التربية الاجتماعية في الإسلام

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

الأنبا روفائيل : يعترف أن العقيدة المسيحية تأسست من المجامع ولم تعتمد على نصوص الكتاب المقدس » آخر مشاركة: إيهاب محمد | == == | Is God: Jesus, Jesus and Mary, the third of three or the Clergy in Christianity according to the Qur’an? » آخر مشاركة: islamforchristians | == == | اسماء الله الحسنى فى الكتاب المقدس ومدى انطباقها على يسوع » آخر مشاركة: undertaker635 | == == | منصر يعترف: المراة المسيحية مكينة تفريخ فقط ! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | تسريبات من قلب الزريبة العربية » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | انواع التوحيد » آخر مشاركة: فايز علي احمد الاحمري | == == | سائل : عندي شك في الوهية المسيح و مكاري يونان يرد عليه : لو شغلت عقلك بس العقل لوحده يقول ده مش ربنا » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | أنا و الآب واحد بين الحقيقة و الوهم » آخر مشاركة: وردة الإيمان | == == | رد شبهة: نبيُّ الإسلام يقول : خيل سليمان لها أجنحة ! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | أنشودة : جمال الوجود بذكــر الإله » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

التربية الاجتماعية في الإسلام

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 29

الموضوع: التربية الاجتماعية في الإسلام

  1. #11
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    نبذ سوء الظنِّ والغيبة والنميمة



    سورة الحجرات(49)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اجتنِبُوا كثيراً من الظَّنِّ إنَّ بعضَ الظَّنِّ إثمٌ ولا تَجسَّسوا ولا يغْتَبْ بعْضُكُم بعضاً أيُحِبُّ أحدُكُمْ أن يأكلَ لحمَ أخيهِ مَيْتاً فكرهْتُمُوهُ واتَّقوا الله إنَّ الله توَّابٌ رحيمٌ(12)}
    سورة القلم(68)
    وقال أيضاً: {ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهين(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم(11)}
    ومضات:
    ـ لقد حَظَرَ الإسلام على المؤمن إساءة الظنِّ بالناس والشكَّ بهم، أو التجسُّس على حياتهم الخاصَّة وتتبُّع نقائصهم، أو التحدُّث عنهم بما يكرهون، أو نقل كلام بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم، فشبَّه الله تعالى هذه الأعمال بما فيها من قبح وأذى، بأكل لحوم الأخلاَّء المقرَّبين بعد موتهم، وأمرنا أن نتَّقي هذه الموبقات، وأن نقتلع جذورها من أعماقنا.
    في رحاب الآيات:
    تتابع الآيات القرآنية عملية بناء نموذج الإنسان الكامل في نفوس المسلمين، فبعد أن نَهَتهُم الآية السابقة عن السخرية واللمز والتنابز، تأتي هذه الآية لتحُدَّ من غلواء الاستنتاجات السيئة الَّتي يمكن أن يفسِّر بها الإنسان التصرُّفات الشخصية لغيره، وتلزمه أن يحمل ما يرى من ذلك، على المحمل الحسن مادام ذلك ممكناً، حفاظاً على صلة المودَّة بين المسلمين، ومنعاً للأضرار الواسعة الَّتي يمكن أن تَلحق المُتَّهم بما ليس فيه زوراً وبهتاناً؛ فجاءت الآية لتضع حداً لما يمكن أن يحدث نتيجة هذه الإساءة من مكروه، كما أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك حيث جاء في الحديث الشريف: «إن الله حرَّم من المسلم دَمَهُ وعرضه، وأن يُظَنَّ به ظن السوء» (رواه مسلم والترمذي مرفوعاً). فيَحرُم سوء الظنِّ بمن شوهد منه الستر والصلاح وعُرِفت عنه الأمانة، أمَّا من يجاهر بالفجور، فلا يحرُم سوء الظنِّ به، بل إن سوء الظنِّ به أولى لحماية مَن حوله من أذاه وشرِّه. وقد علَّلت الآية الأمر باجتناب كثير من الظنِّ في قوله تعالى: {إنَّ بعض الظنِّ إثم} لأن فيه اتِّهاماً وشكّاً بالآخرين غير مبني على معطيات صحيحة، وخاصَّة إذا كان الأمر يتعلَّق بحياة الناس الشخصية وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إذا ظننتَ فلا تحقِّق» (رواه ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه ) ومعنى هذا أن تفترض في الناس البراءة فيما يتعلق بأمورهم الخاصَّة، الَّتي يعود نفعها أو ضررها عليهم وحدهم، صيانة لحقوقهم وحريَّاتهم؛ فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى على حرمة الحياة الشخصية للآخرين. وقد أكدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم سوء الظنِّ بالمؤمن من خلال أحاديث كثيرة منها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والَّذي نفس محمَّد بيده، لَحُرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حُرمةً منك، ماله ودمه، وأن يُظنَّ به إلا خيراً».
    كما حرَّم الله على عباده المؤمنين التجسُّس: وهو تتبُّع عورات المسلمين خفية دون علمهم، والتنقيص من كراماتهم والتشهير بهم لأي سبب كان. ويأتي التجسُّس في المرتبة التالية لسوء الظنِّ، وبه يخرج صاحب الظنِّ السيء من دائرة التفكير الداخلي الضمني، إلى حيِّز العمل والسلوك الحسِّي الخارجي، فيعمد إلى هذا التصرُّف بحثاً عن النقائص وسعياً وراء إبراز الأخطاء ونشرها. إن القرآن الكريم يحارب هذا السلوك الدنيء من الناحية الأخلاقية، ويدعو إلى تطهير القلب من هذا المرض تمشِّياً مع أهدافه وروحه، فقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي بَرزة الأسلمي قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تتَّبعوا عورات المسلمين، فإنَّ من تتبَّع عورات المسلمين، فضحه الله في قعر بيته». ويحذِّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراض الفتَّاكة الَّتي إن حاقت بالمجتمع مزَّقته، وإن تخلَّلت صفوف الأحباب باعدتهم، فنهانا عن التجسُّس، وعن التحسُّس (هو الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو التسمُّع على أبوابهم)، وحذَّرنا من التباغض، والقطيعة؛ فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إيَّاكم والظن، فإن الظنَّ أكذب الحديث، ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام».
    ولا ينبغي لأحد أن يذكر الآخرين بما يكرهون ولو كان صادقاً في حديثه عنهم، فلا يحقُّ له أن يشيع أخبار السوء عنهم، لما في ذلك من أذى لهم، وإيغارٍ لصدورهم، وتفريقٍ لشملهم. قال الحسن رضي الله عنه : (الغيبة ثلاثةُ أَوجُهٍ كلُّها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبُهتان، فأمَّا الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأمَّا الإفك: فأن تقول فيه ما بلغك عنه، وأمَّا البُهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه، أي أن تختلق أنت رواية كاذبة عنه). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل يارسول الله: ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ» (رواه الترمذي وصححه). ونرى أن القرآن يعرض مشهداً تتأذَّى منه كلُّ النفوس حتى أشدها غلظة، وجميع القلوب حتى أدناها رقة، إنه مشهد أَكْلِ الإنسان لحم أخيه ميتاً، ثم يبادر فيعلن نيابة عنهم أنهم كرهوا هذا العمل المثير للاشمئزاز، فكان لزاماً عليهم أن يكرهوا الغيبة كراهيتهم لهذا العمل. روى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما عُرِجَ بي مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء ياجبرائيل؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»، وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الغيبة أشدُّ من الزنى. قالوا: يارسول الله! وكيف الغيبة أشدُّ من الزنى؟ قال: إن الرجل ليزني فيتوب؛ فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يُغْفَرُ له حتى يغفرها له صاحبه».
    كما نهى الله تعالى المؤمنين عن النميمة؛ لكونها داءً يفتك بسلامة المجتمع، ويمزِّق وحدته وتماسكه، وهي السعي بين الناس بالكلام، أي نقل كلام بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب، ولو كان صاحبها صادقاً فيما ينقله، كأن يَسْمَعَ شخصاً يذمُّ آخر في غيبته فينقل ما سمعه إليه دون زيادة. وقد شبَّهها النبي صلى الله عليه وسلم بالعَضْهِ وهي الذَّبيحة الَّتي تُقطَّع أعضاؤها فتفرَّق عن بعضها بعضاً، وذلك لأنها تفرِّق بين الأحبَّة، فعن عبد الله رضي الله عنه قال: إن محمَّداً صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم ما العَضْهُ هي النميمة القالَةُ بين الناس» (رواه مسلم). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يدخل الجنَّة نمَّام» (رواه مسلم).
    والهدف من كلِّ هذه الأوامر الإيجابية البنَّاءة والنواهي التربوية الهادفة، هو تنقية المجتمع الإسلامي من شوائب الخِسَّة والضَّعة، وبناء العلاقات الاجتماعية على أسس المودَّة والإخاء والنصيحة، وشغل الوقت بالإيجابيات النافعة، وصون الأُمَّة عن السلبيات المبدِّدة، فالمؤمن طاهر القلب أبداً عفيف اللسان، إذا رأى عورة لأخيه سترها، وإذا شاهد نقيصةً أعرض عن نشرها، ونبَّهه سراً للإقلاع عنها، كما قال الشاعر:
    لِسَـانَكَ لا تَـذْكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئ فَكلُّكَ عَـوْرَاتٌ وَلِلنَّـاسِ أَلْسُــنُ
    وَعَينكَ إنْ أَبْـدَتْ إَلَيـكَ مَعَـايِبـاً فَصُنْـهَـا وَقُـلْ يَاعَيْنُ لِلنَّـاسِ أَعْينُ
    رُويَ عن أحد الصالحين أنه شاهد شابّاً، قويَّ البنية، صحيح الجسم، يتكفَّف الناس على باب المسجد، فقال في نفسه: لو أنه ذهب وعمل عملاً انتفع منه فأصبح في غنى عن مسألة الناس. فنام تلك الليلة فرأى الملائكة تقدِّم له لحم ذاك المتسوِّل على طبق، وتطلب منه أن يأكل منه، فعرف الصالح غلطته، وقال: إنني ما اغتبته، ولكنه خاطر مرَّ على قلبي، فأجابته الملائكة: إن مثلك يُحاسب على خطرات القلوب.
    وجملة القول: إن هذه الآيات الكريمة تقيم سياجاً في المجتمع الإسلامي الكريم، حول حُرُمات الأشخاص وكراماتهم وحرِّياتهم، وتعلِّم الناس كيف يطهِّرون مشاعرهم وضمائرهم في أسلوب متفرِّد عجيب!!.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  2. #12
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    نبذ البُهتان واتِّهام الأبرياء



    سورة النساء(4)
    قال الله تعالى: {ومن يَكْسِبْ خَطيئةً أو إثماً ثمَّ يرمِ به بريئاً فقد احتملَ بُهتاناً وإثماً مبيناً(112)}
    ومضات:
    ـ أراد الله تعالى للناس أن يعيشوا في ظلال مجتمع آمن طاهر نظيف من كلِّ العيوب؛ فحرَّم الكذب والافتراء واتِّهام البريء، وعدَّ ذلك من كبائر الذنوب الَّتي لا يُكْتَفَى للتوبة منها بالاستغفار، وإنما بإصلاح ما نجم عنها من فساد وإفساد.
    في رحاب الآيات:
    يحرص الإسلام كلَّ الحرص على تمتين أواصر المحبَّة والوئام بين أفراد الأسرة الإنسانية، ومحاربة كلِّ ما من شأنه أن يضعف هذه العلاقة الطيِّبة بينهم؛ فتراه يحارب الغيبة والنميمة والكذب والبُهتان، ويتوعَّد من يرتكبها بأشدِّ العقوبات في الدارين.
    إن البُهتان من كبائر الذنوب الَّتي لا كفارة لها إلا بالتوبة الصادقة النصوح، وإصلاح ما ينجم عنها من فساد، وهو تعريفاً: ارتكاب الذنْب وإلحاقه بالآخرين، أو التعريض بالناس في أمورٍ هم بريئون منها. فليس هناك أكثر إثماً ممَّن يسرق ويتَّهم غيره بهذا الفعل، أو يقتل ويلقي بالشكِّ والاتِّهام على غيره، وجميع هذه الصفات يترفَّع عنها الخُلُق الكريم، وتأباها الفطرة السليمة، ويستحقُّ صاحبها العذاب العظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من رمى مسلماً بشيء يريد شَينه به حبسه الله يوم القيامة على جسر من جسور جهنَّم، حتى يَخْرُجَ ممَّا قال» (أخرجه أبو داود).
    ولا يخفى أن العلَّة في انتشار هذه الآفات الخلقية بين الناس، تكمن في ابتعادهم عن الدِّين الحقِّ، ممَّا يسبب ضعف الوازع الخلقي لديهم، والغفلة عن الأوامر والنواهي الَّتي جاءت بها الشريعة الغرَّاء. وقد استخدمت الآية الكريمة لفظ (الكسب) لمن يرتكب مثل هذه الفواحش، إشارة إلى أن مرتكبها يكسب الإثم والعقاب والضرر قبل أن يسبِّبه لغيره، ويستعجل العقوبة لنفسه قبل أن يعاقبه الله، قال تعالى: {كلاَّ بَلْ رانَ على قلوبِهِم ما كانوا يكسِبُون} (83 المطففين آية 14).
    لذا نجد القرآن الكريم يضع ميزان العدالة الَّذي يحاسب كلَّ فرد على ما اجترح، ولا يدع المجرم يمضي ناجياً إن ألقى بذنبه على عاتق غيره. ولعلَّ أدنى ما يصيب مثل هذا الإنسان هو تأنيب الضمير، ثم لا يلبث أن ينكشف فعله بين الناس فيتحاشَوْنه ويصبح منبوذاً غير موثوق به، وهذا ما يورثه القلق والحزن والندم، ثم يواجه عذاب الله الشديد يوم القيامة. فليحترز العاقل من تعريض نفسه لهذه المنزلقات وما يترتب عليها من عقوبات إن عاجلاً أو آجلاً.
    إن هذه الأحكام المُثلى والقيم الإنسانية الفُضلى، لم تكن في ظلال الإسلام آمالاً تُرجى، ولا أحلاماً خيالية بعيدة عن الواقع التطبيقي العملي، بل جعلها دستورُ السماء واقعاً حياتيّاً ملموساً، فقد ذَكر المفسِّرون فيسبب نزول هذه الآية وما قبلها، أن رجلاً من المسلمين يدعى طعمة بن أُبَيْرِق سرق درعاً ووضعها في كيس من الطحين، ولما أوشك أمره أن يظهر ويُفْتَضح، أودعه عند يهودي يدعى زيد بن السمين وبعد ذلك اتَّهمه بسرقته، وقد عُرِضَ الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما ضُبطت الدرع المسروقة في حوزة اليهودي أعلن أنها ليست له، وإنما أودعها عنده طعمة بن أبيرق، ولما سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله ومعارفه زَكَّوه ولم يتَّهموه، وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم على اليهودي عملاً بالأدلَّة الظاهرة، إلا أن وحي السماء تدخَّل وأنقذ اليهودي البريء، وأدان المجرم الَّذي يبدو للناس بمظهر المسلم. إن هذه الواقعة وغيرها تدلُّ على أن مبادئ الإسلام قوانين للتطبيق وأنظمة وضعت ليلتزم بها الناس، وليست مجرَّد شعارات برَّاقة أو أدبيَّـات فكريَّة مجرَّدة، إنه الإسلام دين الحياة الأمثل، الَّذي يعيـش الجميع ـ على مختلف عقائدهم ـ في ظلاله آمنين مطمئنين، لا يخافون ظلماً ولا هضماً.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  3. #13
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    العدل وأداء الشهادة


    سورة النساء(4)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذينَ آمنوا كونوا قوَّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ لله ولو على أنفسِكُم أو الوالدين والأقرَبينَ إن يكُن غنيّاً أو فقيراً فالله أولى بِهمَا فلا تتَّبِعوا الهوى أنْ تعْدِلوا وإن تَلْوُوا أو تُعْرِضوا فإنَّ الله كان بما تعملون خبيراً(135)}
    سورة المائدة(5)
    وقال أيضاً: {ياأيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامينَ لله شُهداءَ بالقِسْطِ ولا يجرِمَنَّكم شَنَآنُ قومٍ على ألاَّ تَعْدِلوا اعدلوا هو أقربُ للتَّقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون(8)}
    ومضات:
    ـ لَبِنَات جديدة تضعها الشريعة الإسلامية لتكمل إشادة بناء الشخصية المسلمة، وهي دعوتنا إلى إقامة العدل ونشر لوائه ليستظلَّ الجميع بظلاله الوارفة، وإلزامنا بمراعاة جانب الحقِّ والحقيقة في أداء الشهادة، وأن لا تأخذنا في سبيل ذلك لومة لائم سواء أكان قريباً أم بعيداً، غنياً أم فقيراً، وجيهاً أم وضيعاً.
    ـ يجدر بنا كمسلمين أن نلتزم جانب الحقِّ وندافع عنه وإن كان في ذلك معارضة لمصالحنا الخاصَّة وتأييدٌ لمصالح خصومنا، فالحقُّ أولى أن يُتَّبع، والله تعالى لن يضيِّع أجر من يخشاه، ويؤثر طاعته وامتثال أوامره على كثير من مصالحه الشخصية والذاتية، لأنه سبحانه العليم الخبير بكلِّ ما يجري في هذا الوجود.
    في رحاب الآيات:
    العدل ميزان الله في الأرض، وهو اسم من أسمائه الحسنى، وصفة من صفاته العظمى، به ينصف الضعيف من القويِّ، والمظلوم من الظالم، وبتطبيقه يسود في الأرض التوازن والانسجام، والنظام القويم. وأهمُّ مظهر من مظاهر العدل أن يكون المخلوق عادلاً في سلوكه مع الخالق عزَّ وجل، فيعبده حقَّ عبادته، ويؤدِّي ما عليه من التزامات العبودية وتعظيم الربوبية، إذ أن النفس البشرية لا ترتقي إلا حين تتَّجه إلى حضرة الله مباشرة، متجرِّدة عن كلِّ ما سواه، فتستشعر تقواه، وتُحِسُّ أن عينه مطَّلعة حتَّى على خفايا الضمير.
    ومتى ارتقى الإنسان إلى هذه المكانة في تعامله مع خالقه، أَحبَّ العدل والحقَّ والخير، وكره الظلم والباطل والشرَّ، وأصبح أداة لإحقاق الحقِّ ومحاربة الباطل، فإذا رأى مظلوماً يُعْتَدى عليه أو تُنْتَهك حرمته، أو يُسْلَب ماله هبَّ لنجدته ورفع الظلم عنه، وإذا دُعي للشهادة لبَّى الدعوة وشهد بالحقيقة الَّتي ترضي الله، فقد روى مسلم عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أَدُلُّكم على خير الشهداء؛ هو الَّذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها».
    ونظراً لأهميَّة الشهادة بالعدل فقد حضَّ الإسلام عليها، وأمر الله عباده المؤمنين بأدائها على وجهها الصحيح دون محاباة، قال تعالى: {..ولا تكتموا الشَّهادةَ ومَن يكْتُمْها فإنَّه آثِمٌ قلبه..} (2 البقرة آية 283) فإذا سُئِلْتَ في الأمر فقل الحقَّ فيه، ولو أصابك من ذلك ضرر مادي عاجل أو أصاب والدَيْك، لأن برَّ الوالدين لا يتعارض مع الصدق في أداء الشهادة على أحدهما أو كليهما، لأن في هذه الشهادة منعاً لهما من الظلم وهذا برٌّ بهما، وليس من البرِّ أن نطمس حقَّ الخصم محاباة للوالدين أو الأقربين لأن في ذلك ضياعاً للحقوق، وتنشيطاً للظلم، وتشجيعاً للظالم كي يتمادى في ظلمه. ومن يَتَّقِ الله في الشهادة فإن الله سيجعل له من كلِّ همٍّ فرجاً، ومن كلِّ ضيق مخرجاً، قال تـعـالى: {..ومـن يَتَّقِ الله يجعلْ له مَخْرَجاً * ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يحتسبُ..} (65 الطلاق آية 2ـ3).
    ولقد حضَّ الإسلام الناس على أن لا يَحْملهم الهوى أو العصبية أو عداوتهم لبعضهم على مجافاة العدل في أمورهم، بل أمرهم بالالتزام به في كلِّ حالة، فهو بهذا يكفل العدل لكلِّ الناس كما يكفله لأبنائه، وهذه المقوِّمات تجعل الإسلام ديناً عالميّاً، يمكن للناس جميعاً الاحتماء به، والالتجاء إلى تعاليمه، لنيل حقوقهم سواء أكانوا من معتنقيه أم من غيرهم. وكذلك أمر الإسلام أتباعه أن لا يُدْخِلوا الاعتبارات المادِّية في موضوع أداء الشهادة، سواء أكان أحد الخصمين غنياً أم فقيراً، فلا يجوز أن نغمطه حقَّه إن كان فقيراً، أو نتواطأ معه إن كان غنياً، فالله أَحقُّ أن نخشاه، وهذا كلُّه بخصوص حقوق العباد.
    أمَّا في الحدود فقد قال الفقهاء: إن ستر الشهادة في الحدود أفضل من أدائها، لقوله صلى الله عليه وسلم للذي شهد عنده في الحدِّ: «لو سترته بثوبك لكان خيراً لك» (رواه أبو داود والنَّسَائي) وقوله صلى الله عليه وسلم : «من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة» (رواه الطبراني مرفوعاً ورجاله رجال الصحيح) وقال صلى الله عليه وسلم : «ادرؤوا الحدود بالشُّبُهات ادرؤوا الحدود ما استطعتم» (رواه الخمسة).
    وحسبنا أن الله تعالى مُطَّلع على سرائرنا، وأنه حمَّلنا أمانة القيام بالقسط على إطلاقه في كلِّ حال وفي كلِّ مجال، القسط الَّذي يمنع البغي والظلم في الأرض، ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فالعدل أساس الملْك وقوامه، بل أساس الحياة السعيدة كلِّها.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  4. #14
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    التثبُّت من الحقائق
    سورة الحجرات(49)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إن جاءَكُم فاسقٌ بنبأٍ فتَبَيَّنوا أن تُصيبوا قوماً بِجهالةٍ فتُصبِحوا على ما فعلتم نادمين(6)}
    ومضات:
    ـ الفاسق هو الإنسان الَّذي يخرج عن حدود طاعة الله إلى معصيته، وقد أمر الله تعالى في هذه الآية أن توضع أفعاله وأقواله تحت المراقبة والمحاكمة، لأنه لا يؤمَنْ جانبه ولا يُرْكَن إليه، فهو غير مبالٍ أصلاً بسلامة المجتمع أو أمنه أو ترابطه، وإن الأخذ بكلامه على محمل الصدق والثقة، لاسيَّما فيما يتعلَّق بأعراض الناس ومصائرهم، قد يوقعنا في مساوئ التسرُّع والخطأ، ويحملنا على أن نرتكب ما نندم عليه حيث لا ينفع الندم.
    في رحاب الآيات:
    إن الإنسان الراشد العاقل مسؤول عن كلِّ كلمة يتفوَّه بها، وعن أي معنى يوحي به للآخرين، ومن هنا فقد تعيَّن عليه أن يوثِّق كلامه ويثبِّته بدلائل من أرض الحقيقة والواقع، وأن يحيط عقله ولُبَّه بالمراقبة الذاتية، فلا ينطق إلا خيراً، ولا يلقي سمعه إلا إلى ما يقبله العقل وتؤيِّده الحُجج والدلائل، وهذا لا يُدرَك إلا باستقصاء الحقائق. فكم من مقولة كاذبة أدَّت إلى تَهْلُكة، وكم من خبر زائف أدَّى إلى نزاع وشجار، وكم من شائعة مغرضة أدَّت إلى فساد في الأرض، فما كلُّ ما يُسمع يُقال، وما كلُّ ما يُسمع يُصدَّق أو يُؤخذ كقرينة إثبات، خاصَّة فيما يتعلق بأعراض الناس وأخلاقهم وأماناتهم ومجمل سلوكهم. جاء في الحديث أن معاذ بن جبل رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وهل نُحاسب على أقوالنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ثَكِلَتْك أُمُّك يامعاذ! وهل يكبُّ النَّاس في النَّار إلا حصائد ألسنتهم» (رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه).
    لقد حمى الإسلام حُرُمات الناس وكراماتهم، فشدَّد العقوبات على منتهكي الأعراض، ومثيري الفتن، وحذَّرنا في الوقت نفسه من الانسياق وراء تياراتهم، وتصديق كلِّ ما يقولون ويروِّجون، كي لا نتحوَّل إلى أدوات إذاعية لهم، تنقل افتراءاتهم وتَجَنِّيهم على النَّاس، فإذا وقعت الواقعة وكثرت الضحايا، وانجلت الحقيقة، وتبيَّن كذب ما كانوا يدَّعون، شعرنا بالنَّدم والألم لأننا كنا أدوات مشاركة في الجريمة، ومسؤوليتنا في ذلك جسيمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «التثبُّت من الله والعجلة من الشيطان» (رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله عنه ). ومدلول الآية عام، وهو يتضمَّن الدعوة إلى التمحيص والتثبُّت من خبر الناس عموماً، والفاسق خصوصاً، لأنه مَظِنَّة الكذب وكلامه موضع شكٍّ حتَّى يثبت صدقه، أمَّا الصادق فيؤخذ بخبره، لأن الصدق هو الأصل في المجتمع المؤمن، وخبر الفاسق استثناء، والأخذ بخبر الصادق الثقة جزء من منهج التثبُت لأنه أحد مصادره. أمَّا الشكُّ المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار، فهو مخالف لأصل الثقة المعتمدة، ومعطِّل لسير الحياة، والإسلام يترك الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز لصيانتها فقط، لا لتعطيلها. وهذا كلُّه فيما لم يطلب الشارع دليلاً عليه، أمَّا ما طلب الشارع دليلاً عليه كالاتِّهام بالزنا، فلابدَّ فيه من شهادة أربعة شهود عدول، وإلا فهو مرفوض ولو كان من صادق أو صادقَيْن أو ثلاثة فلابدَّ من الأربعة.
    سورة الإسراء(17)
    قال الله تعالى: {ولا تَقْفُ ما ليس لكَ به عِلمٌ إنَّ السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً(36)}
    ومضات:
    ـ يعرض الإسلام قواعد لتربية الحواسِّ المادِّية والروحية، لأنها إن لم تؤخذ بالعناية والعلم فإنها تخطئ في التمييز، وهذا ما يوقع صاحبها في دائرة الخطأ ثم المسؤولية والحساب. فالمرء مطالب بأن يتثبَّت من كلِّ خبر يسمعه، ومن كلِّ ظاهرة أو حركة يراها قبل أن يحكم عليها، وتلك هي مقولة الآية الكريمة الَّتي تجعل الإنسان مسؤولاً، عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.
    في رحاب الآيات:
    إن الانقياد الأعمى وراء مبدأ أو غاية ما، دون دراسة أو حسن تبصُّر، يُعَدُّ خروجاً على قوانين الله، إذ لا يجوز تعطيل أدوات التمييز كالسمع والبصر الَّتي ترشد الفؤاد. والفؤاد يعني العقل أو القلب الَّذي يتحسَّس الخطأ والصواب إذا كان منوَّراً بالإيمان وذِكر الله تعالى.
    تلك كلمات قليلة تقيم منهجاً كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الَّذي عرفته البشرية حديثاً. فالتثبُّت من كلِّ خبر ومن كلِّ ظاهرة ومن كلِّ حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج، لم يعد هناك مجال للوهم والخُرافة في عالم الفكر، ولم يبقَ مجال للظنِّ والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبقَ مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. فالأمانة العلمية الَّتي يُشِيدُ الناس بها اليوم، ليست سوى جانب من الأمانة العقلية والقلبية الَّتي يعلنها القرآن، فيجعل الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده أمام واهب هذه النعم. إنها أمانة الجوارح والحواسِّ والعقل والقلب، أمانة يُسأل عنها صاحبها، ويرتعش الوجدان لثقلها كلَّما نطق اللسان بكلمة، أو روى رواية، أو أصدر حكماً على شخصٍ أو أمرٍ أو حادثةٍ.
    فظلمة السمع كامنة في جعل الأذن أداة الاستماع إلى الغيبة واللغو، والرفث والبُهتان، والقذف واللهو والفواحش، أمَّا نوره ففي جعلها أداة الاستماع إلى القرآن والأخبار الصادقة النافعة، والعلوم والحِكم، والمواعظ والنصيحة وقول الحق. وظلمة البصر: في النظر إلى المحرَّمات، ونوره في النظر في القرآن والعلوم وآثار رحمة الله. وظلمة الفؤاد: في إضمار الحقد والحسد والعداوة، وحبِّ الدنيا والغفلة عن الله عزَّ وجل، والتعلُّق بما سواه سبحانه، ونوره في ذِكر الله تبارك وتعالى والإنابة إليه وتصفية القلب من هذه الأوصاف، وتحليته بنقيضها من مكارم الأخلاق والعقائد السليمة.
    أخرج الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بنفاذ ما قال». وأخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من حمى مؤمناً من منافق، بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن قفا مؤمناً بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج ممَّا قال». فعلينا أن نصون حواسَّنا عن الفواحش، ونحرص على طهارتها، ولا نلطِّخها برجس المعصية لأننا مسؤولون عنها أمام محكمة ربِّ العالمين.
    سورة النساء(4)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذينَ آمنوا إذا ضَربْتُم في سبيلِ الله فتَبيَّنوا ولا تقولوا لِمَن ألقى إليكُمُ السَّلامَ لستَ مؤمِناً تَبْتغونَ عَرَضَ الحياةِ الدُّنيا فعندَ الله مغانِمُ كثيرةٌ كذلكَ كُنتُم من قبلُ فَمَنَّ الله عليكم فتبيَّنوا إنَّ الله كان بما تعملونَ خبيراً(94)}
    ومضات:
    ـ يجب على المؤمن التأنِّي والتروِّي في تبيُّن حقائق الأمور، لأن عدم الرويَّة والتثبُّت قد يؤدِّي به إلى نتائج مفجعة.
    ـ يجب أن يقبل المؤمنون السلام ممن يحيِّيهم بتحيَّة الإسلام، وهم غير ملزمين بالتحرِّي عن حقيقة إيمانه، ذلك لأنهم ليسوا مكلَّفين بالكشف عن بواطن القلوب ومكنوناتها، فهم يحكمون بالظاهر فيما يتعلَّق بالعقيدة والإيمان، والله يتولَّى السرائر.
    ـ المؤمن يخلص النية في سعيه في سبيل الله، ويقدِّم مصلحته الأخروية على مصالحه الدنيوية مهما كانت مغرية مُلِحَّةً، ويتحرَّى شرعيتها كيلا يفوِّت ما ادَّخره الله تعالى له من عظيم الأجر والثواب. وهذا لا يمنعه من السعي الشريف، وراء المكاسب الدنيوية الحلال، ليوظِّفها في سبيل تحقيق الكفاية والسعادة لنفسه وأسرته ومجتمعه.
    ـ يجب أن يفطن الداعي إلى الله إلى دورة الحياة، وأن يعود بذاكرته إلى بدايات سلوكه طريق الإيمان، كي يعامل الآخرين بقدر إيمانهم ويخاطبهم بحسب مستواهم العقلي والروحي.
    ـ إن الله تعالى خبير بالأعمال الَّتي نقوم بها، ولا يخفى عليه شيء من بواعثها.
    في رحاب الآيات:
    لا تخلو صفوف أتباع أيِّ شريعة من الشرائع على مرِّ الزمان، من فئة متصلِّبة متطرِّفة، تنكر على الناس إيمانهم، وتطعن بسلامة عقيدتهم، حتى ولو نطقوا بالإيمان، وتقيَّدوا بأحكام العبادات. فتراهم يُشهرون سلاح التكفير في وجه من يخالفهم من الناس دون ورع وبلا هوادة. والسبب الَّذي يدفعهم إلى ارتكاب هذه المخالفات والمغالطات هو فهمهم الخاطئ للدِّين وتعاليمه، أو أمراض نفسية مستحكمة فيهم، وشهوات مستعرة في دخائلهم، لا يمكن أن يكون لها سلطان على المؤمن، الَّذي يعي دين الله جيداً ويطبِّق تعاليمه، ويلتزم بالدعوة إلى الله ونشر لواء العلم والسلام والإخاء.
    إن أمثال هؤلاء موجودون في كلِّ زمان ومكان، والآية الكريمة، تدعوهم ليخفِّفوا من غلوائهم فتقول: لا تحسبوا أن كلَّ من اشتبهتم في كونه كافراً هو كافر، إذ ربَّما يكون الإيمان قد طاف في سماء قلبه وألـمَّ بها إن لم يكن قد تمكَّن فيها بعد. فإذا انطلقتم للدفاع عن دين الله فتأنَّوا في اتِّهام من اشتبه عليكم أمره ولم تتبينوا حاله بعد، أَعَدُوٌّ هو أم مسالم، ولا تعجلوا في محاربته إلا إذا تحقَّق لكم أنه يشنُّ حرباً على دين الله ورسالته، فليس الهدف الأصلي من الجهاد قتل الأعداء والتخلُّص من أجسادهم، بل قتل العداوة في قلوبهم وتحويلهم إلى إخوة وأصدقاء. فإذا استسلم أحدهم وعرض على المؤمنين السلام فعليهم أن يقبلوه وأن يَعْرُضوا الإيمان عليه بشكل ودِّي مقبول، وأن يقولوا له قولاً ليِّناً؛ كما أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السَّلام حين أرسلهما إلى فرعون قائلاً: {فقولا له قولاً لَيِّناً لعلَّهُ يتذكَّرُ أو يخشى} (20 طه آية 44) فما هم بأكرم على الله من الأنبياء ولا ذاك الإنسان بأعتى عند الله من فرعون.
    وقد ضربت الآية لهؤلاء القوم من المسلمين الَّذين كانوا يشتدُّون على من يظنُّون فيه الكفر دون أن يتحقَّقوا منه، مثلاً مستمداً من سلوكهم لتكون التذكرة أقوى والموعظة أبلغ؛ حيث كانوا هم أنفسهم في بدء الدعوة يُخفون إيمانهم عن قومهم خوفاً وتقيَّة، حتَّى منَّ الله عليهم بإعزاز دينه، وأظهرهم على المشركين. هذه حالهم في بدء الإسلام، وهي حال هذا الإنسان الآن، لذلك يدعوهم لأن يقبلوا إيمانه، ويعملوا على زيادة حلاوته في قلبه، وتقوية أواصره في صدره، والله هو الَّذي يتولَّى السرائر وهو نِعْمَ المجازي ونِعْمَ المثيب، وهو أيضاً صاحب القرار في تمييز المؤمن من الكافر، ولا يحقُّ لأحد من البشر أن يتطاول بأخذ حقِّ الحكم على إيمان الناس، بل يتعامل مع الناس محسناً الظنَّ بهم، والله تعالى أحقُّ بالغيرة على دينه من جميع العباد.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  5. #15
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    العفو والمسامحة
    سورة الأعراف(7)
    قال الله تعالى: {خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرفِ وأَعْرِضْ عن الجاهلين(199) وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشيطانِ نَزْغٌ فاستعذ بالله إنَّهُ سميعٌ عليم(200)}
    سورة فصلت(41)
    وقال أيضاً: {ولا تستوي الحسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادفعْ بالَّتي هي أحسنُ فإذا الَّذي بينَك وبينَه عداوةٌ كأنَّه وليٌّ حميم(34) وما يُلَقَّاها إلاَّ الَّذين صبروا وما يُلَقَّاها إلاَّ ذو حظٍّ عظيم(35) وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشَّيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إنَّه هو السميعُ العليم(36)}
    ومضات:
    ـ أيُّها المسلم خذ نفحة طيِّبة من كلِّ خُلق كريم، وتحلَّى بالمسامحة وعامل الناس باللين والحلم والرفق، ولتكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر في كلِّ أحوالك، كن طبيباً معالجاً لمشاكل الناس وهمومهم ناشراً بلسم شفائهم، ولا تكن قاضياً جائراً تدينهم على الشُّبُهات، وابتعد عن طريق المغرضين المخرِّبين، العابثين بالقيم العليا وفضائل الأخلاق.
    ـ إن قوَّة إيمانك تتجلَّى في قدرتك على أن تقتل العداوة الَّتي يزرعها الشيطان في قلب أعدائك، فتحوِّلهم إلى أحباب مسالمين متعاونين معك بمودَّة وصدق.
    ـ ينال المؤمن القِيَمَ الأخلاقية الرفيعة والصفات الإيمانية الكريمة بالصبر الدؤوب، والمجاهدة المستمرة، وبتوفيق الله وعنايته.
    ـ إن الشيطان يتربَّص بالإنسان الدوائر، ويقعد له مقاعد السوء، فهو مخلوق لا يملك سوى طاقة الشرِّ الَّتي تتأجَّج في صدره، وهي طاقة ضعيفة سُرعان ما تضمحلُّ وتتلاشى بمجرَّد التجاء المؤمن إلى الحقِّ، واستجارته بالله عزَّ وجل؛ الَّذي يحميه من وساوس هذا الشيطان اللعين.
    في رحاب الآيات:
    لئن كان الله عزَّ وجل قد حكم على آدم وذريَّته بالهبوط من الجنَّة إلى الأرض، فإنه قد شرَّع لهم من الشرائع ما يرفعهم من الأرض إلى الجنان إذا ما التزموا بها!. فالدِّين يعني الرقي الأخلاقي والسلوكي والاجتماعي، وهذا كافٍ ليأخذ بيد الإنسان من مسارب الجهل وسراديب الضياع، ويصعد به إلى مرتقيات الروح، ومسالك الضياء. وهو بمجموع تعاليمه ينضوي تحت لواء شعبتين كبيرتين هما: الإيمان بوحدانية الله، والتحلِّي بمكارم الأخلاق. والآية الكريمة تتناول الجانب الثاني الَّذي يرتبط بعلاقات الناس بعضهم مع بعض، وهي ذات مدٍّ روحي كمدِّ البحر يتدافع في عمق النفس بسرعة خاطفة، ولا ينحسر عنها إلا وقد طهَّرها وزكّاها. وأوَّل هذه المكارم الخلقية التسامح مع الناس، والعفو عن أخطائهم، واليسر في معاملتهم بعيداً عن التشدُّد، وخاصَّة في مجال الدعوة إلى الله، حيث ينبغي أن تكون دعوتهم مبنية على اللين والحوار البنَّاء، فالنفوس ليست كلُّها على مستوى واحد من الكمال، وإذا تعامل الداعي مع الناس على أنهم متساوون في الرقيِّ الأخلاقي شقَّ ذلك عليهم، واتسعت الهوَّة بينه وبينهم؛ لذلك فإن من واجبه أن يصرف النظر عن هَفَوات من يدعوهم، ما لم يكن فيها مخالفة صريحة لتعاليم الدِّين، وعليه أن يخفِّف عنهم الأعباء ضمن حدود الشرع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
    ومن الواضح أن الآية تحثُّ على العمل الصالح، لأن خيره يعود على من يقوم به، وعلى من يرتبط به برابطة ما من الروابط الاجتماعية، فهو يترك أثراً إيجابياً في نفسيهما معاً، وينعكس راحةً وأمناً وطمأنينة، بينما يترك العمل السيء ردود فعل من الغضب، وتوتُّر الأعصاب في نفس من يصدر عنه ونفس من يرتبط به، وقد يحدث بسبب ردود الأفعال هذه مشاكل ومضاعفات يكون لها أسوأ النتائج. وهنا يأتي دور الإيمان، وهو المصلح النفسي والاجتماعي لنفوس الناس وطبائعهم، فالتربية الإيمانية تحثُّك على مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا لا يتحقَّق إلا بإرادة قوية، وأعصاب فولاذية، ولسان رطب بذِكر الله، وقلب عامر بمحبَّته وخشيته، وفوق ذلك كلِّه فلابدَّ من الصبر الجميل والمصابرة الواعية. وكثيراً ما تقلِب هذه الإيجابية عداوة المسيء إلى صداقةٍ ومودَّةٍ، تعودان به إلى طريق الصواب، قال عمر رضي الله عنه : (ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه)، وروى الطبراني عن جابر رضي الله عنه : «أنه لما نزلت هذه الآية {خُذِ العفو..} سأل النبيُ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عنها فقال: لا أعلم حتى أسأل، ثم رجع فقال: إن ربَّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك».
    ولا يقدر على تنفيذ هذه الوصية إلا الصابرون على تحمُّل الشدائد، وتجرُّع المكاره، وكظم الغيظ، وترك الانتقام، فإن ذلك ممَّا يشقُّ على النفوس، ويصعب احتماله في الأغلب من الوقائع، والأشمل من الحالات. قال أنس رضي الله عنه : (الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنتَ صادقاً غفر الله لي، وإن كنتَ كاذباً غفر الله لك)، وهذه السماحة تحتاج إلى إنسان نبيل يعطف ويسمح مع قدرته على الإساءة والرَّد، حتى لا يُصوَّر الإحسان في نفس المسيء ضعفاً، فَيَبطُلَ أثرُ الحسنة.
    إن هذه الدرجة، درجة دفع السيئة بالحسنة، وهذا التوازن الَّذي يعرف متى تكون السماحة مع القدرة، ومتى يكون الدفع بالحسنى، درجة عالية لا يُلَقَّاها أيُّ إنسان، وإنما ينالها ذوو النصيب الوافر من الأخلاق وحسن التربية، فإن وسوس لك الشيطان ليحملك على مجازاة المسيء فاستعذ بالله من كيده وشرِّه، واعتصم به من نزغاته، فالاستعاذة بالله وقاية تحميك من لظى نار الغضب الَّتي يُسعِّرها، ودرع يقيك من سهام الشرور الَّتي يُصوِّبها. ولا يخفى أن خالق القلب البشري يعرف مداخله وقنواته، ويعرف طاقته واستعداده، ومن أين يدخل الشيطان إليه، لذا فهو قادر على أن يحفظ قلب المؤمن من نزغاته إن هو استعاذ به، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضَّأ» (رواه أبو داود).
    وبعد هذه الدعوة إلى هذا المستوى المثالي في الأخلاق والفضائل نرى الآية الكريمة تحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك سمة بارزة من سمات المجتمع المؤمن، حضَّ عليها الشارع الحكيم في الكثير من آيات القرآن الكريم، لأن صلاح المجتمع يتوقَّف عليها، وبها يتحقَّق التكافل الاجتماعي في أحسن صوره. وممَّا لاشكَّ فيه أن إصلاح الفرد هو الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع، لأن الإنسان خليَّة في جسد المجتمع البشري، إذا فسدت أضرت به وآلمته، وإذا صلحت حملت له الأمل بالصحَّة والعافية. ولا يكفي أن يصلح الإنسان نفسه، لأنه مسؤول أيضاً عن إصلاح أسرته الصغيرة، وكذلك عن الأسرة الإنسانية الَّتي يعيش بين ظهرانيها، لذلك ربط الله تعالى صلاح الأمَّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {كنتم خيرَ أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاس تأمرونَ بالمعروفِ وتَنْهَوْنَ عن المنكر..} (3 آل عمران آية 110). وأوَّل شروط الأمر بالمعروف أن يكون الداعي إليه هو القدوة الصالحة، والأداة المنفِّذة له، فلا خير في دعوة لا تصدر عن القلب، ولا تصدِّقها الجوارح، بل تبقى مبتورة لا تتجاوز أسماع من تُلقى إليهم، وقد ندَّد الله بأمثال هؤلاء الدعاة فقال: {أتامُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنفسَكُم وأنتم تَتْلونَ الكتابَ أفلا تعقلون} (2 البقرة آية 44).
    ولابدَّ من أن يواجه الداعي إلى الله العقبات الشاقَّة، وأن يلتقي نماذج مختلفة من البشر، ففيهم من يستمع القول فيتَّبع أحسنه، وفيهم من يستمع القول فلا يتجاوز شحمتي أذنيه، وفيهم زكي القلب حسن الاستماع بعيد الأفق، وفيهم الجاهل محدود العقل ضيِّق الأفق، فإذا ما اصطدمت مصالحهم الشخصية مع تعاليم الداعية وحاربوه، فعليه أن يحلم، وأن يحاورهم الحوار البنَّاء بالحكمة والموعظة الحسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه : (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك)، فإذا استنفد الداعي وسائله العقلانية ولم ينجح، فليكفف وليصمت، ولعلَّ الصمت يكون أبلغ من الكلام، وأقدر على ترويض نفوسهم وتطويعها للحقِّ بدلاً من استثارتهم للفحش في الردِّ والعناد. فالشيطان في مثل هذه المواقف نشط فرح، يسعى ليَنفُذَ بسهامه المسمومة إلى عقل الإنسان المصلح ليربكه، وإلى حماسه ليثبِّطه، وإلى غضبه ليؤجِّجه، فما على الداعية إلا أن يستعيذ بالله، وأن يقوِّي روابط صلته القلبية الروحية بالحضرة الإلهية، ليبقي على توازنه، ويوطِّد العزم من جديد على مواصلة مسيرة الإصلاح والبناء والعمل المنتج.
    سورة النساء(4)
    قال الله تعالى: {لا يُحِبُّ الله الجَهرَ بالسُّوءِ من القولِ إلاَّ من ظُلِمَ وكان الله سميعاً عليماً(148) إن تُبدوا خيراً أو تُخفوهُ أو تعفوا عن سوءٍ فإنَّ الله كان عَفُوّاً قديراً(149)}
    ومضات:
    ـ إن الشريعة الغرَّاء تُحكِم الرقابة على كلام المؤمن بحيث يدور دائماً في دائرة الخير والإصلاح، وتمنعه من أن يذكر أخاه بسوء إلا أن يظلمه، فإنه يملك حينها حقَّ الدفاع عن نفسه ورد الظلم عنها، وأمَّا ما سوى ذلك فهو تعدٍّ يترك آثاراً سلبية في المجتمع، تنذر بالقضاء على روابط الثقة والاحترام المتبادلين بين الفرد والجماعة.
    ـ المؤمن يعفو ويسامح تخلُّقاً بأخلاق الله تعالى؛ الَّذي يحبُّ العفو مع قدرته على إهلاك المسيئين أجمعين. وتتفاوت قدرة المؤمن على العفو بحسب درجة إيمانه، ومدى قربه من الله عزَّ وجل.
    في رحاب الآيات:
    لسان المؤمن من وراء قلبه، فهو لا ينطق بالسوء، ولا يجاهر بالفاحش من القول، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ليس المؤمن بالطَّعان ولا اللَّعان ولا الفاحش ولا البذيء» (رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ). فالمؤمن الَّذي نظَّف قلبه، ونقَّى سريرته، وهذَّب مشاعره لا يمكن أن ينطق إلا بالصدق، وهو يتوخَّى الحكمة والإصلاح في كلِّ ما يلفظ، فَرُبَّ كلمة عابرة لا يحسب قائلها حساباً لما ستتركه من أثر قد أوقعت بين أخوين، أو دمَّرت سعادة زوجين. ولاشكَّ أنه عندما تصفو سريرة المؤمنين، وتطهر ألسنتهم، فإن مشاكل المجتمع تُحَلُّ تلقائياً وتتلاشى، لتصبح ذكريات بغيضة لا يحلو للمسلم أن تخطر له على بال.
    والله تعالى الَّذي وضع مخطط هذا الكون بتصميم رائع، يتبرَّأ من محبَّة السوء وأهله، لما فيه من تجريحٍ للناس وكشفٍ لسوآتهم، وقطع أواصر الحبِّ فيما بينهم، وليس هذا ممَّا يرضاه الله، ولا من أجله قد خلق الحياة. ومع ذلك فإنه جلَّ وعلايعطي رخصة لمن ظُلِم أن يجهر بظلامته، وأن يعرِّي مَن ظلمه أمام الناس ليتَّقوا شرَّه، وليرفع المظلوم الظلم عن نفسه، خاصَّة إذا كان المشتكى إليه حاكماً أو غيره ممن يُرجى نفعُه في إزالة هذا الظلم، فالله لا يرضى بالظلم ولا يرضى لعباده أن يتظالموا. والله سبحانه سميع الدعاء عليم بظلم الظالم، وقلَّة حيلة المظلوم، قادر على نُصرته والاقتصاص ممَّن ظلمه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» (أخرجه الترمذي)، وبالتالي فكأنه أخذ حقَّه بيده بعد أن أوكل أمر ظالمه لله تعالى.
    إن الشريعة السمحة تأبى إلا أن تسمو بالإنسان في معارج الكمال، فهي تثير فضيلة هامَّة في نفسه؛ هي فضيلة العفو، لأنه صفة من صفات الله، واسم من أسمائه، فهو عَفُوٌّ يحبُّ العفو، فمن أجدر من المؤمن بأن يتخلَّق بما يحبُّه خالقه، وأن يدأب للاقتراب من حضرته، فينشر عليه من رحمته ومدده، فيعفو ويصفح عن مقدرة، عفواً يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلَّة العجز، قال عليه السَّلام: «ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عزَّ وجل» (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ).
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  6. #16
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    الكلمة الطيِّبة
    سورة إبراهيم(14)
    قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كيف ضَرَبَ الله مثلاً كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السَّماء(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ويَضْرِبُ الله الأَمْثال للنَّاس لعلَّهُم يتذكَّرون(25) ومَثَلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الأرضِ ما لها من قرارٍ(26) يُثَبِّتُ الله الَّذين آمنوا بالقولِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ ويُضِلُّ الله الظَّالمينَ ويفعلُ الله ما يشاء(27)}
    ومضات:
    ـ الكلمة الطيِّبة نفحة روحانية تصل ما بين القلوب وتربطها برباط المحبَّة والودِّ والتآلف. أمَّا الكلمة الخبيثة فهي معول للهدم والتمزيق والتفريق، يعمل تخريباً في أوصال المجتمع فيهدُّ كيانه.
    ـ الكلمة الطيِّبة تُزهر في النفس لتتفتَّح بأجمل أزهار الخير والحبِّ الَّتي يعبق شذاها فوَّاحاً في كلِّ زمان ومكان. والكلمة الخبيثة نتنة الرائحة، تصدر عن بؤر نفسية عفنة.
    ـ إن لشجرة الإيمان جذوراً ضاربة في أرض الهدى ومحبَّة الله، من تمسَّك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى، واكتسب ثباتاً وتصميماً لا زيغ فيه ولا ضلال.
    في رحاب الآيات:
    الكلام فنٌّ وأدب وذوق، ومن لا يتقن هذا الفن يضيِّع الكثير من الفوائد والمغانم، فكم من كلمة خبيثة لا يأبه العبد بها، تودي به إلى الذُّل والتهلكة، وكم من كلمة طيِّبة قرَّبت بين المتباعدين، وأصلحت ما بين المتخاصمين، وجمعت شمل المتدابرين، فأورثت صاحبها عزَّاً وحمداً بين الناس لا يُمحى على مرِّ الأيام؛ لذلك أمر الله عباده بأن يجمِّلوا ألسنتهم بالكلام الحسن، وضرب لهم مثلاً حيَّاً يصوِّر فيه قداسة الكلمة الطيِّبة.
    إن تصوير المعاني في القرآن معجزة من معجزاته الكثيرة، فهو بأسلوبه المتميِّز يبعث الحياة في الجماد، ويحوِّل المعنى المجرد إلى أمر شبه محسوس، والخبر الغيبـي إلى أمر مُتَخَيَّلٍ شبه ملموس، ليقرِّبه من الأذهان، ويجلِّيه للأبصار، وينفي عنه الغموض، فتكون الصورة أوضح والدلالة أبلغ والحكمة أنفع!!.
    وهذه إحدى صور القرآن الكريم ينقلها من العالم المجرَّد إلى عالم الحسِّ والإدراك، إنها الكلمة الطـيِّبة وهي أشبه ما تكون بفاكهة لذيذة المذاق، كثيرة الفائدة، إنها تُسعد قائلها وسامعها؛ فهي تخرج من القلب المزكَّى ويطلقها اللسان المنقَّى لتستقر في القلب، وتُسعد الناس بما تخلقه من جوٍّ يفيض بالأُلفة والمودَّة، وتُنْعِشُهم بأريجها الفوَّاح. إن الكلمة الطيِّبة ترجمة صادقة للشعور الطـيِّب والإحساس النبيل، تحمل بين حروفها دفء الحبِّ ولذَّة العطاء، وسعادة التواصل الرفيع بين إنسان وإنسان؛ فهي رَوْح ورَيحان، كمثل شجرة مباركة جذورها ضاربة في عُمق الأرض، تمتصُّ منها غذاءها وأملاحها وتحوِّلها إلى نُسغ يصعد إلى ساقها فأغصانها فأوراقها، فترتعش فيها دفقة الحياة، وإذا بها تتطاول صاعدة في السماء، ثمَّ تزهر وتثمر في موعدها المحدَّد بإذن خالقها، فتتجمَّع حولها القلوب المتلهِّفة، والنفوس المتعطِّشة لجني ثمرها، والتنعُّم بخيرها المتجدِّد كلَّ عام. ولئن كانت جذور الشجرة الطيِّبة تتفرَّع في جوف الأرض، فإن الكلمة الطيِّبة تتفرَّع في شغاف القلب، وتلامس سويداءه لتخلِّف مكانها أمناً وسلاماً، بينما تصعد فروعها إلى سماء النفس فتجلوها، وإلى مرآة الوجدان فتصقلها، وتنشر على من حولها ظلال الإيمان الندية، فهي لبنة أساسية في صرح السعادة الإنسانية.
    إن الكلام الطيِّب رحيق الأنبياء ولغة المؤمنين الصادقين، والمؤمن الحقُّ هو من تخلَّق بخلق القرآن، فسما تفكيره، وتهذَّبت مشاعره، فانعكس هذا كلُّه على كلامه وتصرفاته، فهو هادئ، رزين، وقور، لا يلفظ إلا كلاماً موزوناً طاهراً نقيّاً، فهو إمَّا أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، وإمَّا أن يصلح بين الناس، أو يعين على عمل نافع. وقد وجَّه القرآن إلى ما ينبغي أن تكون عليه مجالس المؤمنين بقوله تعالى: {لا خيرَ في كثير من نَجْوَاهُمْ إلاَّ مـن أَمَـرَ بصدقـةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس..} (4 النساء آية 114). كما وجَّه القرآن إلى وجوب أن يكون كلامنا صادقا موزونا يراد به الوصول إلى الحقِّ، وإلى إقامة المجتمع الصالح السليم البنية، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا الله وقولوا قولاً سَديداً * يُصْلِحْ لَكُم أَعمالَكُم ويَغْفرْ لَكُم ذُنوبَكم ومَنْ يُطِعِ الله ورسولَهُ فقد فازَ فوزاً عَظيماً} (33 الأحزاب آية 70 ـ 71). هذا فيما بين الإنسان وبين إخوانه في الإنسانية، أمَّا فيما بينه وبين ربِّه، فلسانه دائم التسبيح والتحميد والتمجيد والدعاء، ولا يدور إلا بكلمات الذِّكر والشكر لله، فالمؤمن قرآن متحرِّك، سلوكه سلوك الأتقياء، وأقواله أقوال الأنبياء، لا غضب، ولا فُحش، ولا إسفاف ولا مبالغة، ولا لغو، وإذا غضب فإنه يملك نفسه ويصونها عن الانزلاق في مهاوي السفاهة والابتذال، قدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي ملك قلوب الناس بكلامه الطيِّب، وقوله الليِّن. أمَّا منهله الَّذي يستلهم منه كنوز الكلِم ولآلئه، فهو القرآن الكريم الَّذي سبى القلوب ببيانه الأخَّاذ، وكلامه العذب السلسبيل.
    هذا غيض من فيض الحديث عن الكلمة الطيِّبة وأثرها، ولما كانت الأشياء تتميَّز بأضدادها ذكر الله لنا الكلمة الخبيثة بمقابل الكلمة الطيِّبة، فلولا الظلمة لما عُرف فضل النور، ولولا القُبح لما ظهرت روعة الجمال، لأنَّ تعوُّد الإنسان على رؤية الجمال وحده، يجعله باهتاً في نظره، ويفقده قيمته مهما كان جليلاً، فإذا ما صدمت عيني الإنسان دمامةُ القُبح أدرك روعة الجمال، وإذا ما أَدْمَتْهُ يد الشرِّ أحسَّ بحنوِّ اليد الرحيمة، حين تمتدُّ إليه لتمسح جراحه. وإذا كانت الكلمة الطيِّبة كشجرة طيِّبة، فإن الكلمة الخبيثة كشجرة مرٌّ ثمرها، خبيث ريحها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، جذورها متآكلة نَخِرَة، لفظتها الأرض وطرحتها فإذا بها تهوي جثَّة هامدة، وحطباً يابساً يُحرق أو ينبذ بعيداً. والكلمة الخبيثة ألغام متفجِّرة في طريق المجتمع المتكاتف، تُفتِّت وحدته، وتقتلع جذور الأخوَّة الَّتي تثبِّت المحبَّة بين أبنائه، وتنشر مكانها بذور البغضاء والأحقاد، فيعمُّ فيه الفساد، وتنهار أواصره، وتتداعى مقوِّماته ليصبح هباء منثوراً تذروه الرياح.
    وهكذا فإن من طهـرت ألسنتهم فلم تنطق إلا بكلمة الإيمان والتوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يثبِّتهم الله تعالى ويؤيِّدهم في الدنيا، فلا تزعزعهم رياح الشرِّ، ولا تقضي عليهم المصائب، ويؤيِّدهم ويثبِّتهم في الآخرة؛ منذ وصولهم إلى أوَّل منزل من منازلها وهو القبر، وإلى أن يجتازوا الصراط إلى قصورهم في الجنَّة، فلا يحزنون حين يحزن الناس، ولا ينالهم فزع حين يفزعون، بل يُلَقَّون الأمن والأمان، والطمأنينة والتحيَّة والسَّلام، وعن البرَّاء رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله فذلك قوله: يثبِّت الله الَّذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». وأمَّا الَّذين تعوَّدوا الفُحش في القول والسوء في العمل، فإنهم يضلُّون في الدنيا والآخرة، لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الفجور، والله يجزي كلَّ فريق بما يستحقُّ، بعد أن اختار هذا الفريق طريقه ونهايته بإرادته دون إجبار ولا إكراه.
    سورة الإسراء(17)
    قال الله تعالى: {وقُلْ لعبادي يقولوا الَّتي هيَ أحسنُ إنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بينَهُم إنَّ الشَّيطانَ كان للإنسانِ عدوّاً مُبيناً(53)}
    ومضات:
    ـ صاحب الذوق السليم ينتقي من حديقة الورد أجملها، ومن الفواكه أطيبها، وكذلك هو المؤمن الراقي الحس، المهذَّب الجوارح يختار من الكلمات أطيبها، ولا يدع لسانه مطيَّة للشيطان يحرِّكه لينطق بما يرضيه في بثِّ الفتن والأحقاد بين قلوب المؤمنين، ليحيل ودَّهم عداوة، ووحدتهم وتعاضدهم فرقة وضعفاً.
    في رحاب الآيات:
    يملك الشيطان سهاماً عديدة للإيقاع بالمؤمن، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس، والكلمة الفاحشة سهم أشدُّ سُمَّاً وإيذاءً، يفجِّر الغضب ونيران الحقد في نفوس الناس، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء. لذلك يأمرنا الله تعالى بالتحكُّم في أقوالنا وأعمالنا لتكون مسدَّدة صائبة بحيث لا نتفوَّه من القول إلا بأحسنه، ولا نأتي من الأعمال إلا بأفضلها، لنسدَّ بذلك على الشيطان مسالكه، ونمنعه من التغلغل بين صفوفنا كمؤمنين متحابِّين متوادِّين، كي لا يفسد علينا سعادتنا وطمأنينتنا. فالشيطان ينزغ بين الإخوة، وينفث سمومه في صدورهم فتكون الكلمة الفظَّة السيئة من أولى آثار سمومه، ثم يتلوها الردُّ السيء، فإذا جوُّ الوفاق والود والمحبَّة، ينقلب خلافاً يثمر جفوة فعداءً، بينما تبقى الكلمة الطيِّبة بلسماً يداوي جراح القلوب، ويجمعها على الودِّ والتفاهم الكريم، ويمكننا أن نجد نظير هذه الآية في قوله تعالى: {..وقولوا للنَّاس حُسناً..} (2 البقرة آية 83)، وقوله أيضاً في وصف المؤمنين: {وهُدوا إلى الطَّيِّب من القولِ وهُدوا إلى صراط الحميد} (22 الحج آية 24).
    فالعداوة مستحكمة بين الإنسان والشيطان لأنه لا يريد صلاح الناس أصلاً بل يريد هلاكهم، وقد أظهر عداوته لهم في كلِّ مناسبة أتيحت له، كما حذَّرنا الله تعالى من العهد الَّذي أخذه الشيطان على نفسه لإضلال بني آدم عندما قال: {قال فبما أغويْتَني لأَقْعُدَنَّ لهم صِراطكَ المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ من بين أيديْهِم ومن خلْفِهِمْ وعن أيمانِهِمْ وعن شمائِلِهمْ..} (7 الأعراف آية 16ـ17). ولكي تصل البشرية إلى وحدتها فتكون أمَّة واحدة، وإلى تواصلها فتكون أسرة واحدة، أمر الله جَلَّت حكمته بحسن الأدب ولين القول وجميل الفعال، لأنه جميل يحبُّ الجمال، طيِّب يحبُّ الطيِّب. وما علينا في سبيل الفوز بمحبَّته إلا أن نسعى إلى ذلك بالتجمُّل بأخلاق القرآن، والتحلِّي بشمائل المصطفى العدنان r، لأن أعلى مستوى من مستويات الكمال هو أن نتخلَّق بأخلاق القرآن الَّتي جسَّدها الرسول الكريم r قولاً وعملاً؛ فهاهو ذا كتاب الله يصفه بأجلِّ الصفات عندما يقول سبحانه: {وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم} (68 القلم آية 4) وهاهي ذي السيِّدة عائشة رضي الله عنها تصفه قائلة: (كان خلقه القرآن).
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  7. #17
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    إصلاح ذات البين
    سورة الحجرات(49)
    قال الله تعالى: {وإنْ طائِفتان من المؤمنين اقْتَتَلُوا فأصلحوا بينَهما فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأُخرى فقاتِلوا الَّتي تَبْغي حتَّى تَفِيء إلى أمر الله فإنْ فاءَتْ فأصلحوا بينَهما بالعدلِ وأقْسِطُوا إنَّ الله يحبُّ المُقْسطين(9)إنَّما المؤمنونَ إخوةٌ فأصلحوا بين أخوَيْكم واتَّقوا الله لعلَّكم تُرحمون(10)}
    ومضات:
    ـ المؤمن أخو المؤمن، والأُخوَّة رباط قويٌّ من روابط الإيمان الحقيقي، لذلك كان لزاماً علينا أن نسارع ودون أيِّ تهاون إلى رأب الصدع، وإصلاح الخلل بين الإخوة قبل أن يستفحل الشر ويُعْضِلَ الداء، لننال الرحمة والبرَّ الإلهي.
    في رحاب الآيات:
    لقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع خلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر، والبشر يخطئون ويصيبون، ويعسر أن تتَّفق آراؤهم أو تتوحَّد اتجاهاتهم دائماً. ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف هذه، على اختلاف مستوياتها؛ بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومروراً بالهجر والتباعد، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال. وقد نصَّ القرآن الكريم على الحلِّ الأمثل لعلاج مثل هذه الحالة الطارئةويتمثَّل بانتهاج طريقين اثنين هما:
    أوَّلاً: العمل على جمع شمل المتخاصمين وإصلاح ذات بينهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
    ثانياً: في حال تمرُّد إحدى الفئتين المتخاصمتين على أحكام الصلح وقبول الأخرى بها؛ يجب أن يقوم المجتمع بأكمله في وجه الفئة المتمرِّدة منهما لإلزامها برأي الجماعة، ولو أدَّى ذلك إلى إخضاعها له بالقوَّة. فإذا ارتدعت وانقادت فالصلح سيِّد الأحكام، والعدل رائد الجميع في إتمام مسيرة السَّلام، وبذلك تُنتزع جذور الشرِّ من القلوب وتُزرع مكانها بذور المحبَّة والوئام.
    إن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الناس، لينفصلوا بعد اتحاد، ويتنافروا بعد اتفاق، ويتعادوا بعد أُخوَّة؛ فما دامت هناك مجتمعات وتجمُّع واجتماعات، فلابدَّ من وجود أسباب للاتفاق وأخرى للاختلاف، ولابدَّ من وجود آراء متقاربة وأخرى متنافرة، قد تؤدِّي عند بعض الناس إلى نشوب خلاف مردُّه إلى التباين في تلك الآراء، وعجز كلِّ طرف من أصحاب الخلاف عن إدراك وجهة نظر الطرف الآخر، ممَّا يؤدِّي بدوره إلى سوء التصرُّف الَّذي لا تُحمَد عقباه في كثير من الأحيان. وكما وضع القرآن الكريم في الحسبان احتمال وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين، فقد أبقى وصف الإيمان للطائفتين كلتيهما على الرغم من اقتتالهما، مع احتمال أن تكون إحداهما أو كلتاهما باغية. وفي مواجهة ظرف كهذا يتوجَّب على كلِّ عاقل حكيم مدرك للأمور، يتمتَّع بسعة الصدر، وبُعد النظر أن يتقدَّم لإصلاح ذات البين، وتضييق شقَّة الخلاف، ونزع العداوة من القلوب، وإحلال المحبَّة والسلام، على أن يكون حكماً عدلاً منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، فقد جاء في الحديث الشريف: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة؟ قالوا: بلى يارسول الله! قال: إصلاح ذات البين» (رواه البخاري ومسلم).
    فإذا ما صدر الحُكم العدل عن هيئة اجتماعية معروفة بالعدالة والتَّقوى وجب على الجميع الالتزام به، والتقيُّد بأحكامه، إذعاناً للحقِّ وإرضاءً للضمائر الحيَّة، أمَّا إذا قلب بعض الناس ظهر المِجنِّ، وغلبتهم أهواؤهم ومطامعهم، وانْبَرَوا للاعتداء والخروج عن الجماعة، فلابدَّ للجميع من الوقوف ضدَّهم لصدِّهم عن غيِّهم وتماديهم، دون أن تأخذهم في دين الله رحمة أو شفقة بهم. فإذا انتهَوْا والتزموا جانب الصواب يُعفى عنهم ويُتجاوز عن سيئات أعمالهم، بعد أن يصلحوا ما قاموا بإفساده. وينبغي تحرِّي العدل والإنصاف في الإصلاح بين المتخاصمين لأن الله يحبُّ العادلين، جاء في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قلت يارسول الله: هذا نصرتُه مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إيَّاه».
    وفي الختام تقرِّر الآية الكريمة أن الأُخوَّة الحقيقية هي أُخوَّة الإيمان، فالمؤمنون إخوة تجمعهم رابطة الدِّين، فلا يليق بهم أن يسمحوا للعداوة أو الشحناء أن تسري بينهم، فأُخوَّة الإسلام أقوى من أُخوَّة النَّسب، بحيث أن أُخوَّة النسب تفقد قيمتها إذا خلت من أُخوَّة الإسلام.
    والخلاصة: أنه يجب الإصلاح بين المتخاصمين، والوقوف في وجه المعتدين، وعَدُّ رابطة الإيمان أقوى من رابطة الدم والنسب، وكذلك السعي الحثيث لمنعِ الفرقة من أن تُنشب أظفارها، والحيلولة دون نفثِ البغضاء سمومها في جسد مجتمعنا، وأن نتحلَّى جميعاً بالتَّقوى لتهبَّ علينا نفحات الله عزَّ وجل، ولتبقى المحبَّة مزدهرة بيننا وارفة الظلال.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  8. #18
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    آداب اجتماعية إسلامية
    الفصل الأوَّل:
    التحيَّة
    سورة النساء (4)
    قال الله تعالى: {وإذا حُيِّيتُم بتحيَّةٍ فَحيُّوا بأحسنَ منها أو ردُّوها إنَّ الله كان على كلِّ شَيْءٍ حسيباً(86)}
    ومضات:
    ـ إن الإسلام يُدْخل الاطمئنان والسرور إلى أعماق النفس البشرية بأيسر الوسائل وأقلِّ التكاليف، منطلقاً من الحثِّ على التبسُّم في وجوه الآخرين وتحيَّتهم بملء الودِّ والمحبَّة.
    ـ إن المبادرة الطـيِّبة من الناس يجب أن تلقى قبولاً حسناً، وأن يُكافَأَ البادئ بخير على مبادرته، فإن لم نستطع ذلك كان لزاماً علينا أن نردَّ على الإحسان بمثله.
    ـ لقد رتَّب الله تعالى أمور الناس بما يكفل لهم السعادة والوحدة، وأعطى لكلِّ شيء حقَّه لتتوازن الحياة وفق أدقِّ المعايير، فلا يكون هناك أي خلل يؤدِّي إلى الانقسام أو التفسخ.
    في رحاب الآيات:
    في هذه الآية الكريمة لمسات ودِّية جديرة بالوقوف أمامها، فهي تحدِّد السمة الَّتي يحرص المنهج الإسلامي على طبع المجتمع المسلم بها، ألا وهي الترغيب بكلِّ وسيلة من شأنها أن توثِّق عُرى الأخُوَّة وتعزِّز علاقات الموَّدة بين أفراد المجتمع؛ وإن إفشاء السَّلام والتحيَّة في مقدِّمة تلك الوسائل الَّتي تتجلى ثمراتها في تصفية القلوب، وتوسيع دائرة التعارف بين الناس، وتوثيق الصلة بين عباد الله، وهي ظاهرة يدركها كلُّ من يمارسها على صعيد المجتمع ويتدبَّر نتائجها الإنسانية العجيبة.
    وقد اختار الله للمؤمنين أجمل معاني التحيَّة ليتبادلوها فيما بينهم؛ وجعلها كلمة السَّلام، فمن أسمائه الحسنى السَّلام، وقد سمَّى الجنَّة دار السَّلام، وتحية المؤمنين والملائكة فيها السَّلام، قال تعالى: {دعوَاهُم فيها سبحانَكَ اللَّهمَّ وتحيَّتُهُم فيها سلام..} (10يونس آية10) والعالَمُ اليوم بأجمعه يسعى جاهداً لنشر السَّلام، فما أجملها من تحيَّة كريمة أهداها دين الإسلام للبشرية.
    وللتحيَّة مرتبتان: أدناهما ردُّها بمثلها، وأعلاهما الردُّ بأحسن منها، والمجيب مُخَيَّر بينهما، ومن السُنَّة أن يسلِّم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والفرد على الجماعة. ويسلِّم الرجل على أهل بيته حين يدخله، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يابُنَيَّ إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك» (رواه الترمذي) وقال قتادة: (إذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك، فهم أحقُّ من سلَّمت عليهم). فمن دخل بيتاً ليس فيه أحد فليقل: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تردُّ عليه السَّلام.
    والسَّلام سنَّةٌ عند الدخول على قوم ما، قال تعالى:{ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تدخلوا بُيوتاً غيرَ بُيوتِكُم حتَّى تستأنِسوا وتُسلِّموا على أهلها..} (24 النور آية 27)، وكذلك يُسنُّ عند المغادرة والرحيل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة فمن فعل ذلك شاركهم في كلِّ خير فعلوه بعده» (رواه أبو داود والترمذي).
    ومن أدب السَّلام الجهر به لأنه أدعى لإدخال السرور في القلب، ويجوز أن يكون السَّلام على النساء الأجنبيات بالإشارة، قالت أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: «مرَّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد يوماً، وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم» (رواه الترمذي وأبو داود) فالحديث يشير إلى جواز التسليم بالإشارة على النساء الأجنبيات، وجواز تسليمهن على الرجال، إذا أُمِنَت الفتنة. والسُّنة في السَّلام بين الرجال المصافحة لما لها من فضلٍ عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرَّقا» (رواه أبو داود والترمذي).
    والسَّلام أمانة يجب تأديتها لأصحابها فمن قال لآخر: أَقْرِئ فلاناً عني السَّلام، وجب عليه أن يفعل. ويجب ردُّ السَّلام على الغائب، وأن يُشرك المُبلِّغ كقوله: (عليك وعليه السَّلام) فقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن أبي يقرئك السَّلام فقال: عليك وعلى أبيك السَّلام» (رواه أبو داود). والأكمل أن نبدأ نحن بالتحيَّة لمن نعرف ولمن لا نعرف، وهذا إفشاءٌ للسَّلام ونشرٌ لأسباب المحبَّة على مستوى الأفراد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : «لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أَوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم» (رواه مسلم). أمَّا على مستوى الدول والشعوب فالأجدر بها أن يكون بينها تحيَّة وتعاون مثمر بنَّاء، لما فيه من تحقيق لمصلحة الإنسانية في الإعمار والازدهار، وخيرُ شعوب الأرض هو السبَّاق إلى إنشاء جسور السَّلام والتفاهم، ونشر المودَّة والمحبَّة والإخاء، والله تعالى رقيب شهيد.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  9. #19
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    آداب الاستئذان
    سورة النور(24)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تدخلوا بُيوتاً غيرَ بيوتِكُم حتَّى تستأْنِسوا وتُسلِّموا على أهلِها ذلكم خيرٌ لكم لعلَّكم تَذَكَّرون(27) فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخُلوها حتَّى يُؤذَنَ لكم وإن قيلَ لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملونَ عليم(28)}
    ومضات:
    ـ لقد جعل الله تعالى البيوت سكناً، يؤوب إليها الناس، فتستريح أجسادهم، وتسكن أرواحهم، وتطمئن نفوسهم، ويأمنون فيها على عوراتهم وحرماتهم، لذلك جعل لها حرمة، ولدخولها آداباً لا يجوز انتهاكها، فلم يسمح للناس أن يفاجِئ بعضهم بعضاً بدخولها من غير استئذان.
    في رحاب الآيات:
    لكي نستوعب أهمية التربية الإسلامية علينا أن نعود بالمخيِّلة إلى الزمن الَّذي نزلت فيه هذه الرسالة، ونمط السلوك الَّذي كان عليه أهل ذلك الزمان. فنحن لا ندرك أهمية هذه التعاليم ما لم نتخيَّل حياة العرب حينها من حيث بداوتهم وخشونتهم، وكيف أنهم تحوَّلوا بفضل الإسلام إلى سادة مهذَّبين، يحترمون الآخرين في حياتهم الخاصَّة والعامَّة، فلا يقتحمون عليهم بيوتهم، ولا يتطفَّلون عليها كما كانوا يفعلون قبل الإسلام، فقد كان أحدهم يدخل البيت، ثم يقول: لقد دخلت، أيّاً كانت الحالة الَّتي يكون عليها صاحب الدار وأهله.
    من أجل هذا أدَّب الله المسلمين بهذا الأدب العالي، أدب الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت والسَّلام على أهلها، لإيناسهم وإزالة الوحشة من نفوسهم. وبذلك غدت البيوت حَرَماً آمناً، لا يستبيح أحد دخوله إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الَّذي يريدون، وعلى الحالة الَّتي يحبُّون أن يلقاهم الناس عليها. ومن هذا الأدب أن يستأذن المرء ثلاثاً، فإنْ أُذنَ له دخل وإلا انصرف، فقد ثبت في الصحيح أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثاً فلم يُؤذن له فانصرف، فقال عمر: ألم أسمع صوت أبي موسى يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً فلم يُؤذن لي، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يُؤذن له فلينصرف». وقد بيَّن قتادة أن معنى قوله تعالى: {حتَّى تَستأْنِسوا} هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له فليرجع. وأمَّا الحكمة من ذلك فإن الأُولى لِيَسمعَ أهل البيت، والثانية ليأخذوا أُهْبَتَهم واستعدادهم، والثالثة ليأذنوا إن شاؤوا أو يردُّوا. وقد نهى الله تعالى المرء عن أن يقف بباب قوم ردُّوه، فَإِنَّ للناس حاجات ولهم أشغال. ومن أدب الاستئذان أيضاً أن يُفصح المرء عن اسمه حتَّى يعرفه صاحب البيت جيداً، فعن جابر رضي الله عنه أنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال صلى الله عليه وسلم : «من ذا؟ فقلت: أنا، قال: أنا.. أنا..!! كأنه كرهه» (أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي في السنن وابن حبان في صحيحه) وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرف بها صاحبها، ما لم يُصَرِّح بذكر اسمه أو كنيتهالَّتي يشتهر بها، ولأنه إذا عبَّر كلُّ واحد عن نفسه بـ(أنا) فإن المقصود من الاستئذان لا يحصل.
    ومن ذلك أيضاً استقبال الباب من أحد ركنيه، والسَّلام على أهل البيت، فقد روي عن عبد الله بن بِشْر رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السَّلام عليكم، السَّلام عليكم» (أخرجه البخاري)، وروى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يبدأ بالسَّلام فلا تأذنوا له». ذلك لأن السَّلام من سنَّة المسلمين، وهو جالب للمودَّة، مانع للحقد والضغينة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حقُّ المسلم على المسلم ست: يسلِّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات» (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا المقام يحسن إيراد الحادثة التالية:
    يروى أن عمر بن الخطاب كان يمشي ليلة مع ابن مسعود رضي الله عنهما فسمعا لغطاً في أحد البيوت، فتسوَّرا حائطه، فإذا شيخ بين يديه شراب وقينة (مُغَنِّية) تغنِّي، فقال عمر: ما صحَّ لشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحالة، فقام إليه الرجل فقال: ياأمير المؤمنين!! أنشدك الله، إلا ما أنصفتني حتَّى أتكلم، قال رضي الله عنه : قل، فقال: إن كنتُ عصيتُ الله في واحدة فقد عصيتَ أنت في ثلاث، قال: ما هُنَّ؟ قال:تجسَّست وقد نهاك الله فقال: {..ولا تجسَّسوا..} (49 الحجرات آية 12)، وتسوَّرت وقد قال الله: {..وليس البِرُّ بأن تأتوا البيوتَ من ظُهورِها ولكنَّ البِرَّ منِ اتَّقى وأْتوا البيوتَ من أبوابها..} (2 البقرة آية 189)،ودخلت بغير إذن وقد قال تعالى: {لا تدخلوا بيوتاً غيرَ بيوتِكُم حتَّى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها} فقال عمر: صدقتَ، فهل أنت غافر لي؟ فقال: غفر الله لك، فخرج عمر وهو يبكي ويقول: ويلٌ لعمر إنْ لم يغفر الله له. وفي رواية أخرى قال عمر: هل لك في أن تتوب وأتوب فقال نعم.
    أمَّا إذا عَرَضَ أمر في دار؛ من حريق أو هجوم سرقة أو قتل، فيجوز الدخول حينها دون استئذان فإن ذلك مستثنى بالدليل، حسب القاعدة الفقهية: (الضرورات تبيح المحظورات).
    وبعدُ، فالقرآن الكريم منهاج حياة، يحفل بهذه الجزئية الاجتماعية ويمنحها هذه العناية لأنه يعالج الحياة كليَّاً وجزئيَّاً، لينسِّق بين أجزائها وبين غاياتها الكلِّيَةِ العليا. فأدب الاستئذان يحفظ للبيوت حرمتها، ويحمي أهلها من أذى المفاجأة؛ والتمسك بهذا الأدب أمر يجب الالتزام به مع عامَّة البيوت المسكونة، لكن مراعاته بدخول بيوت أهل العلم أدقُّ وأبلغ، ذلك لأن بعض العلماء يفتحون أبوابهم لكلِّ سائل ولكلِّ صاحب حاجة، ولا يغلقونها في وجه أحد ممن يَرِدُ عليهم خوفاً من المسؤولية أمام الله، ورغبة في التقرُّب إليه بقضاء حوائج خلقه. ولكن بعض الثقلاء من الناس يتهاونون في الالتزام بهذه الآداب، ويزهدون في هذا العطاء ولا يقدِّرونه حقَّ قدره، بل ربَّما تعدَّوا ذلك إلى إطالة وقت جلوسهم حتَّى يحين وقت الطعام، فَيُوقِعون أهلها بالحرج والإزعاج، وهذا ممَّا يرفضه الذوق السليم، ويستنكره الأدب الرفيع الَّذي أراده الإسلام أن يكوِّن ملامح الحياة الاجتماعية الإسلامية.
    إن الإسلام وطَّن نفوس أتباعه على حسن قبول الاعتذار عن عدم استقبال الزائر، إن كانت ظروف المزور ليست مواتية لاستقباله، فقال تعالى: {وإن قيلَ لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملونَ عليم}. وبما? أن وسائل الاتصال أصبحت متوافرة في غالب الأحيان، فإن ممَّا ينبغي على المسلم أن لا يحضر لزيارة العالِم، بشكل خاص، إلا بعد إعلامه وأخذ موافقته ليكون المزور قد لاءَم ظروفه مع هذه الزيارة.

    سورة النور(24)
    قال الله تعالى: {ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حَرَجٌ ولا على المريض حَرَجٌ ولا على أنفسِكم أن تأكلوا من بيوتِكم أو بيوتِ آبائِكم أو بيوت أمَّهاتِكم أو بيوتِ إخوانِكم أو بيوتِ أخواتِكم أو بيوتِ أعمامِكم أو بيوتِ عمَّاتِكم أو بيوتِ أخوالِكم أو بيوتِ خالاتِكم أو ما مَلكْتم مفاتِحَهُ أو صديقِكم ليس عليكم جُنَاحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً فإذا دخلتُم بيوتاً فسلِّموا على أنفسِكم تحيَّةً من عند الله مباركةً طيِّبةً كذلك يبيِّنُ الله لكمُ الآياتِ لعلَّكم تعقلون(61)}
    ومضات:
    ـ عندما يُرفَعُ الحرج بين الأقارب والأصدقاء وأصحاب العلل، تذوب الفوارق الاجتماعية، وتنصهر القلوب في بوتقة واحدة، وتتآلف الأرواح لِتَكْبُرَ العائلة الإسلامية وتصبح أسرة إنسانية واحدة.
    ـ الإطعام متعة للكريم السخي، يحصل عليها حين يشاركه الناس طعامه، فهو يتلذَّذ بمؤاكلتهم وكأنهم عياله يرعاهم ويحنو عليهم.
    ـ إطعام الطعام وإفشاء السَّلام والقنوت لله سَحَراً والناس نيام؛ جواز سفر للمؤمن يؤهِّله لدخول جنَّات النعيم بإذن الله.
    في رحاب الآيات:
    لكأنِّي بهذه الآية الكريمة قد حوَّلت العالم كلَّه إلى عائلة واحدة تأكل مع بعضها بعضاً، بانفتاح وتواصل دون حدود أو قيود تفصل بين أفرادها، الغني منهم والفقير، الصحيح فيهم والسقيم، وهذه هي الغاية الَّتي يسعى الإسلام إلى تحقيقها، وهي أن تُظِلَّ مظلَّة الإيمان الأسرة الإنسانية كلَّها وتجمعها في رحاب الحبِّ والتراحم. ولعلَّ تَشارُكَ الناس في الطعام من أنجع الوسائل للتحابب، وتقوية روابط الألفة والمودَّة فيما بينهم، فقد تعارفوا منذ القدم على أن للخبز والملح حرمة، وهناك مقولة مفادها: من أكل مِن زادنا دخل في أهلنا، فلا يجوز لنا أن نغدر به، ولا ينبغي له أن يعتدي علينا.
    وقد بدأت الآية بذكر أصحاب الإصابات الجسدية للفت الأنظار إلى العناية بهم، وإعطائهم الأفضلية في الطعام، والأولوية في المجالس، تخفيفاً لمصابهم، وإشعاراً لهم بانتمائهم الوثيق إلى مجتمعهم، شأنهم في ذلك شأن الأفراد الأصحَّاء. ثم بيَّنت الآية الكريمة حكم الأكل من البيوت المذكورة من غير إذن صريح؛ فهو جائز ومباح ولا إثم فيه ولا حرج، ويكون حكم الأكل من بيت القريب والصديق، كحكم أكل الإنسان من بيته الخاص على حدٍّ سواء. أمَّا غير تلك البيوت فإن أصحابها قد ينفرون من هذا التصرف ويجدون فيه حرجاً وكلفة؛ فلا يجوز لمن يدخلها أن يأكل من طعام أهلها في حال غيبتهم أو وجودهم إلا بإذن صريح منهم، وعليه أن يتعفَّف ويتجنَّب الأكل منها لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود: «لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه».
    وقد ورد في سبب نزول الآية موضوع بحثنا روايات كثيرة نذكر منها رواية سعيد ابن المسيب رضي الله عنه فقد قال: أنزلت هذه الآية في أناس كانوا إذا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا ممَّا في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتَّقون أن يأكلوا منها ويقولون، نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيِّبة فأنزل الله هذه الآية.
    وهذه الآية الكريمة آية تشريع، لذلك نلحظ فيها دِقَّة الأداء اللفظي، والترتيب الموضوعي، والصياغة الَّتي لا تدع مجالاً للشكِّ أو الغموض في حكمها، كما نلمح فيها ترتيب القرابات، فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم، بل تقول: {من بيوتِكم} فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج، لأن بيت الزوج بيت لزوجته، وبيت الابن بيت لأبيه، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم». وتليها بيوت الآباء فالأمَّهات، فالإخوة، والأخوات، فالأعمام والعمَّات، فالأخوال والخالات. ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل، فله أن يأكل ممَّا يملك مفاتيحه بالمعروف، ولا يزيد على حاجة طعامه، ويلحق بها بيوت الأصدقاء عند عدم التأذِّي والضرر، لأن صديقك أخ لك. عن محمَّد بن ثور عن معمر قال: دخلت بيت قتادة، فأبصرت فيه رُطباً، فجعلتُ آكله، فدخل فقال: ماهذا؟ فقلت: أبصرت في بيتك رطباً فأكلتُ، فقال: أحسنت؛ قال تعالى {… أو صديقِكم…}. وكذلك رفع الله الحرج عن المسلمين أن يأكلوا مجتمعين، أو متفرقين إذا صَعُبَ على المسلم أن يطلب في كلِّ مرة أحداً يأكل معه.
    وبعد أن بيَّنت الآية الحالة الَّتي يكون عليها الأكل، ذكرت آداب دخول البيوت الَّتي يؤكل فيها: {فإذا دخلتم بيوتاً فسلِّموا على أنفسكم تحيَّةً من عند الله مباركة طيِّبةً} وهو تعبير لطيف عن قوَّة الرابطة بين المذكورين في الآية، فالَّذي يسلِّم منهم على قريبه أو صديقه إنما يسلِّم على نفسه، والتحيَّة الَّتي يلقيها عليه هي تحيَّة من عند الله، تحمل تلك الروح، وتفوح بذاك العطر، وتربط بينهم بالعروة الوثقى الَّتي لا انفصام لها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «للإسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق، فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله، وإقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وتمام الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنَّة نبيِّه، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم على أنفسكم، وتسليمكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم» (رواه أبو يعلى والديلمي وصححه الذهبي).
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  10. #20
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    لباقة الحديث وأدب النجوى
    سورة المجادلة(58)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إذا تَناجَيْتُم فلا تتناجَوْا بالإثْمِ والعُدْوانِ ومعصيةِ الرَّسولِ وتَناجَوا بالبِرِّ والتَّقوى واتَّقوا الله الَّذي إليه تُحشرون(9)}
    سورة النساء(4)
    وقال أيضاً: {لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهُم إلاَّ من أمرَ بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاسِ ومن يفعلْ ذلك ابتغاءَ مرضاتِ الله فسوف نُؤْتِيهِ أجراً عظيماً(114)}
    ومضات:
    ـ يحرص المؤمنون على الرقيِّ بأفكارهم والسموِّ بأحاديثهم ومجالسهم نحو الأحسن والأفضل، لذا ينهاهم الله تعالى عن التعرُّض في مجالسهم إلى ما فيه أذىً للناس في أعراضهم، أو اعتداءٌ على كراماتهم، وينهاهم عن الخوض فيما يؤذي الرسول أو يكون مقدِّمة لمخالفته.
    ـ يعطي الإسلام للوقت قيمة غالية ثمينة، ويحرص على عدم هدره، وذلك بدعوة المؤمنين لأن تكون مجالسهم جادَّة تثمر ما فيه خير البلاد والعباد، فوَّاحة بعبق الإيمان والرياحين الربَّانية، زاخرة بكلِّ ما فيه شدٌّ للهمم والعزائم إلى المزيد من الطاعات والأخلاق الحميدة.
    في رحاب الآيات:
    روى أبو بَرْزة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أواخر عمره إذا قام من المجلس يقول: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يارسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى! قال: كفَّارة لما يكون في المجلس» (أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه).
    فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح الله ويحمده ويستغفره كلَّما انتهى من مجلسه، الَّذي لا يخرج عن دائرة الدعوة إلى دين الله تعالى، وإلى ما فيه خير الناس في الدنيا والآخرة، فما الَّذي يتوجَّب علينا فعله عند فراغنا من مجالسنا، الَّتي تدور معظم الأحاديث فيها في دائرة اللغو، الَّذي لا طائل تحته ولا نفع منه ولا ضرر، ناهيك عن الغيبة والنميمة وربَّما البُهتان! هذا عن مجالس عموم النَّاس، أمَّا أصحاب النوايا المغرضة والنفوس الخبيثة، فمجالسهم مؤامرات واجتماعاتهم مكائد، للنيل من كلِّ ما هو خير، ومن كلِّ من هو مخلص يعمل لإصلاح أمر الأمَّة. وقد نفى القرآن الكريم صفة اللغو عن المؤمنين الخاشعين في أكثر من موضع، من ذلك قوله عزَّ وجل: {قد أفلحَ المؤمنونَ * الَّذين همْ في صلاتِهِم خاشعون * والَّذين همْ عنِ اللَّغوِ معرِضُون} (23 المؤمنون آية 1ـ3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (رواه مسلم والبيهقي). والآية الكريمة تنهانا عن الجلوس في مجالس اللغو والنميمة، أو الخوض في هذه الأحاديث، وتأمرنا بأن نستبدلها بمجالس تحضُّ على العمل البنَّاء الخيِّر المثمر، وتهدف المسامرة فيها إلى ما فيه خير الأمَّة وصلاحها، وتبيِّن لنا ما يليق بالمؤمن من أحاديث تهدي إلى البرِّ والتَّقوى؛ وأهمُّها ذكر الله، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناقشة السُّبُل لتحسين أحوال المسلمين في المجالات كافَّة. لذا كانت المحاور الأساسية الَّتي ينبغي أن يدور حولها حوار المجالس ثلاثة: أوَّلها الترغيب بالصدقة، والحثُّ على الإنفاق، ودراسة شؤون الفقراء والمحتاجين الَّذين لا يجدون ضروريات الحياة، ووضع منهج منظَّم لجمع ما يفيض عن حاجاتنا، واستثماره في خدمتهم من خلال عمل بنَّاء، يوظِّف الأيدي العاملة، ويعود بالنفـع على الجميع. وثانيها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا خير في مجتمع يعيش أفراده حسب أهوائهم دون رادع أو وازع، ولابدَّ من وجود عين يقظة ترصد الخطأ، وضمير حيٍّ يقوِّم الاعوجاج ويصلح الخلل بلطف ورويَّة، وهذا ما دعا إليه رسول الإنسانية محمَّد صلى الله عليه وسلم حين قال: «من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (رواه الخمسة إلا البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ). أمَّا ثالثها: فهو القيام بالعمل المجدي الخلاَّق الَّذي نزلت به الشرائع السماوية في بعض ما نزلت من أجله، وهو نشر المحبَّة والسَّلام بين الناس جميعاً، لتسود المجتمع رابطة الأُخوَّة الَّتي تحقق التماسك والقوَّة. إن نشر المحبَّة بين الناس يعني فيما يعنيه الإصلاح بين المتخاصمين، فالخصومات والشحناء تنتشر في كلِّ المجتمعات، صغيرها وكبيرها، ففي الأسرة الواحدة خلافات وخصومات، وفي الحيِّ الواحد والبلد الواحد أيضاً، وكذلك بين الدول، ممَّا يؤدِّي إلى الفشل وتردِّي الأخلاق وتدهور المجتمعات. لذلك جاء فيما رواه البيهقي عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ياأبا أيوب ألا أخبرك بما يُعْظِمُ الله به الأجر، ويمحو به الذنوب؟ تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا فإنها صدقة يحبُّ الله موضعها». فالمؤمن لا يدَّخر جهداً لرأب الصدع بين المتخاصمين، وتحويل ما بينهم من النزاع والعداوة إلى محبَّة وسلام، باذلاً في سبيل ذلك جهده ووقته وماله إذا اقتضى الأمر، لعلَّ المحبَّة تنتشر بين الأفراد، ثمَّ تشمل الشعوب والدول، فتتحوَّل هذه الأرض إلى كوكب تغمره الطمأنينة والسعادة.
    ومراعاةً للآداب والسلوك الاجتماعي السليم؛ فقد نهى الإسلام عن التناجي إذا كان في ذلك أذىً لأحد، ونهى أيضاً عن تناجي اثنين في مجلس يحضره شخص ثالث دون مشاركته؛ حفاظاً على مشاعره وصيانة لكرامته. والنجوى هي الحديث الخافت الَّذي يدور بين اثنين على الأغلب، أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يَحزُنه». ومع ذلك فإن للتناجي وجهاً آخر رائعاً وهو ما كان بين المتحابِّين، وما كان فيه توادد وتراحم وتقارب، وأجمل صور هذا التناجي وأحبُّها هو ما يكون بين الله عزَّ وجل وعبده المؤمن يوم القيامة، فقد روى الإمام أحمد أن صفوان بن محرز رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضي الله عنه إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرِّره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: فإني قد سـترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثمَّ يُعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الَّذين كذبوا على ربِّهم، ألا لعنة الله على الظالمين».
    فلنتَّقِ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ففي ذلك كلِّه خيرنا، ثمَّ إنه سيجمعنا للحساب، ويجازي كلاً بعمله، وهو شاهد عليه ومحصيه مهما سترناه وأخفيناه.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

التربية الاجتماعية في الإسلام

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. 12 خطأ يقع فيه المربون . التربية السليمة . اخطاء التربية
    بواسطة مريم في المنتدى قسم الأطفال
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-06-2012, 07:29 PM
  2. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 16-07-2010, 07:46 PM
  3. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 16-07-2010, 07:42 PM
  4. 12 خطأ يقع فيه المربون . التربية السليمة . اخطاء التربية
    بواسطة مريم في المنتدى قسم الأطفال
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-07-2010, 10:10 PM
  5. الآفات الاجتماعية وموقف الإسلام منها
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15-12-2009, 02:00 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

التربية الاجتماعية في الإسلام

التربية الاجتماعية في الإسلام