المسجد النبوي فبناه النبي - صلى الله عليه وسلم – ،و في خلافة الوليد أدخل البيت فيه من أجل التوسعة لا التبرك ،و لم يكن على بال الوليد أمر التبرك بإدخال حجرة عائشة في المسجد ،و كل روايات إدخال حجرة عائشة في المسجد تشهد بذلك .
    الفرق الرابع : المساجد التي بها أضرحة قبر صاحب الضريح في المسجد أو مكان القبر في المسجد أما المسجد النبوي فالقبر في أحد بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم – و هو حجرة عائشة - رضي الله عنها - ،و لا يقال : هذا البيت النبوي أطلق عليه حجرة عائشة و أيضا الضريح يكون في حجرة فلما تفرق بين حجرة و حجرة ،والجواب الحجرة في اللغة أعم من الحجرة بمفهومنا اليوم فالحجرة لغة : كل منزل محوط عَلَيْهِ[18] أو الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها[19] أي الحجرة في عصرهم تطلق على البيت أما الحجرة في عصرنا فمعناها معروف ،وشتان بين الحجرة بمفهومنا والحجرة بمفهومهم.
    الفرق الخامس : المساجد التي بها أضرحة قبر صاحب الضريح في المسجد أو في حجرة منفصلة عن المسجد - بمفهومنا المعاصر لكلمة حجرة – يعني على أقل تقدير جدار الحجرة التي بها قبر يكون متصلا بالمسجد و ليس جدار الحجرة التي بها القبر منفصلا عن جدار المسجد أما المسجد النبوي فجدار البيت الذي فيه القبر منفصل عن المسجد النبوي بأكثر من جدار بحيث لو أردت أن تفصل المسجد النبوي عن البيت الذي فيه القبر لأمكن دون التعرض للجدار الأول للبيت النبوي .
    الفرق السادس : النصوص صريحة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد أما إدخال بيت فيه قبر في مسجد من أجل مصلحة التوسعة ،و هناك العديد من الجدران تفصل بين البيت و المسجد فلا يوجد نص صريح في تحريمه و إن كان يمنع سدا للذريعة ،وما منع سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة إذا كانت المصلحة لا تتحقق إلا به و لكن يمكن أن تتحقق مصلحة التوسعة دون إدخال البيت النبوي في المسجد .
    الفرق السابع : المساجد التي بها أضرحة يصل الناس للضريح للتمسح و التبرك و دعاء صاحب الضريح إلى غير ذلك من الشركيات أما في المسجد النبوي فلا يستطيع الناس الوصول للبيت الذي فيه القبر فضلا عن القبر لوجود ثلاثة جدران محاطة به :
    الجدار الأول : جدار حجرة عائشة
    الجدار الثاني : عمله عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد بن عبد الملك
    الجدار الثالث : بني بعد ذلك ثم بعد ذلك وضع السور الحديدي بينه وبين الجدار الثالث
    الفرق الثامن : لو سلمنا جدلا بحرمة الصلاة في المسجد النبوي من أجل سد ذريعة الشرك على فرض أن القبر في المسجد لا في حجرة عائشة فالصلاة في المسجد النبوي تجوز من أجل تحصيل مصلحة أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ،و ما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة إذ لم يمكن تحقيق المصلحة إلا به ،وهذه المصلحة لا توجد في المساجد التي بها أضرحة .



    [1] - السيرة النبوية لابن كثير 4/541

    [2] - جمهرة اللغة للأزدي 1/257 ،و الصحاح للجوهري 1/244 ، و مجمل اللغة لابن فارس 1/139

    [3] - رواه أبو داود في سننه رقم 602 ، و أخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم 1615 ، ورواه البخاري في الأدب المفرد رقم 960 ، وأخرجه بن حبان في صحيحه رقم 2112

    [4] - شرح مشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي رقم 961

    [5] - مسند أبي يعلى رقم 4393

    [6] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 27/399

    [7] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 1392

    [8] - فتح الباري لابن حجر 3/258

    [9] - الطبقات الكبرى لابن سعد 2/224

    [10] - رواه الحاكم في المستدرك حديث رقم 6721

    [11] - الطبقات الكبرى لابن سعد 2/224

    [12] - رواه أبو داود في سننه رقم 3220 وسكت عنه وضعفه الألباني ،ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده رقم 4571 ،ورواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 6758 وقال البيهقي : وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ، وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا 4/5 ، وأخرجه الحاكم في المستدرك رقم 1368 قال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ،ولم يتعقبه الذهبي ،وقال النووي : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيره بأسانيد صَحِيحَة ( خلاصة الأحكام للنووي 2/1024 ) ،وقال ابن الملقن : هذا الحديث صحيح ( البدر المنير لابن الملقن 5/319 )

    [13] - إكمال الأعلام بتثليث الكلام لابن مالك الجياني 1/136 ، المطلع على ألفاظ المقنع لابن أبي الفضل البعلي ص 476

    [14] - تفسير الزمخشري 4/357 ،وتفسير القرطبي 16/310 ،وتفسير النسفي 3/349 ،و بصائر ذوي التمييز لمجد الدين الفيروزآبادي 2/ 436 ،وفتح القدير للشوكاني 5/70

    [15] - لسان العرب لابن منظور 4/167

    [16] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529

    [17] - المغني لابن قدامة 2/380

    [18] - إكمال الأعلام بتثليث الكلام لابن مالك الجياني 1/136 ، المطلع على ألفاظ المقنع لابن أبي الفضل البعلي ص 476

    [19] - تفسير الزمخشري 4/357 ،وتفسير القرطبي 16/310 ،وتفسير النسفي 3/349 ،و بصائر ذوي التمييز لمجد الدين الفيروزآبادي 2/ 436 ،وفتح القدير للشوكاني 5/70
    طبيب

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي


    شبهة 16 : قال بعضهم الذي باشر أمر البناء – أي بناء المسجد النبوي من جديد - والتوسعة وإدخال القبر – أي القبر النبوي - في المسجد هو العالم الصالح الزاهد التابعي عمر بن عبد العزيز الذي لقبه أئمة الإسلام بخامس الخلفاء الراشدين وقد استشار الفقهاء العشرة في شأن بناء المسجد النبوي وتوسعته وكان حاضراً آل البيت والتابعين رضوان الله عليهم فهل رضوا بالشرك وخاصاً أن مع سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأصحاب الفاروق والصديق رضوان الله عليهم أجمعين .

    و قال بعضهم : هناك دليل على جواز الصلاة في المساجد التي بها أضرحة ،وهو إجماع الأمة الفعلي وإقرار علمائها صلاة المسلمين سلفا وخلفا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمساجد التي بها أضرحة من غير نكير، وكذلك إقرار العلماء من لدن الفقهاء السبعة بالمدينة الذين وافقوا على إدخال الحجرة الشريفة المحتوية على القبور الثلاثة إلى المسجد النبوي، ولم يعترض منهم إلا سيدنا سعيد بن المسيب رضي الله عنه، ولم يكن اعتراضه ؛ لأنه يرى حرمة الصلاة في المساجد التي فيها قبور، إنما اعترض لأنه يريد أن تبقى حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هي يطّلع عليها المسلمون؛ حتى يزهدوا في الدنيا، ويعلموا كيف كان يعيش نبيهم - صلى الله عليه وسلم -


    و الجواب أدخلت حجرة عائشة - رضي الله عنها - والتي بها القبر في المسجد في أواخر القرن الأول في عهد خلافة الوليد بن عبد الملك عندما أراد توسعة المسجد النبوي فرأى إدخال حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد لتوسعة المسجد من جهاته الأربعة ،ولم يكن على بال الوليد أن إدخال حجرة عائشة في المسجد من جنس إدخال القبور في المساجد و لم يقصد من أمره التبرك بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم- ، ولما وسع المسجد أدخلت حجرة عائشة فيه ، و ذلك سنة ثمان وثمانين من الهجرة .

    ولاشك أن الوليد بن عبد الملك أخطأ في ذلك ،وكان بالإمكان أن يوسع المسجد من الجهات التي ليس بها حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم- أو على الأقل الجهات التي ليس فيها حجرة عائشة فيترك الجهة الشمالية الشرقية و يوسع من الجهة الشمالية الغربية و الجنوبية الشرقية و الجنوبية الغربية و لم يوافق أهل العلم في هذا العصر على أمر الوليد .

    وقال ابن تيمية – رحمه الله - : ( وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا؛ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَكَانَ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيهِ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالْعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِيهِ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ تَوَلَّى سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ ) [1].

    وقال ابن عبد الهادي - رحمه الله - : ( كان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار.


    ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتاً جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولي سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.

    وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إشاخة وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم - فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه )[2]

    و قال ابن الجوزي – رحمه الله - : ( وفيها – أي في سنة 88 هـ ) أمر الوليد عبد الملك بهدم مسجد رسول الله - صَلى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ - وهدم بيوت أزواج رسول الله - صَلى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ - وإدخالها في المسجد )[3].

    و قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ: رَأَيْتُ مَنَازِلَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ هَدَمَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي خِلافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ بُيُوتًا بِاللَّبِنِ وَلَهَا حُجَرٌ مِنْ جَرِيدٍ مَطْرُورٍ بِالطِّينِ[4].

    و عن مُعَاذ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِي قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ يَقُولُ: وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ: أَدْرَكْتُ حُجَرَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ عَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ. فَحَضَرْتُ كِتَابَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُقْرَأُ يَأْمُرُ بِإِدْخَالِ حُجَرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ. فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَالَ عَطَاءٌ: فَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَلَى حَالِهَا. يَنْشَأُ نَاشِئٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَقْدَمُ الْقَادِمُ مِنَ الأُفُقِ فَيَرَى مَا اكْتَفَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَيَاتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُزَهِّدُ النَّاسَ فِي التَّكَاثُرِ وَالتَّفَاخُرِ فِيهَا. يَعْنِي الدُّنْيَا[5] ،وفي هذا الأثر إنكار سعيد بن المسيب – رحمه الله - لأمر الوليد .

    و سعيد بن المسيب – رحمه الله - هو أبو محمد القرشي المخزومي ، عالم أهل المدينة ، وسيد التابعين في زمانه و أحد الفقهاء السبعة الذين اتخذهم عمر بن عبد العزيز مستشارين له فيما يعرض عليه من أمور عندما كان وليا على المدينة .

    و مما يدل على إنكار أهل العلم لأمر الوليد أيضا ما ذكره ابْنُ جرير أنه فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أي سنة ثمان و ثمانين من الهجرة - قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَإِضَافَةِ حُجَرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّ يُوَسِّعَهُ مِنْ قِبْلَتِهِ وَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، حَتَّى يَكُونَ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَمَنْ باعك ملكه فاشتره مِنْهُ وَإِلَّا فَقَوِّمْهُ لَهُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ أهدمه وَادْفَعْ إِلَيْهِمْ أَثْمَانَ بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّ لَكَ فِي ذَلِكَ سَلَفَ صِدْقٍ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.

    فَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُجُوهَ النَّاسِ وَالْفُقَهَاءَ الْعَشَرَةَ وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الْوَلِيدِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَالُوا: هَذِهِ حُجَرٌ قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَحِيطَانُهَا مِنَ اللَّبِنِ، وَعَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ، وَتَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا أَوْلَى لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا الْحُجَّاجُ وَالزُّوَّارُ وَالْمُسَافِرُونَ، وَإِلَى بُيُوتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يُعَمِّرُونَ فِيهَا إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مَا يَسْتُرُ وَيُكِنُّ، وَيَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا الْبُنْيَانَ الْعَالِيَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْفَرَاعِنَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ، وَكُلِّ طَوِيلِ الْأَمَلِ رَاغِبٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْخُلُودِ فِيهَا.


    فَعِنْدَ ذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْعَشَرَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخَرَابِ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَأَنْ يُعَلِّيَ سُقُوفَهُ فَلَمْ يَجِدْ عُمَرُ بُدًّا مِنْ هَدْمِهَا، وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ من بنى هاشم وغيرهم، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - ، وأجاب مَنْ لَهُ مِلْكٌ مُتَاخِمٌ لِلْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، وَشَرَعَ فِي بِنَائِهِ وَشَمَّرَ عَنْ إِزَارِهِ واجتهد في ذلك، وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فَأَدْخَلَ فِيهِ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ- حُجْرَةَ عَائِشَةَ- فَدَخَلَ الْقَبْرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ حَدَّهُ مِنَ الشَّرْقِ وَسَائِرُ حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَمَرَ الْوَلِيدُ.


    وَرُوِّينَا أَنَّهُمْ لَمَّا حَفَرُوا الْحَائِطَ الشَّرْقِيَّ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ بَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَخَشُوا أَنْ تَكُونَ قَدَمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى تحققوا أنها قدم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَ يُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فِي الْمَسْجِدِ - كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَبْرُ مَسْجِدًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ[6]

    و المتأمل في هذه القصة يجد أن العلماء أنكروا ما أراد الوليد فعله ،واعترضوا عليه بدليل أنه شق عليهم و أبدوا ما يدل على الرفض " هَذِهِ حُجَرٌ قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْل ...." و هذا تعليل الرافض للأمر لا الموافق له أي كيف تهدم الحجرة ،وهي حجرة قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْل .... ؟! ، ولم يعبأ الوليد بكلام الفقهاء و أمر بتنفيذ ما أراد لغلبة مصلحة التوسعة عن المصالح الأخرى عنده .

    و عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز - رحمه الله - لمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ هَدْمِ المسجد أي لم يجد مفرا من هدم المسجد ، و الإنسان لا يفر إلا مما يسيئه و يكرهه و لا يريده وفي هذا إشارة إلى أن الأمر كان بخلاف ما أراد عمر بن عبد العزيز لكن فعل متأولا أنه من باب طاعة ولي الأمر – الخليفة الوليد - ، وكون عمر بن عبد العزيز يباشر أمر البناء و إدخال حجرة عائشة في المسجد فهذا ليس دليلا على رضاه و لا نصا في رضاه .

    و مما يدل على أن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله - تأول ما ذكره السمهودي من معارضة عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز وإنكاره لإدخال حجرة عائشة في المسجد فذكر عن عروة قال : " نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يجعل في المسجد أشد المنازلة فأبى"، وقال: " كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه "، قلت: "فإن كان ولا بد فاجعلوا له جؤجؤا " أي و هو الموضع المزور تشبه المثلث خلف الحجرة [7] فالشاهد قوله " كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه " أي الأمر من باب طاعة ولي الأمر ،وليس استحسانا للأمر .


    و عروة بن الزبير – رحمه الله - الذي لم يوافق على إدخال القبر النبوي في المسجد هو عالم المدينة أبو عبد الله القرشي الأسدي أحد الفقهاء السبعة ،و هو ابن حَوَاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية ، الزبير بن العوام .



    و مما أثر عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن اتخاذ القبور مساجد عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَى أَوْ لَا يَجْتَمِعُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ »[8] .

    وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ من بنى هاشم وغيرهم، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - و هذا فيه دليل أن من كان حاضرا في ذلك الوقت لم يعجبه الأمر و حزن على هدم الحجرات فهذا الأمر لم يوافق عليه لا العلماء و لا العوام لكن الأمر نفذ طاعة للخليفة ليس أكثر من ذلك .

    و لا يقال : هم لم يوافقوا على الأمر ؛ لأنهم يريدون أن تبقى حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هي يطّلع عليها المسلمون حتى يزهدوا في الدنيا ، ويعلموا كيف كان يعيش نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ،و هذا ليس من أجل عدم اتخاذ القبور مساجد ، و ليس من أجل إدخال حجرة عائشة في المسجد ،والجواب العبرة بوجود الاعتراض لا بدليل الاعتراض أي لا يوجد إجماع تقريري على الأمر فمن يقول هناك إجماع من الناس والعلماء على الموافقة على ما أمر به الوليد فهو خاطئ فالعلماء اعترضوا والناس اعترضوا أي هناك من لم يوافق ولم يجز الأمر .

    و لو كان الاعتراض على إدخال حجرة عائشة في المسجد هو هذا الاعتراض و حسب لكان له وجه إذ النصوص صريحة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد أما إدخال بيت فيه قبر في مسجد من أجل مصلحة التوسعة ،و هناك العديد من الجدران تفصل بين البيت و المسجد فلا يوجد نص صريح في تحريمه و إن كان يمنع سدا للذريعة .

    وما منع سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة إذا كانت المصلحة لا تتحقق إلا به ،و لكن يمكن أن تتحقق مصلحة التوسعة دون إدخال البيت النبوي في المسجد ،و أيضا إدخال حجرة عائشة في المسجد ، وهدم باقي حجرات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سوف ينتج عنه ضياع مصلحة إطلاع الناس على هذه الحجرات النبوية للعبرة والزهد في نعيم الدنيا القليل ،وضياع مصلحة معرفة حال بيوت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – .

    وبون شاسع بين حال المساجد التي بها أضرحة و حال المسجد النبوي فالنصوص صريحة في تحريم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة أما الصلاة في المسجد النبوي فمستحبة ، و قد احتاط من أدخل حجرة عائشة في المسجد أشد الاحتياط في فصل البيت عن المسجد بوضع أكثر من جدار للفصل بين المسجد و البيت فضلا عن القبر حتى لو أردنا فصل البيت عن المسجد دون المساس بجدار البيت الأول لاستطعنا ،واحتاط في جعل الجدار الثاني للبيت الذي به القبر على هيئة لا يستطيع أحد أن يستقبله و يستقبل القبلة في وقت واحد فقد بنى حول حجرة عائشة جداراً مخمس الأضلاع بصورة شكَّل معها في المؤخرة مثلثاً حتى لا تشبه الكعبة المشرفة في بنائها .

    قال ابن حجر - رحمه الله - : ( لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا – أي حجرة عائشة - مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ )[9]

    وقال النووي – رحمه الله - : ( قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ مَسْجِدًا خَوْفًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ .

    ولما احتاجت الصَّحَابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ، وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَدْفِنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَنَوْا عَلَى الْقَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَوْلَهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّيَ إِلَيْهِ الْعَوَامُّ وَيُؤَدِّي الْمَحْذُورَ ثُمَّ بَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحديث ولولا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ )[10] .


    و في عبارة النووي – رحمه الله - ما يوهم أن إدخال حجرة عائشة في المسجد كان في عصر الصحابة ،و المعروف في كتب التاريخ و السير أنه كان في زمن الوليد ،و قد يكون مراد النووي – رحمه الله - أن توسعة المسجد النبوي حدثت منذ زمن الصحابة و لاشك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – قام بالتوسعة لكن لم يكن في هذه التوسعة إدخال الحجرات النبوية في المسجد ثم قام بالتوسعة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، و لم يكن في هذه التوسعة إدخال الحجرات النبوية في المسجد أيضا ،وفي عهد الوليد وسع المسجد النبوي ، وأدخلت الحجرات النبوية فيه و من ضمنها حجرة عائشة .


    شبهة 17 : قال بعضهم : لو كان ما فعله الوليد خطاءا من إدخال حجرة عائشة – رضي الله عنها – في المسجد ،ولم يستطع أحد الإنكار عليه في زمنه فقد مات الوليد وبقيت حجرة عائشة في المسجد ،ولم تخرج منه ، و الجواب قد أنكر العلماء في عصر الوليد هذا الأمر حتى العوام لم يستحسنوا الأمر وحزنوا أشد الحزن على هذا الفعل لكن لم يكن لأحد سلطة لتغيير المنكر ، و لأن الأمر متعلق بحجرة عائشة التي تحوي قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – و أن الأمر بإخراجها من المسجد النبوي بعد أن كانت فيه زمن فيه مظنة السوء بفاعله و أنه أراد أمرا سيئا يضمره .

    و مظنة امتهان قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مرة تدخل الحجرة في المسجد و مرة تخرج الحجرة من المسجد ،و قد يظن أن هذا تلاعب بالحجرة النبوية ،وتصبح الحجرة النبوية ألعوبة في يد الأمراء هذا يدخلها المسجد و هذا يخرجها ثم يأتي أمير آخر يدخلها و يأتي آخر يخرجها وهكذا .

    وقد يظن أن هذا تنقص من شخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وصاحبيه – رضي الله عنهما - وقد تحدث فتنة عظيمة بين الناس و يحدث قتال و خصومات .

    وقد يتخذ أعداء الإسلام من هذا مدخلا لصد الناس عن الإسلام فيقولون مثلا : أرأيتم قبر نبيهم يتلاعبون به أو أرأيتم يتنقصون من نبيهم و صاحبي نبيهم .

    و كل هذه الأسباب و غيرها تجعل النفس لا تطمئن لإخراج حجرة عائشة – رضي الله عنها – من المسجد النبوي سدا للفتن التي قد تحدث من هذا الأمر ،وألا يظن أن هذا الأمر فيه تنقص أو امتهان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أو تلاعب بالحجرة النبوية الشريفة و لئلا يتخذ ذريعة لنيل من الإسلام ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ،وهناك العديد من النصوص تدل على الأخذ بدليل سد الذريعة و منها :
    عن عَائِشَةَ – رضي الله عنها -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ »[11] .

    و قد كانت المصلحة أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم – عليه السلام - وأن يكون باب الكعبة متاحاً ليدخل منه جميع الناس الغني منهم والفقير السيد و الرقيق ، ولكن هدم الكعبة لتبنى علي قواعد إبراهيم سينتج عنه مفسدة أعظم ،وهي حدوث فتنة لمن دخل في الإسلام منذ زمن يسير فسيقول حديث العهد بالإسلام : إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقدس الكعبة، وآباؤنا كانوا يقدسون الكعبة ، فيفتنون عن دينهم أو يظن من أسلم من قريش أن النبي - صلى الله عليه وسلم – هدم الكعبة وأعاد البناء من أجل أن يأخذ هذه المفخرة لنفسه ، فيكفرون مرة أخرى ،فترك النبي - صلى الله عليه وسلم – مصلحة هدم الكعبة و بناءها من جديد على قواعد إبراهيم – عليه السلام – لدرء مفسدة افتتان الناس بهدم الكعبة .

    وقَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ »[12]

    و قد كانت المصلحة أن يقتل هذا المنافق لكن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترك قتله مع كونه مصلحة لئلا يكون ذلك ذريعة لتنفير الناس عنه ولئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ، فإن قول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتل هذا المنافق ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل .

    و تطمئن النفس إلى أن إبقاء حجرة عائشة – رضي الله عنها - في المسجد من جنس إبقاء الكعبة على ما هي عليه خوفا من الفتنة بين المسلمين و على المسلمين .


    و القلب يجزم أن من حكم تقدير الله بأن تبقى حجرة عائشة – رضي الله عنها - في المسجد : حماية القبر الشريف من أن يصلى إليه أو عنده أو يصير وثنا يعبد من دون الله فأصبح قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مأمن من الصلاة إليه أو عنده أو التمسح به فلا يمكن أن يتخذ قبره مسجدا و قد فصل بيته فضلا عن قبره عن الناس بثلاثة جدران فلا يمكن أن يباشر بالعبادة له من دون الله صيانة لقبره أن يُفعل عنده كما فعلت اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم .

    شبهة 18 : قال بعضهم : مما يدل على جواز الصلاة عند القبور أن عُمَر بْن الخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – رأى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «القَبْرَ القَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ»[13] و هذا دليل على أن الصلاة عند القبور صحيحة لأنه لم يأمره بالإعادة و أن الصلاة عند القبر جائزة ،والجواب هذا الحديث مما يستدل به على أن المستقر عند الصحابة عدم الصلاة عند القبور فلو كانت جائزة لتركه و شأنه .

    و لو كانت الصلاة عند القبور مختلف فيها بين الصحابة أو يجهل حكمها أنس لقال لا تصل عند القبر فإن ذلك حرام فكون عمر يقول القبر القبر فهذا مشعر بأن المستقر عند الصحابة أن الصلاة عند القبور لا تجوز .

    وهذا الحديث ليس فيه أن أنسا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – تحرى الصلاة عند القبر ،و لا أكمل الصلاة وهو عند القبر بل مشعر بأن أنسا لم يكن يعلم أنه يصلي عند قبر ، وعَنْ ثَابِتٍ الْبَنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَآنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَأَنَا أُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «الْقَبْرُ» قَالَ: " - فَحَسِبْتُهُ يَقُولُ: الْقَمَرُ - " قَالَ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْظُرُ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَقُولُ الْقَبْرُ لَا تُصَلِّ إِلَيْهِ». قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَأْخُذُ بِيَدِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَيَتَنَحَّى عَنِ الْقُبُورِ [14].

    عَنْ أَنَسٍ قَالَ : " قُمْتُ يَوْمًا أُصَلِّي وَبَيْنَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ فَنَادَانِي عُمَرُ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ "[15]

    وكون عمر لم يأمره بالإعادة ؛ لأن أنسا عندما علم أن عمرا يقصد القبر تنحى عن القبر و هو في الصلاة فأكمل الصلاة وهو متنحي عن القبر ،وهو من جنس من يصلي في موضع نجاسة ،وهو لا يعلم فعندما يعلم يبتعد عن هذا الموضع و يكمل الصلاة ،وعندما صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نعل فيه خبث نبهه جبريل – عليه السلام – فخلع النعلين ،و أكمل الصلاة و لم يعد الصلاة

    ويمكن أن يقال أنه من جنس من صلى لغير القبلة ناسيا فعندما يعرفه أحد يستدير ،ويبني على ما مضى من صلاته و لا يعيد الصلاة ،وعندما غيرت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام و كان المسلمون يصلون فنادهم المنادى أن القبلة قد غيرت إلى الكعبة فاستداروا و أكملوا الصلاة ولم يعيدوها ولم يأمرهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإعادة .


    [1] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 27/348

    [2] - الصارم المنكي لابن عبد الهادي ص 151

    [3] - المنتظم في تاريخ الملوك لابن الجوزي 6/283

    [4] - الطبقات الكبرى لابن سعد 8/133

    [5] - الطبقات الكبرى لابن سعد 8/133

    [6] - البداية و النهاية لابن كثير 9/74-75

    [7] - خلاصة الوفا للسمهودي 2/129

    [8] - رواه مالك في الموطأ رقم 3322 ،ورواه عبد الرزاق في مصنفه رقم 9987 ،والبيهقي في السنن الكبرى رقم 18750

    [9] - فتح الباري لابن حجر 3/200

    [10] - شرح النووي على صحيح مسلم 5/14

    [11] - رواه مسلم في صحيحه رقم 1333

    [12] - رواه البخاري في صحيحه رقم 4905 ، ورواه مسلم في صحيحه رقم 2584

    [13] - رواه البخاري في صحيحه 1/93

    [14] - رواه عبد الرزاق في مصنفه رقم 1581

    [15] - رواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 4277
    طبيب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي


    شبهة 19 : قال بعضهم : مسألة الصلاة في مسجد به قبر مختلف فيها و مادام في المسألة اختلاف فيجوز الأخذ بالقول الأيسر أو بأي قول من أقوال العلماء ،ومن العلماء من قال بالكراهة كالشافعي فقد قال: ( وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى – أي ظاهر - أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى إلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ )[1] .


    و الجواب العبرة بالدليل و ليست بأقوال العلماء ،و أقوال العلماء يستدل لها لا بها و نحن مأمورون بإتباع الكتاب و السنة ،ولا يجوز تقليد من يخالفهما قال تعالى : ﴿ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ [ الأعراف : 3 ] ،و إذا خالف عالم ما أنزل إلينا من كتاب أو سنة فنحن مأمورون بإتباع الوحيين و نبذ ما يخالفهما .

    و العلماء مخبرون عن حكم الله ، و ليسوا مشرعين ،و ليسوا بمعصومين من الخطأ و الزلل ،و لذلك كلامهم يأخذ منه ويرد ،و أقوالهم تعرض على الكتاب والسنة فنأخذ بقول العالم الذي يوافق الكتاب والسنة ، ،ونتأدب في رد القول المخالف .

    و في إتباع القول الموافق للقرآن و السنة طاعة الله و طاعة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ،وفي إتباع القول المخالف للقرآن و السنة عدم طاعة الله و عدم طاعة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ،و الله قد أمر عند الاختلاف بالرد للكتاب والسنة لا تخير قول من أقوال العلماء .

    قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [ النساء : 59 ] فأقوال العلماء لابد أن تعرض على الكتاب والسنة فيؤخذ بالقول الذي يوافق الكتاب والسنة ،ولا يلتفت للقول الذي يخالف الكتاب والسنة .

    و إذا حكم الله أو حكم رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مسألة فلا يجوز مخالفة حكم الله أو حكم رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقول عالم من العلماء قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ النور : 51 ]

    و إذا تبين لأحد حكم عن رسول الله فلا يجوز مخالفته لقول عالم من العلماء قال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ النور : 63 ] قال الشافعى - رحمه الله - : ( أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحل له أن يدعها لقول أحد )[2].


    و يجب تحكيم السنة و التسليم لحكم السنة فهذا من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،وقد جعل الله – سبحانه و تعالى - طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من لوازم الإيمان قال تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ [ النساء : 65 ]


    و نحن مأمورون بإتباع الكتاب و السنة ،وليس في إتباعهما عسر على الناس و لا تضييق على الناس قال تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ [ البقرة : 185 ] فما أمر الله وألزم إلا بما هو سهل على النفوس ،ولا يأمر الله بما يثقل على النفس و يضيق عليها .

    وليس في الشريعة حكم يخرج عن مقدرة الإنسان قال تعالى : ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا ﴾ [ البقرة : 286 ] فسبحانه لا يكلفنا ما لا نطيق ،ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به و إذا حكم الله - سبحانه وتعالى - أو حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم فحكمهما يسر لا عسر أما الحكم المخالف لحكمهما فليس بيسر بل فيه الهلكة و الفساد لمخالفة حكم رب العباد .

    وقول بعض العلماء المتقدمين بأن اتخاذ القبور مساجد مكروه فالمقصود به كراهة التحريم لا كراهة التنزيه قال ابن تيمية – رحمه الله - : ( والكراهية في كلام السلف كثيراً وغالباً يراد بها التحريم )[3] .

    وقال ابن كثير – رحمه الله - : (وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهِيَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا ) [4] .

    وقال الشاطبي – رحمه الله - : ( وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَطْلَقُوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ. فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَيَخُصُّونَ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .

    وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ. وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: 116] )[5]

    و قال الدكتور عبد الكريم النملة – رحمه الله - : ( فبعض العلماء يطلق لفظ " مكروه "، ويريد به الحرام والمحظور، وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد - رحمهم اللَّه جميعاً - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعاً منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: 116] ،فكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم ) [6].

    و هذه جملة من إطلاق المتقدمين للفظ الكراهة والمراد التحريم :
    قال الترمذي – رحمه الله - في سننه: ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الحَائِضِ ) ، وذكر فيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ » . فهل يستدل الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟
    و قال أيضا : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ ) و ذكر عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ»[7] فهل يستدل الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟

    و قال ابن ماجة – رحمه الله – في سننه : ( بَابُ كَرَاهِيَةِ الْخُلْعِ لِلْمَرْأَةِ ) و ذكر عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ » [8] فهل يستدل بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟

    وقال أيضا : (بَابُ كَرَاهِيَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ ) و ذكر عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ »[9] .
    و قال الدارمي – رحمه الله – في سننه : (بَابُ كَرَاهِيَةِ الخُرُوجِ مَنَ المَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ ) وذكر عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, رَأَى رَجُلاً خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ: " أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ "[10] فهل يستدل الدارمي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟

    و قال أيضا في سننه : ( بَابُ كَرَاهِيَةِ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ ) و ذكر عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلى الله عَليهِ وسَلم - الْمَسْجِدَ وَقَدْ رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فِي الصَّلاَةِ ، فَقَالَ: « لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لاَ تَرْجَعُ إِلَيْكُمْ أَبْصَارُكُمْ »[11] فهل يستدل الدارمي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟.

    و قال أبو داود في سننه : (باب كراهية صوْمِ يومِ الشَّك ) و ذكر عن صِلَةَ، قال: كُنَّا عندَ عمارِ في اليومِ الذي يُشَكُّ فيه، فأُتي بشاةٍ، فتنحَّى بعضُ القَوْمِ، فقال عمار: مَنْ صامَ هذا اليومَ، فقد عَصَى أبا القَاسِمِ -صلَّى الله عليه وسلم- [12] فهل يستدل بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟


    و قال أيضا : (باب في كراهية الحلف بالآباء ) و ذكر ابنُ عمر: إني سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: « مَن حلَفَ بغيرِ الله فقد أشركَ »[13] فهل يستدل بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟
    و قال النسائي – رحمه الله - في سننه : ( كراهية الاستمطار بالكوكب ) ،وذكر عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: « أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ فَذَاكَ الَّذِي آمَنَ بِي وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَاكَ الَّذِي كَفَرَ بِي وَآمَنَ بِالْكَوْكَبِ »[14] فهل يستدل بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية ؟

    واستعمال الشافعي - رحمه الله - للفظ الكراهة في قوله : ( وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى – أي ظاهر - أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى إلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ )[15] إنما يقصد به التحريم كما هو مقتضى النصوص الشرعية، وليس المقصود بكلامه الكراهة باصطلاح الفقهاء المتأخرين بدليل قوله " فقد أساء ".

    و قال الألباني - رحمه الله - : ( لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين فقد قال تعالى ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان [ الحجرات الآية 7 ] ،و هذه كلها محرمات فهذا المعنى والله اعلم هو الذي أراده الشافعي - رحمه الله - بقوله المتقدم " وأكره " ويؤيده انه قال عقب ذلك: " وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء " فإن قوله " أساء " معناه ارتكب سيئة أي حراما فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضا فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد وقربان الزنى وقتل النفس وغير ذلك: ﴿ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [ الإسراء الآية 38 ] أي محرما )[16].

    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد أبو حنيفة – رحمه الله - قال بدر الدين العيني – رحمه الله - : (وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يوطأ عليه، أو يجلس عليه، أو ينام عليه، أو يقضى عليه حاجة الإنسان من بول أو غائط، أو يعلم بعلامة، أو يصلى إليه، أو يصلى بين القبور )[17] ،و إذا أطلق أبو حنيفة الكراهة فالمراد بها كراهة التحريم .

    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله – الحنفي المذهب فقد قال: (لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجداً، أو علماً، أو يكتب عليه ) [18].

    و محمد بن الحسن من أئمة الأحناف ،و الأحناف إذا أطلقوا لفظ المكروه انصرف هذا اللفظ غالباً إلى المكروه تحريماً[19].

    قال التفتازاني - رحمه الله - : ( مَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ إنْ تَسَاوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَمُبَاحٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى فَمَعَ الْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ وَاجِبٌ وَبِدُونِهِ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى فَمَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ حَرَامٌ وَبِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَبِدُونِ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ هَذَا عَلَى رَأْيِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - )[20] .

    وقال أيضا : (وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَيْسَ الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ بَلْ هُوَ حَرَامٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَعِنْدَهُ مَا لَزِمَ تَرْكُهُ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى حَرَامًا وَإِلَّا يُسَمَّى مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ كَمَا أَنَّ مَا لَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى فَرْضًا وَإِلَّا يُسَمَّى وَاجِبًا )[21] .

    و في تعليق ابن همام على الهداية عند قول برهان الدين المرغيناني (فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) : لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا قال : ( فصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) اسْتَعْمَلَ الْكَرَاهَةَ هُنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَيَشْمَلُ عَدَمَ الْجَوَازِ وَغَيْرَهُ مِمَّا هُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ، أَوْ هُوَ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ الظَّنِّيَّ الثُّبُوتِ غَيْرَ الْمَصْرُوفِ عَنْ مُقْتَضَاهُ يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ .


    وَإِنْ كَانَ قَطْعِيُّهُ أَفَادَ التَّحْرِيمَ فَالتَّحْرِيمُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَرْضِ فِي الرُّتْبَةِ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَالتَّنْزِيهُ بِرُتْبَةِ الْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيِ الْوَارِدِ مِنْ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الثَّابِتُ بِهِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَتْ لِنُقْصَانٍ فِي الْوَقْتِ مُنِعَتْ أَنْ يَصِحَّ فِيهِ مَا تَسَبَّبَ عَنْ وَقْتٍ لَا نَقْصَ فِيهِ لَا لِأَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ بَلْ لِعَدَمِ تَأَدِّي مَا وَجَبَ كَامِلًا نَاقِصًا، فَلِذَا قَالَ عَقِيبَ تَرْجَمَتِهِ بِالْكَرَاهَةِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَخْ )[22]


    وقال الشرنبلالي – رحمه الله - : ( المكروه ضد المحبوب وما كان النهي فيه ظنيا كراهته تحريمية إلا لصارف وإن لم يكن الدليل نهيا بل كان مفيدا للترك الغير جازم فهي تنزيهية والمكروه تنزيها إلى الحل أقرب والمكروه تحريما إلى الحرمة أقرب )[23] .


    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد جلال الدين السيوطي – رحمه الله – الشافعي المذهب فقد قال : ( فأما بناء المساجد عليها، وإشعال القناديل والشموع أو السُّرج عندها، فقد لعن فاعله ، كما جاء عن النبي قال : " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ". حديث حسن ، و قد تقدم .

    وصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك متابعة للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك. ولا ريب في القطع بتحريمه لما بينت في صحيح مسلم عن جندب ابن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - ، قال : سمعت رسول الله قبل أن يموت بخمس يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك " )[24].


    وممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد بل عدها من الكبائر ابن حجر الهيتمي – رحمه الله – الشافعي المذهب فقد قال : ( الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ: اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاِتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا، وَالطَّوَافُ بِهَا، وَاسْتِلَامُهَا، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا )[25] .


    وممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد الشوكاني – رحمه الله – الشافعي المذهب فقد قال : ( وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إليها أَوْ عَلَيْهَا » ،وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ، وَزَادَ فِيهِ «فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ )[26] .


    وقال أيضا : ( وأما تحريم اتخاذ القبور مساجد فالأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما ولها ألفاظ منها "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي لفظ "قاتل الله اليهود الحديث" وفي لفظ "لا تتخذوا قبري مسجدا" وفي آخر "لا تتخذوا قبري وثنا" )[27].



    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد ابن عبد البر – رحمه الله – المالكي المذهب فقد قال : ( يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ )[28]


    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد القرطبي – رحمه الله – المالكي المذهب فقد قال : ( فَاتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّنَّةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَمْنُوعٌ لَا يَجُوزُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ )[29]. ثم قال بعد ذلك : ( قال علماؤنا: وهذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد )[30].

    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد ابن قدامة – رحمه الله – الحنبلي المذهب فقد قال : ( وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ )[31].

    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد ابن القيم – رحمه الله – فقد قال : (فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً؛لم يجز، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه - صلى الله عليه وسلم -) [32].

    و ممن قال بتحريم اتخاذ القبور مساجد ابن تيمية – رحمه الله – فقد قال : ( لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا أَوْ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا بَلْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مُتَّفِقُونَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ قَصْدَ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ أَوْ عِنْدَ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ أَوْ مَشْهَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: أَمْرٌ مَشْرُوعٌ بِحَيْثُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا قَبْرَ فِيهِ: فَقَدْ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ. وَخَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ.

    وَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ قَائِلُ هَذَا وَمُعْتَقِدُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَلْ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ لَا اتِّفَاقًا وَلَا ابْتِغَاءً لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ وَالذَّرِيعَةِ إلَى الشِّرْكِ وَوُجُوبِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ. وَمِنْهُمْ مِنْ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ.

    وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْعَامَّةِ. فَإِنَّ تِلْكَ مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُ النَّهْيَ عَنْهَا بِنَجَاسَةِ التُّرَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِالتَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْقُبُورِ فَقَدْ نَهَوْا عَنْهُ. مُعَلِّلِينَ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِتَعْظِيمِ الْمَخْلُوقِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَعِنْدَ وُجُودِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَقَالَ إنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُصَلِّي السُّجُودَ إلَّا لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ. فَكَيْفَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِتَعْظِيمِ الْقُبُورِ؟ ) [33].

    شبهة 20 : مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كان مقبرة للمشركين ،وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم - المقبرة مسجدا يدل على جواز اتخاذ القبور مساجد ،والجواب لاشك أن موضع المسجد النبوي كان مقبرة للمشركين و لكن نبشت قبورهم وسواها واتخذها مسجداً .

    والدليل عن أنس قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ .

    وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ .

    فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ»[34] .

    الشاهد قوله " فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ " ففي هذا جواز نبش قبور المشركين واتخاذ مكانها مسجدا ،والمسلم لا يجوز نبش قبره إلا في حالات معينة والقبر إذا نبش خرج عن كونه قبرا .

    و علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد لا تتحقق في نبش قبر المشرك و بناء مسجد مكانه فأين التعظيم و في هذا الفعل انتهاك لحرمة المشرك بنبش قبره ؟ و أين الغلو وقد نبش قبره ؟ و أين قصد التبرك و المقبور كان مشركا ؟




    [1] - الأم للشافعي 1/317

    [2] - الإيقاظ للفلانى ص 68

    [3] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 32/241

    [4] - تفسير ابن كثير 3/326

    [5] - الاعتصام للشاطبي 2/537

    [6] - المهذب في علم أصول الفقه لعبد الكريم النملة 1/285

    [7] - سنن الترمذي رقم 1543

    [8] - سنن ابن ماجة رقم 2054

    [9] - سنن ابن ماجة رقم 3588

    [10] - سنن الدارمي رقم 1338

    [11] - سنن الدارمي رقم 1433

    [12] - سنن أبي داود حديث رقم 2334

    [13] - سنن أبي داود حديث رقم 3251

    [14] - سنن النسائي رقم 1525

    [15] - الأم للشافعي 1/317

    [16] - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص 43

    [17] - البناية شرح الهداية لبدر الدين العيني 3/259

    [18] - الآثار لمحمد بن الحسن 2/190 رقم 256

    [19] - المهذب في علم أصول الفقه لعبد الكريم النملة 1/287

    [20] - شرح التلويح على التوضيح لتفتازاني 1/17

    [21] - شرح التلويح على التوضيح لتفتازاني 2/253

    [22] - فتح القدير لابن همام 1/231

    [23] - مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح لشرنبلالي ص 126

    [24] - حقيقة السنة و البدعة للسيوطي ص 114

    [25] - الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي 1/244

    [26] - نيل الأوطار للشوكاني 4/110

    [27] - الدراري المضية شرح الدرر البهية 1/147

    [28] - التمهيد لابن عبد البر 1/168

    [29] - تفسير القرطبي 10/379

    [30] - تفسير القرطبي 10/380

    [31] - المغني لابن قدامة 2/379

    [32] - زاد المعاد لابن القيم 3/501

    [33] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 27/488-489

    [34] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 428 , ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 524
    طبيب

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي

    شبهة 21 : قال بعضهم : إن التاريخ يؤكد أن قبر سيدنا إسماعيل - عليه السلام- موجود بالحطيم تحت جدار الكعبة المطهرة مع قبور أخرى، فلو كان القبر في المسجد ممنوعا لما صح الخبر المشهور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن الصلاة في هذا المكان أفضل من كل مكان، ولكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بنبش القبر على الأقل. وقد جاء أثر قبر سيدنا إسماعيل في "حلية الأولياء" للأصفهاني
    والجواب لم يصح حديث فيه أن الحجر دفن فيه إسماعيل - عليه السلام - ،و لو دفن في الحجر لكان شائعا بين الناس قبل البعثة وبعد البعثة ،ولو كان فيه حديثا لتوافرت الدواعي على نقله ،ولتواتر نقله في كتب السير ؛ لأنه يتعلق بقبر نبي من الأنبياء ،وأبو العرب الحجازية و دفن في مكان يأتيه الناس من كل فج عميق فخبر دفنه في الحجر كان سينقله الناس الجيل بعد الجيل.

    و لم ينبه النبي - صلى الله عليه وسلم – على وجود قبر إسماعيل - عليه السلام – عند الحجر ،و لم يكن موجود علامة تدل على قبره ،ولم يشتهر عند أهل مكة وجود هذا القبر عند الحجر و أهل مكة أدرى بشعابها .

    و كيف يصح هذا الخبر ،و لا يوجد في الكتب الصحاح كصحيح البخاري و مسلم و في لا موطأ مالك ولا مسند أحمد و لا معاجم الطبراني .

    و لنتأمل الروايات التي فيها أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر ،وهي :

    عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: قُبِرَ إِسْمَاعِيلُ بَيْنَ الْمَقَامِ وَالرُّكْنِ وَزَمْزَمَ[1].

    وقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَبَلَغَنِي عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: " قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا بَيْنَ زَمْزَمَ وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ "[2]

    وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «كَانَ قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَبْرُ أُمِّهِ هَاجَرَ فِي الْحِجْرِ»[3]

    وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ: «طُفْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَذَكَرَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى ذَكَرَ قَبْرَ إِسْمَاعِيلَ هُنَالِكَ - أَحْسَبُهُ - ذَكَرَ نَحْوَ تِسْعِينَ نَبِيًّا أَوْ سَبْعِينَ»[4]

    الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْرَانِ، لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمَا، قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ وَشُعَيْبٌ، فَقَبْرُ إِسْمَاعِيلَ فِي الْحِجْرِ مُقَابِلَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "[5]

    عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: حَفَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجْرَ فَوَجَدَ فِيهِ سَفَطًا مِنْ حِجَارَةٍ خُضْرٍ فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ عِلْمًا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: « هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَا تُحَرِّكْهُ» قَالَ: فَتَرَكَهُ[6].


    عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، مَوْلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ احْتَفَرَ فِي الْحِجْرِ، فَأَصَابَ أَسَاسَ الْبَيْتِ حِجَارَةً حُمْرٌ كَأَنَّهَا الْخَلَايِقُ، تُحَرِّكُ الْحَجَرَ فَيَهْتَزُّ لَهُ الْبَيْتُ، فَأَصَابَ فِي الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا، وَأَصَابَ فِيهِ مَوْضِعَ قَبْرٍ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ. فَجَمَعَ قُرَيْشًا، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ اشْهَدُوا، ثُمَّ بَنَى "[7]

    إن قبر إسماعيل في الحجر. "الحاكم في الكنى - عن عائشة"[8].

    أما الحديث الأول والثاني فهو من قول كعب – رحمه الله – و كعب هو كعب بن ماتع الحميري ،و هو من التابعين ،و كلام كعب – رحمه الله - ليس بحجة في دين الله فضلا عن أنه اشتهر برواية الإسرائيليات و النقل عن أهل الكتاب ،ولا يستبعد أن يكون قال هذا الكلام متأثرا بكتب أهل الكتاب خاصة أنه كان من علماء أهل الكتاب ثم أسلم .


    و الحديث الثالث قول محمد بن إسحاق – رحمه الله – و ابن إسحاق لا يحتج بحديثه إلا ما صرح بالسماع لكثرة تدليسه عن الضعفاء و المجاهيل قال النووي – رحمه الله - : ( فَإِن ابْن إِسْحَاق مُدَلّس مَشْهُور بذلك، والمدلس إِذا قَالَ: عَن، لَا يحْتَج بِهِ بالِاتِّفَاقِ )[9]،و قال أبو الحسن الهيثمي : ابن إسحاق مدلس [10] ،و قال أبو العباس الكناني – رحمه الله - : (محمد بن إسحاق مدلس )[11] .

    وهذا الحديث غير مسند ولا مرفوع بل مجرد قول لابن إسحاق لا ندري من أين أخذه فكيف يكون حجة في دين الله ؟!!

    وقد نسب إلى محمد بن إسحاق – رحمه الله – الأخذ من أخبار أهل الكتاب قال الخطيب البغدادي – رحمه الله - : ( وَأَمَّا الْمَغَازِي فَمِنَ الْمُشْتَهِرِينَ بِتَصْنِيفِهَا وَصَرْفِ الْعِنَايَةِ إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ فَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنَّا الْحِكَايَةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَخْبَارَهُمْ وَيُضَمُّنُهَا كَتَبَهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ إِلَى شُعَرَاءِ وَقْتِهِ أَخْبَارَ الْمَغَازِي، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِيهَا الْأَشْعَارَ لِيُلْحِقَهَا بِهَا )[12] .


    و الحديث الرابع مجرد قول لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ ،وهو من التابعين ،وكلامه ليس بحجة في دين الله
    و قد روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ عَنْ: أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ[13] قال البخاري – رحمه الله - : (سَمِعَ أبا هُرَيرةَ، وكَعبًا، رضي الله عَنْهُمَا، سَمِعَ منه عَطاء بْن قُرَّة) [14] و قال ابن أبي حاتم : (عبد الله بن ضمرة السلولي روى عن أبي هريرة وكعب روى عنه مجاهد وعبد الرحمن بن سابط وعطاء بن قرة سمعت أبي يقول ذلك )[15] و لأنه كان يأخذ من كعب الحبر المعروف بالنقل عن أهل الكتاب فلا يستبعد أن يكون كلامه من الإسرائيليات ،و هي ليست حجة في دين الله .


    و الحديث الخامس فيه الكلبي و هو أبو النضر محمد بن السائب الكلبي نسابة مفسر إخباري لكنه ضعيف قال الدارقطني - رحمه الله - : ( متروك الحديث , رَوَى عن أبي صَالِح باذام , وغَيْرِه , كَنَّاه مُحمَّد بن إِسْحَاق , ورَوَى عَنْه الثَّوْرِيّ , وغَيْرِه )[16].


    وقال ابن حبان– رحمه الله -: ( مذهبه – أي الكلبي - في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه. يروي عن أبي صالح، عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها، لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به؟ )[17]

    و قال الذهبي – رحمه الله - : ( العَلاَّمَةُ, الأَخْبَارِيُّ, أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بنُ السَّائِبِ بنِ بِشْرٍ الكَلْبِيُّ المُفَسِّرُ. وَكَانَ أَيْضاً رأسًا في الأنساب إلَّا أَنَّهُ شِيْعِيٌّ, مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ )[18].

    و على التسليم الجدلي بصحة الأثر عن ابن عباس – رضي الله عنه – فليس قول ابن عباس – رضي الله عنه – حجة في دين الله خاصة أنه نسب إليه النقل عن أهل الكتاب فلا يستبعد أن يكون كلامه في هذه المسألة من الإسرائيليات لا من الكتاب أو السنة .

    و الحديث السادس فيه خَالِد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ،وهو أبو سليمان خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن سلمة المخزومي المكي ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين [19]،والذهبي في المغني في الضعفاء [20] ،وقال ابن حجر – رحمه الله – مجمع على ضعفه [21].

    و على التسليم بصحة الحديث فالحديث يدل أن قبر إسماعيل - عليه السلام -لم يكن معروفا عند أهل قريش و ليس له علامة معينة تدل عليه والدليل على ذلك قوله : " فَوَجَدَ فِيهِ سَفَطًا مِنْ حِجَارَةٍ خُضْرٍ " و ماذا حدث عندما وجد السفط من الحجارة ؟ و الجواب : " فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ " و النتيجة " فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ عِلْمًا " و ماذا فعل و الجواب : " فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ فَسَأَلَهُ و من عبد الله بن صفوان ؟ و الجواب : تابعي و من عبد الله بن الزبير ؟ و الجواب صحابي يعني الصحابي يسأل التابعي فماذا قال التابعي ؟ والجواب قال : هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا تُحَرِّكْهُ " و عليه فغاية الحديث قول تابعي ليس آية قرانية ولا حديثا نبويا و لا حجة له في دين الله .

    و الحديث السابع فيه عَبْد اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ مكي ذكره ابن حبان في المجروحين [22] ، و ذكره ابن عدي – رحمه الله – في الكامل في الضعفاء [23] ، و ذكره الدارقطني – رحمه الله – في الضعفاء و المتروكين [24] ،وذكره ابن الجوزي – رحمه الله – في الضعفاء والمتركون[25] ،و قال ابن معين - رحمه الله - : ( ضعيف )[26] ، و قال أحمد بن حنبل – رحمه الله - : ( ليس بشيء ضعيف الحديث )[27] ،و قال ابن شاهين – رحمه الله - : ( ليس بشيء يحدث عنه الثوري ضعيف الحديث )[28].


    و هذا الحديث يعارض الحديث السابق فالحديث الأول فيه أن ابن الزبير لم يكن يعرف فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ عِلْمًا ثم أرسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ فَسَأَلَهُ فقال : هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا تُحَرِّكْهُ ،أما الحديث الثاني ففيه أنه لما احتفر في الحجر أَصَابَ فِيهِ مَوْضِعَ قَبْرٍ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ. فَجَمَعَ قُرَيْشًا، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ اشْهَدُوا، ثُمَّ بَنَى .


    و الحاصل من الحديثين أن قبر إسماعيل – عليه السلام - لم يكن معروفا عند قريش و ليس له علامة معينة تدل عليه مما يشير إلى عدم وجوده في الحجر فلو كان موجودا لكان معروفا عند أهل مكة على الأقل ،و أيضا هذا الحديث مجرد حكاية قول صحابي و ليس نصا قرآنيا و لا حديثا نبويا و لا حجة له في دين الله .
    والحديث الثامن : قال الألباني – رحمه الله - : ( ضعيف عزاه في الجامع الكبير (2313 - 6799) للحاكم في الكنى و الديلمي عن عائشة ،وعزاه في ((الصغير)) للحاكم وحده ، و بيض له المناوي في الفيض ، وجزم في التيسير بأن إسناده ضعيف ، ولم يذكر علته ، و كذلك فعل السخاوي في المقاصد ، و تبعه من بعده ؟ كابن الديبع في تمييزه ، والزرقاني في مختصره ، والعجلوني في كشفه ، و تذكرة الموضوعات للفتني (ص 220) )[29].

    و على التسليم الجدلي بأن قبر إسماعيل - عليه السلام - في الحجر فيكون القبر غير ظاهر و غير بارز مندرس في باطن الأرض،و مكانه لا يعرف بالضبط ،و لا أثر لوجوده ،و الأحكام الشرعية تؤخذ بالظاهر و لا يوجد قبر ظاهر ولا بارز بخلاف المساجد التي بها قبور يكون القبر ظاهرا بارزا معروف المكان .

    و على التسليم الجدلي بوجود قبر إسماعيل – عليه السلام - في الحجر فلا يقاس عليه المساجد المبنية على القبور ؛ لأن هذه قبور بارزة ظاهرة محددة المكان يقصد الناس بناء المساجد عليها أما قبر إسماعيل – عليه السلام – فهو غير ظاهر و لا بارز و لا محدد المكان بالضبط وقد خفيت ودرست معالمه ،و لم يدفن عند الحجر لهذا الغرض ،ولم يقصد الناس الذهاب للقبر للتبرك والدعاء عنده و به ،ولولا هذه الأخبار الضعيفة لما عرف أحد أن قبر إسماعيل - عليه السلام - في الحجر.

    وعلى التسليم بصحة الحديث فلا يمكن أن يعارض السنة المستفضية في حرمة بناء المساجد على القبور .
    وعجبا لهؤلاء يستدلون بالضعيف ،وهو يخالف الصحيح ،والضعيف المخالف للصحيح من قبيل المنكر الذي لا يستفاد منه شيئا من الأحكام الشرعية البتة .

    شبهة 22 : قال بعضهم : روى سيدنا ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا " وأورده الهيثمي " المجمع " (3 / 298) بلفظ: قبر سبعون نبيا وقال: " رواه البزار ورجاله ثقات "


    و الحديث ذكره الطبراني في المعجم فقال : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عِيسَى بْنُ شَاذَانَ، ثنا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا »[30].

    و ذكره الفاكهي في أخباره فقال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا »[31] .

    و ذكره أبو الطاهر في الجزء الحادي و العشرين من المشيخة البغدادية فقال حدثني عمي أبو طاهر الحسين بن محمد بن الحسن الجوهري , نا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل النحوي , نا أحمد بن منصور بن سيار الرمادي , نا محمد بن محبب أبو همام الدلال , عن منصور , عن مجاهد , عن ابن عمر , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , قال : « في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا » [32] .

    و ذكره شهاب الدين البوصيري في إتحاف الخيرة فقال : رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : ثَنَا الْإِيَادِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَالُ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا »[33].

    و ذكره ابن حجر في المطالب العالية فقال قَالَ أَبُو يعلى حدثنا الرَّمَادِيُّ أَبُو بَكْرٍ ثنا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عمر - رَضِيَ الله عَنْهما - قَالَ : قَالَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مسجد الْخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا »[34] .

    و ذكره نور الدين الهيثمي في كشف الأستار فقال : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْعُرُوقِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ أَبُو هَمَّامٍ ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قَالَ : « فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قُبِرَ سَبْعُونَ نَبِيًّا » قَالَ الْبَزَّارُ : لا نَعْلَمُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا الإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَنْ مَنْصُورٍ [35] .

    و مدار هذه الأحاديث أبو همام الدَّلال عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور ، و قال محمد بن الطاهر – رحمه الله - : ( تفرد بِهِ أَبُو همام الدَّلال عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور عَنهُ )[36] ، و قال البزار – رحمه الله - : (تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَنْ مَنْصُورٍ ) [37].

    و الحديث في إسناده إِبْرَاهِيم بن طهْمَان و عيسى بن شاذان .

    وعيسى بن شاذان قال عنه أبو داود السجستاني : ( عنده مناكير )[38] ،وذكره ابن حبان في الثقات لكنه قال : ( عِيسَى بن شَاذان من أهل الْبَصْرَة يروي عَن أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ وَكَانَ من الْحفاظ مِمَّن يغرب )[39].

    و إبراهيم بن طهمان من رجال الصحيحين ،و الدارقطني لا يحتج به [40] ،وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء ،وقال : ( ضعفه محمد بن عبد الله بن عمار )[41] ،و عده ابن حبان من الثقات لكن قال : (أمره مشتبه لَهُ مدْخل فِي الثِّقَات ومدخل فِي الضُّعَفَاء وَقد روى أَحَادِيث مُسْتَقِيمَة تشبه أَحَادِيث الْأَثْبَات وَقد تفرد عَن الثِّقَات بأَشْيَاء معضلات )[42]

    و لأن الحديث في إسناده من يروي الغرائب وهما إِبْرَاهِيم بن طهْمَان و عيسى بن شاذان فقد يكون الحديث من غرائب ابن شاذان أو من غرائب ابن طهمان .

    قال الألباني – رحمه الله - : ( لا نسلم صحة الحديث المشار إليه ؛ لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح و لا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه، فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به )[43].

    أما قول الهيثمي : ( رواه البزار ورجاله ثقات ) فهذا قصور منه في التخريج[44] ،و قال الألباني – رحمه الله - : ( في رجال هذا الإسناد من يروي الغرائب مثل عيسى بن شاذان قال فيه ابن حبان في " الثقات ": ( يغرب ) ،وإبراهيم بن طمهان قال فيه ابن عمار الموصلي : ( ضعيف الحديث مضطرب الحديث ) ، و هذا على إطلاقه و إن كان مردودا على ابن عمار فهو يدل على أن في حديث ابن طهمان شيئا ، و يؤيده قول ابن حبان في ثقات أتباع التابعين (2 / 1) : ( أمره مشتبه له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء وقد روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الأثبات وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلات ) ) [45].

    أما بخصوص قوله " ورجاله ثقات " : قال الألباني – رحمه الله - : ( مثل هذه الكلمة لا تقتضي الصحة كما لا يخفى على من مارس هذه الصناعة ؛ لأن عدالة الرواة وثقتهم شرط واحد من شروط الصحة الكثيرة بل إن العالم لا يلجأ إلى هذه الكلمة معرضا عن التصريح بالصحة إلا لأنه يعلم أن في السند مع ثقة رجاله علة تمنع من القول بصحته أو على الأقل لم يعلم تحقق الشروط الأخرى فيه فلذلك لم يصرح بصحته ) [46].

    و هذا الحديث فيه انقلاب على بعض الرواة, فليس الحديث (( قبر سبعين نبياً )) بل (( صلى فيه سبعون نبياً )) فعن مُحَمَّد بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ عباءتانِ قَطْوانِيَّتانِ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ شَنُوءةَ مَخْطُومٍ بِخِطَامِ لِيفٍ لَهُ ضَفْرَانِ»[47] .

    و عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ سَلَكَ فَجَّ الرَّوْحَاءَ سَبْعُونَ نَبِيًّا حُجَّاجًا عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، وَلَقَدْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا» [48]

    وعن عبد الملك، حدثني عطاء، عن أبي هريرة قال: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، وبين حراء و ثبير سبعون نبيا"[49].

    وقال الألباني – رحمه الله - : ( أخشى أن يكون الحديث تحرف على أحدهما – أي ابن طهمان أو ابن شاذان - فقال: " قبر " بدل " صلى " لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث ) [50].

    و من بنى مسجد الخيف لم يثبت عنهم أنهم وجدوا أثر لقبور السبعين نبيا رغم أنهم حفروا حفرا عميقة في الأرض .
    و على التسليم الجدلي بصحة الحديث فليس في الحديث أن قبور السبعين نبيا ظاهرة بارزة ،ولا يوجد أثر لهذه القبور فهي قد خفيت و اندرست في الأرض ولم يقصد الناس الذهاب لمسجد الخيف للتبرك والدعاء عندها و بها ،ولولا هذه الأخبار الضعيفة لما عرف أحد أن في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا ،و الأحكام تبنى على الظاهر ،وعليه فلا يقاس على وجود هذه القبور في مسجد الخيف وجود القبور في المساجد التي بها أضرحة للفروق الكثيرة بين القبور التي في مسجد الخيف - على فرض وجودها - والقبور التي في المساجد التي بها أضرحة .

    و هذه الأحاديث على التسليم بصحتها لا يمكن أن تعارض السنن المستفيضة في حرمة بناء المساجد على القبور .

    وعجبا لهؤلاء يستدلون بالضعيف ،وهو يخالف الصحيح ،والضعيف المخالف للصحيح من قبيل المنكر الذي لا يستفاد منه شيئا من الأحكام الشرعية البتة .



    [1] - حلية الأولياء لأبي نعيم 6/13

    [2] - أخبار مكة للفاكهي 2/32

    [3] - أخبار مكة للأزرقي 1/313

    [4] - رواه عبد الرزاق في مصنفه رقم 9129

    [5] - أخبار مكة للفاكهي 2/118

    [6] - أخبار مكة للأزرقي 1/312

    [7] - أخبار مكة للأزرقي 1/214

    [8] - الجامع الصغير وزيادته رقم 4717 قال الألباني ضعيف ،وكنز العمال رقم 32312 و المقاصد الحسنة للسخاوي رقم 759 و قال سنده ضعيف ،وأسنى المطالب لمحمد بن درويش رقم 985 و قال سنده ضعيف ،وكشف الخفاء للعجلواني رقم 1854 و قال سنده ضعيف

    [9] - خلاصة الأحكام للنووي 2/716

    [10] - مجمع الزوائد للهيثمي 1/100

    [11] إتحاف الخيرة المهرة 4/236

    [12] - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 2/163

    [13] - تاريخ الإسلام للذهبي 2/958

    [14] - التاريخ الكبير للبخاري 5/122 رقم 361

    [15] - الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 5/88 رقم 400

    [16] - المؤتلف والمختلف للدارقطني 4/2222

    [17] - المجروحين لابن حبان 2/255 رقم 930

    [18] - سير أعلام النبلاء للذهبي 6/358

    [19] - الضعفاء و المتروكون 1/247 رقم 1069

    [20] - المغني في الضعفاء 1/203 رقم 1857

    [21] - لسان الميزان لابن حجر 7/208

    [22] - المجروحين لابن حبان 2/26 رقم 558

    [23] - الكامل في الضعفاء 5/259

    [24] - الضعفاء والمتروكون للدارقطني 2/159 رقم 308

    [25] - الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي 2/142 رقم 2122

    [26] - تاريخ ابن معين 3/73 رقم 291

    [27] - الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 5/164 رقم 758

    [28] - تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين لابن شاهين 1/116 رقم 320

    [29] - سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم 5794

    [30] - المعجم الكبير للطبراني 12/414 رقم 13525

    [31] - أخبار مكة للفاكهي رقم 2543

    [32] - الجزء الحادي و العشرون من المشيخة البغدادية لأبي الطاهر رقم 9

    [33] - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري رقم 1108

    [34] - المطالب العالية لابن حجر رقم 1332

    [35] - كشف الأستار عن زوائد البزار لنور الدين الهيثمي رقم 1097

    [36] - أطراف الغرائب والأفراد لمحمد بن الطاهر 3/416 رقم 3109

    [37] - كشف الأستار عن زوائد البزار لنور الدين الهيثمي رقم 1097

    [38] - سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل ص 210 رقم 238

    [39] - الثقات لابن حبان 8/494 رقم 14625

    [40] - مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق ص 27 رقم 19

    [41] - ديوان الضعفاء للذهبي ص 17 رقم 195

    [42] - الثقات لابن حبان 6/27 رقم 6579

    [43] - تحذير الساجد للألباني ص 68

    [44] - تحذير الساجد للألباني ص 68

    [45] - تحذير الساجد للألباني ص 68

    [46] - تحذير الساجد للألباني ص 68

    [47] - رواه الطبراني في المعجم الكبير رقم 12283 ،والمخلصيات لأبي الطاهر المخلص رقم 1286و الأحاديث المختارة لضياء الدين المقدسي رقم 310 ،ومجمع الزوائد للهيثمي رقم 5351 قال الألباني في صحيح الترغيب و الترهيب : حسن لغيره 2/8 رقم 1127

    [48] - المستدرك على الصحيحين للحاكم رقم 4169 و البيهقي في السنن الكبرى رقم 9837

    [49] - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري رقم 964 ، المطالب العالية لابن حجر رقم 1331

    [50] - تحذير الساجد للألباني ص 68
    طبيب

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي


    شبهة 23 : قال بعضهم : مسجد بني أمية (المسجد الأموي) منذ دخل إليه الصحابة وغيرهم لم ينكروا وجود قبر يحيى عليه السلام ،والجواب : لم ينقل عن أحد ممن صلى في المسجد الأموي من الصحابة – رضي الله عنهم - أنه رأى قبرا فيه و عليه فكيف ينكرون شيئا لم يروه ؟!!
    قال الألباني – رحمه الله - : ( إن منطق هؤلاء عجيب غريب إنهم ليتوهمون أن كل ما يشاهدونه الآن في مسجد بني أمية كان موجودا في عهد منشئه الأول الوليد بن عبد الملك ن فهل يقول بهذا عاقل ؟ كلا لا يقول ذلك غير هؤلاء .

    و نحن نقطع ببطلان قولهم وأن أحدا من الصحابة والتابعين لم ير قبرا ظاهرا في مسجد بني أمية أو غيره بل غاية ما جاء فيه بعض الروايات عن زيد بن أرقم بن واقد أنهم في أثناء العمليات وجدوا مغارة فيها صندوق فيه سفط (وعاء كامل) وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام مكتوب عليه: هذا رأي يحيى عليه السلام فأمر به الوليد فرد إلى المكان وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة فجعل عليه عمود مسبك بسفط الرأس. رواه أبو الحسن الربعي في فضائل الشام (33) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (ج 2 ق 9 / 10) .

    وإسناده ضعيف جدا فيه إبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وقال الذهبي " متروك ". ومع هذا فإننا نقطع أنه لم يكن في المسجد صورة قبر حتى أواخر القرن الثاني لما أخرجه الربعي وبن عساكر عن الوليد بن مسلم أنه سئل أين بلغك رأس يحى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثم وأشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي فهذا يدل على أنه لم يكن هناك قبر في عهد الوليد بن مسلم وقد توفي سنة أربع وتسعين ومائة .


    و أما كون ذلك الرأس هو رأس يحيى - عليه السلام - فلا يمكن إثباته ، ولذلك اختلف المؤرخون اختلافا كثيرا ، و جمهورهم على أن رأس يحيى - عليه السلام - مدفون في مسجد حلب ليس في مسجد دمشق ) [1].

    شبهة 24 : قال بعضهم : قال تعالى : ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] و الصلاة عند قبور الأنبياء كالصلاة عند مقام إبراهيم غير أن جسد النبي إبراهيم- عليه السلام - لامس هذا المكان مرة أو مرات عديدة ، ولكن مقام الأنبياء احتضن أجسادهم التي لا تبلى أبدا ،و الجواب لا دليل في الآية على جواز اتخاذ قبور الأنبياء مساجد لوجوه منها :
    الوجه الأول : الآية أمر من الله أن نتخذ من مقام إبراهيم- عليه السلام – مصلى لا أن نتخذ من قبر إبراهيم- عليه السلام – مصلى .
    الوجه الثاني : هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة كما خص البيت بالطواف ومن يدعي التعميم فعليه بدليل صحيح صريح خال من معارض معتبر .
    الوجه الثالث : لم تذكر الآية العلة من اتخاذ مقام إبراهيم - عليه السلام – مصلى ،والقياس من شروطه معرفة العلة .
    الوجه الرابع: الأصل في العبادات التوقيف فنقف مع النص لا نتعداه ،و الله – سبحانه وتعالى - أمر أن نتخذ من مقام إبراهيم - عليه السلام – مصلى ،ولم يأمرنا أن نتخذ قبور الأنبياء مساجد أو نتخذ على قبور الأنبياء مساجد .
    الوجه الخامس : السنة مستفيضة بتحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ،ولا قياس مع النص .





    خلاصة البحث

    - السنة مستفيضة بتحريم اتخاذ القبور مساجد .
    - تحريم اتخاذ القبور مساجد يشمل تحريم الصلاة عليها أو إليها أو لها أو السجود إليها أو عليها أو لها أو بناء المسجد عليها .
    - تحريم بناء المساجد على القبور يستلزم تحريم الصلاة فيها ؛ لأنها هي المقصودة بالبناء .
    - لا نصلي في مسجد به قبر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – لعن من فعل ذلك ،وهو من عادات الكفار و المشركين ،ومن فعل شرار الخلق و فيه تشبه بالوثنين ،و ذريعة إلى عبادة صاحب القبر ، وفي الصلاة في مسجد به قبر تعظيم لصاحب القبر ،و مظنة الصلاة لصاحب القبر ، وشبهة التبرك بصاحب القبر ،و القبور ليست محلا للصلوات و العبادة ،ولما يحدث في هذه المساجد من شركيات فلا يجوز إقرارها بالصلاة في هذه المساجد .
    - الصلاة في مسجد به قبر منهي عنها و لا تصح ؛ لأن النهي يعود لوصف ملازم للصلاة .
    - إذا كان المصلي يصلي لله في المساجد التي بها قبور فهذا لا يصلح عمله الفاسد ،وهو الصلاة في مسجد به ضريح .
    - لعن من يتخذ القبور مساجد ليس خاصا باليهود والنصارى ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
    - التَّعْظِيمَ وَالِافْتِتَانَ لَا يَخْتَصَّانِ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فالقول بأن التحريم كان لقرب العهد بالشرك لا وجه له .
    - الصلاة في مسجد به ضريح محرمة على كل حال ، سواء كان الضريح أمامه أم خلفه، يمينه أم يساره .
    - اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ بِقُرْبِ رجل صالح وَقَصْدُ التَّبَرُّكِ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ سواء كان في نية المتخذ ذلك أو لم يكن في نيته ذلك ،و أحاديث النهي مطلقة .
    - كل مَا دَخَلَ فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْلَ الْقُبُورِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فالنهي يشمل عين القبر وملحق القبر.
    - اِتِّخَاذ الْقُبُورِ مَسَاجِد أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ إلَيْهَا أو عليها ، والأحاديث الشريفة منها ما جاء عاما في النهي عن كل صور اتخاذ القبور مساجد ومنها ما جاء خاصا في النهي عن بعض صور الاتخاذ .
    - أن أدلة النهي عن الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبور و على القبر مخصصة بما سوى صلاة الجنازة
    - لا يصح القول بأن النهى عن الصلاة في المقابر لأجل النجاسة فلم تذكر الأحاديث ذلك ،ولم تفرق الأحاديث بين المنبوشة وغيرها ،وقبور الأنبياء من أطهر بقاع الأرض و كما نهي عن الصلاة في المقابر نهي عن الصلاة إلى المقابر .
    - قوله تعالى : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا يدل أن بناء المساجد على القبور قد وقع في الأمم السابقة ومجرد حكاية ما قالوا ليس دليلا على جواز ما قالوا ولم يمدح القرآن قولهم ،ولم يقره بل السياق يشعر بذمه فإنَّ الله َ- عَزَّ وَجَلَّ - لمْ يَصِفْ أُوْلئِك َ المتغلبيْنَ، بوَصْفٍ يُمْدَحُوْنَ لأَجْلِهِ، وَإنمَا وَصَفهُمْ باِلغلبةِ .
    - قصة بِنَاءُ أَبِي جَنْدَلٍ مَسْجِدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَصِيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - من رواية الزهري ،وهو من التابعين ،وليس صحابيا ،ولم يرو الزهري هذه القصة عن صحابي بل رواها دون إسناد إلى صحابي فالحديث مرسل ،ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل ، وعلى فرض صحة الرواية و أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اطلع على فعل أبي جندل و أقره فلا يعارض ما نهى عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – آخر حياته من اتخاذ القبور مساجد .
    - رواية مالك باختلاف الصحابة – رضي الله عنهم – في مكان دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وقول أحدهم ندفنه عند المنبر ،من بلاغات مالك و هذا اجتهاد من الصحابي مخالف للأحاديث المستفيضة في حرمة اتخاذ القبور مساجد ،ولعله لم يبلغه التحريم ، وسكوت باقي الصحابة عن تخطئته ليس دليلا على الإقرار فقد شغلوا بأشد مصيبة و ليس في الرواية أن الجميع قد سمع ،و في هذا الوقت قد لا يقبل النصح ،و العبرة بما آل إليه الاختلاف و ليست بالأقوال التي قيلت ،و لأنه من الخطأ البين فلا يحتاج رد ، وقد ردت عائشة - رضي الله عنها – بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : «قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ،واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة .
    - دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في بيت عائشة – رضي الله عنها - لا دلالة فيه على أنها كانت تصلي عند القبر ،ولا في مكان القبر ؛ لأنه دفن في جزء من البيت لا كل البيت ففي بقية البيت متسع للصلاة ،و بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – كان مكونا من أكثر من جزء فمكان القبر ليس بلازم أن يكون مكان الصلاة ،و النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دفن في الزاوية الغربية الجنوبية ،وبالتالي هناك ثلاثة أجزاء ليس فيها قبر و لا مكان قبر ،و الصلاة بجوار مكان القبر ليست كالصلاة في مكان القبر وهذا الجزء من البيت لم يعد في حكم البيت بل أصبح جزءا مفصولا مميزا عن بقية البيت .
    - دفن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في بيت عائشة ،و البيت كان بجوار المسجد لا في المسجد و البيت له حكم البيوت لا حكم المساجد .
    - هناك فرق شاسع بين الصلاة في مسجد به ضريح ، و الصلاة في المسجد النبوي منها : هذه صورتها ضريح في مسجد و المسجد النبوي صورته بيت في مسجد ،وفي هذه المساجد بني المسجد على الضريح أما المسجد النبوي أدخل البيت في المسجد ،والمساجد التي بها أضرحة قبر صاحب الضريح في المسجد أما المسجد النبوي فجدار البيت الذي فيه القبر منفصل عن المسجد النبوي بأكثر من جدار بحيث لو أردت أن تفصل المسجد النبوي عن البيت الذي فيه القبر لأمكن و المساجد التي بها أضرحة يصل الناس للضريح للتمسح و التبرك و دعاء صاحب الضريح إلى غير ذلك من الشركيات أما في المسجد النبوي فلا يستطيع الناس الوصول للبيت الذي فيه القبر .
    - أدخلت حجرة عائشة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة ،وقد أنكر العلماء ذلك ومنهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير .
    - بون شاسع بين حال المساجد التي بها أضرحة و حال المسجد النبوي فالنصوص صريحة في تحريم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة أما الصلاة في المسجد النبوي فمستحبة ، و قد احتاط من أدخل حجرة عائشة في المسجد أشد الاحتياط في فصل البيت عن المسجد بوضع أكثر من جدار للفصل بين المسجد و البيت ،و لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حجرة عائشة مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ .
    - قد أنكر العلماء في عصر الوليد هذا الأمر حتى العوام لم يستحسنوا الأمر وحزنوا أشد الحزن على هذا الفعل لكن لم يكن لأحد سلطة لتغيير المنكر ،ومن أتى بعد الوليد ترك الحجرة في المسجد سدا للفتن التي قد تحدث من هذا الأمر ،وألا يظن أن هذا الأمر فيه تنقص أو امتهان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أو تلاعب بالحجرة النبوية الشريفة و لئلا يتخذ ذريعة لنيل من الإسلام ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ،و إبقاء حجرة عائشة – رضي الله عنها - في المسجد من جنس إبقاء الكعبة على ما هي عليه خوفا من الفتنة بين المسلمين و على المسلمين و بذلك أصبح قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مأمن من الصلاة إليه أو عنده أو التمسح به فلا يمكن أن يتخذ قبره مسجدا.
    - قول عمر لأنس القبر القبر مما يستدل به على أن المستقر عند الصحابة عدم الصلاة عند القبور فلو كانت جائزة لتركه و شأنه وهذا الحديث ليس فيه أن أنسا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – تحرى الصلاة عند القبر ،و لا أكمل الصلاة وهو عند القبر .
    - قول بعض العلماء المتقدمين بأن اتخاذ القبور مساجد مكروه فالمقصود به كراهة التحريم لا كراهة التنزيه .
    - ورد عن عدد من العلماء حرمة اتخاذ القبور مساجد منهم الشافعي و أبو حنيفة و محمد بن الحسن وابن عبد البر و القرطبي و ابن تيمية و ابن القيم و ابن حجر الهيتمي و جلال الدين السيوطي و الشوكاني .
    - موضع المسجد النبوي كان مقبرة للمشركين و لكن نبشت قبورهم وسواها واتخذها مسجداً .
    - لم يصح حديث فيه أن الحجر دفن فيه إسماعيل - عليه السلام - ،و لو دفن في الحجر لكان شائعا بين الناس قبل البعثة وبعد البعثة و على التسليم الجدلي بوجود قبر إسماعيل – عليه السلام - في الحجر فلا يقاس عليه المساجد المبنية على القبور ؛ لأن هذه قبور بارزة ظاهرة محددة المكان يقصد الناس بناء المساجد عليها أما قبر إسماعيل – عليه السلام – فهو غير ظاهر و لا بارز و لا محدد المكان بالضبط وقد خفيت ودرست معالمه .
    - حديث : « في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا » لا يصح و فيه قلب ، و المشهور : « صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا »و قد تَفَرَّدَ بِالحديث إِبْرَاهِيمُ عَنْ مَنْصُورٍ ،و إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ممن يروي الغرائب فغير مستبعد أن يقول قبر بدلا من صلى ،و على التسليم الجدلي بصحة الحديث فليس في الحديث أن قبور السبعين نبيا ظاهرة بارزة ،ولا يوجد أثر لهذه القبور فهي قد خفيت و اندرست في الأرض و هذه الأحاديث على التسليم بصحتها لا يمكن أن تعارض السنن المستفيضة في حرمة بناء المساجد على القبور لم ينقل عن أحد ممن صلى في المسجد الأموي من الصحابة – رضي الله عنهم - أنه رأى قبرا فيه و عليه فكيف ينكرون شيئا لم يروه ؟!! .
    - قوله تعالى : ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ليس فيه دليل على اتخاذ القبور مساجد فالآية أمر باتخاذ مقام إبراهيم- عليه السلام – مصلى لا أن نتخذ قبره مصلى ،و لم تبين الآية العلة من الأمر و العبادات توقيفية ،و السنة مستفيضة بتحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ،ولا قياس مع النص .
    هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات








    [1] - تحذير الساجد للألباني ص 63-64
    طبيب

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    441
    آخر نشاط
    13-01-2017
    على الساعة
    02:58 AM

    افتراضي

    للتحميل من هنا
    طبيب

حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الصلاة في مسجد فوقه علم دولة أوروبية
    بواسطة فداء الرسول في المنتدى منتدى دعم المسلمين الجدد والجاليات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-11-2013, 12:08 AM
  2. فهرس للرد على شبهات النصارى حول الرسول عليه الصلاة والسلام
    بواسطة الريحانة في المنتدى شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
    مشاركات: 27
    آخر مشاركة: 03-05-2013, 10:41 AM
  3. البابا: أبحاث تكشف أسرار ضريح القديس بولس بروما
    بواسطة الاشبيلي في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-07-2009, 02:42 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم

حكم الصلاة في مسجد به ضريح  و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم