لماذا سمح الله بتحريف كتبه السابقة بينما حفظ القرآن...؟


قال المعترضون : تزعمون أن التوراة والإنجيل حَرَّفت , بينما يقر القرآن بأنها منزلة من عند الله , فلِمَ سمح الله بتحريفها ، ولم يسمح بتحريف القرآن ؟


الرد على الشبهة


أولاً : إن الله I أخذ عهدا بينه وبين المؤمنين السابقين – أتباع الأنبياء- بحفظ كتبه السابقة ؛ ولكنهم حرفوها وبدلوها.....

بيان ترك الكتب السابقة كي يحفظها أهلها فحرفوها وبدلوا يكون من وجهين :


أولاً من القرآن الكريم :

1- قوله I : ] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) [ (المائدة).

جاء تفسيرها في الآتي :

1- { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى } من الضلالة { ونور } بيان للأحكام { يحكم بها النبيون } من بني إسرائيل { الذين أسلموا } انقادوا لله { للذين هادوا والربانيون } العلماء منهم { والأحبار } الفقهاء { بما } أي بسبب الذي { استحفظوا } استودعوه أي : استحفظهم الله إياه { من كتاب الله } أن يبدلوه { وكانوا عليه شهداء } أنه حق { فلا تخشوا الناس } أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد r والرجم وغيرها { واخشون } في كتمانه { ولا تشتروا } تستبدلوا { بآياتي ثمنا قليلا } من الدنيا تأخذونه على كتمانها { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } به . أهـ

2- تفسير ابن كثير : نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، عز وجل { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } أي: يستجيبون له، منفعلون عنه { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا }
قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه .
والصحيح أنها نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة ، والتحميم و الإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي r قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك .
وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله r ، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله r : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟" فقالوا: نفضحهم ويُجْلَدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله r فرجما فرأيت الرجل يَحْني على المرأة يقيها الحجارة .
وأخرجاه وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ له: "فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟" قالوا: نُسخّم وجوههما ونُخْزِيهما. قال: { فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [آل عمران:93] فجاءوا، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور َ: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك. فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال : يا محمد، إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فَرُجما. أهـ


الوجه الثاني : أكتفي بذكر ثلاثة نصوص فقط من الكتاب المقدس من العهدين :

العهد القديم :

جاء في سفر دنيال :

إ صحاح 23 عدد 36 " أما وحى الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حَرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا ".
إ صحاح 8 عدد 8 " كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقاً إنه إلى الكذب حوَّلها قلم الكتبة الكاذب".

العهد الجديد :

جاء في رسالة بولس إلى رومية إصحاح 3 عدد 2-3 " أمّا أوَّلاً فلأنهم استؤمنوا على أقوال الله. فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟".



ثانيًا : بعد أن بينت بفضل الله I أن الله I أخذ عهدا بينه وبين أتباع الأنبياء بحفظ كتبه ففرطوا وحروفوا....

بقي السؤال الذي يطرح نفسه هو : لما ذا لم يسمح الله I بتحريف القرآن ؟

الجواب : يكن من وجهين :

الوجه الأول : أن الله I هو من تكفل بحفظه بعد أن فشل الناس في حفظ الكتب الناشئة عن العهد بينهم وبين الله ؛ دليل ذلك في الآتي :

1- قوله I : ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) [ ( الحجر).

جاء في التفسير الميسر: إنَّا نحن نزَّلنا القرآن على النبي محمد r وإنَّا نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء. أهـ

2- قوله I : ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) [ ( القيامة ).

جاء في تفسير الجلالين : { إن علينا جمعه } في صدرك { وقرآنه } قراءتك إياه أي جريانه على لسانك. أهـ

3- قوله I : ] لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد [ (فصلت42).


الوجه الثاني : القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم الذي جاء ليبين ما حرف وبدل من الشرائع السابقة فلو أوكل الله I حفظه للناس وحُرِّفَ فلا بد من كتاب يأتي بعده ليصحح أخطاءه ؛ وبالتالي فهو الكتاب الخاتم , ولن ينزل اللهI من بعده كتاباً ....