إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

الرد على الزعم أن إباحة الإسلام التسري بالجواري دعوة إلى الدعارة وتشجيع على الرق » آخر مشاركة: إيهاب محمد | == == | المصلوب يقود السيارة و يتفوق على نظام تحديد المواقع ! » آخر مشاركة: الزبير بن العوام | == == | موسوعة الإعجــاز اللغوي في القرآن الكريـــم(متجدد إن شاء الله) » آخر مشاركة: نيو | == == | فيديو:إذا أردت تغيير العالم ابدأ بترتيب سريرك أولاً (خطاب عسكري قوي جداً) --روووعه » آخر مشاركة: نيو | == == | بالفيديو:الأب زكريا بطرس يزعم أن رسول الإسلام كان يتمتع بالنساء مع الصحابة وبالأدلة! » آخر مشاركة: نيو | == == | بالصور:إنتحال (النصارى) و (الملحدين) و (المشبوهين) شخصيات إسلاميه على الفيس بوك و يقوموا بتصوير المسلمين كأغبياء لتشويه الإسلامم » آخر مشاركة: نيو | == == | من قلب الهولي بايبل : يسوع عبد الله و رسوله » آخر مشاركة: شفق الحقيقة | == == | Der Auszug aus Agypten : Mythos oder Realitat » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | تسريبات من قلب الزريبة العربية » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | الرفق منهج الإسلام في العبادات والمعاملات » آخر مشاركة: نعيم الزايدي | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

  1. #1
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة


    د. حفان مليكة *

    لقد تبين من خلال متابعة الخلاف الذي دار بين المعتزلة والأشاعرة حول قضية الصفات الإلهية، وهل هي عين الذات، أم أنها زائدة على الذات. وما تفرع عنها من قول بقدم الكلام أو حدوثه، أثر ذلك على دراسة إعجاز القرآن، وما يتعلق بهما من قضايا لغوية وبيانية. لأن صاحب كل مذهب كان يلتزم بما في مذهبه من أصول ومبادئ في دراسته لهذه القضايا اللغوية.
    ولما كان موضوع اللغة وثيق الصلة بالعقيدة، كان من غير المعقول أن يخرج الرأي في اللغة عما وجب القول به في العقيدة، وقد جرى بين المعتزلة والأشاعرة نقاش وجدال حول طبيعة اللغة وحقيقتها، وذلك بمناسبة البحث في أصلها ونشأتها، وهل هي تواضع واصطلاح، أم هي توقيف ووحي من الله؟ ونعتقد أن الإطار الصحيح الذي يمكننا أن نفهم من خلاله مذهب الفرقتين في التوقيف والتواضع، هي الأصول الفكرية والمذهبية لكل منهما (1).


    أما المعتزلة الذين نفوا الصفات، وجعلوا الكلام من صفات الأفعال. وقالوا إن القرآن حادث، فقد ذهبوا إلى أن اللغة اصطلاحية. وأما الأشاعرة الذين أثبتوا لله الصفات، واعتبروا الكلام من صفاته تعالى، وأثبتوا له كلاما نفسيا قديما، فقد قالوا بتوقيفية اللغة. وقد أدى الخلاف بين الفرقتين حول أصل اللغة ومصدرها وطبيعتها، إلى ظهور قضايا خلافية أخرى، كان أهمها حول الحقيقة والمجاز، وكيفية التعامل معهما في اللغة.


    فالمعتزلة الذين قالوا باصطلاحية اللغة، أثبتوا المجاز في القرآن واللغة عموما، واتخذوه سلاحا لتأويل النصوص القرآنية التي لا تتفق مع أصولهم الفكرية.
    أما الأشاعرة فقد وقفوا موقفا وسطا بين المعتزلة الذين بالغوا في استخدام آلية المجاز، وبين الظاهرية الذين أنكروا وجوده، وتمسكوا بالمعاني الحرفية لنصوص القرآن وآيات الصفات. فهم وإن كانوا يقرون بوجوده في اللغة، لكنهم يتحفظون في تطبيقه على النصوص القرآنية، وخاصة آيات الصفات التي أثبتها الله تعالى لذاته، وبذلك يكون الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول المجاز، ليس مجرد خلاف لغوي بلاغي فحسب، وإنما هو خلاف فكري مذهبي أيضا.


    وامتد خلاف المعتزلة والأشاعرة حول قدم الكلام وحدوثه، إلى قضية أخرى لها علاقة وثيقة بقضية الإعجاز القرآني، وهي قضية اللفظ والمعنى بصفة عامة.
    أما الأشاعرة الذين أثبتوا لله كلاما نفسيا قديما، فقد التمسوا إعجاز القرآن في هذا الكلام النفسي القديم الذي يتقدم في وجوده، الألفاظ والعبارات. فصرفوا عنايتهم للاهتمام بالمعاني وبأحوال التراكيب، من تقديم وتأخير وحذف وذكر...الخ، واستهانوا بقيمة الألفاظ وحسن تلاؤمها، وبالبديع ومحسناته البلاغية.
    أما المعتزلة الذين نفوا أن يكون لله كلاما نفسيا قديما، واعتبروا القرآن محدثا مخلوقا مركبا من حروف منظومة وأصوات مقطعة، فقد التمسوا إعجازه في نظم الأصوات والألفاظ وحسن تلاؤمها وفي جماليات الصياغة اللفظية.

    وانطلاقا من الوعي بهذه الجدلية بين ما هو فكري مذهبي، وما هو لغوي معرفي، سنحاول التحدث بإيجاز عن أثر المعتقد في تحديد مواقف كل من المعتزلة والأشاعرة من هذه القضايا الثلاث: أصل اللغة ونشأتها، والحقيقة والمجاز، وإعجاز القرآن وعلاقته باللفظ والمعنى. وهو منهج صالح لأن يعمم لمعالجة كثير من قضايا اللغة والفكر قديما وحديثا.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  2. #2
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    نشأة اللغة
    تعتبر قضية أصل اللغة ونشأتها، من القضايا الشائكة التي استأثرت باهتمام المعتزلة والأشاعرة، بسبب ما يثار حول هذه النشأة من تساؤلات جوهرية تتمثل في متى نشأت؟ وكيف نشأت؟ وهل هي إلهام من الله، أم أنها اصطلاح واتفاق؟ وقد حاولت كل فرقة أن تعالج هذه القضية انطلاقا من أصول مذهبها الكلامي. (2).
    إن موقف المعتزلة من الصفات ومن خلق القرآن وحدوثه كان من شأنه التأثير على موقفهم من أصل اللغة، فقالوا باصطلاحيتها ومواضعتها. ومعنى هذا الكلام أن اللغة وضعت من قبل الإنسان وذلك «بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، يحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعون لكل اسم لفظا إذا ذكر عرف به»(3). ونظرا لما يفضي إليه هذا القول من نفي للتنزيه عن الله تعالى، فقد حاول المعتزلة تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، ورأوا أن إثبات الصفات لله تعالى يتنافى مع وحدانيته، فنفوا أن يكون لله صفات قديمة زائدة على الذات، ونفوا أن يكون الكلام صفة ذاتية قديمة قدم ذاته، كالعلم والقدرة والإرادة، وإنما هو صفة من صفات الفعل، وصفة الفعل لا يمكن أن يوصف الله بها فيما لم يزل، لأنها تتعلق بوجود المخاطب الذي يتوجه إليه الكلام.


    فالله متكلم لا بكلام قديم، بل بكلام محدث يحدثه وقت الحاجة إلى الكلام، إذ لو كان متكلما منذ الأزل، لكان كلامه عبثا، لأنه يتكلم دون وجود مخاطب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولا يجوز في حقه تعالى أن يكون هو البادئ بالمواضعة لأن «المواضعة لابد معها من إيماء وإشارة بالجارحة، نحو المومإ إليه والمشار نحوه، والقديم لا جارحة له، فيصح الإيماء والإشارة بها منه، فبطل عندهم أن تصح المواضعة على اللغة منه»(4). وهكذا ينتهي المعتزلة إلى القول بأن كلام الله محدث مخلوق، وحتى يكون كلامه تعالى مفيدا لمن يخاطبهم، لابد أن تسبقه مواضعة على اللغات بين البشر، حتى يصح أن يخاطبهم بما يفهمون وبما تواضعوا عليه، والله تعالى يقول: )وما أَرسَلْنَا مِنْ رِسُولُ إلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ( (5)، وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة، فثبت بذلك أن اللغة نتاج بشري خالص.

    وقد رفض الأشاعرة القول باصطلاحية اللغة، وقالوا بتوقيفها تبعا لموقفهم من كلام الله تعالى. فالكلام صفة قائمة بذاته تعالى، كعلمه وقدرته وحياته، وليس من صفة الأفعال كما ذهب إلى ذلك المعتزلة. وينقسم إلى قسمين: كلام نفسي قديم، وهو الذي يطلق على كلام الله حقيقة، وكلام لفظي حادث، يدل على الكلام النفسي القديم «تارة بالصوت والحروف نطقا، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة، دون الصوت ووجوده، وتارة إشارة ورمزا دون الحروف والأصوات ووجودهما» (6).

    وإذا كان الكلام قديما قدم الذات، وكان الله متكلما منذ الأزل، فإن الله تعالى هو الذي علم الإنسان اللغة، وعلمه التعبير على المعاني بتلك الألفاظ، يقول أحمد بن فارس: «إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله تعالى )وعلَّمَ آَدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّها( (7) فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس، من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها...والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس» (8).
    والمراد بالأسماء -حسب الأشاعرة- في الآية القرآنية الكريمة هي اللغة، وهي هذه الألفاظ التي يتكلم بها الإنسان، من أرض وسماء وسهل وجبل ورجل وامرأة... الخ، علمها الله آدم ثم قام آدم بتعليم أبنائه تلك الأسماء وبجميع اللغات، وقد ذكر ابن جني عن أصحاب التوقيف هذا الرأي فقال «إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات، العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا، وعلق كل منهم بلغة من اللغات، فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعد عهدهم بها» (9). فمصدر المواطأة اللغوية في المواضعة الأولى هو الله تعالى، ولا مانع بعد ذلك من أن يتواضع البشر على لغات أخرى (10)، وذلك خلافا لما ذهبت إليه المعتزلة من أن كلام الله يجب أن يكون مسبوقا بالمواضعة اللغوية التي لا يصح بدونها وقوع كلام الله دلالة.


    ولعل من أهم نتائج القول باصطلاحية اللغة أو توقيفها، الحديث عن العلاقة بين الدال والمدلول في اللغة، أو العلاقة بين الاسم والمسمى. فقد اختلف العلماء في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها، ونوع العلاقة الممكنة بينهما «فالألفاظ إما أن تدل على المعاني بذواتها، أو بوضع الله إياها أو بوضع الناس، أو يكون الوضع بوضع الله، والباقي بوضع الناس» (11).
    ولا يمكن فهم هذه العلاقة بين الدال ومدلوله عند المعتزلة والأشاعرة، إلا في ضوء عقيدتهم في الصفات، وقدم القرآن وحدوثه، ومذهبهم في أصل اللغة. أما المعتزلة فيذهبون إلى التفرقة بين الاسم والمسمى، وذلك لما يقتضيه مذهبهم وعقيدتهم في الكلام وفي نشأة اللغة، فإذا كان الكلام هو «ما حصل في نظام مخصوص، من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف، فما اختص بذلك وجب كونه كلاما، وما فارقه لم يجب كونه كلاما» (12). فالكلام إذن حادث مخلوق، وهو كصفة حادثة غير ذات الله المتصفة بالقدم، فالصفة إذن هي غير الموصوف، والاسم هو غير المسمى. (13).


    ولما كان أصل اللغة هو التواضع والاصطلاح، فإن دلالات الألفاظ على مدلولاتها أيضا حادثة من وضع الناس، وليست ذاتية حقيقية، لأنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة، والذاتيات لا تكون كذلك (14). فاللغة إذن ظاهرة اجتماعية يصنعها الإنسان، وهي قابلة للتطور والتغير تبعا لتطور المدلولات والظروف والمتعاملين بها. فليس هناك علاقة مسبقة في الأزل بين الاسم والمسمى، بل الواضع هو الذي أشار بالاسم لمسماه، وهذه الإشارة قابلة للتغير والتطور. (15).


    أما الأشاعرة الذين أثبتوا لله صفات قديمة زائدة على ذاته، وأثبتوا له كلاما نفسيا قديما، فقد ذهبوا إلى أن الاسم والمسمى شيء واحد، وأن الاسم هو المسمى (16). فمعرفة الأسماء إنما هي معرفة بحقائق المسميات، والألفاظ والأسماء لم توضع لتعرف بها المعاني والمسميات، فهي معروفة موجودة في أذهان الناس قبل وضع الألفاظ والأسماء (17). وهذا التصور لعلاقة الاسم بالمسمى، ينسجم مع تصورهم لأصل اللغة، فاللغة هبة إلهية علمها الله لآدم، ولا يملك الإنسان صنعها أو تغييرها، بل عليه أن يتقبلها ألفاظا وضعت لما وضعت له من جانب الله تعالى. (18).


    وهكذا نلاحظ أن كلا من المعتزلة والأشاعرة قد عالجوا قضية نشأة اللغة، وما تفرع عنها من قضايا لغوية، كعلاقة الاسم بالمسمى، من خلال تصوراتهم للذات الإلهية، وصفاتها وأزليتها، فتوصلت كل فرقة في ضوء معتقداتها ومبادئها إلى تصور خاص لمفهوم اللغة وأصلها، وفي ضوء هذا التصور للغة تبلورت آراؤهم في المجاز والتأويل.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  3. #3
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    الحقيقة والمجاز


    تعتبر قضية الحقيقة والمجاز، من أكثر القضايا التي حظيت باهتمام الباحثين في إعجاز القرآن، لارتباط البحث فيها بالكلام في عادة العرب وسننها في القول، ومن ثم لارتباطها بمسألة ذات الله وصفاته وقدم الكلام وحدوثه. فإذا كانت المعجزة التي هي دليل الوحي «لا يجب أن تفارق حدود الإطار الذي تتميز به الثقافة التي ينزل فيها الوحي» (19) فإن القرآن الكريم -معجزة الرسول r - لم يفارق حدود الإطار الذي تميزت به ثقافة العرب، فجاء على سننهم في التعبير بلسان عربي مبين.


    والمجاز في لغة العرب فن أصيل، وهو سمة ملازمة لكلامهم لما فيه من دقة في التعبير، وإخراج المعاني المحسوسة إلى المعاني المجردة، فهو خير وسيلة للاتساع في اللغة، والتحرر من الضيق اللفظي، والانطلاق في مجالات الخيال، بما يضفيه من علاقات لغوية مبتكرة توازن بين الألفاظ والمعاني في الشكل والمضمون، وتلائم بين عمليتي الإبداع والتجديد في دلالة اللفظ الواحد، للخروج باللغة إلى ميدان أوسع وأرحب (20). ولما كان القرآن الكريم أساس العربية ودستورها وكان «إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي» (21)، فلا غرابة أن يكون مصدرا للثروة البلاغية عند العرب، وأن يكون مجازه في الذروة من البيان العربي، وأن يكون عنصرا أساسيا من عناصر بلاغته الإعجازية. (22).


    وقبل الحديث عن الخلاف الذي أثارته هذه الثنائية بين العلماء، يحسن بناء أن نقدم تعريفا لمفهوم الحقيقة والمجاز.
    أما الحقيقة في اللغة هي المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي(23)، وفي الاصطلاح، هيكل لفظ يبقى على موضوعه وقيل ما اصطلح الناس على التخاطب به (24).
    أما المجاز لغة، فهو من جزت الطريق، وجاز الموضع جوازا أو مجازا، وجاز به وجاوزه جوازا، سار فيه وسلكه. وجاوزت الموضع بمعنى جزته وسرت فيه وقطعته، والمجاز والمجازة الموضع(25).


    وفي الاصطلاح: المجاز ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب، لعلاقة بين الأول والثاني (26).
    ويكشف عبد القاهر عن العلاقة بين اللغة والاصطلاح، في اشتقاق لفظ المجاز فيقول «جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا» (27).


    فكل لفظ دل على معناه الذي وضع له في الأصل فهو المراد بالحقيقة، وكل لفظ دل على غير معناه الأصلي فهو المراد بالمجاز. والحقيقة لها موضعها الذي تستعمل فيه، والمجاز له موضعه الذي يستعمل فيه. وكلاهما في موضعه بليغ، وكلاهما في غير موضعه خارج عن البلاغة، ولكن أرباب البلاغة مجمعون على أن «المجاز أبلغ من الحقيقة في تأدية المعنى، فعندما نقول (لقيت الأسد وجاءني البحر) فقد جعلت الرجل أسدا وبحرا، بما يحمله من دلالة على الشجاعة والجود، لأن الشجاعة ملازمة للأسد، والجود تابع للبحر، والدلالة بلازم الشيء وتابعه أكشف لحاله وأبين لظهوره وأقوى تمكنا في النفس من غير ما ليس بهذه الصفة» (28). إلا أن من العلماء من أنكر وجود المجاز في اللغة والقرآن كالظاهرية، ووافقهم على ذلك بعض السلف كابن تيمية، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن (المجاز أخو الكذب)، والقرآن منزه عنه، ثم إن المتكلم لا يعدل إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة أو عجز عن التعبير بها فيستعير، وذلك محال على الله تعالى (29).


    وقد رد على هذه الشبه جماعة من المسلمين، وكان من أسبقهم ابن قتيبة الذي أشار إلى مسألة الطعن في القرآن في هذه القضية فقال: «وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد (30) والقرية لا تسأل(31)، وهذا من أشنع جهالاتهم وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا، كان أغلب كلامنا فاسدا لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر» (32). فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة إليه في بيان محسنات القرآن البلاغية، ولما في المجاز من طاقة في حسن التعبير، وليس لعجز عن تسخير الحقيقة، ثم إن المجاز والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن والبلاغة في القرآن. يؤكد ذلك قول جلال الدين السيوطي «وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو القرآن من المجاز، وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتكنية القصص وغيرها» (33).


    وقد ذهب ابن تيمية مذهبا آخر في رفضه استعمال صيغ المجاز في القرآن، بدعوى أن هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى من الهجرة. فلا أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثوري والأوزاعي، تكلم بذلك. ولا تكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم (34). والحق أن هذا الرفض من ابن تيمية، ينافي الموضوعية، لأنه لا يستند إلى بيان وبرهان قاطع، فكون الصحابة وتابعيهم لم يتحدثوا عن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وكون بعض العلماء لم يتحدثوا عن هذه القسمة، لا ينفي وجود المجاز في القرآن، ونحن نعلم أن العلوم كلها إنما تنشأ في عهد تدوينها كما تنشأ النواة، ثم تتدرج في النمو والتكامل والتصنيف، ثم هل كان في عهد الصحابة والتابعين اصطلاحات في التفسير والفقه والنحو والكلام؟ فالتمسك بأن الواضع الأول لم يثبت عنه تقسيم الكلام إلى حقيقة و مجاز معناه «توقف حركة التطور العلمي وما تقتضيه من تقنين وتأصيل وتفريع، فكل القدامى من الذين بحثوا في إعجاز القرآن تحدثوا عن الحقيقة والمجاز وعن الاستعارة بوصفها ضربا من المجاز، وإن كان بعضهم استعمل عبارة أخرى تدل على المجاز قبل ظهوره كمصطلح» (35).
    وقد اعترض الدكتور شوقي ضيف، على ما ذهب إليه ابن تيمية، بأن هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث بعد القرون الثلاثة الأولى، وذلك استنادا إلى أن الجاحظ الذي عاش في القرنين الثاني والثالث الهجريين، قد أشار إلى المجاز، وما يعزز رأي شوقي ضيف، أن ابن قتيبة الذي عاش في القرن الثالث الهجري قد أفاض في المجاز، وأكثر من القول فيه، بما لا يقاس إليه كلام الجاحظ (36).


    على الحقائق، كما يشتمل على المجازات، ولا مجال لإنكار المجاز في القرآن، فقد ثبت وقوعه في آيات كثيرة من كتاب الله العزيز تعد في القمة من الاستعمال البياني مثل قوله تعالى )واحلل عقدة من لساني( (37) فاللسان ليست فيه عقدة ظاهرة محسوسة، وإنما أراد بالعقدة ما يطرأ على اللسان من عيوب الكلام كاللثغة وغير ذلك، وكقوله تعالى )قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه( (38). فالقرآن لم يرد إخراجهم من ظلام الليل إلى ضوء النهار حقيقة، وإنما أراد إخراجهم من الكفر الذي يتخبط فيه المرء كما يتخبط في ظلمة الليل إلى الإيمان الذي يهتدي به الإنسان كما يهتدي بنور النهار. وكقوله تعالى )واشتعل الرأس شيبا( (39) فليس ثمة اشتعال حقيقي في الرأس، وإنما المراد الإشارة إلى كثرة شيب الرأس، فلما كان شيب الرأس يزداد كثرة وبشكل سريع، صارت الكثرة في الانتشار والاتساع، كاشتعال النار التي لا يمكن تلافيها.


    وترتبط قضية الحقيقة والمجاز من ناحية أخرى بذلك الخلاف المذهبي بين المعتزلة والأشاعرة حول ذات الله وصفاته، وما نتج عنها من مواقف حول أصل اللغة ونشأتها، بل يمكن القول إن هذه القضية لم تكتسب هذه الأهمية في الثقافة العربية الإسلامية، لولا تعلقها بهذه المسألة العقائدية. فالمعتزلة الذين قالوا بالاصطلاح في نشأة اللغة، أكدوا على أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة. فإذا كانت اللغة نتاج بشري خالص تواضعت عليه الجماعة للتواصل فيما بينها، وليصح أن يفهم عن الله ما يخاطب به، فإن المجاز كعنصر لغوي شأنه شأن الحقيقة، يعتمد على المواضعة السابقة للجماعة. يقول القاضي عبد الجبار: «المجاز قد صار موضوعا لما استعمل فيه مجازا، فهو في الحكم بمنزلة اسم يستعمل في أمرين على جهة الاشتراك» (40). لكن الفرق بين المواضعة المجازية والمواضعة اللغوية، كون الأولى مواضعة طارئة، أما الثانية فهي مواضعة أصلية. فلما كانت فصاحة العرب وبلاغتهم إنما ترجع لما في كلامهم من إشارات واستعارات ومجازات، ولما كان الكلام يبعد عن الفصاحة والبلاغة إذا جرى كله على الحقيقة، لما في الحقيقة وحدها من قصور عن التبليغ، ولما للمجاز من طاقة في حسن التعبير، فقد اعتبر المعتزلة أن أكثر اللغة جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة. (41).


    أما الأشاعرة فقد وقفوا من المجاز موقفا وسطا بين الظاهرية الذين زعموا أن اللغة حقيقة كلها، وأنكروا وجود المجاز في القرآن واللغة عموما، ووقفوا بشدة ضد أي فهم للنص يتجاوز ظاهره اللغوي، كما لم يبالغوا في استخدام المجاز لتأويل النصوص كما فعلت المعتزلة. فهم لا ينكرون وجود المجاز في اللغة والقرآن، ولكنهم اعتبروه من التعابير القليلة والنادرة فيهما، أما الأصل في الكلام فعلى الحقيقة (42). وقد وقف الأشاعرة هذا الموقف من المجاز انطلاقا من موقفهم من أصل اللغة، فاللغة وحي من الله، علمها آدم وانتقلت إلى بنيه من بعده، فالله تعالى هو واضع ومحدد دلالاتها، ولا يصح في حق الله تعالى أن يعلم آدم الدلالة التي تسمى (مجازا) دون الدلالة التي تسمى (حقيقة) باعتبار كون الحقيقة أصل، والمجاز عارض.


    ولعل من أهم الأسباب التي جعلت المعتزلة تنتصر لمبدأ المجاز وتدافع عنه، ما وجدوه في القرآن من آيات يوحي ظاهرها بالتجسيم والتشبيه. فكان المجاز وسيلتهم لتأويل هذه الآيات، وصرفها عن معناها الظاهري إلى معنى آخر يتفق مع أصولهم الفكرية، ويحقق التنزيه المطلق للذات الإلهية، فأولوا اليد بمعنى النعمة أو القوة، والعين بمعنى العلم، والوجه بمعنى الذات أو النفس، والاستواء بمعنى الاستيلاء والغلبة واليمين بمعنى القدرة(48)، وبذلك يصبح التأويل ضرورة لابد منها، حتى لا تتسرب فكرة التجسيم إلى عقيدة التوحيد بمفهومها الاعتزالي.


    ولا يختلف الأشاعرة عن المعتزلة في تنزيههم لله تعالى ونفي التجسيم عنه، لكنهم لم ينفوا عنه ما وصف به نفسه من الصفات، بل أثبتوها له من غير تشبيه أو تعطيل، وتجنبوا البحث في كنهها أو تأويلها (55).
    ورغم وقوف الأشاعرة عند ظاهر النص، خاصة عند تأويلهم للآيات التي تتعلق بذات الله وصفاته، فإن ذلك لم يمنعهم من الخوض في باب التأويل، وصرف النص عن حقيقته نحو المجاز، لإبانة مفاسد تأويلات المعتزلة، وتفنيد حجج المشبهة والمجسمة وإقامة «الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى»(56).
    لا خلاف إذن بين المعتزلة والأشاعرة في الأخذ بالتأويل واعتباره وسيلة لحمل المتشابه من القرآن على الوجه الذي يطابق المحكم، لكنهم اختلفوا في معنى المحكم والمتشابه، وما هي الآيات المحكمات وما هي الآيات المتشابهات، فما يعتبر من الآيات محكما عند هؤلاء، يعتبر متشابها عند أولئك، بل ربما اعتبر الجدل في تأويل المحكم والمتشابه.
    وقد جعل الله تعالى الآيات المحكمات هن أم الكتاب، لإحكام عباراتها وخلوصها من الاحتمال في المعنى والاشتباه، فهي الأصل التي تعتمد في فهم مراد الله من الأمر والنهي والحلال والحرام، وإليها ترد الآيات المتشابهات. وأما المتشابه، فقد فهم على أنه الغامض المشكل الذي يحتاج إلى تأويل لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ وإما من حيث المعنى، ولا يستقل بنفسه إلا برده إلى المحكم. وبذلك يكون للمحكم مزية على المتشابه لأنه «مما لا يحتمل إلا الوجه الواحد من حمل الأدلة وليس كذلك المتشابه، لأن المراد به يشتبه على العالم باللغة، ويحتاج إلى قرينة محددة في معرفة المراد به، إما بأن يحمل على المحكم، أو بأن يدل عليه كلام الرسول rإلى ما يجري مجراه» (66).


    وقد وجد المعتزلة والأشاعرة في (المحكم والمتشابه) منفذا لتأييد أصولهم ومبادئهم، فاعتبرت كل فرقة ما يدعم آراءها من الآيات محكما، وما يعارضها ويدعم وجهة نظر الخصم متشابها يجب تأويله. وكمثال لهذا الخلاف بين الفرقتين في تأويلهم للآية الواحدة قوله تعالى )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (68) فقد عدت المعتزلة هذه الآية من الآيات المتشابهات التي يجب ردها إلى المحكم. أما الأشاعرة فقد اعتبروها من الآيات المحكمات التي لا يجوز تأويلها، وترتبط هذه الآية بقضية هامة أثارت كثيرا من الجدل والنقاش بين الفرقتين، وهي قضية الرؤية وجوازها على الله أو عدم جوازها. فالمعتزلة الذين نفوا وجود صفات قديمة لله تعالى لما يقتضيه إثباتها من تعدد القدماء ومن تشبيه وتجسيم، يرون أن إثبات الرؤية يستلزم التحيز في المكان والجهة، وهذا يستحيل في حقه تعالى، لذلك نفوا أن يكون الله تعالى مرئيا لعباده بأي صورة من الصور في الدنيا والآخرة، واستشهدوا على صحة رأيهم بقوله تعالى )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار( (69).


    وإذا كانت هذه الآية تؤيد موقف المعتزلة في نفيهم رؤية الله تعالى، فإن الآية السابقة، )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (70) تعارض وجهة نظرهم في الرؤية وموقفهم من التوحيد عموما. فلم يكن أمام المعتزلة سبيل سوى حملها على المجاز وتأويلها بما يتفق مع عقيدتهم في التوحيد، فأولوا كلمة (ناظرة) بمعنى (الانتظار) وليس نظر (الرؤية)(71). غير أن أبا علي الجبائي -من المعتزلة- أول الآية بمعنى (منتظرة نعم ربها) حيث أول حرف الجر في الآية (إلى) ولم يعتبره حرفا جر، بل اسم معناه (نعم) فهو مشتق من ( الآلاء)(72).


    أما الأشاعرة فيعتقدون بجواز رؤية الله تعالى يوم القيامة حسب وعده تعالى للمؤمنين بقوله )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (73)، ولا يرون في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه أو تجسيم، كما أن إثبات الصفات له تعالى، لا تستوجب التشبيه أو الشريك في الألوهية، فكل «ما وصف به خالق السماوات والأرض من هذه الصفات أنه حق لائق بكماله وجلاله، لا يجوز أن ينفى خوفا من التشبيه بالخلق، وأن ما وصف به الخلق من هذه الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم» (74).
    وقد اعترض الأشاعرة على موقف المعتزلة من الرؤية وتأويلهم للآيات التي تنص عليها، وقد رفض المعتزلة أدلة الأشاعرة على جواز رؤية الله تعالى، فليس صحيحا ما ذهبوا إليه من أن الوجه آلة للنظر، وأن النظر إذا قرن بالوجه لا يحتمل إلا الرؤية، فالنظر بالوجه مجاز وليس حقيقة، لأن الوجه لا ينظر في الحقيقة ولا ينظر به، لأنه ليس بآلة للنظر (81).
    إن ما يهمنا في هذا الخلاف ليس من أصاب ومن أخطأ من الفريقين في تأويل الآية، بقدر ما يهمنا الوقوف على مدى التزام كل فرقة بما تقرر من مبادئ وأصول في المذهب المعتزلي والأشعري، ومن ثم نستطيع أن نحدد الفرق بين منهج المعتزلة والأشاعرة في التأويل. فالمعتزلة قدموا العقل بين يدي الشرع، لرفع التناقض بين المحكم الذي هو قوله تعالى )لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار( (82)، وبين المتشابه الذي هو قوله تعالى )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (83)، وجعلوا العقل هو الأصل في التأويل، فالرؤية تستحيل في حق الله تعالى لما تستلزمه من تحيز في مكان وجهة، لذلك وجب تأويل الآية التي يوحي ظاهرها بالرؤية، وصرفها عن معناها الظاهري وردها إلى المحكم. يقول القاضي عبد الجبار"المتشابه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدإ، ونظر مجدد، ليحمله على الوجه الذي يطابق المحكم أو دليل العقل...وأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول"(84).


    أما الأشاعرة فقد قدموا الشرع على العقل، ولم يجدوا أي تناقض بين إثبات الصفات لله تعالى، أو إثبات الرؤية وتنزيهه عن الشبيه. وإذا كان التأويل يخضع لأدلة العقل وينقاد له عند المعتزلة، فإن التأويل الصحيح عند الأشاعرة هو«الذي لا يجافي منطق اللغة ولا ينأى عن دلالاتها. والتأويل المستكره هو الذي يلوي فيه المؤول النص حتى يوافق هواه ويسير مع رغباته» (85).


    وتعتبر اللغة الأداة الثانية التي اعتمدها المعتزلة في التأويل لخدمة أصولهم المذهبية، إذ اعتبروها أنجع أداة لتأويل آيات القرآن وإبعاد كل ما يوهم التناقض والاختلاف في القرآن، أو يوهم التشبيه الذي يعارض مبادئ المعتزلة في التوحيد، وهذا ناتج عن موقفهم من أصل اللغة، ومن ثنائية الحقيقة والمجاز، فأكثر اللغة جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة، وكذلك لغة القرآن، لأنه نزل بلسان العرب وعلى سننها في القول والتعبير. أما الأشاعرة فنادرا ما يلجأون إلى التوسع والمجاز، لأن الأصل في اللغة على الحقيقة، لذلك رفض ابن فارس صرف الكلام عن حقيقته بغير حجة لخدمة المذهب أو لنصرة الرأي. (86).


    ولعلنا في ختام هذا المبحث نستطيع أن نقول، إن موقف كل من المعتزلة والأشاعرة من ثنائية (الحقيقة والمجاز)، ليس سوى انعكاس لخلاف جوهري مذهبي في تأويل القرآن بين طائفتين «تحب إحداهما أن تكتفي من النص بالحقيقة، أي بالمعاني الأوائل على ظاهرها، وتحب الثانية على العكس، أن ترى في النص مستويين حقيقيا ومجازيا ظاهرا وباطنا، لا تقنع من التركيب بمعانيه الأوائل، إذ المعنى الحقيقي من الآية كامن في المعاني الرمزية المجازية»(87).
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  4. #4
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    اللفظ والمعنى

    تعتبر قضية اللفظ والمعنى من القضايا الكبرى التي اشتد جدل العلماء حولها، وانقسموا حولها إلى طوائف متعددة، فمنهم من أرجع مقومات العمل الأدبي إلى اللفظ وجعله هدفا يسعى إليه، ومنهم من أرجع هذه المقومات إلى المعاني وجعلها غاية يسعى إليها في كل تعبير لغوي، ومنهم من ساوى بين اللفظ والمعنى وجعلهما معا مقياسا لكل بلاغة، وميزانا لكل قيمة فنية، ومنهم من نظر إلى الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام، وقالوا بالعلاقة القائمة بينهما، فلا وجود للمعنى إلا باللفظ. ولم تكن هذه القضية لتكتسب هذه الأهمية لولا اتصالها بقضية الإعجاز القرآني، الذي كان الشغل الشاغل لجميع العلماء، فقد اتصل بها الفقهاء والأصوليون والنقاد والأدباء والمتكلمون، محاولين تحديد دور كل من اللفظ والمعنى في إعطاء النص القرآني أو الأدبي قيمته الفنية، ومن ثم تحديد دور كل منهما في السيادة والأولوية.
    وقد انقسم العلماء في بحثهم لموضوع الإعجاز في علاقته بقضية اللفظ والمعنى إلى فريقين:


    فريق يقول بأن إعجاز القرآن راجع إلى جمال ألفاظه، وحسن صياغتها وسبكها وكل ما له صلة بالأصوات والصورة السمعية للكلام، وأن القرآن إنما أعجز العرب لأنه استخدم ألفاظا عربية يعرفها عامة العرب وفصحاءهم استخداما لا يقدرون عليه، فعجزوا عن مجارات أسلوبه وعجيب تأليفه. أما المعاني فهي شائعة تدور على ألسنة الناس.
    وفريق آخر يرى إعجازه في معانيه وأفكاره، وفي ترتيب ألفاظه بطريقة مخصوصة، وتركيبها بما يتناسب وحال الخطاب وموضوعه. فالمعاني هي الأصل، والقرآن لم يعجز العرب بألفاظه وصياغتها ولا بفواصله وتوان فقراته، إذ كانوا قادرين على نظم الأشعار والقوافي، ولكنه أعجزهم بروعة معانيه وعباراته.
    ولم تكن فرقتا المعتزلة والأشاعرة بمعزل عن هذا الصراع الذي شهدته الساحة الثقافية العربية الإسلامية حول هذه القضية، بل كانت من بين المسائل التي أثارت نقاشا وخلافا كبيرا بين الفرقتين. وقد كان اختلافهم حول هذه القضية نابع من خلافهم المذهبي والفكري، فكل فرقة تفسر إعجاز القرآن انطلاقا من أصولها المذهبية والفكرية ومن عقيدتها في كلام الله تعالى وصفاته. وقد مر أن المعتزلة في تأييدهم لوحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الشبيه، نفوا عنه صفاته التي وصف بها نفسه، واعتبروا الكلام صفة من صفات الفعل، وقالوا بأنه محدث مخلوق، واعتمدوا مبدأ قياس الغائب على الشاهد في تعريفهم لكلامه تعالى فهو «من جنس الكلام المعقول في الشاهد وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة» (88)، وهو تعريف يربط الكلام بالدلالة الصوتية، ويقصره عليها وينظر إلى القرآن بوصفه أداء تلفظيا، وليس عملية مركبة تنتظم العديد من العمليات الأخرى بما فيها الأداء اللفظي، لأن ذلك يقتضي «إدخال المعنى في حد الكلام، وهو ما قد يؤدي إلى الالتقاء مع خصوم المعتزلة من الأشاعرة، الذين يعتمد برهانهم حول قدم القرآن على كون الكلام معنى نفسيا» (89).
    انطلاقا من هذا التصور للكلام، ذهب المعتزلة إلى تصور إعجاز القرآن كامنا في هذا الكلام المؤلف من الأصوات، وصرفوا عنايتهم إلى فصاحة الألفاظ وانسجامها وتلاؤمها، وإلى السجع والازدواج والتناسب والفواصل والبديع، وكل ما له صلة بخفة الكلام وسهولة جريانه على اللسان وحسن وقعه في السمع (90). أما المعاني فهي مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي والبدوي والقروي، وإنما يتفاضل الناس في التعبير عنها (91). ويبدو من هذه المقولة أن الجاحظ قد التزم بمبادئ المعتزلة التزاما حتم عليه أن يعتبر المعاني شائعة بين الناس، ومتيسرة للجميع، وأن الامتياز والمفاضلة بينهم تتم عن طريق صياغة اللغة صياغة محبوكة بحيث لا يفلت من زمامها أي جزء من أجزاء هذا المعنى، لأن الشعر والأدب عموما «صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير» (92).
    أما الكلام، في نظرية الأشاعرة، فهو صفة أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى كعلمه وقدرته وحياته، فكان من الطبيعي أن يبتعد تعريفهم للكلام عن الأصوات التي هي أعراض لا يتصور وجودها في ذات البارئ تعالى (94). فالأشاعرة يعارضون تماما مفهوم المعتزلة للكلام، فالكلام الحقيقي هو الكلام القائم بالنفس، وبذلك يتم إخراج (الألفاظ) كلية من تحديدهم للكلام. ذلك أن إدخالها يفضي إلى أن «يكون حد الكلام متضمنا لإثبات حداثة القرآن بما هو كلام، ومن ثم فإن (الدوال) ما هي إلا دلالة على الكلام الحقيقي(المعنى النفسي) المستقل عن هذه (الدوال)، و(الدوال) في هذه الحالة لا تعدو كونها (أمارات) صوتية خطية تشير إلى ما هو غيرها وخارجها» (95).


    إن عقيدة الأشاعرة في كلام الله، القائمة على الكلام النفسي، كانت توجه مواقفهم من قضية اللفظ والمعنى وتحدد مفهومهم للإعجاز، وبذلك وجهوا عنايتهم للمعاني بحكم سبقها وأصالتها، ولتراكيب آياته من تقديم وتأخير وحذف وذكر...الخ، أما الألفاظ فهي خادمة للمعاني وتابعة لها، وهي تتنزل في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس، لذلك كانت مزية النظم في معانيه دون ألفاظه فليس الغرض «بنظم الكلام أن توالت ألفاظها في النطق بل أن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل» (96).


    وقد كان لموقف المعتزلة والأشاعرة من أصل اللغة وطبيعتها، أثر كبير في تحديد موقفهما من هذه القضية أيضا، فالأشاعرة الذين اعتبروا اللغة توقيفية من عند الله، علمها لآدم اعتبروا المعاني أسبق من الألفاظ في الوضع وفي نفس المتكلم، لأن الله تعالى لم يكن ليقول لهم )أنبئوني بأسماء هؤلاء وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء( (98). أما الألفاظ فليست إلا مجرد علامات وسمات دالة على المعاني، ولا قيمة لها إلا بمقدار ما تحمله من هذه المعاني، ولو سلبت منها لأصبحت مجرد أصوات (99). وهكذا يتضح أن الأشاعرة قد صرفوا عنايتهم بصورة واضحة إلى إثبات الأسبقية للمعاني في الوجود على الأسماء والألفاظ، وأن الغرض من الوضع اللغوي هو إفادة التراكيب والعلاقات بين المفردات. أما الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة فلم توضع «لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما فوائد» (100)، ومن هنا كان إلحاح الأشاعرة في دراسة إعجاز القرآن على معانيه وتراكيبه، واستهانوا بقيمة الألفاظ، وبالبديع ومحسناته البلاغية.


    أما المعتزلة الذين قالوا باصطلاحية اللغة، واعتبروها ظاهرة اجتماعية يصنعها الإنسان عن طريق الإشارة الحسية والإيماءة الجسدية (101)، فقد اعتبروا العلاقة بين الألفاظ ومعانيها علاقة وضعية اصطلاحية. ولما كانت الإيماءة والإشارة تستدعي الصوت الذي تقوم على أساسه المواضعة، فقد عرف ابن جني اللغة بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» (102)، وهو التعريف نفسه الذي يقدمه القاضي عبد الجبار للكلام فيقول «ونذكر حقيقة الكلام وأنه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة» (103)، وإذا كان الصوت هو الشرط الذي تقوم على أساسه المواضعة، وكانت الأصوات من صفات الألفاظ، فقد وجه المعتزلة عنايتهم للألفاظ ونوهوا بالصورة السمعية للكلام، وآمنوا بأن أسرار إعجاز القرآن كامن في هذا النظم المركب من الحروف والأصوات، وجعلوا من «الصياغة اللفظية، المادة التي يقع عليها عمل الناظم، وتظهر فيها مهارته وبراعته» (104). أما المعاني فهي قائمة في صدور الناس جميعا -أو كما قال الجاحظ فهي مطروحة في الطريق- تجول في أذهانهم وتنتهي لعامتهم وخاصتهم بالتلقائية المباشرة، عكس الألفاظ التي يحتاج الأديب إلى قدرة خاصة تمكنه من استغلالها واستعمالها.


    وقد بحث كل فريق من الفريقين عن مظاهر الجودة في العنصر الذي قرن به المزية والأسبقية، فأخذت المعتزلة تبحث في الأساليب وصياغتها، والألفاظ ورقتها وعذوبتها وخفتها وسهولتها، وأخذ الأشاعرة يبحثون في المعاني ومدى التفاوت بينها.
    ويعتبر الجاحظ في طليعة من اهتموا باللفظ، فقد وضع معايير للفظ المفرد، من تخيير وسهولة مخرج، وكثرة ماء، ولطافة مأخذ، وصحة طبع، وجودة سبكن وبعد عن التنافر. ومن أقواله التي تظهر عنايته بالألفاظ قوله «ومتى كان اللفظ كريما في نفسه متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره» (105).


    وقد أنكر عبد القاهر الجرجاني تلك المميزات في فصاحة المفرد لإيمانه بأن فصاحة اللفظ عائدة إلى المعنى، وأن هذه الفصاحة لا تظهر إلا بضم الكلام بعضه إلى بعض في جملة من القول، أو نص من النصوص، لأنه اتضح اتضاحا «لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها وما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ» (106). ومما يدخل في جماليات الألفاظ وصياغتها وحسن تأليفها ونظمها، التلاؤم اللفظي والصوتي، الذي جعله المعتزلة مقياسا فنيا لكل عمل أدبي، بل لقد عده الرماني المعتزلي أحد أقسام البلاغة العشرة التي تعتبر دليلا على إعجاز القرآن، وفائدة التلاؤم في نظره تظهر في «حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة» (107). وقد رفض عبد القاهر بشدة، أن يكون للتلاؤم الصوتي قيمة فنية ترقى به إلى أن يكون وجها من وجوه إعجاز القرآن فيقول «وإن تعسف صاحب تلاؤم الحروف وذهب إلى أنه الأصل في الإعجاز، كان الرد أن يقال له، يلزمك على قياس قولك، أن تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفى به فسادا. فإن قال قائل إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك دالا، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني... قيل له فأنت الآن إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسألتك، وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ، وجئت تطلب فيما بين المعاني طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم وهذا منك وهم» (108).


    وقد اهتم المعتزلة بالمحسنات البديعية والبلاغية اهتماما كبيرا، جاعلين منها دليلا على إعجاز القرآن، فهذا الرماني المعتزلي مثلا يحصر أقسام البلاغة التي تعد أحد أهم وجوه إعجاز القرآن، في الأقسام التالية: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان(109)، مستشهدا بما جاء في القرآن من هذه الأقسام العشرة على جهة البلاغة والإعجاز، وهو الأمر الذي أنكره عليهم الأشاعرة، الذين رفضوا اعتبار فنون البديع ومحسناته اللفظية دليلا على الإعجاز، وقللوا من أهميتها وقيمتها، «لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها، أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له، وأمكنه نظمه، والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له، والتوصل إليه بحال» (110).
    وفي ختام هذا البحث نستطيع أن نقول، إن الدوافع المذهبية والتوجهات العقائدية كانت وراء ذلك الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول قضية اللفظ والمعنى، وانتصار كل فرقة لطرف دون آخر، لا يعني أن المعتزلة قد أنكروا قيمة المعاني، أو أن الأشاعرة قد أنكروا قيمة الألفاظ، فعبد القاهر الجرجاني لا يمانع أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان، داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز فيقول «واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان، داخلا فيما يوجب الفضيلة وأن تكون مما يؤكد الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونفيل (111) رأي من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده ويجعله الأصل والعمدة » (112). وفي المقابل فإن المعتزلة رغم عنايتهم بالتلاؤم الصوتي وجمال التعبير، لم يغفلوا قيمة المعاني، وكانوا يرون بلوغ الغاية في اجتماع الألفاظ المتميزة والمعاني المنتخبة. ومهما يكن من أمر، فإن هذا الخلاف كان له أثر إيجابي على الثقافة العربية الإسلامية، حيث بذلت الجهود الوفيرة لدراسة الألفاظ والمعاني، فبحث الباحثون فيما يكون للفظ وفيما يكون للمعنى، وما ينبغي أن يتوافر لكل من العنصرين من أسباب الجودة ومظاهر الإتقان.


    ولعل النتيجة الأساس التي استخلصناها من ثنايا هذه المتابعة لقضايا اللغة والعقيدة، تكمن أولا في لفت النظر إلى هذا المعين الذي لا ينضب وهو القرآن الكريم، الذي استمدت منه الثقافة العربية الإسلامية قديما وحديثا، أصول تفكيرها، فتوجهت به الدراسات اللغوية والأصولية والكلامية والبلاغية والفقهية...وتأسست عليه الحضارة الإسلامية، التي تمتد جذورها إلى ما شاء الله من الزمان. فكان حقا معجزة هذه الأمة، التي قامت مقام المعجزات الحسية والمادية التي سبقت، كعصا موسى، ونار إبراهيم، وناقة صالح، وغيرها من المعجزات.


    فهذه المعجزات وإن كانت خارقة للعادة، خارجة عن مقدور العباد، إلا أنها لم تستطع أن تنشئ ثقافة وحضارة كالتي أنشأها القرآن، بل انقرضت بانقراض المشاهد لها، وهذا ما جعل بعضهم يصف الحضارة العربية الإسلامية بأنها (حضارة النص)، بمعنى أنها حضارة انبنت أسسها، وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه.
    وقد أولع العلماء بالقرآن الكريم بحثا ودرسا، فعنوا بتدوينه وجمعه وترتيبه وترتيله وشرح غريبه ودراسة تراكيبه وأساليبه...ولكن أكثر هذه المباحث خطرا، وأجلها قدرا، تلك التي اهتمت بالبحث في خصائصه ومزاياه التي كان بها وحيا معجزا. فقد ألفت في إعجازه كتب مستقلة تمثلت في تلك المصنفات الكلامية والبلاغية واللغوية. فقضية الإعجاز هي أهم قضية شغلت المسلمين بعد توسع رقعة الدولة الإسلامية وظهور بعض الآراء الفاسدة المشككة في كتاب الله ودينه، وقد ربط هؤلاء العلماء ما بين قضية الإعجاز واللفظ والمعنى، لكشف أسرار القرآن الكريم وإبراز سر الإعجاز اللغوي فيه.
    وإذا كان معظم هؤلاء العلماء يتوزعون بين أشهر مذهبين كلاميين عرفهما التاريخ الإسلامي وهما: المذهب المعتزلي والمذهب الأشعري، فقد تأثرت قضية الإعجاز بخلافات المعتزلة والأشاعرة الكلامية، فجاءت أبحاث هؤلاء العلماء ومؤلفاتهم حول الإعجاز تدافع عن عقائد الفرقتين، مفندة لحجج الخصوم، فكل فرقة تلتمس إعجاز هذا الكتاب في الجانب الذي يخدم مذهبها ومبادئها الكلامية.

    ورغم هذه الخلافات المذهبية، فإن هذا الخلاف عموما يبقى ثانويا، أمام الهدف الأسمى الذي تجند له هؤلاء العلماء، وهو تثبيت أسس العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاجة الملحدين والمشككين الذين جهلوا طبيعة هذه المعجزة القرآنية القائمة على أساس البيان العربي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. إعجاز الرحمن في رسم القرآن
    بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد في المنتدى اللغة العربية وأبحاثها
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 21-02-2013, 11:45 PM
  2. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 06-10-2012, 05:08 PM
  3. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-07-2010, 11:13 PM
  4. مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير - عربي
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-04-2010, 02:00 AM
  5. بحث مصطلحات في العقيدة الإسلامية لمن أرد تعلم مبادئ المناظرات
    بواسطة احمد التل في المنتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-11-2009, 08:57 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة

إعجاز القرآن بين مبادئ اللغة وأصول العقيدة