الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم

  1. #1
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم





    الحمد لله الّذي أنزل القرآن على عبده ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنزل عليه هذا القرآن ليبيّنه للناس بأمر ربه { وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم }[1] فأزال معالم الوثنيّة والضلال، وأعلى منار التوحيد والإيمان وعلى آله وصحبه نجوم الهدى ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
    فإنه أحقّ ما يشغل الباحثون، وأفضل ما يتسابق فيه المتسابقون مدارسة كتاب الله تعالى، ومداومة البحث فيه، والغوص عن لآلئه والكشف عن علومه وحقائقه، وإظهار إعجازه، وتجلية محاسنه، والدفاع عن ساحته ونفي الشكوك والريب فيه، والقرآن الكريم بحر لا يُدرَك غوره، ولا تنقضي عجائبه، فما أحقّ الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تنشغل به وكل ساعة يقضيها الباحث في النّظر في كتاب الله، والتّأمل فيه، أو في البحث فيما يتّصل به في سبيل الله وفي سبيل الإسلام.
    والقرآن الكريم هو الآية الأولى للرسول صلى الله عليه وسلم، ودليله الأعظم على نبوّته ورسالته، وهو يحمل الدليل من ذاته على أنّه كلام الله تعالى أوحى به لنبيّه صلى الله عليه وسلم.
    والقرآن الكريم قد تحدّى الناس كافّة، وطالبهم أن يأتوا بمثله لكنّهم لم يقدروا على ذلك، وبذلك عجزوا عن معارضته، فصار هو معجزة لهم.
    إن إعجاز القرآن حقيقة قاطعة، وبدهيّة مقرّرة ولهذا الإعجاز القرآني وسيلة إلى هدف عظيم، وغاية سامية، وليس هدفاً بحد ذاته.
    الهدف من دراسة إعجاز القرآن هو: إثبات مصدر القرآن الرباني، وأنّه كلام الله سبحانه وتعالى، وليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم، والإقرار بنبوّة محمد – بعثه الله رسولاً للعالمين. وإعجاز القرآن دليل واضح من أدلّة كثيرة على هذه المسألة العظيمة، التي هي أساس الإيمان: القرآن كلام الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله.
    ولقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله دليلاً على صدق الرسالة وحجّة الرسول، وأودع فيه من الحكم والأسرار، ما يقضي المرء في تدبّرها الليل والنهار، وما يستحقّ أن يقطع في معرفتها الفيافي والقفار، ابتغاء رحمة ورضوان العزيز الغفّار، وقد سعد المسلمون الأوائل بتمسّكهم بتعاليمه، والسير على نهجه وطريقه، لذا سادوا العالم وعاشوا حياة هنيئة في الدنيا مع ما ينتظرهم من الثواب الجزيل في الآخرة.
    وأسعد وقت يقضيه الإنسان في حياته هو الذي يعيش فيه مع القرآن بروحه وقلبه، ويجعله نبراساً يضيء حياته، وقبساً يمشي على ضيائه، ونوراً يوضّح له معالم المعرفة والهداية. وإذا اتّخذ الإنسان القرآن له أنيساً يتفهّم آياته وسوره، فإن القرآن سيفيض عليه من الروحانية والهداية ما يجعله كبير العقل، يفعل كل خير، وينتهي عن كل شر، يقول الله تعالى: { إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشّر المؤمنين الّذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجراً كبيراً }[2].
    فالقرآن كتاب هداية ورشاد، يخرج الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور معرفة الله والإيمان به والاستجابة له.
    وما من يوم يطلع شمسه إلّا وعشرات يدخلون في دين الإسلام، لأنه دين الحق الّذي لا غموض فيه ولا أسرار ولا طلاسم ولا متناقضات.
    وما حلّ الذّلّ والهوان بالمسلمين إلّا بسبب تنكّبهم عن طريق القرآن العزيز الذي { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد }[3].
    وقد كثرت الدراسات والأبحاث حول القرآن الكريم خدمة له، ومحاولة لكشف مكنوناته، واستخراج درره، فمن باحث في تفسيره، إلى باحث في إعجازه، إلى باحث في علومه المتنوعة المتعددة، إلى باحث في قراءاته، إلى غير ذلك من الدراسات حول الكتاب العزيز التي غدا كل نوع منها علماً قائماص بذاته تزحر المكتبة الإسلامية بالمؤلّفات فيه. ولا غرو فكتاب الله تعالى، لا يستقصي معانيه فهم الخلق ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطلق.
    وتعدّدت المدارس والاتجاهات في دراسة إعجاز القرآن، وظهرت الكتب والدراسات والأبحاث الكثيرة المتعددة في بحث الإعجاز وفهمه ودراسته، وتباينت الآراء في تعليل إعجاز القرآن، بماذا كان معجزاً، ومن ثم اختلف العلماء على وجوه الإعجاز.
    وقد أجمع الباحثون على القول بالإعجاز البياني وأن القرآن معجز ببلاغته وأسلوبه وبيانه وتعبيره، وأنه بهذا يقدّم شهادة عظيمة على المسألة، إثبات أن القرآن كلام الله تعالى.
    وعد بعض الدارسين وجوهاً كثيرة للإعجاز، فقالوا بالإعجاز الغيبي، والإعجاز التاريخي، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز الطبي، والإعجاز النفسي، والإعجاز الفلكي، والإعجاز الجغرافي، وغير ذلك.
    وقد أحببت أن أسهم في بشيء في خدمة كتاب الله تعالى، فكان هذا البحث حول الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم وقد سرت فيه على هذه الخطّة:
    1- تعريف الإعجاز التّأثيري – لغة واصطلاحاً.
    2- نشأة الإعجاز التّأثيري وتطوّره، وآراء العلماء في ذلك من خلال حديث بعض العلماء في القديم والحديث عن هذا الوجه بالذات.
    3- الإعجاز التأثيري من خلال الآيات القرآنية، وأثر القرآن الكريم في البشر والجن مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم وأثره على الجماد وسرّ تأثير القرآن الكريم على المخلوقات قاطبة وقائمة المصادر والمراجع.
    وأدعو الله سبحانه أن يتقبّل منّي هذا العمل، وأن يتجاوز عما فيه من تقصير، وأن يكون مناراً لمن يبتغي الحقّ والهدى ولله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  2. #2
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم


    معنى الإعجاز


    المبحث الأول


    تمهيد:


    يجدر بنا أن نشير في هذا البحث إلى معنى كلمة ( عجز ) في كل من اللغة والاصطلاح، وقد يلحظ الباحث في معاجم اللغة العربية أن علماء اللغة – خاصّة أصحاب المعاجم – قد ركّزوا اهتمامهم على مصدر الكلمة وطرق الكشف عنها – أما المادّة الاشتقاقيّة فلم تنل حظّاً وافراً من حيث الترتيب الاشتقاقي.


    الإعجاز لغة:
    قال الراغب الأصفهاني في مفرداته ( عجُزُ الإنسان ): مؤخّره، وبه شبّه مؤخّر غيره، قال الله تعالى: { كأنّهم أعجاز نخل منقعر }[4].
    والعجز أصله: التأخر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر أي مؤخّره، وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة.
    وأعجزت فلاناً وعجّزته، وعاجزته، أي جعلته عاجزاً [5].


    قال الله تعالى: { فاعلموا أنّكم غير معجزي الله }[6] وقال أيضاً { ما أنتم بمعجزين في الأرض }[7] هذا عن المعنى اللغوي للجذر الثلاثي للمادة (العجز).
    أما الإعجاز ( فهو مصدر الفعل الرباعي أعجز ) فهنا فعلان:
    الأول: فعل ثلاثي تقول: عَجَزَ، يَعْجِزُ، عجز، فهو عاجز بمعنى ضعف عن فعل الشيء وقصر عن التنفيذ وتأخّر عن العمل المطلوب ولم يقدر عليه.
    الثاني: فعل رباعي نقول: أعجَزَ، يُعْجِزُ، عجزاً فهو معجز، بمعنى سبق وفاز. تقول أعجَزَ الرجل خصمه، بمعنى: فاته وسبقه وفاز عليه وغلبه، بحيث لم يستطع الخصم العاجز إدراكه واللحاق به[8].



    معنى إعجاز القرآن:


    كلمة إعجاز القرآن مركب إضافي وكلمة إعجاز مصدر: وإضافتها للقرآن الكريم من إضافة المصدر لفاعله، فكأنّ التقدير أعجز القرآن الناس أن يأتوا بمثله، ومعنى هذا أن القرآن الكريم دلّ بما فيه من بيان على أنّه من عند الله، وثبت عجز الناس عن أن يأتوا بمثله وهذا معناه أن القرآن صار معجزاً لهم حيث أوقع بهم العجز والضعف والقصور والتأخر وهو قد تفوّق عليهم وفاتهم وسبقهم.


    وقد عرّفه القاضي عبد الجبار رحمه الله بقوله: ( معنى قولنا في القرآن الكريم أنه معجِز أنه يتعذّر على المتقدّمين في الفصاحة فعل مثله، في القدر الذي اختصّ به )[9].
    ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله ( وإنما الإعجاز شيئان ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة، ومزاولته على شدّة الإنسان، واتصال عنايته، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدّمه، فكأنّ العالم كلّه في العجز إنسان واحد ليس له غير مدّته المحدودة بالغة ما بلغت)[10].
    وقد عرّفه الدكتور صلاح الخالدي حيث قال: ( هو عدم قدرة الكافرين على معارضة القرآن وقصورهم عن الإتيان بمثله، رغم توفّر ملكيّتهم البيانية وقيام الداعي على ذلك وهو استمرار تحدّيهم وتقرير عجزهم عن ذلك )[11]


    وممكن تعريفه بأنه ( عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعدهم إلى يوم القيامة من الإتيان بمثل هذه القرآن مع تمكّنهم من البيان وتملّكهم لأسباب الفصاحة والبلاغة وتوفّر الدواعي واستمرار البواعث).


    وإعجاز القرآن الكريم للمنكرين له يدلّ على أنّه من عند الله تعالى وليس كلام أي مخلوق آخر فلو كان كلام بشر لما عجز المنكرون عن معارضته.


    والخلاصة: إن الإعجاز لغة واصطلاحاً قد جاءا متقارباً وذلك في بعض المعاني كالضعف والتثبيط والتقصير وما وقع في تلك الدائرة من معان.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  3. #3
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    المعجزة في القرآن الكريم:
    ورد في القرآن الكريم استعمال مشتقات كلمة ( عجز ) نحو ست وعشرين مرة لكنه لم يرد استعمال مصطلح معجزة ولا ( إعجاز ) في القرآن الكريم ولا في السنة ولم يكن معروفاً هذا الاصطلاح في عهد النبوة والصحابة والتابعين إنما عُرف في أواخر القرن الثاني تقريباً[12].
    وأطلق القرآن الكريم على المعجزة عدّة مسمّيات منها:
    1-الآية: قال الله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنّن بها قل إنّما الآيات عند الله وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون }[13]
    2-البيّنة: قال موسى عليه السلام لفرعون { قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل }[14]
    3-البرهان: قال الله تعالى: { يا أيّها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً }[15]
    4-السلطان: قال الله تعالى: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله }[16] وقال أيضاً:{ ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه }[17] [18].
    أما التأثيري:
    فهو مركّب إسنادي من أثر الشيء: أي حصول ما يدلّ على وجوده، يقال: أثر الشيء وأثر، والجميع آثار، يقول الله تعالى: { ثم قفينا على آثارهم برسلنا}[19]، ويقول { وآثاراً في الأرض }[20] ويقول { فانظروا إلى آثار رحمة الله }[21]. ومن هذا يقال للطريق المستدل من تقدّم آثار { فهم على آثارهم يهرعون }[22] ويقول { هم أولاء على أثري }[23].
    وأثرت البعير: جعلت على خفّه أثره، أي علامة تؤثّر في الأرض ليستدلّ بها على أثره، وأثرت العلم: رويته، أثراً، وإثاره، وأثره، وأصله: تتبعت أثره.[24]
    والخلاصة: فالتأثيري في اللغة مأخوذ من الأثر والنتيجة، والمحصلة الدالّة على وجود مؤثّر سواء أكان المؤثر حيّاً كما في قولهم ( أثرت البعير )أم معنويّاً كما في قول الله تعالى: { فانظروا إلى آثار رحمة الله }. والآثار هي اللوازم المعلّقة بالشيء [25]، أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها.
    اصطلاحاً: الإعجاز التأثيري للقرآن: هو ( وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم أشار إليه السابقون، ويتمثّل فيما يتركه القرآن الكريم من أثر ظاهر أو باطن على سامعه أو قارئه ولا يستطيع هذا السامع أو القارئ مقاومته ودفعه ولا يقتصر ذلك على المؤمنين به).[26]
    أو هو تأثير القرآن الكريم في النفس الإنسانية عندما تسمعه، وتفاعلها معه حتى لو كانت نفساً كافرة.[27]
    المبحث الثاني
    نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره:
    تستطيع أن تميّز هنا بين مرحلتين من مراحل نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره.
    المرحلة الأولى: مرحلة النشأة:
    تتمثل نشأة هذا الوجه الإعجازي للقرآن الكريم بنزول القرآن نفسه اتصالاً مباشراً وذلك لما يلي:
    أولاً: أمر الله تعالى في كتابه الحرص على إسماع المشركين القرآن الكريم ليكون ذلك عوناً على دعوتهم للإسلام. قال ابن حجر ( ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته بعد تحدّيهم بذلك، قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه }[28] فلولا أن سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة إلّا وهو معجز.[29] والمعجزة لابد لها من أثر في من تعجزه إما تصديقاً أو تكذيباً.
    ثانياً: ما ورد في كتب السيرة والتفسير وأغلب الكتب التي تتناول قضية الإعجاز عن لجوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعجاز القرآن التأثيري كوسيلة أساسية من أسس الدعوة للإسلام وظهور أثر هذه الوسيلة الفعّال في كل من استعملت معه.
    إما قبولاً واعتناقاً للإسلام أو نفوراً وإعراضاً عنه أو إقراراً لإعجاز القرآن في حاله.
    ثالثاً: إن الإعجاز التأثيري في هذه المرحلة وهي مرحلة النشأة الأولى يتمثّل في الممارسة والسّلوك العمليّ للإعجاز نفسه دون التّأليف فيه أو وضع قواعد أو أصول له، وإنما تدلّ الشواهد الكثيرة على ممارسته في حياة المسلمين. وبعد قرنين من الزمان وفي أوائل القرن الثالث الهجري أشار الجاحظ من خلال حديثه عن الإعجاز البلاغي للقرآن إشارات خاطفة للإعجاز التأثيري [30] وكذلك فعل الرماني في منتصف القرن الرابع.
    المرحلة الثانية: مرحلة التأهيل العلمي للإعجاز التأثيري:
    كثير من علماء التفسير والقرآن والبلاغة في القديم والحديث لاحظوا تأثير القرآن الكريم في القلوب وأثره في النفوس فاعتبروا ذلك التأثير من وجوه إعجاز القرآن وعبّروا عنه بعبارات متفاوتة وسأقف مع عدد من العلماء في القديم والحديث ممّن تحدّثوا عن الإعجاز التأثيريّ.
    الخطابي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي – ت 388هـ.
    وكان أوّل من اعتبر هذا التأثير القرآني وجهاً خاصّاً من وجوه الإعجاز هو الإمام الخطّابي فقد نص عليه نصّاً في رسالة ( بيان إعجاز القرآن ) فقال( قلت في إعجاز القرآن وجهاً آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذّ من آحادهم وذلك حيفة بالقلوب، وتأثيره في النّفوس فإنّك لا تسمع كلاماً غير القرآن، منظوراً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللّذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظّها منه عادت إليه مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق تغشّاها الخوف والفرق، تقشعرّ منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.
    فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيماناً [31]
    ابن قيّم الجوزيّة ت 75 ورأيه في الإعجاز التأثيري:
    يبيّن ابن قيّم الجوزيّة ما يقع في النفوس عند تلاوته وسماعه من الورعة ما يملأ القلوب هيبة والنفوس خشية، وتستلذ الأسماع وتميل إليه بالحنين الطباع، سواءً أكانت فاهمة لمعانيه أم غير فاهمة، وسواءً أكانت كافرة بما جاء به أم مؤمنة.
    يقول في كتابه ( الفوائد )[32] ( إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال الله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد })[33]
    وذلك أن تمام التأثير لما كان له موقوفاً على مؤثر مقتفى ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّة على المراد بقوله { إن في ذلك لذكرى } إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى هاهنا وهذا هو المؤثّر، وقوله { من كان له قلب } فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيّاً }[34] أي حيّ القلب وقوله تعالى { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي وجه سمعه وأصفى حاسّة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التّأثير بالكلام وقوله ( وهو شهيد ) أي شاهد القلب حاضراً غير غائب، أي استمع إلى كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، وليس بغافلٍ ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التّأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقّل عن ما يقال له والنظر في تأمّله.
    فإذا حصل المؤثّر وهو القرآن، والمحلّ المقابل وهو القلب الحيّ ووجد الشرط وهو الإصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاء بالذكر.
    ثم يقول: فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتمّ بمجموع هذه الأشياء مما وجه دخول أداة أو في قوله { أو ألقى السمع }والموضوع موضوع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين ؟ قيل: هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام باعتبار حال المخاطب المدعو فإنه من الناس من يكون حيّ القلب واعيه تامّ الفطرة فإذا فكر بقلبه وحال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن، وأنه من الحقّ، وشهد قلبه بما أخبر القرآن.
    فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحقّ}[35].
    من خلال هذا نرى رؤية ابن القيّم في مسألة التأثير، وكيفيّة حدوثها، وبيان أركانها وجوانبها، فإنه يرى أنها تقوم على أركان عدّة:
    1- المؤثر القويّ ( والمقصود به القرآن الكريم )
    2- أداتا التلقّي ( القلب والسمع )
    3- رغبة السامع في تفهّم ما يسمع وتعقّله.
    4- الخروج من شتّى الموانع، سواء أكانت انحرافات عقائدية، أم شبهات فكريّة، أم نزعات شهوانيّة، أم مكانة أدبيّة، أم منزلة اجتماعيّة، أم غير ذلك.
    ومن الملاحظ أن ابن القيّم رحمه الله يتحدّث هنا عن دعوة المسلم للانتفاع بالقرآن الكريم، ولا ينصّ على ذكر الكافر وذلك فإنّه لا يكشف عن الجانب الأهمّ في إعجاز القرآن التّأثيريّ ألا وهو: أثره على الكافر.
    بعد هذا العرض لرأي بعض الأقدمين عن الإعجاز التأثيريّ أعرض رأي بعض العلماء المحدثين حول هذا الوجه من وجوه الإعجاز لتظهر لنا مراحل تطوّره.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  4. #4
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    الدكتور عبد الكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم:
    تحدّث الدكتور عبد الكريم الخطيب عن إعجاز القرآن الكريم – بصفة عامّة – حديثاً طويلاً، متناولاً إيّاه من خلال آراء علماء البلاغة – الذين تناولوا وجوهه المتعدّدة، ووقف أمام وجه الإعجاز التأثيري للقرآن وقفات دقيقة، فنراه يحاول أن يكشف عن سرّ تأثير القرآن فيمن سمعه من المؤمنين والكافرين على حدّ سواء:
    (( إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم / عالم الروح والحق والنور / عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة، روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى في أفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدّوا أيديهم قطفوا من أدبه أدباً عالياً ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيّماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظام، فما يصل إليه من كيدهم شيء ))[36].
    إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب أن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على من يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن الكريم قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سرّاً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.
    ويقول الدكتور الخطيب معلّقاً على كلام الإمام الخطّابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن: ( وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو – فيما نرى – المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيّهم وأعجميّهم، إنسهم وجنّهم ) { قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً }[37] [38]
    ويعقّب الدكتور الخطيب تعقيباً على كلام ابن عطيّة عن وجوه الإعجاز فيقول: ( وهذا هو سر الإعجاز وعظمته كلمات هن من كلام الناس ثم يفعلن هذا الأمر العجيب في النفوس، ويضمن هذا السلطان القاهر على القلوب )[39]
    من خلال ما تقدّم نرى أن حديث الدكتور الخطيب عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسيّة على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنة بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشريّة المؤمنة بالقرآن والمنكرة له على السواء.
    إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ومواقف الصحابة بل وما في واقع الحياة البشريّة في عصرنا الحالي وكلّ ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له[40].
    إن الدكتور الخطيب ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبيّن مزايا هذا الوجه دون سواه فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنّه:
    1- المعجزة القائمة في كل حين.
    2- أنها تسع الناس جميعاً عالمهم وجاهلهم.
    3- أنها تسع لكل لغاتهم عربيهم وعجميهم.
    4- أنها لا تقتصر على الإنس وحدهم بل وتسع الجن أيضاً.
    4. الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ورأيه في الإعجاز التأثيري:
    لقد أفرد الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( نظرات في القرآن ) فصلاً كاملاً عن الإعجاز في القرآن الكريم، ويرى فيه أن إعجاز القرآن يبرز في وجوه ثلاثة ( الإعجاز النفسي، الإعجاز العلمي، الإعجاز البياني ) ومن خلال حديثه عن الإعجاز النفسي التأثيري نراه يتمثّل في نقاط أربع:
    1- مكانة الإعجاز التأثيري
    2- تأثير القرآن في المؤمن والكافر
    3- من وسائل تأثير القرآن: تقديم الدليل المفحم على كل شبهة، تعريف الأمثال.
    4- مواضع التأثّر بالقرآن.
    وحديث الشيخ عن الإعجاز النفسي والتأثيري جاء مرسلاً دالّاً على سجيّة مؤلفه ويحمل في طواياه هذه النقاط الأربع السابقة، ونتلمس النقطة الأولى من حديث الشيخ عن الإعجاز النفسي فبعد أن يتحدّث عمّا يعرض له القرآن من عقائد دينيّة وأحكام تشريعية وحقائق علمية يقول: ( قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزّع تحت عناوين شتّى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلميّة في مفهومها، ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر ونقاط مؤلفه آخر ما تختلفه اللجاجة من شبهات......، ثم الكرّ عليها بالحجج الدامغة حتى تبقى النفس وليس أمامها مفرّ من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله وعندي أن قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا )[41]
    تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الشيخ فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميّتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الإنسان ولكن هل يتأثّر كل إنسان بالقرآن ؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به ؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس إنسانية دون أخرى فيقول:
    ( فما أظن امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن ويستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به، قد تقول: ولم يتأثر به ؟ والجواب: أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه، ما أكثر ما يعزّ المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم، ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.
    إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يردّ الصواب إلى أولئك جميعاً وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق وزلّة كل ذي زلل ثم تكفّل بإزاحتها كلّها، كما يعرف الراعي آية تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحدة منهم.
    وذلك سر التعميم في قوله تعالى { ولقد صرفنا في هذا القرآن من كلّ مثل }[42] حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله أنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه ولكنّه يؤخذ فترة ما يصدّ من العاطفة الباكية أو مثلما يقف الخلي أما خطيب يهدر بالصدق ويحدث العميان عن اليقين الذي يريد ولا يرون أنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.
    والمنكرون من هذا النوع لا يطمعون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة ولذا يقول الله عز وجل: { الله نزّل أحسن الحديث }[43] [44]
    وبذلك يكون الشيخ رحمه الله قد تناول النقطة الثانية التي يتأكّد من خلالها إعجاز القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على حد سواء، وفي النقطة الثالثة يبرز الشيخ في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول: ( إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوّقه في الجدل أي بتقديم الدليل المفحم لكلّ شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجّة، فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل ومن تقصير لا عن قصور، والجدل آفّة نفسيّة وعقليّة معاً، فالنشاط الذهنيّ للمجادل يمدّه حراك نفسي خفيّ، فلما يهدأ بسهولة.... ويستكمل الشيخ بيانه عن وسائل القرآن التي تسبّب التأثير في النفس الإنسانية فيقول: ( إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تعتبر برودة الإلف وطول المعرفة فتتعرى أمام النفوس، وتنسلخ من ثكلتها وتصنّعها، وتنزعج من ذهولها وركودها وتجد نفسها أمام الله – جل شأنه – يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدّبها فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلّا أن تخشع وتصيخ.[45]
    ثم يقول وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه وأمدّه بنشاط لا ينفذ والجدل غير الملل، هذا تحرّك ذهني قد يجد الأوهام ويحوّلها إلى حقائق وهذا موات عاطفي قد يجمّد المشاعر فما تكاد تتأثّر بأخطر الحقائق وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة بل عن موت قلوبهم وشلل حواسّهم، والقرآن الكريم في تحدّثه للنفس الإنسانية – حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى أنهم ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً ( وكذلك أنزلناه قرآناً عربيّاً وصرفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكراً ) [46] [47]
    ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب، حيث يقول الشيخ ( والشعور بالرغبة والرهبة والرقّة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم والمغازي والعبر تقشعرّ منه الجلود [48].
    ويتبيّن لنا أنّه تناول الإعجاز التأثيري من جوانب أربعة ولعلّ أهمّها جميعاً هو بيان ما في القرآن من وسائل تأثيريّة والتي أورد فيها تفصيلاً وتعليلاً لم نره عند كثير من السابقين.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  5. #5
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    سيد قطب ورأيه من تأثير القرآن الكريم:
    يقول الشهيد قطب عن تأثير القرآن الكريم ( إن في هذا القرآن، سراً يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها.
    إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هناك عنصراً ما ينسكب في الحسن بمجرد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً ولكنه على كل حال موجود هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره:
    أهو العبارة ذاتها ؟ أهو المعنى الكامن فيها ؟ أهو الصور والظلال التي تشعّها ؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميّز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللّغة ؟
    أهي هذه العناصر كلها مجتمعة ؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود ؟
    ذلك سر مودع في كلّ نصّ قرآنيّ، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبّر والنّظر والتّفكير في بناء القرآن كله )[49]
    إن سرّ تأثير القرآن في النفس البشرية فيه كله، فكلّ جوانب العظمة والسموّ فيه، ألفاظه ومعانيه، وصوره، وظلاله، وإيقاعه، وأسلوبه، وشيء آخر بالإضافة إلى كلّ ذلك.
    ويقول رحمه الله للقرآن تأثير عجيب على النفوس وسلطان قويّ على القلوب: ( ويبقى وراء ذلك السرّ المعجز في هذا الكتاب العزيز، يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة متى خلي بينه وبينها لحظة – وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب وثقل فوقها الركام تنتفض قلوبهم أحياناً وتتململ، وتحت وطأة هذا السلطان وهم يستمعون إلى هذا القرآن.
    إن الذين يقولون كثيرون، وقد يقولون كلاماً يحتوي على مبادئ ومذاهب وأفكار واتجاهات، ولكن هذا القرآن ينفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول: ( إنّه قاهر غلّاب بذلك السلطان الغلّاب )[50]
    إن للقرآن سرّاً خاصّاً على النفوس حتى يبلغ أن يؤثّر بتلاوته المجرّدة على الذين لا يعرفون العربية، وعلى العوام الذين يسمعون إلى تلاوته لا يطرق عقولهم منه شيء، لكن يطرق قلوبهم إيقاعه ويظهر على ملامحهم سره، إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن، وتشي بالقوّة الخفيّة المودعة في هذا الكلام، وإن الكيان الإنساني ليهتزّ ويرتجف ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن كلّما تفتّح القلب، وصفى الحسّ، وارتفع الإدراك، وارتقت حساسيّة التّلقّي والاستجابة، وإنّ هذه الظّاهرة لتزداد وضوحاً كلّما اتّسعت ثقافة الإنسان.[51]
    ولذلك نرى سيّد قطب رحمه الله تعالى قد تناول الإعجاز التأثيري حيث بيّن ما للقرآن الكريم من وسائل وقوّة تأثيريّة كبيرة على النفوس المؤمنة وغير المؤمنة.
    المبحث الثالث
    الإعجاز التأثيري من خلال الآيات القرآنية وبعض المواقف من السيرة النبوية:
    إن تأثير القرآن الكريم في القلوب قد بلغ مبلغاً عظيماً لم يعرف قبله ولا بعده كلام قط، إذ تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم روعة وخشية وتعتريهم هيبة وتهيمن عليهم عظمته، ونرى آثاره على الجاحدين أبلغ وأظهر، إذ يقرّعهم عن ضلالهم ويقيم عليهم حججاً لا معقّب لها فيستثقلون سماعه ويتولّون عنه بنفور مدبرين كما أخبر الله تعالى عنهم { ولقد صرّفنا في هذا القرآن ليذّكروا وما يزيدهم إلّا نفوراً }[52]. وقال أيضاً: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً }.[53]
    وإن الإقرار بالعجز أمام اختيار آيات قرآنية معيّنة مؤثّرة في النفس البشريّة دون سواها من آيات القرآن الكريم أمر لا يعدّ نقصاً في البحث أو الباحث، فقد يتأثّر بعضهم بآية تتحدّث عن القدرة الإلهيّة في الكون والحياة وقد يتأثّر الآخر بما ذكره الله في حياته من النعيم والجنان وما أعدّه الله للمؤمنين ويتأثّر الثالث بآية تتحدّث عن النّار والجحيم والسعير ويتأثّر رابع بالحقائق التاريخية الصادقة وخامس يتأثّر بالبلاغة المعجزة والكلمة الرقيقة وسادس يتأثّر بالأسس الشرعيّة المحكمة في مجال الحكم والأسرة والمجتمع وغير ذلك.
    وهكذا فالقرآن لا يترك نفساً إلّا ويتحدّث معها عن ملكة من ملكاتها المتعددّة، سواء أكانت فكريّة عقليّة أم وجدانيّة عاطفيّة أم سياسيّة أم عسكريّة إلى غير ذلك، ويأخذ هذا التأثير أشكالاً متباينة أحياناً أو منسّقة أحياناً أخرى، فتأثّر المشركين والكافرين غالباً نفوراً وإعراضاً، أو إلقاء للحجج الواهية التي يقصدون بها التعجيز لقارئه أو النّيل من النّصّ القرآني نفسه كما نرى عند اليهود والمنافقين ومن شاكلهم.
    ويظهر تأثّر المنافقين بالقرآن في صورة خوف وحذر وتربّص كذلك ؟
    وأما مع المؤمنين: فيختلف مظهر التأثّر فكلّهم يرقّ قلبه، وينشرح صدره، وتفيض عيناه بالدّمع، دلالة على الاستسلام والإيمان، والعجز عن التعبير عما يجده في جوانحه مع حالة نفسيّة جديدة لا عهد له بها، ومن هنا تأتي صعوبة الانتقاء لآيات قرآنية أكثر تأثيراً دون سواها إذ يتوقّف ذلك على حالة المتلقّي – أيضاً – واستعدادته النفسيّة، وثقافته العلميّة ومذاقاته الوجدانيّة وما إلى ذلك.
    مظاهر أثر القرآن الكريم على المؤمنين:
    عندما نتتبّع أثر كلام الله تعالى – القرآن الكريم – فيمن سمعه وتدبّره من البشر فإننا نجد أنّ أوّل من يتأثّر بكلامه هم من تلقّوه، وكلّفهم الله ببلاغه للبشر وهم الأنبياء والرسل، ولذلك يقول الله تعالى بعد أن تحدّث عن بعض الأنبياء والرسل في سورة مريم: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذريّة آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذريّة إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبكيّاً }[54].
    فهؤلاء إذا سمعوا كلام الله المتضمّن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربّهم خضوعاً واستكانة حمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم العظيمة والبكي جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم وإثباتاً لمنوالهم، ولما قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة مريم سجد وقال: ( وهذا السجود فأين البكيّ ) يريد البكاء[55].
    وجاء في الظلال ( أولئك النبيّون ومعهم من هدى الله واجتبى من الصالحين من ذرّيتهم صفتهم البارزة ) إذا تتلى عليهم آياته، فال تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثّر، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرّون سجّداً وبكيّاً )[56]
    ويقول أبو السعود ( هنا بيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له مع مالهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلف من الله عزّ سلطانه خرّوا ساجدين باكين )[57]
    والسجود حركة ظاهريّة، تعبّر عن أعلى وصدق درجات الانقياد والاستسلام والتذلّل للمسجود له، وأما البكاء فهو تنفيس عن انفعالات داخليّة شديدة يعجز صاحبها عن التعبير عنها فتعبّر عيناه بالدمع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل المتأثّرين بالقرآن الكريم تأثّراً باطنياً وظاهرياً وكفى سلوكه شاهداً على ذلك وبرهاناً عليه.[58]
    فقد روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – والأزيز: صوت الرعد وغليان القدر ))[59]
    وما رواه الأئمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (( اقرأ عليّ )) فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت { فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً }[60] فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان ))[61].
    والمواقف والمواضع التي تبرز تأثّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن كثيرة، بيد أن ذلك يعدّ أمراً لا غرابة فيه، ولا إعجازاً، إذ كيف لا يتأثّر الرسول صلى الله عليه وسلم - بالقرآن – وعليه أنزل وقد رأى الملائكة وعرج به إلى السماء وسمع صرير الأقلام، ورأى من آيات ربه ما رأى ؟ فتأثّره بالقرآن العظيم أمر لا يحتاج إلى دليل أو برهان، وكان صلى الله عليه وسلم يحرص أن يغرس في أتباعه من المسلمين التأثّر بالقرآن عند تلاوته فقد أمر المسلمين بالبكاء عند تلاوته، فإن لم يجدوا بكاء فليتباكوا(57) وامتثل المؤمنون لتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم - ففتحوا آذانهم وقلوبهم لآيات الله، لتعمل فيها عملها، تؤثر فيها ما شاء الله لها من تأثير، وحال بينهم وبين كل ما من شأنه أن يمنع قلوبهم من التأثّر بالقرآن ولنذكر بعض الآيات التي لها أثر كبير في التأثير في النفوس والّتي عبّرت عن ذلك الأثر وأظهرته.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الرد على شبهة ( نفي الإعجاز العلمي للقرآن في إخباره عن تمدد الكون واتساعه )
    بواسطة شعشاعي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-02-2012, 04:11 AM
  2. الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق كتاب الكتروني رائع
    بواسطة عادل محمد في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-10-2011, 05:17 PM
  3. الرد الساحق على المساكين المتعامين . . حول الإعجاز العلمي للقرآن
    بواسطة First-Observer في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 30-11-2008, 12:44 PM
  4. الإعجاز العلمي للقرآن في النمل
    بواسطة عطاء الله الأزهري في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 15-06-2007, 12:04 PM
  5. سؤال حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
    بواسطة anes في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 27-03-2006, 07:11 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم

الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم