القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

صفحة 12 من 13 الأولىالأولى ... 2 11 12 13 الأخيرةالأخيرة
النتائج 111 إلى 120 من 130

الموضوع: القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

  1. #111
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    الجواب عنهذه الشبهة:
    أمَّا فاتحة الكتاب، فإن عدم كتابتها في مصحف ابن مسعود مشكوكٌ فيه، غير مسلم بصحته.
    والخبر الذي تعلَّق به أصحاب هذه الشبهة ليس فيه إنكار قرآنية الفاتحة، وإنَّما قصارى ما فيه أن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ لم يكن يكتبها، وليس في ذلك جحدٌ بأنَّها من القرآن.
    ولو صحَّ عن ابن مسعود هذا الخبر، فإنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على ابن مسعود، فضلاً عن أن يَظُنَّ به إنكار قرآنيتها، وكيف يُظَن به ذلك، وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وقد أوصى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقراءة القرآن على قراءته.( انظر مناهل العرفان (1/276( (
    فَعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ.( رواه ابن ماجه في سننه كتاب المقدمة، باب فضل عبد الله بن مسعود (1/49) ح 138، وابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب كتابة المصاحف حفظًا ص 152-153. (
    كما أن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ من السابقين إلى الإسلام، ولم يزل يسمع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ بالفاتحة في الصلاة، ويقول: لا صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.( رواه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (1/216) ح 820. (
    فلو صحَّ عنه هذا النقل، وجب أن يُحمل على أكمل أحواله?، وذلك بأن يُقال: إنه كان يرى أن القرآن كتب في المصاحف مخافة الشك والنسيان، أو الزيادة والنقصان، فلمَّا رأى ذلك مأمونًا في فاتحة الكتاب؛ لأنَّها تثنى في الصلاة، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلمها ـ ترك كتابتها، وهو يعلم أنَّها من القرآن، وذلك لانتفاء علة الكتابة ـ وهي خوف النسيان ـ في شأنِها.
    فكان سبب عدم كتابتها في مصحفه وضوح أنَّها من القرآن، وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان، والزيادة والنقصان.( انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 47-49، ومناهل العرفان (1/276( (
    قال أبو بكر الأنباري تعليقًا على قول ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ: "لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة" قال: يعني أن كلَّ ركعةٍ سبيلُها أن تفتتح بأم القرآن، قبل السورة المتلوَّة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لَهَا، ولم أثبتها في موضعٍ فيلزمني أن أكتبها مع كل سورةٍ، إذ كانت تتقدمها في الصلاة.( انظر: الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - ت 671 ه - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1408 ه 1988م. (1/81)، و تفسير القرآن العظيم - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه - مكتبة دار التراث القاهرة - بدون تاريخ (1/9( (
    ويدل على ذلك أيضًا أنه قد صحَّ عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ قراءة عاصم وغيره، وفيها الفاتحة، وهذا نقلٌ متواتر يوجب العلم.
    وأما المعوذتان، فقد ثبت بِما لامجال للشك معه أنَّهما قرآنٌ منَزَّلٌ.
    فقد ورد التصريح بقرآنيتهما عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    كما جاء عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ، فَتَعَوَّذُوا بِهِنَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ، يَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ.( رواه أحمد في مسنده، مسند الشاميين (5/137) ح 16848. (
    وعَنْه أيضًا أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، الْمُعَوِّذَتَيْنِ.( رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين باب فضل قراءة المعوذتين (6/96) ح 814. (
    كما ورد أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلى بِهما صلاة الصبح، وفي قراءتِهما في الصلاة دليلٌ صريح على كونِهما من القرآن العظيم.
    عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: بَيْنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَقَبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ: أَلاَ تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَرْكَبْ مَرْكَبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَنَزَلَ وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، وَنَزَلْتُ وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ فَأَقْرَأَنِي: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ )، وَ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (، فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ.( رواه النسائي في سننه، كتاب الاستعاذة، (8/253) ح 5437، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في المعوذتين (2/73) ح 1462. (
    وقد أنكر كثيرٌ من أهل العلم صحة النقل عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ في إنكاره قرآنية المعوذتين، وفي عدم إثباتِهما في مصحفه.
    قال الباقلاني: وأما المعوذتان، فكل من ادَّعى أن عبد الله بن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل، وبعُد عن التحصيل.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 90. (
    وقال ابن حزم: وكل ما روي عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذبٌ موضوع، لا يصح، وإنَّما صحَّت عنه قراءة عاصمٍ عن زِرِّ ابن حبيش عن ابن مسعود، وفيها أم القرآن والمعوذتان.( الْمُحَلَّى - أبو محمد علي بن حزم الظاهري ت 456 ه - دار الآفاق الجديدة - دار الجيل - بيروت - بدون تاريخ. (1/13().
    وقال النووي: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نُقِل عن ابن مسعودٍ في الفاتحة والمعوذتين باطلٌ، ليس بصحيح عنه.( المجموع شرح المهذب (3/363().
    وقد فنَّد هؤلاء العلماء ما ورد عن ابن مسعود من الإنكار أو الْمَحْوِمن المصاحف، وتطلبوا لذلك وجوهًا كثيرةً في الردِّ، منها:
    1 ـ أن سبيلَ نقل المعوذتين سبيلُ نقل القرآن، وهو ظاهرٌ مشهورٌ، وأن فيهما من الإعجاز الذي لا خفاء لذي فهمٍ عنه، فكيف يحمل على ابن مسعودٍ إنكار كونِهما قرآنًا، مع ما ذكر من النقل والإعجاز؟.
    2 ـ أن ابن مسعودٍ لو أنكر أن المعوذتين من القرآن لأنكر عليه الصحابة، ولنقل إلينا نقلاً مستفيضًا، كما أنكروا عليه ما هو أقل من ذلك، وهو اعتراضه على اختيار زيد لجمع القرآن.
    3 ـ أن ابن مسعود كان مشهورًا بإتقان القراءة، منتصبًا للإقراء، وقد صحَّ عنه قراءة عاصم وغيره، وفيها المعوذتان، ولو كان أقرأ تلاميذه القرآن دون المعوذتين لنُقل إلينا، فلمَّا لم يروَ عنه، ولا نُقل مع جريان العادة، دلَّ على بطلانه وفساده.( الْمُحَلَّى - أبو محمد علي بن حزم الظاهري ت 456 ه - دار الآفاق الجديدة - دار الجيل - بيروت - بدون تاريخ. (1/13)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 90-91، والفصل في الملل والأهواء و النحل (2/212().
    4 ـ أنه لو صحَّ أنه أسقط المعوذتين من مصحفه، فإن ذلك لا يدل على إنكاره كونَهما من القرآن، بل لعله أن يكون أسقطهما لعدم خوف النسيان عليهما، وظن من رأى ذلك مِمن لم يعرف ما دعاه إليه أنه أسقطهما لأنَّهما ليستا عنده بقرآن.( نكت الانتصار لنقل القرآن ص 91. (
    5 ـ ويحتمل أن يكون سمع جواب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُبيٍّ لما سأله عنها، وأنه قال: قيل لي، فقلت، فلما سمع هذا أو أخبر به اعتقد أنَّهما من كلام الله ?، غير أنه لا يجب أن تسميا قرآنًا؛ لأنه ? لم يسمهما بذلك، أو أنه سمع جواب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعقبة لما سأله: أقرآنٌ هما؟ فلم يجبه، وأصبح فصلَّى الصبح بِهما، فاعتقد أنَّهما كلام الله تعالى، ولم يسمهما قرآنًا لما لم يسمهما النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك.
    6 ـ ويحتمل أن يكون لم ير النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ بِهما في الصلاة قطُّ، فظن به لأجل ذلك أنه يعتقد أنَّهما ليستا من القرآن.( انظر نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 92، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 43).
    7 ـ وأنه يُمكن أن يكون سئل عن عوذة من العوذ رواها عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وظن السائل عنها أنَّها من القرآن، فقال عبد الله: إن تلك العوذة ليست من القرآن، وظن سامع ذلك أو راويه أنه أراد المعوذتين، ويُمكن أن يحمل على ذلك أيضًا جوابه لِمن قال له في المعوذتين: أهي من القرآن؟ فقال بأنها ليست من القرآن، فإنه يحتمل أن يكون سأله عن معوذتين أخريين غير سورة الفلق وسورة الناس.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.- القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 92-93)
    8 ـ وأما ما روي من حكِّه إياهما من المصحف فذلك بعيدٌ، لأنه لا يَخلو أن يكون حكَّهما من مصحفه، أو من مصاحف أصحابه الذين أخذوا عنه، أو من مصحف عثمان، وما كُتِب منه.
    فمحالٌ أن يكون حكَّهما من مصحفه؛ لأنَّهما لم يكونا فيه، لأنه لم يكتبهما.
    وكذلك مصاحف من أخذ عنه من أصحابه، فهي بالضرورة موافقة لمصحفه، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون فيها المعوذتان.
    وإن كان من مصحف عثمان ?، فذلك بعيدٌ، لأنه شقُّ العصا، وخلافٌ شديدٌ يطول فيه الخطب بينهما، ولو حصل ذلك لنقل إلينا، وفي عدم العلم بذلك دليلٌ على بطلانه.
    9 ـ وأما قول الراوي: إنه كان يَحكهما، ويقول: لا تخلطوا به ما ليس منه. يعني المعوذتين، فهذا تفسير من الراوي، ويحتمل أنه كان يَحكُّ الفواتح والفواصل.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.لنقل القرآن ص 93.).
    ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي داود عن أبي جمرة قال: أتيت إبراهيم بمصحفٍ لي مكتوبٍ فيه: سورة كذا، وكذا آية، قال إبراهيم: امحُ هذا، فإن ابن مسعودٍ كان يكره هذا، ويقول: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس منه.( رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب كتابة الفواتح والعدد في المصاحف ص 154.).
    10 ـ ولو ثبت عنه بنصٍّ لا يحتمل الرد أنه حكَّهما، فإن ذلك يَحتمل وجوهًا من التأويل، منها:
    أ ـ أن يكون رآها مكتوبةً في غير موضعها الذي يجب أن تكتب فيه، وأراد بقوله: لا تخلطوا به ما ليس منه: التأليف الفاسد.
    ب ـ أو أنه رآها كتبت مغيَّرةً بضرْبٍ من التغيير، فحكَّها، وقال: لا تخلطوا به ما ليس منه. يعني فساد النظم.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.

    ص 93-94.)
    وهذه التأويلات التي ذكروها حسنةٌ، ولكن الرواية بإنكار ابن مسعودٍ قرآنية المعوذتين ومحوهما من المصاحف صحيحة، فلا ينبغي أن تُرَدَّ بغير مستندٍ، ولا محظور حينئذٍ، فتأويل فعل ابن مسعود مُمكن مع صحة هذه الروايات عنه.
    قال الحافظ: وأما قول النووي: أجمع المسلمون… ففيه نظر، وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم… ثم قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستندٍ لا يقبل، بل الرواية صحيحة، والتأويل مُحتملٌ، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر، فهو مخدوش، وإن أراد استقراره، فهو مقبول.( فتح الباري (8/615( (.
    وقال ابن كثير: وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ? أثبتوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنَّة.( تفسير القرآن العظيم - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه - مكتبة دار التراث القاهرة - بدون تاريخ. (4/571( (.
    وعلى صحة هذا النقل يكون الجواب عن هذه الشبهة بوجوه، منها -إضافةً إلى ما سبق:
    1 ـ أن ترك كتابة ابن مسعودٍ المعوذتين في مصحفه ليس بالضرورة إنكارًا لقرآنيتهما، إذ ليس يجب على الإنسان أن يكتب جميع القرآن، فلو أنه كتب بعضًا وترك بعضًا، فليس عليه عيب ولا إثم.( انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 49.).
    2 ـ أنه يحتمل أن يكون ابن مسعودٍ ? لم يسمع المعوذتين من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم تتواترا عنده، فتوقف في أمرهما.
    فإن قيل: ولِمَ لَمْ ينكر عليه الصحابة، يجاب بأنَّهم لم ينكروا عليه لأنه كان بصدد البحث والتثبت في هذا الأمر.( انظر مناهل العرفان (1/276)، و تفسير القرآن العظيم - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه - مكتبة دار التراث القاهرة - بدون تاريخ. (4/571
    3 ـ أنه يَحتمل أنه كان يسمعهما من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان يراه ? يعوِّذ الحسن والحسين بِهما، فظن أنَّهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعًا، ثم لَمَّا تيقن قرآنيتهما رجع إلى قول الجماعة.( تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 43. (
    عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: … وَلَيْسَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ،( يعني المعوذتين.) كَانَ يَرَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ، وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ، وَتَحَقَّقَ الْبَاقُونَ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَوْدَعُوهُمَا إِيَّاهُ.( رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/154) ح 20684. (
    ومِمَّا يؤيد أنه رجع إلى قول الجماعة، ما ذكرناه آنفًا من صحة قراءة عاصم وغيره عنه، وأن فيها المعوذتين.
    4 ـ أنه على فرض استمرار عبد الله بن مسعودٍ على إنكار قرآنية المعوذتين، ومَحوهما من المصاحف، يُجاب بأنه ? انفرد بِهذا الإنكار، ولم يتابعه عليه أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، وانفراده على فرض استمراره عليه لا يطعن في تواتر القرآن، فإنه ليس من شرط التواتر ألاَّ يُخالف فيه مخالفٌ، وإلا لأمكن هدم كل تواتر، وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يُخالف فيه مخالفٌ.
    فلو أنه ثبت أن ابن مسعود ? أنكر المعوذتين، بل أنكر القرآن كله، واستمر على ذلك، فإن إنكاره لا يقدح في تواتر القرآن.
    قال البزار: لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة.( مجمع الزوائد - نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ت 807 ه - دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثالثة 1402 ه - 1982م. (7/152)، وفتح الباري (8/615( (
    ولا شكَّ أن إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافٍ في الردِّ على هذا الطعن، ولا يضرُّ ذلك الإجماع مخالفة ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعودٍ وتخطئة الصحابة كلهم، بل الأمة كلها.( منا مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م (1/276-277).).
    وقد استشكل الفخر الرازي على فرض صحة النقل عن ابن مسعودٍ في إنكاره قرآنية المعوذتين أنه إن قيل إن قرآنية المعوذتين كانت متواترةً في عصر ابن مسعودٍ، لزم تكفير من أنكرهما، وإن قيل إن قرآنيتهما لم تكن متواترةً في عصره، لزم أن بعض القرآن لم يتواتر في بعض الزمان، قال: وهذه عقدة صعبة.( فتح الباري بشرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة - 1407 ه. (8/616( (.
    ويجاب عن هذا الاستشكال بأن تواتر قرآنية المعوذتين في عصر ابن مسعودٍ لا شكَّ فيه، ولا يلزم من ذلك تكفيره ?، إذ إن التواتر ـ وإن كان يفيد العلم الضروري ـ فإنه نفسه ليس علمًا ضروريًّا -أي أنه قد يخفى على بعض الناس، فليس من الضروري أن يعلم كلُّ واحدٍ من أهل العصر بتواتر الشيء، فإن خفي عليه هذا التواتر كان معذورًا، فلا يُكَفَّر.
    قال ابن حجر: وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعودٍ، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلَّت العقدة بعون الله تعالى.( فتح الباري بشرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 ه - المكتبة السلفية بالقاهرة - الطبعة الثالثة - 1407 ه. (8/616( (.



    الشبهة الثالثة: سورتا الخلع والحفد عند أُبَيِّ بنِ كعبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ
    وردت بعض الآثار التي توحي بأن أُبَيَّ بنَ كعبٍ كان يقرأ دعاء القنوت المعروف بسورتي أُبَيِّ بن كعبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ على أنه من القرآن:
    فعن الأعمش أنه قال: في قراءة أُبَيِّ بن كعبٍ: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك.( قال ابن الأثير: أي: يعصيكَ ويُخالِفكَ. النهاية في غريب الحديث والأثر - مجد الدين بن الأثير الجزري ت 606 ه - المكتبة العلمية بيروت -بدون تاريخ. (3/414).) اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك بالكفار ملحِق.( رواه ابن أبي شيبة في المصنف، باب ما يدعو به في قنوت الفجر (2/106) ح 7030. (
    كما ورد أنه كان يكتبهما في مصحفه:
    فعن ابن سيرين قال: كتب أُبَيُّ بن كعبٍ في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعودٍ، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين.( رواه أبو عبيد، انظر الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (1/184).).
    وعن أُبَيِّ بن كعبٍ أنه كان يقنت بالسورتين، فذكرهما، وأنه كان يكتبهما في مصحفه.( أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، انظر الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (1/185). (
    وعن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: في مصحف ابن عباس قراءةُ أُبَيِّ بن كعبٍ وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك الخير ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. وفيه: اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد. نخشى عذابك ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفار ملحِق.( رواه ابن الضريس، انظر الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (1/185).).
    كما ورد أن بعض الصحابة كان يقنت بِهاتينالسورتين:
    فعن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أنه قنت بعد الركوع، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين ملحِق.( أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب دعاء القنوت (2/211)، وابن أبي شيبة في المصنف باب ما يدعو به في قنوت الفجر (2/106) ح 7031، وفيه أيضًا عن عبد الملك بن سويد الكاهلي أن عليًّا ? قنت في الفجر بِهاتين السورتين، فذكرهما، ح 7029.).
    قال ابن جريج: حكمة البسملة أنَّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة.( انظر الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (1/185(.).
    فزعم بعض الطاعنين أن ما روي من إثبات أُبَيٍّ القنوت في مصحفه يطعن على جمع الصحابة للقرآن، ويدل على أنَّهم نقصوا منه، وزعموا أن اشتباه القنوت بالقرآن عند أُبَيٍّ دليلٌ على عدم اشتهار أمر القرآن وعدم انتشاره، وإمكانية التباسه بغيره من الكلام، إذ قد التبس على أُبَيِّ بن كعبٍ، مع كونه من أعلم الناس به، وأحفظهم له.( انظر نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 79، و مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م (1/264(.).
    ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه:
    الأول: أن الروايات التي وردت عن أُبَيٍّ في أمر القنوت غير مسلَّم بصحتها، وهي معارَضة بِما عُرِف من فضل أُبَيٍّ، وعقله، وحسن هديه، وكثرة علمه، ومعرفته بنظم القرآن.( انظر: نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 80.).
    الثاني: أن القنوت ليس من القرآن، لأنه لو كان منه لأثبته الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأظهره. ولأن نظمه قاصر عن نظم القرآن، يعلم ذلك أهل البلاغة والفصاحة، فلعل أبيًّا إن كان قال ذلك أو كتبه في مصحفه، إنَّما قاله أو كتبه سهوًا، ثم استدرك وأثبت أنه ليس من القرآن.
    وقد يعترض على هذا بأن يقال كيف يُشْكِل على أُبَيٍّ أمر هذا الدعاء، وبأنه يلزم من ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن على معرفةٍ بوزن القرآن من غيره من الكلام.
    ويجاب عن ذلك بأنه قد يكون قد ظنَّ أن القنوت -وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والفصاحة، إلا أنه يجوز أن يكون قرآنًا، وأنه يبعد أن يُؤتى بمثله، وإن كان غيره من القرآن أبلغ منه، كما قيل: قد يكون بعض القرآن أفصح من بعضٍ.( تأويل مشكل القرآن ص 47، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 79-81، و مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م (1/271).)
    الثالث: أنه مِمَّا يدل على ضعف هذا الخبر عن أُبَيٍّ ما عُلِم من أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ? تشدد في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه، وتحريقها، والعادة توجب أن مصحف أُبَيٍّ كان من أول ما يُقبض، وأن تكون سرعة عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ إلى مطالبته به أشدَّ من سرعته إلى مطالبة غيره بِمصحفه؛لأنه كان مِمَّن شارك في ذلك الجمع.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 80. (
    وقد صحت الرواية بِما يدل على أن عثمان قد قبض مصحف أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ.
    فعن محمد بن أُبَيٍّ أن ناسًا من أهل العراق قدموا إليه، فقالوا: إنَّما تحمَّلْنا إليك من العراق، فأخْرِجْ لنا مصحفَ أُبَيٍّ. قال محمدٌ: قد قبضَه عثمان. قالوا: سبحان الله! أخْرِجْه لنا. قال: قد قبضَه عثمان.( رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 32-33. (
    الرابع: أن ما روي عن أُبَيٍّ ليس فيه أن دعاء القنوت قرآنٌ منَزَّل، وإنَّما غاية ما فيه أنه أثبته في مصحفه.
    فإن صحَّ أنه أثبته في مصحفه، فلعله أثبته لأنه دعاءٌ لا استغناء عنه، وهو سنة مؤكدة يجب المواظبة عليه، وأثبته في آخر مصحفه أو تضاعيفه لأجل ذلك، لا على أنه قرآن منَزل قامت به الحجة، وقد كان الصحابة يثبتون في مصاحفهم ما ليس بقرآن من التأويل والمعاني والأدعية، اعتمادًا على أنه لا يُشكل عليهم أنَّها ليست بقرآن.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 80، مناهل العرفان (1/271)، وتأويل مشكل القرآن ص 47، و البرهان في علوم القرآن - بدر الدين محمد بن عبد اله الزركشي - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - بدون تاريخ (1/251(. (
    الخامس: أنه يحتمل أن يكون بعض هذا الدعاء كان قرآنًا منَزلاً، ثم نُسخ، وأُبيح الدعاء به، وخُلط به ما ليس بقرآنٍ، فكان إثبات أُبَيٍّ هذا الدعاء أولاً فنُقِل عنه.( مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م (1/271)، ومعجم القراءات القرآنية (1/25). (.
    السادس: أنه على فرض التسليم بأن أُبَيًّا كان يرى أن القنوت من القرآن، وأنه استمر على ذلك الرأي، فليس ذلك بِمطعنٍ في صحة نقل القرآن، فإنه على هذا الفرض كان منفردًا بذلك الرأي، ويدل على ذلك عدم إثباته في صحف أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، ولا في مصاحف عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، إذ كانت كتابة القرآن في عهد أبي بكر في غاية الدقة والالتزام، بحيث لم تقبل قراءة إلا بشاهدين، فلما كانت قراءته ? فردية لم تقبلْ، كما رُدَّت قراءة عمر في آية الرجم.( انظر الإتقان في علوم القرآن (1/167-168)، ومعجم القراءات القرآنية (1/25)..
    فلو سلَّمنا أن أُبَيًّا ظنَّ دعاء القنوت قرآنًا، فأثبته في مصحفه، فإن ذلك لا يطعن في تواتر القرآن، لأنه انفرد به، وقد حصل الإجماع على ما بين الدفتين وتواتره، فلا يضر بعد ذلك مخالفة من خالف.
    السابع: أننا لو سلَّمنا أن أُبَيًّا كان يعتقد أن القنوت من القرآن، فقد ثبت أنه رجع إلى حرف الجماعة، واتفق معهم، والدليل على ذلك قراءته التي رواها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وغيرهم، وليس فيها سورتا الحفد والخلع -كما هو معلوم، كما أن مصحفه كان موافقًا لمصحف الجماعة.
    قال أبو الحسن الأشعري: قد رأيت أنا مصحف أنسٍ بالبصرة، عند قومٍ من ولدِه، فوجدتُه مساويًا لمصحف الجماعة، وكان ولد أنسٍ يروي أنه خطُّ أنسٍ وإملاء أُبَيٍّ.( نكت الانتصار لنقل القرآن - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ت 403 ه - تحقيق د. محمد زغلول سلام - منشأة المعارف - الإسكندرية - 1971م.ص 81. (
    الشبهة الرابعة: دعوى تصرف مروان فيقراءة الفاتحة (هذه الشبهة، وإن لم تكن متعلقة مباشرة بجمع القرآن، إلا أنَّها تتعلق بنقل القرآن، وهو مقصود الجمع، فرأيت أنه من الحسن إثباتها هنا؛ لأن في الرد عليها ردًّا على من زعم أن القرآن لم ينقل إلينا على الوجه الذي جمع الصحابة، وقرأ به النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قبلهم.



    جاء في بعض الآثار أن مروان بن الحكم(هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، مرت ترجمته في (حرق المصاحف المخالفة(..

    كان أول من قرأ قوله تعالى: ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بدون ألف.( اختلف القراء في هذا اللفظ، فقرأه نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة(ملك) بدون ألف، وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف في اختياره (مالك) بالألف. انظر النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (1/271( (.
    فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَقْرَؤُونَ: } مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ { وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَهَا: } مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ { مَرْوَانُ.( رواه أبو داود في سننه، كتاب الحروف والقراءات (4/37) ح 4000، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما روي عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن فهو كمصحفه ص 103، وانظر الدر المنثور في التفسير المأثور (1/35-36). (.
    وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أيضًا أنه بلغه أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ومعاوية وابنه يزيد كانوا يَقْرَؤُونَ: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قال الزُّهْرِيُّ: وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ: ( مَلِكِ ) مَرْوَانُ.( رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما روي عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن فهو كمصحفه ص 104، وانظر الدر المنثور في التفسير المأثور لعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي وجلال الدين السيوطي (1/36). (.
    فزعم بعض الطاعنين على نقل القرآن أن مروان قد فعل ذلك من تلقاء نفسه، وأنه حذف الألف دون أن يَرِدَ ذلك عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فضلاً عن أن يتواتر عنه.


    ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه:
    الأول : أن هذا كذب فاضح، لا حجة عليه، فإن الآثار الواردة في هذا ليس فيها أن مروان قد فعل من تلقاء نفسه دون ورود القراءة به عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإنما غاية ما فيها أنه كان يقرأ دون ألفٍ.
    الثاني: أن قول الزهري إن مروان كان أول من قرأ ( مَلِكِ )، لا يعدو أن يكون خبرًا شخصيًّا لم يسنده إلى من قبله من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم ، وعدم علم الزهري بِهذه القراءة -على فرض التسليم به- لا يجعلها غير متواترة.
    قال ابن كثير: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم.( تفسير القرآن العظيم - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه - مكتبة دار التراث القاهرة - بدون تاريخ. (1/24.. (


    الثالث: أنه قد انعقد الإجماع على صحة نقل القرآن، وتم له التواتر، ومنه هذه القراءة، حيث قد قرأ بِها أبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وهؤلاء قرؤوا ونقلت عنهم تلك القراءة(وقد قرأ بِها جمهور القراء، كما مر، انظر النشر في القراءات العشر - أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ت 833 ه - راجعه الشيخ علي محمد الضباع- دار الكتاب العربي - بدون تاريخ. (1/271(.
    ) قبل أن يقرأ مروان، وإخبار الزهري أن مروان أول من قرأ بِها لا يُردُّ به الثابت القطعي من القرآن الكريم.( مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م(1/396).).


    الرابع: أن المراد أن مروان كان أول من قرأ بِهذه القراءة من الأمراء في الصلاة بجماعة، وليس في ذلك أن الزهري لم يعلم قراءة: } ملك يوم الدين { قبل مروان مطلقًا، فمن البعيد عن الزهري مع جلالته أن تخفى عنه تلك القراءة المتواترة.( بذل المجهود في حل أبي داود - خليل أحمد السهارنفوري ت 1346 ه - دار الكتب العلمية بيروت - بدون تاريخ. (16/328().


    الخامس: أنه قد وردت الروايات أيضًا عند من أخرج خبر الزهري بأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ: ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بدون ألف: فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ قِرَاءةَ رَسُولِ اللهِ: ( بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ! الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ! الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ! مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، يُقَطِّعُ قِرَاءتَهُ آيَةً آيَةً.( رواه أبو داود في سننه، سنن أبي داود - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ت 275 ه - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - المكتبة العصرية - بيروت - بدون تاريخ كتاب الحروف والقراءات (4/37) ح 4001، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف - أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1405 ه 1985م باب ما روي عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن فهو كمصحفه ص 105.).


    وعَنْها أيضًا أنَّها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءتَهُ، يَقُولُ: } الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {، ثُمَّ يَقِفُ، } الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {، ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا: ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ).
    ( جامع الترمذي - أبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي - ت 297 ه - دار إحياء التراث العربي - بيروت - بدون تاريخ ، كتاب القراءات باب في فاتحة الكتاب (5/185) ح 2927.).
    السادس: أن المصاحف العثمانية اتفقت جميعها على رسم (ملك) هكذا دون ألف، وهذا الرسم محتمل للقراءتين بالمد والقصر جميعًا.( انظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود باب ما اجتمع عليه كُتَّاب المصاحف، ص 117-118، و مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م (1/396).).
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  2. #112
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    دعوى أن الصحابة تصرفوا واختاروا ما شاءوافي كتابة القرآن.
    وقريب من الشبهة السابقة ما تُوُهِّم من تصرف بعض الصحابة في اختيار وجه القراءة.
    وتعلقوا في ذلك بما روي عن خارجة بن زيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أنه قال: قالوا لزيدٍ: يا أبا سعيد أوْهَمْتَ! إنَّما هي (ثمانية أزواجٍ من الضأن اثنين اثنين ومن المعز اثنين اثنين ومن الإبل اثنين اثنين ومن البقر اثنين اثنين)، فقال: لا، إن الله تعالى يقول: ( فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)، فهما زوجان، كل واحدٍ منهما زوج: الذكر زوجٌ، والأنثى زوجٌ.( رواه ابن أشتة في كتاب المصاحف، انظر الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - المكتبة العصرية بيروت - 1408 ه 1988م (2/277(.).
    قيل: فهذه الرواية تدل على تصرُّف النُّسَّاخ في المصاحف، واختيارهم ما شاءوا في تلاوة القرآن وكتابته.
    والجواب أن كلام زيدٍ في هذا الأثر لا يدل على تصرُّفٍ في اختيار القراءة، وإنَّما بيانٌ لوجه القراءة التي قرأ بِها بعد سماعها من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكتابتها بين يديه.( مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني - دار الفكر - بيروت - 1408 ه 1988م. (1/395)).
    الشبهة الخامسة: دعوى أن في المصاحف العثمانيةلحنًا
    وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين فيها أن القرآن العظيم قد وقع فيه لحنٌ عند جمعه في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه.
    فعن عكرمة الطائي قال: لَمَّا كتبت المصاحف عُرِضَتْ على عثمانَ، فوجدَ فيها حروفًا من اللَّحْن، فقال: لا تُغَيِّرُوها؛ فإن العرب ستُغَيِّرُها- أو قال ستعربُها- بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيفٍ، والمملي من هذيلٍ لم توجد فيه هذه الحروف.( رواه أبو عبيد في فضائل القرآن، وابن الأنباري في كتاب الردِّ على من خالف عثمان وابن أشتة في كتاب المصاحف، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/269-270)، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب اختلاف ألحان العرب في المصاحف، عن يحيى ابن يعمر وقتادة وعكرمة. ص 41-42.)وعن سعيد بن جبيرٍ، قال: في القرآن أربعة أحـرفٍ لحـنٌ: ( وَالصَّابِئُونَ )،( من الآية 69 من سورة المائدة) ( وَالْمُقِيمِينَ )،( من الآية 162 من سورة النساء.) ( فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ )،( من الآية 10 من سورة المنافقون.) و( إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ).( من الآية 63 من سورة طه. أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اختلاف ألحان العرب في المصاحف ص 42، ورواه ابن الأنباري أيضًا، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/270).)
    قال السيوطي: وهذه الآثار مشكلة جدًّا.( الإتقان في علوم القرآن (2/270)).
    وقد تعلَّق بِها بعض الطاعنين على القرآن ونقله، وزعموا أنَّها تدل على أن جمع الصحابة للقرآن لا يوثق به.

    والجواب عن هذهالشبهة من وجوه:
    الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع.( فقد رواه قتادة عن عثمان مرسلاً، ورواه نصر بن عاصم عنه مسندًا، ولكن فيه عبد الله بن فطيمة، وهو مجهول، لا يُقبل خبره. انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 125، والإتقان في علوم القرآن (2/270). (.
    الثاني: مِمَّا يدل على ضعف هذه الآثار أن وقوع اللحن في القرآن وسكوت الصحابة عنه مِمَّا يستحيل عقلاً وشرعًا وعادةً، لوجوه:
    1 ـ أنه لا يُظَنُّ بالصحابة أنَّهم يلحنون في الكلام، فضلاً عن القرآن، فقد كانوا أهل الفصاحة والبيان.
    2 ـ أنه لا يُظَنُّ بِهم اللحن في القرآن الذي تلقوه من النَّبِيّ ? كما أنزل، وحفظوه وضبطوه وأتقنوه.
    3 ـ أن افتراض صحة هذا النقل يعني أن الصحابة اجتمعوا على الخطأ وكتابته، وهذا مما لا يُظَنُّ بِهم.
    4 ـ أنه لا يُظَنُّ بِهم عدم تنبههم للخطأ ورجوعهم عنه، مع كثرتهم، وحرصهم، وتوافر الدواعي إلى حفظ الكتاب الكريم.
    5 ـ أنه لا يُظَنُّ بعثمان أنه ينهى عن تغيير الخطأ، ولو فعل ذلك لَما سكت عنه الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم.
    6 ـ أنه لا يُظَنُّ أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهي مروية بالتواتر خلفًا عن سلفٍ.( الإتقان في علوم القرآن (2/270).).
    فقد جَعَلَ عثمانُ للناسِ إمامًا يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه تقيمه العرب بألسنتها؟ فإذا كان الذين تولَّوا جمعه لم يقيموا ذلك -وهم الخيار- فكيف يقيمه غيرهم؟ فهذه الأوجه مِما يدل على أن هذه الآثار غير صحيحة.
    قال ابن الأنباري(في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان) في الأحاديث المروية في ذلك عن عثمان ?: لا تقوم بِها حجةٌ؛ لأنَّها منقطعةٌ غير متصلة، وما يشهد عقلٌ بأن عثمان -وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته، وقدوتُهم- يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام، فيتبينُ فيه خللاً، ويشاهد في خطه زللاً، فلا يصلحه، كلاَّ والله، ما يَتَوَهَّم عليه هذا ذو إنصافٍ وتمييزٍ، ولا يعتقد أنه أخَّر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه.
    ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: "أرى فيه لحنًا": أرى في خطه لحنًا، إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسدٍ ولا محرِّفٍ، من جهة تحريف الألفاظ وفساد الإعراب -فقد أبطل ولم يُصِبْ؛ لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه، فهو لاحنٌ في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتبٍ ولا نطقٍ، ومعلومٌ أنه كان مواصلاً لدرس القرآن، متقنًا لألفاظه، موافقًا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي.( انظر الإتقان في علوم القرآن (2/271)).
    ثم أيد ذلك بما أخرجه أبو عبيد عن هانئ البربري مولى عثمان، قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاةٍ إلى أُبَيِّ بن كعبٍ، فيها: (لَمْ يَتَسَنَّ)، وفيها: (لاَتَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ)، وفيها: (فَأَمْهٍلِ الْكَافِرِينَ)، قال: فدعا بالدواة، فمحا أحد اللامين، فكتب: ( لِخَلْقِ اللهِ )،( من الآية 30 من سورة الروم) ومحا (فَأَمْهٍلِ) وكتب: ( فَمَهِّلِ )،( من الآية 17 من سورة الطارق) وكتب: ( لَمْ يَتَسَنَّهْ )،( من الآية 209 من سورة البقرة.) ألحق فيها الهاء.( رواه أبو عبيد، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/271).).
    قال ابن الأنباري: فكيف يُدَّعى عليه أنه رأى فسادًا فأمضاه، وهو يوقَف على ما كُتِب، ويُرْفع الخلافُ إليه الواقع من الناسخين، ليحكم بالحق، ويُلزمهم إثبات الصواب وتخليده.( انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272).).
    قال السيوطي: ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه ابن أشتة في كتاب المصاحف عن عبد الله بن الزبير أنه قال: فجمع عثمان المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة، فجئت بالصحف، فعرضناها عليها، حتى قوَّمناها، ثم أمر بسائرها فشققت.
    فهذا يدل على أنَّهم ضبطوها وأتقنوها، ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم.( انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272).)
    الثالث: أن عثمان لَم يكتب مصحفًا واحدًا، بل كتب عدة مصاحف، فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها، فبعيد اتفاقها على ذلك، أو في بعضها، فهو اعترافٌ بصحة البعض، ولم يذكر أحدٌ من الناس أن اللحن كان في مصحفٍ دون مصحفٍ، ولم تأت المصاحف قطُّ مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك بلحنٍ.( الإتقان في علوم القرآن (2/270)، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) (6/26-27).).
    الرابع: على تقدير صحة الرواية أن ذلك محمولٌ على الرَّمْز والإشارة، ومواضع الحذف، نحو (الصـبرين)، و(الكتـب) وما أشبه ذلك.
    الخامس: أن المراد به أن فيه لحنًا عند من تَوَهَّم ذلك، وخفي عليه وجه إعرابه، وأنه أراد بقوله: "وستقيمه العرب بألسنتها"، أي: محتجين عليه، مظهرين لوجهه.( انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 128.).
    السادس: أن المراد باللحن ليس الخطأ، بل هو مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها، كما كتبوا: ( لاأذبحنه )،( سورة النمل من الآية 21) بألفٍ بعد (لا)، و( جزاؤا الظالمين )،( سورة المائدة من الآية 29) بواو وألف، و( بأييدٍ )،( سورة الذاريات من الآية 47.) بيائين، فلو قرئ بظاهر الخط كان لحنًا، وبِهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشتة في كتاب المصاحف.( نكت الانتصار لنق القرآن ص 128-129، والإتقان في علوم القرآن (2/270)، وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 51.).
    السابع: أن المراد باللحن القراءة واللغة، وليس المراد به الخطأ، فيكون المراد بكلمة (لحن) في الروايات المذكورة: قراءة، ولغة، كقوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ).( من الآية 30 من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.).
    والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجهًا في القراءة لا تلين به ألسنة جميع العرب، ولكنها لا تلبث أن تلين بالمران وكثرة تلاوة القرآن بِهذا الوجه.
    ويكون قول سعيد ابن جبير: "لحن"، بمعنى أنَّها لغة الذي كتبها وقراءته، وأن فيها قراءةً أخرى.( انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 125، ومناهل العرفان (1/387-388)، والإتقان في علوم القرآن (2/273). (.
    ويدل على ذلك الوجه قول عمر ? في الحديث عن قراءة أُبَيٍّ:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ?: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ كَثِيرًا مِنْ لَحْنِ أُبَيٍّ … الحديث.( رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/131) ح 20581.)وقد روى أثر عثمان هذا ابن أشتة في كتاب المصاحف بلفظ خالٍ من هذا الإشكال.
    فعن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: لَمَّا فُرِغ من المصحف، أُتِي به عثمانُ، فنظر فيه، فقال: أحسنتم وأجملتم! أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا.
    قال السيوطي: فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتضح معنى ما تقدم، فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته ، فرأى فيه شيئًا كُتِب على غير لسان قريشٍ، كما وقع لهم في (التابوة) و(التابوت)، فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريشٍ، ثم وفَّى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئًا، ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرَّفها، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك، ولله الحمد.( انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272)).


    الشبهة السادسة: دعوى الخطأ على الكُتَّاب في المصاحف العثمانية
    ادَّعى بعض الطاعنين على نقل القرآن الكريم أن هذا النقل قد حصل فيه خطأ من الكُتَّاب والقراء عند كتب المصاحف العثمانية، وتعلَّقوا في ذلك بآثارٍ رويت عن بعض الصحابة في ذلك، منها:
    1 ـ عن عروة بن الزبير أنه سأل(وفي بعض الروايات سألت عائشة عن لحن القرآن، عن قول الله … الحديث.) عائشة عن قوله تعالى: ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ )،( من الآية 162 من سورة النساء) وعن قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ )،( من الآية 69 من سورة المائدة.) وعن قوله: (إنَّ هـَذَانِ لَسَاحِرَانِ )،( من الآية 63 من سورة طه.) فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكُتَّاب، أخطؤوا في الكتاب.( رواه الطبري في تفسيره (6/25)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب اختلاف ألحان العرب في المصاحف ص 43، وذكره السيوطي في الإتقان (2/269)، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين.).
    2 ـ عن أَبي عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّه دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: جِئْتُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ ? كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ? يَقْرَؤُهَا. فَقَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالَ: ( الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا )،( من الآية 60 من سورة المؤمنون) أَوِ (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا)؟ فَقَالَتْ: أَيَّتُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، أَوِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَتْ: أَيَّتُهُمَا؟ قُلْتُ: (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا). قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. أَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ لَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ? يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ.( رواه أحمد في مسنده، باقي مسند الأنصار (7/138) ح 24120، (7/208) 24591، وفيه أبو خلف مولى بني جُمَحٍ، وهو مجهول. انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (9/366))
    3 ـ عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ( لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا )،( سورة النور، من الآية 27.)قال: وإنَّما (تستأنسوا) وهم من الكُتَّاب.( رواه الطبري في تفسيره (18/109-110)).
    4 ـ عن ابن عباس أنه قرأ: )أَفَلَمْ يتبيَّن الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا)، فقيل له: إنَّها في المصحف: ) أَفَلَمْ يَيْأَس (،(سورة الرعد من الآية 31.) فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.( أخرجه ابن الأنباري، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/275)، ورواه الطبري أيضًا في التفسير (13/154) بنحوه (.
    5 ـ عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ (سورة الإسراء من الآية 23.) إنَّما هي (ووصى ربُّك)، التزقت الواو بالصاد.( رواه سعيد بن منصور، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/275)، وروى نحوه الطبري في التفسير عن الضحاك بن مزاحم (15/63)).
    6 ـ عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياءً)، والآية في المصحف: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً )من الآية 48 من سورة الأنبياء. ويقول: خذوا هذا الواو واجعلوها هنا: (والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم).( رواه سعيد بن منصور وغيره، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/276)، والآية في المصحف:
    ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) من الآية 173 من سورة آل عمران .(
    7 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ )،( من الآية 35 من سورة النور) قال: هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنَّما هي: (مثل نور المؤمن كمشكاة).( أخرجه ابن أشتة وابن أبي حاتم، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/276). (
    فزعموا أن هذه الآثار دلت على أن كتاب المصاحف قد أخطؤوا وجه الصواب في كتابة المصاحف، وانبنى على تلك الأخطاء قراءة القراء بعد ذلك.
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  3. #113
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    ويُجاب عن هذه الشبهة بطريقين:
    أولاً: الأجوبة العامة:
    فقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث في الجملة بوجوه عامة، منها:
    1 - جنح ابن الأنباري وغيره إلى تضعيف هذه الروايات، ومعارضتها بروايات أخرى عن ابن عباس وغيره بثبوت هذه الأحرف في القراءة.( الإتقان في علوم القرآن (2/276). (
    ويدل على ضعف هذه الروايات كما سبق في الشبهة السابقة إحالة العادة خفاءَ الخطأ في مثل القرآن، الذي توافرت الْهمم على نقله وحفظه، وعدمَ انتباه الصحابة إليه، وتركَه إذا انتبهوا إليه دون تصحيح لِما زُعم فيه من الخطأ.
    قال الزمخشري: وهذا ونحوه مِمَّا لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهتمين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، هذه -والله- فريةٌ ما فيها مريةٌ.( تفسير البحر المحيط (5/383-384) (
    2 - ما سبق في ردود الشبهة السابقة من أن الصحابة لم يكتبوا مصحفًا واحدًا، بل كتبوا عدة مصاحف، وأن أحدًا لم يذكر أي المصاحف الذي كان فيه الخطأ، ويبعد اتفاق جميع المصاحف على ذلك الخطأ المزعوم.( راجع الرد الثالث على الشبهة السابقة، وانظر الإتقان في علوم القرآن(.
    قال الطبري: فلو كان ذلك خطأً من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف -غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه- بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أُبَيٍّ في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صوابٌ غير خطأٍ، مع أن ذلك لو كان خطأً من جهة الخط، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رَسُول اللهِ ? يُعَلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنُوه للأمة على وجه الصواب، وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب.( جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) (6/26-27). (
    3 - إذا سلمنا صحة تلك الروايات، فإننا نردُّها برغم دعوى صحتها، لأنَّها معارضةٌ للقاطع المتواتر من القرآن الكريم، ومعارض القاطع ساقط، لا يلتفت إليه، والقراءة التي تخالف رسم المصحف شاذَّةٌ لا يلتفت إليها، ولا يُعوَّل عليها.( انظر مناهل العرفان (1/389). (
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن زعم أن الكاتب غلط، فهو الغالط غلطًا منكرًا؛ فإن المصحف منقولٌ بالتواتر، وقد كتبت عدة مصاحف، فكيف يُتَصَوَّرُ في هذا غلطٌ.( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (15/255) (
    4 - وتُدفع الروايات الواردة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بوجهٍ عامٍّ بأنه ? قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت وأُبَيِّ بن كعبٍ، وهما كان في جمع المصاحف في زمن عثمان ?، وكان زيدٌ هو الذي جمع القرآن بأمر أبي بكر ? أيضًا، وكان كاتبَ الوحي، وكان يكتب بأمر النَّبِيّ ? وإقراره، وابن عباس كان يعرف له ذلك، فمن غير المعقول أن يأخذ عنهما القرآن، ويطعن في ما كتباه في المصاحف.( مناهل العرفان (1/392) (
    ويدل على ذلك أن عبد الله بن عباس كان من صغار الصحابة، وقد قرأ القرآن على أبي بن كعب ?، وزيد ابن ثابت ?،ـ(انظر النشر في القراءات العشر (1/112،178)، ومعرفة القراء الكبار (1/45،57).) وقد روى القراءة عن عبد الله بن عباس أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وغيرهم من القراء، وليس في قراءتِهم شيءٌ مِمَّا تعلق به هؤلاء، بل قراءته موافقة لقراءة الجماعة.
    ثانيًا: الجواب عنكل أثرٍ على حدة:
    الأثر الأول:
    أن الرواية الواردة عن عائشة في ذلك ضعيفة لا تثبت.( مرَّ بنا أن السيوطي -رحمه الله- قال في الإتقان (2/269): صحيحٌ على شرط الشيخين. ولا يخفى أن صحة السند لا تكفي ليصح الحديث، إذ يشترط إلى ذلك سلامة الحديث متنًا وسندًا من العلة القادحة، انظر نزهة النظر في شرح نخبة الفكر ص 29، ولا يخفى أن متن هذه الرواية فيه عدد من العلل، منها هذه، وهي الطعن في فصاحة الصحابة ومعرفتهم بوجوه كلام العرب، والعلة الثانية التي تأتي في الجواب التالي، وهي أنه في قوله تعالى: ( إن هذان ) لم يكتب الكاتب ألفًا ولا ياءً حتى ينسب إليه خطأٌ في ذلك، وهذا كافٍ -إن شاء الله- في إثبات ضعف هذه الرواية.) قال أبو حيان في قوله تعالى: ) وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ ): وذُكِر عن عائشة وأبان ابن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح عنهما ذلك؛ لأنَّهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهورٌ في لسان العرب.( تفسير البحر المحيط (3/411).).
    وقال الزمخشري: ولا نلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربَّما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب،( قال أبو حيان: يريد كتاب سيبويه -رحمه الله. البحر المحيط (3/412)). ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبِّ الْمطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثُلمةً يسدها من بعدهم، وخرقًا يَرْفُوهُ من يلحق بِهم.( الكشاف (1/590)، وانظر تفسير البحر المحيط (3/411-412)).
    أنه مِمَّا يدل على ضعف الرواية عن عائشة -رضي الله عنها- في تخطئة الكاتب في رسم ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ )،( من الآية 63 من سورة طه) أن المصاحف العثمانية اتفقت على رسم (هذان) بغير ألف، ولا ياء،( انظر المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ص 15، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 304.) ليحتمل أوجه القراءة المختلفة فيها، وإذن فلا يُعقل أن يُقال أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً. ولو كان هناك خطأٌ تعتقده عائشة ما كانت لتنسبه إلى الكاتب، بل كانت تنسبه إلى من قرأ بالتشديد في (إنَّ) مع القراءة بالألف في (هذان).( مناهل العرفان (1/393) (.

    أنه لم ينقل عن عائشة تخطئة من قرأ: (وَالصَّابِئُونَ (،(من الآية 69 من سورة المائدة) بالواو، ولم ينقل عنها أنَّها كانت تقرؤها بالياء، فلا يعقل أن تكون خطَّأت من كتبها بالواو.( مناهل العرفان (1/394) أننا إذا سلَّمنا بصحة هذا الخبر، فإنه يحتمل أن سؤال عروة لعائشة لم يكن عن اللحن(كما جاء في بعض الروايات: سألت عائشة عن لحن القرآن، عن قوله … الأثر، كما مرَّ.) في الكتاب الذي هو الخطأ والزلل والوهم، وإنما سألها عن الحروف المختلفة الألفاظ، المحتملة للوجوه على اختلاف اللغات، وإنما سمَّى عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عليه عائشة الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة، إذ كان ذلك مخالفًا لمذهبهما، وخارجًا عن اختيارهما، وكان خلافه هو الأولى عندهما.( انظر المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار ص 121-122) أنه يحتمل أيضًا أن قول عائشة: " أخطؤوا في الكتاب" أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه. أي أن الوجه الظاهر المعروف في هذه الحروف غير ما جاء به المصحف، وأن استعماله على ذلك الوجه غامضٌ أو غلطٌ عند كثير من الناس، ولحن عند من لا يعرف الوجه فيه، لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأٌ خارج عن القرآن، والدليل على ذلك أن غير الجائز من كلِّ شيءٍ مردودٌ بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه.( الإتقان في علوم القرآن (1/273)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 129-130. (
    الأثر الثاني:
    أن كلام عائشة في قوله تعالى: } يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا {،(من الآية 60 من سورة المؤمنون) ليس فيه إنكار هذه القراءة المتواترة، وإنما غاية ما فيه أن ما قرأت هي به كان مسموعًا عن رَسُول اللهِ ? منَزَّلاً من عند الله. أن قولَها: "وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ" يحتمل أن يكون المراد به أنه ألقي إلى الكاتب هجاءٌ غيرُ ما كان الأولى أن يُلْقَى إليه من الأحرف السبعة. أنه يحتمل أيضًا أن يكون مأخوذًا من الحرف، الذي هو بمعنى القراءة واللغة، وأنَّها أرادت أن هذه القراءة المتواترة التي رُسم بِها المصحف لغةٌ ووجهٌ من وجوه أداء القرآن الكريم.( مناهل العرفان (1/395).)
    الأثر الثالث:
    أن هذه الرواية غير ثابتة عن ابن عباس. قال أبو حيان: ومن روى عن ابن عباس أن قوله: (تستأنسوا) خطأ، أو وهم من الكاتب، وأنه قرأ: (حتى تستأذنوا)، فهو طاعنٌ في الإسلام، ملحدٌ في الدين، وابن عباسٍ بريءٌ من هذا القول، وتستأنسوا متمكنةٌ في المعنى، بيِّنَةٌ الوجه في كلام العرب.( تفسير البحر المحيط (6/410)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (2/276). (
    أن ابن عباس قرأها } تستأنسوا { وفسرها بالاستئذان. فعن ابن عباس في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا )،( سورة النور، من الآية 27.) قال: الاستئناسُ: الاستئذانُ.( رواه الطبري في تفسيره (18/110)
    الأثر الرابع:
    أن الرواية بذلك عن ابن عباس غير ثابتة. قال أبو حيان: وأما قول من قال: إنَّما كتبه الكاتب وهو ناعسٌ، فسوَّى أسنان السين، فقول زنديقٍ ملحدٍ.( تفسير البحر المحيط (5/383-384)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (2/276).) أنه يحتمل أن قول ابن عباس: "كتبها وهو ناعس"، بِمعنى أنه لم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر، وهذا الرد محتمل في كثير من تلك الروايات. الأثر الخامس:
    أنه قد استفاض عن ابن عباس أنه قرأ ( وقضى )،( سورة الإسراء من الآية 23.) وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس التي لفَّقها أعداء الإسلام.( مناهل العرفان (1/391).) قال أبو حيان: والمتواتر هو: ( وقضى )، وهو المستفيض عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في أسانيد القراء السبعة.( تفسير البحر المحيط (6/23).
    الأثر السادس:
    في قوله تعالى: ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً )،( من الآية 48 من سورة الأنبياء.) فالرواية الواردة عن ابن عباس في تغيير موضع الواو ضعيفة، لا تصح.( انظر الإتقان في علوم القرآن (2/276)) .
    الأثر السابع:
    أنه لم ينقل أحدٌ من رواة القراءة أن ابن عباس كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهذا يدل على عدم صحة هذا النقل عنه، إذ كيف يقرأ ما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه الصواب. على أنه قد روي أن أُبَيًّا ? كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصاحف، وينبغي أن تحمل على أنه ? أراد تفسير الضمير في القراءة المتواترة، أو على أنَّها قراءة منسوخة.( انظر البحر المحيط (6/418)، ومناهل العرفان (1/392)).



    الشبهة السابعة: دعوى تغيير الحجاج بن يوسف مصحف عثمان
    ادعى بعض الطاعنين في القرآن الكريم أن الحجاج بن يوسف الثقفي غيَّر حروفًا من مصحف عثمان، وأسقط حروفًا كانت فيه، وأنه كتب ستة مصاحف وجه بِها إلى الأمصار، وجمع المصاحف المتقدمة، وأغلى لَها الخل حتى تقطعت، وأنه قصد بذلك التزلف إلى بني أمية بإثبات خلافتهم، وإبطال خلافة ولد عليٍّ والعباس.( وقد قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف بحذف الهاء في الوصل، ولا خلاف في إثباتها وقفًا لثبوتها في الخط. انظر النشر في القراءات العشر (2/142)، وإتحاف فضلاء البشر ص 163.(
    وتعلقوا في ذلك بنحو ما روي عن عوف بن أبي جميلة أن الحجاج بن يوسف غيَّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفًا، قال:
    كانت في البقرة: (لم يتسنَّ وانظر)، بغير هاء، فغيَّرها: ( لَمْ يَتَسَنَّهْ )،( سورة البقرة من الآية 259.(بالهاء.( وقد قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف بحذف الهاء في الوصل، ولا خلاف في إثباتها وقفًا لثبوتها في الخط. انظر النشر في القراءات العشر (2/142)، وإتحاف فضلاء البشر ص 163.
    وكانت في المائدة: (شريعة ومنهاجًا)، فغيَّرها: ( شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ).( سورة المائدة من الآية 48، ولم يقرأ أحدٌ من القراء (شريعة) بالياء، ولو شاذًّا!
    وكانت في يونس: ( يَنْشُرُكُمْ ) ، فغيَّرها: ) يُسَيِّرُكُمْ (.(سورة يونس من الآية 22، وقد قرأها أبو جعفر وابن عامر ) يَنْشُرُكُمْ ( ، من النشر، قال ابن الجزري: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام وغيرها، وقرأ بقية القراء: ) يُسَيِّرُكُمْ ( ، من التسيير، قال ابن الجزري: وكذلك هي في مصاحفهم، وكذلك روى أبو عمرو الداني في المقنع، في باب ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام. والذي يظهر -والله إأعلم- أنه لا فرق في الخط بين القراءتين، ففيها أربع أسنان، فتكون عند أبي جعفر وابن عامر واحدة للنون وثلاث للشين، وعند الباقين ثلاث للسين وواحدة للياء. انظر النشر في القراءات العشر (2/282) ، وإتحاف فضلاء البشر ص 248، والمقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار ص 108، وانظر تنبيه الخلان إلى شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 448.)


    وكانت في يوسف: (أَنَا آتِيكُم بِتَأْوِيلِهِ)، فغيَّرها: ( أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ ).( سورة يوسف من الآية 45، وفي مصحف أبي بن كعب ( أنا آتيكم بتأويله) ، وهي قراءة شاذة، وقد قرأ بها الحسن. انظر تفسير البحر المحيط (5/314)
    وكانت في المؤمنين: (سيقولون لله، لله، لله)، ثلاثتهن، فجعل الأخريين: (الله ، الله).( سورة المؤمنين من الآية 85، ومن الآية 87، ومن الآية 89. وقد اتفق القراء على قراءة الموضع الأول (لله) بغير ألف؛ لأن قبله } لمن الأرض ومن فيها { ، فجاء الجواب على لفظ السؤال، وقرأ أبو عمرو ويعقوب البصريان في الموضعين الأخيرين (الله) بالألف، وهكذا رسما في المصاحف البصرية، نص على ذلك الحافظ أبو عمرو، وقرأ باقي القراء (لله) بغير ألف، وكذا رسما في مصاحف الشام والعراق. انظر النشر في القراءات العشر (2/329). فأي تغيير ذلك الذي فعله للحجاج في هذه الآيات، وقد رسمتا على الوجهين كليهما؟).
    وكانت في الشعراء، في قصة نوح):مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وفي قصة لوط: (مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، فغيَّر قصة نوح: ( مِنَ الْمَرْجُومِينَ)،( سورة الشعراء من الآية 116) وقصة لوط: ( مِنَ الْمُخْرَجِينَ ).( سورة الشعراء من الآية 167.)
    وكانت في الزخرف: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم)، فغيَّرها: ( مَعِيشَتَهُمْ (.(سورة الزخرف من الآية 32، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والأعمش )معايشهم)، وهي قراءة شاذة. انظر تفسير البحر المحيط (8/14(
    وكانت في الذين كفروا: (مِن مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ)، فغيَّرها: ) مِن مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ(.(سورة محمد من الآية 15، وذكر فيها أبو حيان قراءة شاذة (ياسن) بالياء، ولم ينسبها لأحد. انظر تفسير البحر المحيط (8/79( (
    وكانت في الحديد: (فالذين منكم واتقوا لهم أجرٌ كبير)، فغيـَّرها: ( وَأَنْفَقُوا ).( سورة الحديد من الآية 7.)
    وكانت في إذا الشمس كُوِّرَتْ: ( وَمَـا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِـينٍ )،( سورة التكوير من الآية 24، وقد قرأ أبو عمرو وابن كثير بالظاء المشالة، وقرأ الباقون بالضاد، ولا فرق بينهما في الرسم، إذ لا مخالفة بين الضاد والظاء إلا تطويل رأس الظاء على الضاد، وهي في جميع المصاحف العثمانية بالضاد، وفي مصحف ابن مسعود بالظاء. انظر النشر في القراءات العشر (2/398-399)، وإتحاف فضلاء البشر ص 434.) فغيـَّرها: ( بِضَنِينٍ )(رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب ما كتب الحجاج بن يوسف في المصحف ص 59، وباب ما غيَّر الحجاج في مصحف عثمان ص 129(
    وهذه شبهة باردة لا تستحق الردَّ؛ فإنَّها تحمل في طيَّاتِها أماراتبطلانِها وردها، ولكن نذكر ما أجاب به أهل العلم عن هذه الكذبة، وهي أجوبة كثيرة،منها:
    1 ـ أن الروايات التي تعلقوا بِها في هذه الشبهة في غاية الضعف، ولا تقوم بمثلها حجة، فهذا الأثر المروي عن عوف بن أبي جميلة ضعيف جدًّا، ففيه عبّاد بن صهيب، وهو متروكٌ، ضعيف الحديث، وكان قدريًّا داعيةً،( انظر لسان الميزان (3/279-280) وكذلك عوف بن أبي جميلة، وإن كان ثقةً، إلا أنه متهم بالقدر والتشيع، وهذا الأثر -إن ثبت عنه- مما يؤيد دعوى الشيعة وقوع التحريف في القرآن، فهو متهم فيه.( وقد أخرج له البخاري في الصحيح. انظر تقريب التهذيب (2/89)، وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص 455)
    2 ـ أنه لو حصل مثل ذلك لنقل إلينا نقلاً متواترًا، لأنه مِمَّا تتوافر الدواعي على نقله وتواتره. فلما لم ينقل إلينا بالنقل الصحيح، علم أنه كذب لا أصل له.
    3 ـ أنه من الْمحال عقلا وعادةً سكوت جميع الأمة عن تغيير شخص لكتابِها الذين تدين الله به، وأئمة الدين والحكم إذ ذاك متوافرون، فكيف لا ينكرون، ولا يدافعون عن كتاب ربِهم؟
    4 ـ أن الحجاج لم يكن إلا عاملاً على بعض أقطار الإسلام، ومن المحال أن يقدر على جمع المصاحف التي انتشرت في بلاد المسلمين شرقها وغربِها، فذلك مِمَّا لا يقدر عليه أحدٌ لو أراده.
    5 ـ أن الحجاج لو فرض أنه استطاع جمع كل المصاحف وإحراقها، فإنه من المحال أيضًا أن يتحكم في قلوب الآلاف المؤلفة من الحفاظ، فيمحو منها ما حفظته من كتاب الله.( انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 399)
    ويدل على ذلك أن أكثر المواضع التي ادُّعي أن الحجاج غيَّرها هي في جميع المصاحف على تلك الصورة التي زعموا أن الحجاج غيرها إليها، وقرأها القراء بِهذا الوجه، وبعضها رسم على الصورتين في المصاحف وقرئ بقراءتين، كما نقله إلينا القراء وعلماء الرسم العثماني، كما أن جل هذه المواضع لم ينقل إلينا نقلاً متواترًا قراءة أحد من القراء بِما يوافق الوجه الذي يزعمون أنه كان ثم غُيِّر، مثل: (شريعة ومنهاجًا)، و(أَنَا آتِيكُم بِتَأْوِيلِهِ)، و(مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، في قصة نوح ?، و(مِنَ الْمَرْجُومِينَ) في قصة لوط ?، و(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم)، فلو صحَّ هذا النقل لنُقِل إلينا من القراءات في هذه المواضع ما يوافق ما كانت مكتوبةً به أوَّلاً.
    6 ـ أنه بفرض أن الحجاج كان له من الشوكة والمنعة ما أسكت به جميع الأمة على ذلك التعدي المزعوم على الكتاب الكريم، فما الذي أسكت المسلمين بعد انقضاء عهده.( مناهل العرفان (1/273-274).)
    7 ـ أنه يحتمل أن الحجاج إنَّما غيَّر حروفًا من بعض المصاحف التي تخالف مصحف عثمان، فقد روي أنه لَمَّا قدم العراق وجد الناس يكتبون في مصاحفهم أشياء، كانوا يكتبون : (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)، و(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) وأشياء غير هذا، فبعث إلى حفاظ البصرة وخطاطها، فأمر نصر بن عاصم وأبا العالية وعليَّ بن أصمعَ ومالك بن دينار والحسن البصري وأمرهم أن يكتبوا مصاحف ويعرضوها على مصحف عثمان.( نكت الانتصار لنقل القرآن ص 396(
    وقد كان -فيما روي- من أشد الأمراء نظرًا في المصاحف، وكان شديد الحرص على أن يتَّبع الناس مصحف عثمان، فوكَّلَ عاصمًا الجحدري وناجية ابن رُمْحٍ وعليَّ بن أصمعَ بتتَبُّع المصاحفِ، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحفٍ وجدوه مخالفًا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهمًا.( انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 51-52، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 397.(
    8 ـ أن الحروف التي زعموا أن الحجاج غيَّرها ليس فيها حرفٌ واحد في إثبات خلافة بني أمية وإبطال خلافة بني العباس.( نكت الانتصار لنقل القرآن ص 399)

    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  4. #114
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي



    الفرع الرابع


    نشأة القراءات المتواترة ومعناها ونزولها وحكمتها وغاياتها


    القرءان في الأصل اللغوي : جمع قراءة وهي مصدر قرأ، يقال : قرأ فلان، يقرأ قراءةً وقرآناً، بمعنى تلا، فهو قارئ(انظر : المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة، الدكتور محمد سالم محيسن، ج1، ص : 45، ط3، دار الجيل، 1413 ه – 1993م. بيروت.).
    وقرأ الشيء قراءةً وقرآناً:تتبع كلماته ونطق بألفاظه عن نظر أو عن حفظ،فهو قارئ(انظر : معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، لمحمد إسماعيل إبراهيم، ص : 419، ط دار الفكر العربي، 1418 ه – 1998م، مدينة النصر – القاهرة.).
    وجرى إطلاق السلف لفظة "قراءة" للتعبير عن صنيع القراء في أداء نصِّ القرءان المجيد"( القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، للدكتور محمد الحبش، ص : 32، ط1. دار الفكر، 1419 ه – 1999م. بيروت – دمشق.) بحيث إذا أضيفت كلمة "قراءة" إلى واحدٍ من أعلام القراءة، تدل على منهج معِّينٍ لهذا القارئ في التلقي والأداء أو في فرش(الفرش بمعنى البسط ، والفرش في القراءات يراد به الكلمات القرآنية وكيفية تلاوتها في اختيار كل قارئ) بعض الحروف وأصولها(الأصول في القراءات، هي قواعد القراءة لكل قارئ، كمقدار المد والإمالة والتحقيق والتسهيل وغيرها.).
    وقد اشتهر من الصحابة قراء كثيرون، فكان يقال على سبيل المثال: قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي بن كعب، وقراءة زيد بن ثابت، وقراءة أم سلمة…إلخ.
    ولم تكن تلك القراءات تؤدي المعنى نفسه الذي أصبحت تؤديه فيما بعد، إذا لم يكن لكل صحابيٍّ أصول فرش ينفرد به عن غيره(القراءات المتواترة وأثرها ، محمد الحبش، ص:33.).
    القراءاتُ في الأصلِ الشَّرعِي : إذا أردنا تعريف القراءات من الأصل الشرعيِّ، فإن أقدم النصوص التي أشارت إلى تسمية الاختيار في التلاوة قراءةً هي ذلك الحديث المشهور المرويُّ في الكتب الصحاح، ونصهُ:
    عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال : ( سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ(أي : أخذته بردائه وجمعته عند صدره، ونحره، مأخوذ من اللبة وهي المنحر.) فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ كَذَبْتَ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.) صحيح البخاري بشرح فتح الباري العسقلاني ـ كتاب فضائل القرآن ، رقم الحديث، 1992، وقد أخرجه مسلم في صحيحه ( رقم الحديث : 818) واللفظ هنا للبخاري، والحديث مشهور وله روايات كثيرة، وقد أخرجه مسلم في صحيحه : (انظر : مختصر صحيح البخاري للإمام الزبيدي، كتاب فضائل القرآن، ص : 445، والخصومات، ص : 254.).
    وعليه فإن هذا النص النبوي دال على الأصل الشرعي لكلمة "قرأة" بلا ريب، فالقراءات المتواترة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعناها الاصطلاحي هي اختلاف ألفاظ الوحي القرآنيَّ في الحروف وكيفيتها وفق الأوجه السبعة ( ولم أقل : " الأحرف السبعة") التي أنزل عليها القرآن الكريم، والتي لابد فيها من التلقي والمشافهة، لأن القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة(انظر : المغني محمد سالم محيسن ج1، ص : 46، نقلا عن. كتاب : لمحات في علوم القرآن، لمحمد علي الضباع، ص 157، ط بيروت، 1974م.).
    مدى الارتباط بين القرءان والقراءات المتواترة
    من خلال العرض السابق لتعريف القرءان والقراءات من الأصل اللغوي والشرعي، يتضح مدى الارتباط العضوي بين القرءان والقراءات المتواترة، والمناسبة بينهما واضحة جليًّة.
    ومن هذه النافذة سوف أسرد لكم بعض الآراء حول حقيقة القرءان والقراءات؛ هل هما حقيقتان متغايرتان أو بمعنى واحد؟.
    يحاول الشيخ الزركشي رحمه الله أن يجعل القرآن والقراءات حقيقتين متغايرتين، حيث يقول : " واعلم أن القرءان والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها؛ من تخفيف وتثقيل وغيرها"( البرهان في علوم القرآن، الزركشي، جـ1، ص : 318.)
    غير أن الدكتور محمد سالم محيسن يرد على الشيخ الزركشي ويقول : " وأرى أن كلا من القرآن والقراءات، حقيقتان بمعنى واحد، يتضح ذلك بجلاءٍ من خلال تعريف كلٌّ منهما، ومن الأحاديث الصحيحة الواردة في نزول القراءات …"( المغني ، محمد محيسن سالم، جـ 1، ص : 47.) ثم يورد حديث "أضاءة بني غَفَّار"( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أَضَاءَةَ بَنِي غِفَارٍ قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ قَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَأُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا).( في صحيح مسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب : 2/ 103.مشكول ، ط: مكتبة ومطبعة محمد صبيح وأولاده، بميدان الأزهر، التاريخ[بدون].
    انظر القراءات القرآنية المتواترة وأعلامها، الشيخ عبد الحكيم أبي زيان، ص : 18/ نقلا عن : إتحاف فضلاء البشر، لأحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي : 1/9 هامش، تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ط1، عالم الكتب، 1987م.).
    أما الدكتور شعبان محمد إسماعيل فقد حاول التوفيق بين الرأيين، حيث ذهب مذهباً وسطاً، فقال إن القرآن والقراءات ليس بينهما تغاير تام، ولا اتحاد تام، بل بينهما ارتباطٌ وثيق، ارتباط الجزء بالكل، فالقراءات هي اختلاف القراء في بعض القرآن، بينما القرآن يشمل مواطن الاختلاف وغيرها، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ (انظر القراءات القرآنية المتواترة وأعلامها، الشيخ عبد الحكيم أبي زيان، ص : 18/ نقلا عن : إتحاف فضلاء البشر، لأحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي : 1/9 هامش، تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ط1، عالم الكتب، 1987م.).
    في هذه الأمواج، إن سلمنا بأن القرءان والقراءات حقيقتان متغايرتان على حد قول الإمام الزركشي، فإننا نفتح بذلك باب الطعن في القراءات المتواترة التي يجب اعتقاد قرآنيتها.
    وإن أطلقنا أن القرءان والقراءات – بدون قيد – حقيقتان بمعنى واحد على رأي الدكتور محمد سالم محيسن، نوشك أن نعتقد بقرآنية ما ليس بقرآن، وهي القراءات الشاذة.
    وإن قلنا برأي الدكتور شعبان محمد إسماعيل ( بين بين ) بقينا في مشكلة العموم والخصوص : وذلك لا يزيل هذا الخلاف الوهمي بين مختلف الآراء : إذاً فلابد من التقييد الفارق بين العبارتين :
    أ – " القرءان والقراءات المتواترة حقيقتان بمعنى واحد.
    ب – " القرءان والقراءات حقيقتان متغايرتان".
    لنخرج بنتيجة هي : أن القرءان والقراءات المتواترة بمعنى واحد من حيث إن كل قراءة منهما يصدق عليها قرءان، فكما تسمى قراءةَ ، كذلك تسمى قرآناَ، وعليه فلا بد من تقييد (القراءات) بالتواتر التي أجمعت الأمة على التلقِّي لها بالقبول باعتبارها قرآناً، وأما ما شذ منها فليس بقرآنٍ إجماعاً ( القراءات القرآنية المتواترة ، الشيخ عبد الحكيم أبي زيان، ص : 18/ وانظر : إعجاز القراءات القرآنية، للأستاذ صبري الأشوح، ص : 18، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة، 1419هـ – 1998م، وقد قال عبارة " كل القراءات المتواترة قرآن، وبعض القرآن قراءاتٌ متواترةٌ" والظاهر أن في قوله هذا نظراً، لأنه يرجعنا إلى مشكلة العموم والخصوص مرة أخرى ؟).
    وليس أدلُّ على ذلك من أن هذه القراءات المتواترة – وهي عشرةٌ بالتحقيق – "تشمل على معنى الإعجاز، والتعبد بالتلاوة، وصحة الصلاة بها وقطعية ثبوتها، ونزولها.
    لذا، أستخلص بأن إطلاق لفظ (القراءات) على عمومه مغاير للقرآن لاشتمالها على المتواتر والشاذ، وأن القرآن والقراءات المتواترة بمعنى واحد، وقد اتضح ذلك فيما سبق مدى الارتباط الوثيق الذي يوصل لفظ"قراءة" إلى لفظ "قرآن"، ولاسيما عند الإضافة.
    حكمة تعدد القراءات :
    إن المتأمل في تاريخ الأمة العربية والإسلامية بوسعه أن يتصور أي مستقبل كان ينتظر اللغة العربية في ضوء هذه المعطيات الربانية. فلولا الثورة اللغوية التي أعقبت نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وانتشار قرائه وحفاظه في مشارق الأرض ومغاربها، يجمعون الناس على لغة القرآن المصفاة، لبقيت الأمة العربية في رداءة كشكشة ربيعة ومضر، وكسكستهما، وفحفحة هذيل، وشنشنة تغلب، وغمغمة قضاعة، أو طمطمانية حمير، أورتة العراق(الكشكشة : جعل شين بعد كاف الخطاب في المؤنث نحو : رأيتكش. الكسكسة : جعل سين بعد الكاف في المذكر، الفحفحة : جعل الحاء عينا. الشنشنة : جعل الكاف شينا مطلقاً نحو : لبيش بمعنى لبيك. والغمغمة : أن تسمع الصوت ولا يتبين لك تقطيع الحروف. الطمطمانية : إبدال اللام ميماً نحو : أمهواء بمعنى الهواء. الرتة : تمنع أول الكلام، فإذا جاء منه شيئاً اتصل به.) ، وهي كما ترى لهجات منسوبة إلى قبائل بعينها، وكذلك لتعصبت كل قبيلة بلهجتها، وفضلتها ولم تقبل غيرها(انظر : المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين السيوطي، جـ 1، ص : 175، ط1، دار الكتب العلمية، عام 1418هـ – 1998م/ وانظر : القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، محمد الحبش ، ص : 27 – 28.).
    هكذا جاء القرآن والقراءات لتتأصل اللغة الصحيحة المبينة محل لغات شائعة فاشية، كالفأفأة، والغنة، والعقلة، والحبسة، والترخيم، والتمتمة، واللفف(الفأفأة : التردد في الفاء. الغنة : أن يشرب الحرف صوت الخيشوم. العقلة : التواء اللسان عند إرادة الكلام. الحبسة : تعذر الكلام عند إرادته. الترخيم : حذف الكلام. التمتمة : التردد في التاء. اللفف : إدخال حرف في حرف. انظر : العقد الفريد، لابن عبد ربه، ج2، ص475.).
    إن هذه اللغات المنحرفة قد تكون بعضها لا تنتمي إلى أصول الكلام العربي. وتكفلت القراءات القرآنية المتواترة بحفظ اللهجات العربية المحترمة، " ولدى الاستقراء فإنك تجد أنها – أي القراءات المتواترة – تحتوي على كثير من اللهجات العربية، ولكنها محكومة بضابط من القواعد يمكن ردها إليها والاحتكام على أساسها"( انظر : القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، محمد الحبش ، ص : 28 – 30.).
    " وهكذا أصبحت الجزيرة العربية تعتمد لساناً عربياً واحداً، مهما اختلفت فيه من شيء ردته إلى الكتاب الإمام(المصدر السابق، ص : 30.) الذي نزل بلسان عربي مبين.
    غايات القراءات المتواترة :
    إن الحديث عن حكمة القراءات المتواترة يسفر عن غاياتها التي أرادها الله عز وجل لهذه الأمة الإسلامية، فمن هذه الغايات المسندة بالحكمة الإلهية :
    1 – توحيد الأمة العربية بعد شتاتهم في قَبَلِيَّتَهم وقوميتهم المفرطة.
    2 – تصفية اللغات العربية من الانحراف للبيان والتيسير على العرب وغيرهم، لأن اللهجات العربية على سابقتها كانت أكثرها غير مفهومة عند جميع العرب أنفسهم.
    3 – تعجيز كل منكر وجاحد في الأرض بأن يأتي بمثل هذه القراءات في قرآن واحد تضاد ولا تناقض بينها. ( أَفَلا يَتَدَبًّرُونَ الْقٌرْآنَ وَلًوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلـفاً كَبِيراً)( سورة النساء، الآية : 82.).
    4 – التيسير على الأمة، وإن لم يكن على إطلاقه كما يرى الدكتور السائح على حسين.( انظر تفصيل ذلك في : مدخل الدراسات القرآنية، للدكتور السائح علي حسين، ص : 145-148 ، ط1، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، عام 1430 و. ر. – 2000 إ.).
    5 – توسيع آفاق تفسير القرآن الكريم لدى المفسرين، بتضمينه وجوهاَ نحوية وصرفية ولغوية وبلاغية في خلال هذه القراءات المتنوعة.
    وَهُنَاكَ فرقٌ بين "نشأة القراءات المتواترة" و"نشأة" علم القراءات، فالأخير معناه ظهور القراءات كفنٍ مدوِّن يتداوله العلماء، ويقعدون له قواعد ويؤسسون له أصولا وضوابط معينة يسير عليها كل من يريد التخصص فيه، ولكن لا يعني ذلك أن القراءات المتواترة أُحدثت أو أن منشأها أرضيٌّ، وليس أدل على ذلك من قول أبي ابن كعب في الحديث السابق : "… فأتاه جبريل عليه السلام، فقال : " إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف…إلخ"، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه قرأوا بهذه القراءات قبل تدوينها...
    ومن الإطلاقات التي يطلقها بعض الكتاب مضافةً للقراءات المتواترة لفظة "تطور" غير أن " … القول بتطور القراءات بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا وجه له، ولا دليل عليه ويتجلى امتناع ذلك التطوُّر من تعريف القراءة في قولهم :" علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة "، كما قيل في تعريفها : " مذهب يذهب إليه إمامٌ من الأئمة، مخالفاً به غيرَه في النطق بالقرآن الكريم مع اختلاف الروايات عنه"( في موضوع : أثر القراءات في تنوع المعنى القرآني، للأستاذ سعيد سالم الفاندي – مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد 10، ص : 36، 1402 ه– 1993م.). " .
    فالقراءات عِلْمٌ منقول عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وليس علماً مستنبطاً حتى يقال بأنه خاضعٌ للتجديد والتحسين، اللهم إلا تجديد وسائل التلقين وتحسين الاختيار(المصدر السابق والصفحة نفسها.).
    أمَّا القول بتطور علم القراءات فإنما يقصدون مراحل تدوينها وكثرة التأليف فيها وأساليب اهتمام الناس بها ، ولا يعني ذلك بأي حال أن العلماء هم الذين استنبطوا ضوابطها أو أنشئوا لها قواعد، أو أنهم اجتهدوا في وضعها بشيءٍ بناء على ملكاتهم اللغوية، وكيف ذلك التقوُّلُ على القرآن الكريم وقد نهي النبي المرسل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به عن أي تقوُّل على الله؛( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين ) .( سورة الحاقة، الآيات : 44، 45، 46.).
    ثُّمَّ ألزم الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باتِّباع كيفيات أداء كلمات القرآن عند نزول الوحي، فقال له ( لاَتُحَرِّك بِهِ لِسَانِكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ * فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه) ( سورة القيامة، الآيات : 16، 17، 18، 19.).

    وعليه فإن هذا الموضوع في نظري جدير بالبحث


    وذلك لأسباب جمعتها في النقاط الآتية:


    1 – وقوع كثير من الباحثين في خطإ الطعن في القراءات المتواترة ، وترجيح بعضها على بعض، اقتداء ببعض الأئمة الأجلاء، فيكررون هفواتهم التي كانت منهم عن حسن نية بالاجتهاد في البحث عن العلم والحق.


    2 – وجود إشكاليات لدى بعض الباحثين حول اختلاف القراءات، وقد تسربت إلى أذهان كثير من طلاب دراسات علوم القرآن واللغة العربية.


    وقد نتج ذلك عن:


    3 – عدم وضوح طبيعة الاختلاف بين القراءات في الكتب المدونة قديمًا وحديثًا لدى كثير من طلاب الدراسات الإسلامية واللغة العربية، لأن أسلوب تناول الموضوع معقد وغير مفهوم لديهم.


    4 – قلة الدراسات الحديثة في بيان طبيعة اختلاف القراءات بصورة شاملة وميسرة.


    5 – عدم تركيز الباحثين على كون اختلاف القراءات ثروةً غزيرةً في تخصص أصول التفسير وغيره، وقلة المصادر المختلفة في ذلك.


    6 – ندرة البحث فيما انفرد بقراءته كل من القراء العشرة، مع مقارنة الانفرادات بما قرأ به الجماعة من حيث الإعراب والمعنى، بغية الوصول إلى مناسبة أو تلازم بينهما، ثم استنتاج ثمرة الخلاف.


    وعليه فاترجع أهمية هذا الموضوع أنه يكشف الغطاء عن حقيقة طبيعة اختلاف القراء العشرة، ويبرز كذلك أن لهذا الاختلاف إعجازًا بالغًا يدل على عمق كنه القرآن، مع تنوع خصائصه غيرالمحدودة،الأمر الذي يدل دلالة واضحة على نفي التضاد والتناقض والتنافر بين القراءات، مهما حاول المغرضون أن يثبتوا ذلك.


    كما تكشف أهمية هذا الموضوع حيث يرى أنه يميط الغطاء عن إشكالية الموضوع وأسئلته التي تتلخص فيما يلي :
    أولا: يعتقد بعض الناس أن الاختلاف بين القراءات المتواترة يلحق بالقرآن عيبًا، والبعض الآخر لا يؤمنون بنزولها من عند الله، فيقترحون الاكتفاء بواحدة أو برواية منها، لأن هذه القراءات – في رأيهم – تسبب خلافات بين الأمة الإسلامية في قراءة القرآن وتطبيق أحكامه.
    فهؤلاء الناس لا يرون تكاملاً بين قوله تعالى: ( هُنَالكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ) سورة يونس، الآية : 30. ( وبين قوله : ( هُنَالِكَ تَتْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ)، وكذلك بين قوله تعالى ( حَتَّى يَطْهُرْنَ) وبين قوله تعالى : ( حَتَّى يَطَّهَرْنَ )سورة البقرة الآية : 222. ، كما لا يرون معنًى معتبرًا في الاختلاف بين قوله تعالى : ( وَخَاتَمَ النَّبِيينَ)،وبين قوله : ( وَخَاتِمَ النَّبِيينَ) سورة الأحزاب، الآية : 40. ، بل يجدونها منبعًا للخلافات بين الأمة الإسلامية، لذا يُحَبِّذُون اختيار قراءةٍ أو روايةٍ واحدةٍ يستقر عليها المسلمون، وتبقى البقية الباقية مجرد لغاتٍ أو لهجاتٍ، أذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمؤمنين أن يقرؤوا بها للتيسير، ليس إلا! ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) سورة الكهف، الآية : 5..
    من هذه الزاوية ترد الأسئلة التالية:
    هل تَقَوَّلَ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الله بعض الأقاويل حينما قال لعمر بن الخطاب وهشام بن حكيم : " كذلك أنزلت " صحيح البخاري بشرح فتح الباري، العسقلاني، كتاب فضائل القرآن، رقم الحديث2 199). وقد أخرجه مسلم في صحيحه ، رقم الحديث : (818)، واللفظ هنا للبخاري ، والحديث مشهور، وله روايات كثيرة ؟.
    ثم إذا كانت القراءات مجرد لهجات؟ فما حكم مثل هذا القول في حق كلام الله تعالى؟ وما خصائص القراءات القرآنية بالنسبة للدراسات القرآنية والعربية فضلاً عن كونها للتيسير في القراءة؟ أليست لهذه القراءات المتنوعة ثمراتٌ خلافية تزيد القرآن إعجازًا، وتمدد الدراسات الإسلامية والعربية والإنسانية وغيرَها بغزارةٍ علميةٍ اللامحدودة؟ وما مدى تأثير هذه الخلافات التنوعية بين القراءات المتواترة وغيرها في مجال أصول التفسير والأحكام الشرعية؟..

    ثانيا: يتوهم بعض الناس وجود إشكالية في المراد بالأحرف السبعة التي وردت في الأحاديث النبوية الصحيحة مع نسيان المناسبات التي قيلت فيها، والأسباب التي تولدت منها ، مثل ما جرى بين الخليفة عمر بن الخطاب والصحابي الجليل هشام بن حكيم رضي الله عنهما ، وكذلك ما جرى بين أبي بن كعب ورجل في المسجد، وكل ذلك في العصر النبوي ، وكذلك ما جرى بين المعلمين حول بعض الأوجه في قراءة القرآن ورسمه وتنازعهم في ذلك ، مما أدى إلى جمع الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه للقرآن في مصحف واحد.


    فَوَائِدُ اخْتِلاَفِ الْقِرَاءَاتِ وَتَنَوُّعِهَا
    إِنَّ فوائد اختلاف القراءات لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ولا تظهر كلها لعلماء عصر واحدٍ، لذا أقتصر على الفوائد الآتية :
    أَوَّلاً: التيسيرُ والتخفيفُ على الأمة الإسلامية، وجمعُها على لسان واحدٍ يُوَحِّد بينها، والذي انتظم كثيرًا من مختارات ألسنة القبائل العربية المختلفة، لأن وِحدةَ اللسان العام من أهم العوامل في وحدة الأمة (انظر : مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقاني، ج1، ص : 109/ وانظر التيسير في القراءات السبع المشهورة وتوجيهها، أبو سليمان، ص : 11/ والمدخل والتمهيد في علم القراءات والتجويد، عبد الفتاح إسماعيل شلبي، ص : 14 – 15).
    يقول الإمام ابن الجزري في ذلك : " إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وإن الكتب المنزلة كانت تنزل على حرف واحدٍ، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يُبعَثون إلى قومهم الخاصين بهم، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعث إلى جميع الخلق : أحمرهم وأسودهم، عربيهم وعجميهم، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم – كانت لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويشق على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك لاسيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابًا كما أشار إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلو كُلفوا العدولَ عن لغتهم والانتقالَ عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع" (انظر النشر ، ابن الجزري ، ج:1، ص: 22 / وفي هذا القول إشارة صريحة إلى ما رواه الإمام البخاري في صحيحه( كتاب فضائل القرآن) انظر : فتح الباري للعسقلاني( باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) رقم الحديث : 4991).
    ثَانِيًا: نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز( انظر : التيسير في القراءات السبع المشهورة وتوجيهها، أبو سليمان، ص : 11/ وانظر : المرشد في علم التجويد، للشيخ زيدان محمود سلامة العقرباوي، ص 25، ط : 4، دار الفرقان – عمان – عام 1422ه – 2001م)..
    ثَالِثًا:عظيم البرهان، وواضح الدلالة على أن القراءات المتواترة من عند الله إذ القرآن مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضُه بعضًا) انظر : التيسير في القراءات السبع المشهورة، أبو سليمان، ص: 11). ، بخلاف الكتب الأخرى التي اعتراها الناس بالتحريف : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا )سورة النساء، الآية : 82..
    رَابِعًا:التحدي بالقرآن لجميع الخلق (انظر : المدخل والتمهيد في علم القراءات والتجويد، عبد الفتاح إسماعيل شلبي، ص : 16). بأن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي يقرأ في رسم واحدٍ بوجوه مختلفة متنوعة، لا تُحدث أي تناقض في معانيه الجلية، بل تزيده جمالاً وبلاغةً وإعجازًا : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجنُّ عَلَى~أَن يَّأتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )(سورة الإسراء، الآية : 88./ انظر : مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقاني، ج1، ص : 111.).
    خَامِسًا: " سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة، فإنه من يحفظ كلمةً ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تُؤَدِّي معاني تلك القراءات" (انظر : التيسير في القراءات السبع المشهورة،أبو سليمان ، ص: 11/وانظر:المرشد في علم التجويد، العقرباوي،ص:26.) ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ )سورة القمر، الآية : 17.
    سَادِسًا: إعظام أجور هذه الأمة، من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معانيه واستنباط أحكامه، واستخراج كَمِين أسراره وخَفِيِّ إشارته من دلالات ألفاظه الكريمة( انظر : التيسير في القراءات السبع المشهورة، أبو سليمان، ص : 11/ وانظر : المرشد في علم التجويد، العقرباوي، ص : 26.).
    سابعًا:تسوية الثواب الجزيل للناس جميعًا بقراءة أيٍّ من هذه القراءات المتواترة، بدون فرق بينها، فقراءةٌ واحدةٌ بعشر أمثالها مادام الرسم القرآني يحتملها جميعا، لأن الحسنة بعشر أمثالها والقراءات المتواترة كلها من عند الله تعالى : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (سورة المزمل، الآية : 20 جزء منها. وقد وردت هذه العبارة نفسها في حديث اختلاف عمر وهشام./ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ، كتاب فضائل القرآن، ( باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) رقم الحديث : 4992).
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  5. #115
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي



    الْخُلاَصَةُ


    أكرر مرة أخرى


    إِنَّ القرآن الكريم وقراءاته المتواترةَ، لاَفَصْلَ بينهما، إِذْ مصدرهما الوحيُ السماويُّ، وقد تضمنت ذلك المعنَى الأحاديثُ النبوية الصحيحة في عباراتها الواضحة " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف"، وهذه الأحرف السبعة هي أماكن الخلاف الذي يظهر لنا في القراءات العشر المتواترة، ولا يتَعدَّى الأوجَه السبعة التي لَمْ يَخْفَ علينا سهولةُ تطبيقها، ولا يوجد خلافٌ آخر بعدها في القرآن الكريم كلِّه، وكفى بذلك حجَّةً.


    وَالْقَولُ بنزول القرآن على الأوجه السبعة لا يتناقض مع القول بنزوله على سبع لغات أو أكثر على فرض صحة هذا القول، فإن الأوجه السبعة جامعة بين لُغاتِ ولهجاتِ جميع القبائل العربية، كما لا يطعن ذلك في نزول القرآن بلسان عربيٍّ مبين.


    وَقَدْ أُحِيطَ القرآنُ مع القراءات المتواترة بالوثائق القويمة التي وفَّرتْ له الأمنَ من الضَّياع والتحريف، وتمثَّلت تلك الوثائق في تلَقِّي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الروح الأمين، جبريل عليه السلام، وفي إِقْرَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه الأجلاء بحرصٍ حريصٍ، فقرأوه حقَّ قراءة، وكتبوه على العُسُب والأكتاف وغيرهما، وحفظوه وحافظوا على حروفه وحدوده، ثُمَّ أَقْرَأُوا مَنْ بَعْدَهم كما تَلَقُّوْه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشافهةً وسماعًا، وتوارثت الأجيالُ قراءاتِ القرآن المتواترة بأمانةٍ واهتمامٍ، حيث اعتنت طائفةٌ بتدوينها وإقرائها وضبطها وتحقيق أسانيدها، وطائفةٌ اعتنت بتحسين رسم المصحف وتجويده، فحسَّنته بصيانة من كلِّ لَبْسٍ وغموضٍ للعرب والعجم، وكلما مرَّت الأيام ازدادت عناية الأمة بكتاب ربِّها وقراءاته المتواترة.


    وَهَذَا يدل على أن هذا القرآن الكريم في رعاية الله تعالى وعنايته الموعودة في قوله تعالى:


    ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) سورة الحجر، الآية : 9.


    وَإِنَّ موثوقية النص القرآني مع قراءاته المتواترة لا يشوبها شائب، ولا يشكُّ فيها إلاَّ كلُّ قلبٍ مَرِيضٍ، وَعَقْلٍ جَحِيدٍ يجحد بآيات ربه!.


    إِنَّ تعدُّد قراءات القرآن الكريم لا يجعله في شيء مِثلَ الأناجِيلَ ذاتِ العهد القديم والجديد، أو مِثلَ روايات التوراة المتناقضةِ والمتضاربة، حيثُ تُوحي كُلُّ جملةٍ منها بشكٍّ أو شبهةٍ، بل إن تعدُّد القراءات المتواترة كتعدد الآيات، وطبيعتها متميِّزةٌ، ومليئةٌ بأسرارٍ من الإعجاز مالا يُدْرِكُه إلا الراسخون في علوم القرآن والقراءات، بالإضافة إلى أنَّ القراءات هذه على اختلافها وتعدُّدها لا تَتَضَادُّ ولا تتضارب، بل بينها مناسباتٌ بديعة تكشف عن إلهِّيتها وسماويتها، وأنها من لدن حكيم عليم.


    إِنَّ لِتنزيل القرآن على الأحرف السبعة تاريخًا موثَّقًا، وواقعًا تطبيقيًّا يُمَيِّزانِه عن غيره من الكتب السماوية التي اعْتَرَاها المبطلون بالتحريف والتبديل، وليس الأمر كما يتوهَّمه خصوم الإسلام والقرآن، أو بعضُ من لَمْ يَحْظَ بِقَطْمِيرٍ من علم القراءات، من أنَّ مسألة تعدُّد القراءات القرآنية ثغرةٌ في عصمة النص القرآني وموثوقيَّته، وأن الإقرار بالقراءات، يستلزم القولَ بوجود جهودٍ اجتهاديَّةٍ أو ابتكاريَّةٍ من قِبَل علماء القراءات في وَضْعِ شيءٍ من القرآن الكريم، كَلاَّ ( بَلْ هُوَ قُرءَانٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظ سورة البروج، الآيتان : 21، 22.


    فَهْوَ إِذَنْ : كِتَابٌ : (لاَ يَأْتِيهِ الْبَـطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) سورة فصلت، الآية : 42.

    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  6. #116
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    الفرع الخامس

    تنوير الأفهام في مصادر الإسلام

    في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، نشرت الجمعية الإنجليزية المكلفة بالدعوة إلى النصرانية كتاب "تنوير الأفهام في مصادر الإسلام" ، لأحد الحاقدين على الإسلام وأهله الدكتور" سنكلير تِسدَل " والذي أورد في الفصل الثاني تحت عنوان " تأثيرات عرب الجاهلية " ما يلي:
    (...إن بعض آيات القرآن مقتبسة من القصائد التي كانت منتشرة ومتداولة بين قريش قبل بعثة محمد. وأوردوا بعض قصائد منسوبة إلى امرئ القيس مطبوعة في الكتب باسمه تأييداً لقولهم. ولا شك أنه ورد في هذه القصائد بعض أبيات تشبه آيات القرآن، بل هي عينها، أو تختلف عنها في كلمة أو كلمتين، ولكنها لا تختلف معها في المعنى مطلقاً.
    ثم أورد الأبيات هكذا:
    دنت السـاعةُ وانشقَّ القمر عن غزالٍ صاد قلبي ونفر
    أحور قد حرتُ في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حَوَر
    مرَّ يوم العيـد في زيـنتـــه فرماني فتعاطى فعقر
    بسهـامٍ من لـِحاظٍ فاتــكِ فتَرَكْني كهشيمِ المُحتظِر
    وإذا ما غــاب عني ساعةً كانت الساعةُ أدهى وأمرّ
    كُتب الحسنُ على وجنته بسَحيق المِسْك سطراً مُختصَر
    عادةُ الأقمارِ تسري في الدجى فرأيتُ الليلَ يسري بالقمر
    بالضحى والليلِ من طُرَّته فَرْقه ذا النور كم شيء زَهَر
    قلـتُ إذ شقَّ العِذارُ خدَّه دنت الساـعةُ وانشقَّ القـمر
    وله أيضاً:
    أقبل والعشاقُ من خلفه كأنهم من كل حدبٍ يَنْسلون
    وجاء يوم العيد في زينته لمثل ذا فليعملِ العاملون
    ويقول: (.... أن الأبيات المذكورة واردة في سورة القمر 54:1 و27 و29؛ وفي سورة الضحى 93:1 و2؛ وفي سورة الأنبياء 21:96؛ وفي سورة الصافات 37:61، مع اختلاف طفيف في اللفظ وليس في المعنى. مثلاً ورد في القرآن «اقتربت» بينما وردت في القصيدة «دنت». فمن الواضح وجود مشابهة بين هذه الأبيات وبين آيات القرآن. فإذا ثبت أن هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقةً، فحينئذ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في القرآن، لأنه يتعذر على الإنسان أن يصدق أن أبيات وثني كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.
    ولستُ أرى مخرجاً لعلماء الإسلام من هذا الإشكال إلا أن يقيموا الدليل على أن امرئ القيس هو الذي اقتبس هذه الآيات من القرآن، أو أنها ليست من نظم امرئ القيس الذي توفي قبل مولد محمد بثلاثين سنة. ولو أنه سيصعب علينا أن نصدق أن ناظم هذه القصائد بلغ إلى هذا الحد من التهتك والاستخفاف والجراءة، بعد تأسيس مملكة الإسلام حتى يقتبس آياتٍ من القرآن ويستعملها بالكيفية المستعملة في هذه القصائد!..)أه..
    الرد على هذا الباطل
    1ـ لقد تصدى العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله لهذه الفرية ، وردها بالأدلة والبراهين الدامغة، ونحن ننقل هنا شيئا من كلامه لأهميته.
    قال رحمه الله :" لولا أن في القراء بعض العوام ، لما كنت في حاجة إلى التنبيه على أن هذه القصيدة يستحيل أن تكون لعربي ، بل يجب أن تكون لتلميذ أو مبتدئ ضعيف في اللغة من أهل الحضر المخنثين عشاق الغِلمان ، فهي في ركاكة أسلوبها وعبارتها وضعف عربيتها وموضوعها ، بريئة من شعر العرب لا سيما الجاهليين منهم ، فكيف يصح أن تكون لحامل لوائهم ، وأبلغ بلغائهم .
    وهب أن امرأ القيس زير النساء كان يتغزل بالغلمان ـ وافرضه جدلا ـ ولكن هل يسهل عليك أن تقول : إن أشعر شعراء العرب صاحب ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) يقول : أحور قد حرت في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حور ، وتضيق عليه اللغة فيكرر المعنى الواحد في البيت مرتين ؛ فيقول : أحور بعينيه حور .
    أتصدق أن عربيا يقول : انشق القمر عن غزال ، وهو لغو من القول ؟ وما معنى : دنت الساعة في البيت ؟ وأي عيد كان عند الجاهلية يمر فيه الغلمان متزينين ؟.. وهل يسمح لك ذوقك بأن تصدق أن امرأ القيس يقول : فرماني فتعاطى فعقر، وأي شيء تعاطى بعد الرمي ، والتعاطي : التناول ... وهل يقول امرؤ القيس : لحاظ فاتك ؟ فيصف الجمع بالمفرد .
    وهل يشبّه العربي طلوع الشعر في الخد بالسُرى في الليل؟ مع أنه سير في ضياء كالنهار؟
    وكيف تفهم وتعرب قوله :
    بالضحى والليل من طرته فرقه *** ذا النور كم شيء زهر
    وهل يقول عربي، أو مستعرب فصيح في حبيبه: إن العذار شق خده شقًّا ؟!.... بعد هذه الإشارات الكافية في بيان أن الشعر ليس للعرب الجاهليين، ولا للمخضرمين، وإنما هو من خنوثة وضعف المتأخرين، أسمح لك بأن تفرض أنه لامرئ القيس إكراما واحتراما للمؤلف – أي مؤلف كتاب "تنوير الأفهام" - ، ولكن هل يمكن لأحد أن يكرمه ويحترمه فيقول : إن الكلمات التي وضع لها العلامات هي عين آيات القرآن ؟ .... وليس في القرآن ( فرماني فتعاطى فعقر ) وقد ذكرنا لك الآية آنفا ، وقوله ( تركني كهشيم المحتظر ) مثله ، وإنما الآية (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) القمر: 31 ..فالمعنى مختلف والنظم مختلف ، وليس في البيت إلا ذكر المشبه به ، وهو فيه في غير محله ؛ لأن تشبيه الشخص الواحد بالهشيم يجمعه صاحب الحظيرة لغنمه لا معنى له ، وإنما يحسن هذا التشبيه لأمة فُنيت وبادت كما في الآية ...
    وليس في القرآن أيضًا : كانت الساعة أدهى وأمر ، وإنما (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)القمر: 45 - 46، فههنا وعيدان شرهما الساعة المنتظرة فصح أن يقال : إنها أدهى وأمر ، وليس في البيت شيء يأتي فيه التفضيل على بابه .
    واعلم أن هذا الشعر من كلام المولدين المتأخرين هو أدنى ما نظموا في الاقتباس ، ولم ينسبه إلى امرئ القيس إلا أجهل الناس .
    ثم إن المعنى مختلف، والنظم مختلف، فكيف يصح قول المؤلف ـ أي مؤلف كتاب "تنوير الأفهام" ـ : إن هذه الكلمات من آيات القرآن، وإنها لا تختلف عنها في المعنى، ولو فرضنا أن هذه الكلمات العربية استعملت في معنى سخيف في الشعر ليس فيه شائبة البلاغة، ثم جاءت في القرآن العربي بمعان أخرى وأسلوب آخر، وكانت آيات في البلاغة كما أنها في الشعر عبرة في السخافة، فهل يصح لعاقل أن يقول : إن صاحب هذا الكلام البليغ في موضوع الزجر والوعظ مأخوذ من ذلك الشعر الخنث في عشق الغلمان، وأن المعنى واحد لا يختلف؟. فمن كان معتبرا باستنباط هؤلاء الناس وتهافتهم في الطعن والاعتراض على القرآن فليعتبر بهذا، ومن أراد أن يضحك من النقد الفاضح لصاحبه، الرافع لشأن خصمه فليضحك، ومن أراد أن يزن تعصب هؤلاء النصارى بهذا الميزان فليزنه ، وإنه ليرجح بتعصب العالمين.". ا.ه [ مجلة المنار 7 / الجزء 5 / ص 161 ].
    2ـ وقال الأستاذ محمد أبو الفضل في مقدمة دراسته عن امرئ القيس وشعره :
    " استفاضت أخباره على ألسنة الرواة ، وزخرت بها كتب الأدب والتراجم والتاريخ ، ونسجت حول سيرته القصص، وصيغت الأساطير، واختلط فيها الصحيح بالزائف، وامتزج الحق بالباطل، وتناول المؤرخون والأدباء بالبحث والنقد والتحليل وخاصة في العصر الحديث ... وفي جميع أطوار حياته منذ حداثته وطراءة سنه، إلى آخر أيامه، قال الشعر وصاغ القريض ... وأصبح عند الناس قدر وافر من قصيده ، فنحلوه كل شعر جهل قائله، أو خمل صاحبه، من جيد يعسر تمييزه عن شعره ، ورديء سفساف مهلهل النسج ، سقيم المعنى، وللعلماء من القدماء حول هذا الشعر وتحقيق نسبته إليه أقوال معروفة مشهورة " ا ه.[ امرؤ القيس ص 6 ].

    3ـ فلو نسبت الأبيات التي هي موضع الشبهة إلى امرئ القيس دون سند أو برهان ، فلا شك حينئذ في أنها منحولة ومكذوبة عليه ، ومع ذلك فإنه حتى في المنحول الذي يذكره من جمع شعر امرئ القيس و ما نحل عليه لا تذكر هذه الأبيات .
    4ـ وقد استدل بعضهم بما أورده الإمام عبد الرءوف المناوي في كتابه " فيض القدير شرح الجامع الصغير [ مسألة رقم 1625 الجزء 3 ص 187] "..
    حيث قال ما نصه :"
    1625 - (امرؤ القيس) بن حجر بضم الحاء بن الحارث الكندي الشاعر الجاهلي المشهور وهو أول من قصد القصائد (قائد الشعراء إلى النار) أي جاذبهم إلى جهنم (لأنه أول من أحكم قوافيها) أي أتقنها وأوضح معانيها ولخصها وكشف عنها وجانب التعويص والتعقيد، قيل كان إذا قيل أسرع وإذا مدح رفع وإذا هجا وضع قال التبريزي: وأشعر المَرَاقِسَة امرؤ القيس الزائد وهو أول من تكلم في نقد الشعر وقال العسكري في التصحيف أئمة الشعراء سبعة امرؤ القيس هذا ثم النابغة ثم زهير ثم الأعشى ثم جرير ثم الفرزدق ثم الأخطل وسئل كثير من أشعر الناس قال الملك الضليل قيل ثم من قال الغلام القتيل طرفة قيل ثم من قال الشيخ أبو عقيل يعني نفسه وقال ابن عبد البر: افتتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرّمة وقيل لبعضهم من أشعر الناس قال امرؤ القيس إذا ركب والأعشى إذا طرب وزهير [ص 187] إذا رغب والنابغة إذا رهب وأول شعر قاله امرؤ القيس إنه راهق ولم يقل شعراً فقال أبوه هذا ليس باني إذ لو كان كذلك لقال شعراً فقال لاثنين من جماعته خذاه واذهبا به إلى مكان كذا فاذبحاه فمضيا به حتى وصلا المحل المعين فشرعا ليذبحاه فبكى وقال:
    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوا بين الدخول فحومل
    فرجعا به إلى أبيه وقالا هذا أشعر من على وجه الأرض قد وقف واستوقف وبكى واستبكى ونعى الحبيب والمنزل في نصف بيت فقام إليه واعتنقه وقبله وقال أنت ابني حقاً وآخر شعر قاله امرؤ القيس إنه وصل إلى جبل عسيب وهو يجود بنفسه فنزل إلى قبر فأخبر بأنها بنت ملك فقال:
    أجارتنا إن المزار قريب * وإني مقيم ما أقام عسيب
    أجارتنا إنا غريبان ههنا * وكل غريب للغريب نسيب
    قال في الزاهر أنشد عمر هذين فأعجب بهما وقال وددت أنها عشرة وإني علي بذلك كذا وكذا، وفي الأوائل للمؤلف وغيره أن أول من نطق بالشعر آدم لما قتل ابنه أخاه وأول من قصد القصائد امرؤ القيس وقيل عبد الأحوص وقيل مهلهل وقيل الأفوه الأودي وقيل غير ذلك ويجمع بينهما بأنه بالنسبة للقائل وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل ، فقال :
    يتمنى المرء في الصيف الشتاء *** حتى إذا جاء الشتاء أنكره
    فهو لا يرضى بحال واحد *** قتل الإنسان ما أكفره
    وقال:
    اقتربت الساعة وانشق القمر * من غزال صاد قلبي ونفر
    وقال:
    إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها
    تقوم الأنام على رسلها * ليوم الحساب ترى حالها
    يحاسبها ملك عادل * فإما عليها وإما لها
    وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) عبس: 17.
    وقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)القمر: 1.
    وقوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)الزلزلة: 1 .
    وقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) القمر: 31 .
    وقوله تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ)القمر: 29.
    وقوله تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) القمر: 46
    ونقول.. أن بعض الأبيات السابقة منسوبة بالفعل إلى غير امرئ القيس ، قال الذهبي المتوفى سنة 748 ه ، في تاريخ الإسلام في ترجمة " محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز ـ المعروف بمؤيد الدين القمي ـ" :
    " وكان كاتبا سديدا بليغا وحيدا ، فاضلا، أديبا، عاقلا، لبيبا، كامل المعرفة بالإنشاء، مقتدرا على الارتجال ... وله يد باسطة في النّحو واللّغة، ومداخلةٌ في جميع العلوم ....إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية، أنشدني جمال الدّين النّحويّ لنفسه في قينة:
    سمّيتها شجراً صدقت لأنّـهـا **** كم أثمرت طرباً لقلب الواجد
    يا حسن زهرتها وطيب ثمارها **** لو أنّها تسقى بـمـاءٍ واحـد
    وبه – يعني بالإسناد السابق - قال:
    وأنشدنا لنفسه:
    يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا **** فإذا مـا جـاءه أنــكـــره
    فهو لا يرضى بـعـيشٍ واحـدٍ **** قتل الإنـسـان مـا أكـفـره "
    فهذا الذهبي ـ وهو من المتقدمين ـ يروي البيتين السابقين بالسند منسوبين إلى غير امرئ القيس.
    على أن "التيفاشي" ـ وهو من كبار أدباء العرب توفي سنة 651 ه ـ صاحب كتاب " سرور النفوس بمدارك الحواس الخمسة" ينسب البيتين [ ص 89 ] إلى يحيى بن صاعد، قال :" يحيى بن صاعد :
    يشتهي الإِنسانُ في الصيفِ الشتا *** فإذا جاء الـشـتـا أنـكـرَهُ
    فهو لا يرضـى بـحـالٍ أبـداً *** قُتِلَ الإنـسـانُ مـا أكـفـره " ا.ه
    وأيا كان الأمر ، فإن "التيفاشي" والذهبي متقدمان على المناوي ، وقد نسبا كما رأيت البيتين إلى غير امرئ القيس.
    5ـ أن البيتين المنسوبين إليه ، والذين ذكرهما المناوي، وهما :
    يتمنى المرء في الصيف الشتاء *** حتى إذا جاء الشتاء أنكره
    فهو لا يرضى بحال واحد *** قتل الإنسان ما أكفره
    في هذين البيتين خلل من ناحية الوزن الشعري، وبيانه أن كل أشطار البيتين من بحر الرمل، إلا الشطر الثاني من البيت الأول ، فهو من بحر الرجز، ولا يمكن أن يقع هذا من مثل امرئ القيس، اللهم إلا إذا أخذنا بالرواية التي ذكرها الذهبي في تاريخه والتي نسب فيها البيتين إلى غير امرئ القيس، أو الرواية التي ذكرها "التيفاشي"، فحينئذ يستقيم البيت على بحر الرمل.
    وعموما فلقد قال المناوي في المسألة رقم (244 ) في الجزء الأول تحت عنوان زلة العالم:
    (احذروا زلة العالم) أي احذروا الاقتداء به فيها ومتابعته عليها .... (فإن زلته تكبكبه)... بضم المثناة فوق وفتح الكاف وسكون الموحدة (في النار)... أي تقلبه على رأسه وترديه لوجهه فيها لما يترتب على زلته من المفاسد التي لا تحصى لاقتداء الخلق.
    غفر الله له ولنا ونعوذ بالله من الزلل.
    6 ـ أن بعض المفسرين أنكر هذين البيتين صراحة ، قال محمود الألوسي رحمه الله في تفسير قوله تعالى (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ):
    " قال الإمام – أي الرازي - إن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفا ، والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعا ، ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن ، وما نسب إلى امرئ القيس من قوله :
    يتمنى المرء في الصيف الشتا *** فإذا جاء الشتا أنكره
    فهو لا يرضى بحال واحد *** قتل الإنسان ما أكفره
    لا أصل له ، ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي " ا ه [ روح المعاني 30 / 44 ] ، فانظر إلى كلام من ذاق أشعار العرب ، وألف أساليبهم ، حيث لم يخف عليه ركاكة الألفاظ وضعف السبك .
    7ـ أن أي نقد يوجه إلى شيء من الأبيات المنسوبة إلى امرئ القيس ، يوضح ضعف سبكها ، وتهلهل نسجها ، وسقم معناها ، وسخف بعض التراكيب فيها ، فالبيت الذي فيه :
    اقتربت الساعة وانشق القمر*** من غزال صاد قلبي ونفر
    ما المراد بالساعة واقترابها، إن كان المراد بالساعة يوم القيامة، فالجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعاد، فضلا عن أن يذكروه في أشعارهم أو يضعوه في قصائدهم، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبيبة كما يزعم البعض، فما المراد حينئذ بقوله ( وانشق القمر)، فإن كان المراد انشقاق القمر فعلا، فهذا كذب ، إذ لم ينشق القمر في عهدهم أبدا، بل انشق على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما جاءت بذلك الروايات، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة، فليس من عادة العرب التعبير عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر، وأي جمال في انشقاق القمر إذا انشق، وما وجه الحسن في انشقاقه ليشبه به المحبوبة، وقد دأب العرب على تشبيه حسن النساء بالبدر حين اكتماله ، لا بانشقاق القمر، ثم انظر إلى ركاكة الأسلوب في البيت السابق وقارنه بقول امرئ القيس في معلقته :
    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
    فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها *** لما نسجتها من جنوب وشمأل
    وقوله :
    مكر مفر مقبل مدر معا *** كجلمود صخر حطه السيل من عل
    وقوله :
    ألا عم صباحا أيها الطلل البالي *** وهل يعمن من كان في العصر الخالي

    بل قارن الأبيات التي هي موضع الشبهة ، والتي ذكرت أول البحث، بما ثبت نحله على امرئ القيس، وجزم بأنه ليس من قوله، مثل :
    ترى القنة الحقباء منها كأنها *** كميت يبارى رعلة الخيل فارد
    ومثل :
    وآليت لا أعطي مليكا مقادتي *** ولا سوقة حتى يئوب ابن مندله
    ومثل :
    فجعت به في ملتقى الحي خيله *** تركت عناق الطير تحجل حوله
    وإذا قرأت الأبيات السابقة، والتي ثبت أنها منحولة على امرئ القيس، علمت أن الأبيات التي هي موضع الشبهة مكذوبة لا شك في ذلك، وأنها من أردأ المنحول.
    8ـ أن البيت الذي فيه :
    مر يوم العيد بي في زينة *** فرماني فتعاطى فعقر
    يظهر منه ركاكة الأسلوب ، فإن قوله ( فتعاطى) جاء بعد قوله ( فرماني)، فإذا كان قد رماه ، فأي شيء تعاطاه ، والتعاطي هو تناول الشيء، فلماذا يتعاطى شيئا بعد أن رماه، وكان المفترض أن يتعاطى شيئا ثم يرميه به ، لا أن يرميه ثم يتعاطى ، وقد جاء بعد هذا البيت : بسهام من لحاظ .. أي أنه قد رماه بسهام من سهام العيون ، وإذا كان الأمر كذلك فما فائدة قوله : ( فتعاطى فعقر) إلا الزيادة في قبح الأسلوب ورداءة المعنى، على أن العقر إن أريد به الذبح فإنه لا يأتي في اللغة إلا في الناقة والخيل، يقال : عقرت الناقة ، وعقرت الخيل، ولا يقال عقر بمعنى ذبح إلا في الناقة والخيل.
    وإن أريد به الجرح، فإن البيت موضوع أصلا للدلالة على الرمي المعنوي بسهام العيون، لا على الرمي الحقيقي بآلة أو نحو ذلك، وأيا ما كان الأمر فإن ضعف الأسلوب وركاكة التعبير تخجل من نسبة هذا الشعر إلى شاعر مولد فضلا عن شاعر عربي جاهلي.

    9ـ أن البيت الذي فيه :
    بسهام من لحاظ فاتك*** فر عني كهشيم المحتظر
    فيه ركاكة وخلل تركيب واضحين، فقوله ( كهشيم المحتظر) لا معنى له في البيت، فإن
    ( هشيم المحتظر) هو حشيش الحظائر البالي الذي تدوسه الأغنام بأقدامها، أو هو العظام المحترقة، أو التراب المتناثر من الحائط كما جاء في تفسيرها [ انظر تفسير الطبري 11 / 561 ] ، فأي علاقة بين ذلك وبين فراره عنه، وما وجه الشبه، وهل يفر وهو كهشيم المحتظر؟ أم كان الأولى به أن يهلك ويموت إذا صار كهشيم المحتظر، وقارن بين ضعف التشبيه هنا، وقوته في قوله تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) القمر: 31 ..
    10ـ أن المناوي رحمه الله صاحب فيض القدير ، لم تكن له عناية في كتابه ذلك إلا بشرح أحاديث الجامع الصغير، فلم يعتن بجمع الشعر أو نسبته ، أو تمحيص رواياته، وكتابه "فيض القدير" ليس كتابا معتمدا في نقل الشعر أو نسبته، وإنما هو كتاب في شرح الحديث، هذا فضلا عن كونه من المتأخرين، حيث توفي سنة 1029 ه ، فكيف يصبح كلامه مقدما على كلام من سبقه من أساطين اللغة وعلماء الأدب والبلاغة ولا شك في أن نسبته لتلك الأبيات إلى امرئ القيس خطأ محض ، كما سبق بيانه ، ولهذا لا يذكر لها سندا أو عزوا أو مصدرا .
    11ـ أن كفار قريش كانوا أعلم الناس بأشعار العرب ، وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، ومع ذلك كله لم يقل له أحد منهم : إن ما جئت به يشبه شعر امرئ القيس أو أحد غيره، فضلا عن أن يقول له إن ما جئت به مقتبس من شعر من سبق، وإذا كانوا قد ادعوا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاعر، ورد الله تعالى عليهم بقوله
    (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ)الحاقة: 41، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى ، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم إلا التهويش والتكذيب ، ولو كان ذلك الشعر من كلام امرئ القيس ، لكان كفار قريش وصناديد الكفر أول من يستعين به في رد كلام الله تعالى .
    12ـ أن الوليد بن المغيرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكريم ليس من جنس شعر العرب ، فضلا عن أن يكون مقتبسا منه ، قال الوليد :" والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا " ، وإذا كان كذلك علم أن الأبيات السابقة مكذوبة لا محالة .
    وقال ضماد بن ثعلبة الأزدي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في صحيح مسلم :" لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر " .
    وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن يترك دعوته ويعرض عليه المال والملك والسلطان ، فقرأ عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً من القرآن ، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم .
    ولما بلغ أبا ذر مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء ، فاسمع من قوله ثم ائتني ، فانطلق أخوه حتى قدم مكة وسمع من قوله ، ثم رجع إلى أبي ذر فقال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، وكلاما ما هو بالشعر ، فقال : ما شفيتني فيما أردت فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة ليسمع منه ، ثم أسلم رضي الله عنه.
    13ـ وختاما ، فإن أي محاولة للتشكيك في إعجاز القرآن وبلاغته ، إنما هي محاولة فاشلة يائسة ، فقد اجتمع في كفار قريش أقوى عاملين للتشكيك في القرآن الكريم.
    العامل الأول: كونهم أهل اللغة العربية ، وفيهم فطاحل الشعراء والخطباء.
    والعامل الثاني: رغبتهم الجامحة في إطفاء نور الله تعالى والصد عن سبيله.
    ومع ذلك كله، لم يستطيعوا أن يخفوا أو ينكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، بل نسبوا إعجازه إلى ما لا يحسنه كل أحد كالسحر والكهانة، فأي تشكيك بعدهم في بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، إنما هو ضرب من الكذب والهذيان، إذ إن أولى الناس بهذا التشكيك ـ وهم كفار قريش ـ وقفوا حائرين أمام عبارات القرآن وآياته، فكيف بالمولدين بعدهم ممن لا يحسن أحدهم إعراب جملة، أو بناء قصيدة، فضلا عن أن يعارض معلقة من المعلقات المشهورة.
    قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)الصف: 8.



    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  7. #117
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي




    الفصل الثالث

    الفرع الأول

    ماذا يريد الملاحدة الجدد من القرآن الكريم

    نأخذ على سبيل المثال الدكتور مهندس محمد شحرور
    في كتابه الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة

    دراسة وتقويم

    ألّف الدكتور مهندس محمد شحرور كتاباً تحت عنوان (الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة)
    زعم فيه أنه أراد حل مشكلة الجمود الذي سيطر على الفكر الإسلامي لعدة قرون، والذي دعاني إلى كتابة هذه الدراسة عدة أمور :
    الأول : تزكية روبرت بللترو - وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق - لكتاباته ووجهات
    نظره، وقد جاءت هذه التزكية في تصريح أشاد فيه بثلاثة كتّاب هم : محمد سعيد العشماوي
    من مصر ، ومحمد أركون من الجزائر ، ومحمد شحرور من سورية .
    الثاني : تزويد القارئ المسلم بنموذج من صور الانحراف والضلال في بعض الكتابات التي
    تزعم التجديد في الإسلام دون استخدام الأصول والمنطلقات الصحيحة التي رسمها الإسلام .
    1ـ إن موكب ( القراءة المعاصرة ) يعتبر حلقة من سلسلة صراع طويلة ، وله جذوره التي بدأت من أكثر من سبعين عاماً فليس محمد شحرور هو أول من قام بها أو ابتدع هذا المركب البراق بل هو حلقة من سلِسلة تعود بدايتها إلى كتابات علي عبد الرزاق وطه حسين .

    لقد ألف الأول ـ على عبد الرازق ـ كتابه " الإسلام وأصول الحكم " نفى الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام ، بينما ألف الثاني ـ طه حسين ـ " في الشعر الجاهلي " الذي روج فيه لآراء المستشرق الإنجليزي مارجليوث إذ طعن في كتابه أصول ومصداقية الشعر الجاهلي مستخدماً المنهج الديكارتي بحجة مواكبة الحضارة الغربية والسير في ركاب حركة التنوير التي تمسحت بالعقل والعقلانية .
    ثم جاء محمد أحمد خلف الله وألف كتاب " الفن القصصي في القرآن " وطعن في واقعية الأحداث الواردة في القصص القرآنية .
    ثم آزره أمين لطفي الخولي الذي انتهج سبيلاًً أدبياً في الحديث عن الدراسات القرآنية ليُخرج النص القرآني عن كونه كتاباًً منزلاً من عند الله .
    ثم تطورت اللعبة فنُحت لها هذا المصطلح الخُلَّبي " قراءة معاصرة " ولعب أدوار حلقاتها كلاً
    من الدكاترة : حسن حنفي ، ونصر حامد أبو زيد والذي مات موتة حيرة الأطباء، وسيد محمود القمني ومحمد شحرور وطيب تيزيني .
    فمنهم من اتخذ في كتاباته طابعاً فلسفياً ومنهم من اتخذ طابعاً أدبياً في قالب فلسفي ، كل ذلك مع أسلوب ماكر في اصطناع المصطلحات الغامضة كالغنوصية ، والأيستمولوجية، والأمبريقية ، والأنسنة ، والإسلاموية ، والسلفوية ، والماضوية ، والمستقبلوية ، والأنطولوجية، والبلشفية ، والمنشفية ، والديالكتيكية ، والسيوكولاستيكية ، والزمكانية ، والميكانزماتية، والسيميولوجية ، والهرمونوطيقية ، والديماجوجية ....الخ وألفاظ كثيرة غيرها انبهر منها كثير من السذج من المثقفين وظنوها علماً فلاكتها ألسنتهم في المجالس ورسمتها أقلامهم في الكتب لكي يقال عنهم : متنورون .. متحضرون ... عصريون .
    فكلها تنتهي بالإيّة..فألف إيّة.. وتبقى إيّة واحدة هي إسلامية..
    وقد تبنى جميعهم فيها المنهج المادي الديالكتيكي التاريخي الماركسي.ولم تكن كتاباتهم هذه وليدة الدراسات الاستشراقية فقط بل كانت متممة وداعمة لها فسميت بعد ذلك بـ " الدراسات الشرق أوسطية " ؛ وكانت الغاية منها هدم مفاهيم القرآن ومبادئ الإسلام وإحلال المبادئ الماركسية محلها ، ولكنهم سلكوا لذلك سبيلاً ظنوا أنهم يبدعون فيه ، فادعوا بأنهم يواكبون الحداثة وروح العصر ويسيرون في طريق التقدم والتطور ومعانقة المستقبل فرفعوا شعار العلمية والموضوعية وجعلوه حكراً عليهم مقابل نعتهم لغيرهم بالجهالة والجمود والسذاجة والعمالة والتخلف والظلامية والتحجر ووو..كما فعل ـ على سبيل المثال ـ نصر حامد أبو زيد في قراءاته المعاصرة لمقاصد الشريعة وأصول الفقه والقواعد الشرعية وكانت مجلة العربي الكويتية تنشر مقالاته .
    ولعل من المفيد ذكره بيان أن هذا الموكب المريب نشط في وقت يسعى فيه أعداء الإسلام لتغيير صورة الإسلام على النمط الغربي أو على النمط الأمريكي تحت شعار العولمة في محاولة لرسم صورة جديدة للإسلام تتوافق مع المخططات السياسية للقرن الواحد والعشرين.
    أما الدكتور محمد شحرور فهو أستاذ جامعي في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق وقد قضى في تأليف كتابه ـ كما زعم هو ـ أكثر من عشرين عاماً فكان في أكثر من ثماني مئة صفحة وقد أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى المراحل التي مر بها في تأليف الكتاب ، فكان أولها عام 1970 في ايرلندا ، وكان آخرها عام 1990 عند عودته من روسيا .
    ورغم ضخامة الكتاب إلا أنه طبع أربع مرات في خمسة عشر شهراً ، فكانت الأولى في ديسمبر عام 1990 ، والرابعة في يناير عام 1992 .
    أولاً: وحتى لا أضيع وقت القارئ الكريم فإني سأعرض تلخيصاً للمنهج المطبق في " الكتاب والقرآن " استنتاجاً كما عرضها السيد ماهر المنجد في كتابه " الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن " صـ 178 وما بعدها، بعدما قام بدراسته وبدراسة أهم الدود عليه.
    فيقول :
    ( وقد صار بإمكاننا الآن من خلال مجمل ما قدمنا وما وقفنا عليه من الدراسة أن نستنتج المنهج الحقيقي المطبق فعلاً في الكتاب فنلخصه في البنود التالية :
    1 ـ تحطيم خصائص اللغة العربية وأنظمتها .
    2 ـ عدم المقدرة لقراءة المعجم وفهمه وتفسير الكلمات بغير معناها .
    3 ـ مخالفة معجم المقاييس لابن فارس وإهمال المعاجم الأخرى .
    4 ـ تزييف حقائق اللغة والإدعاء بما ليس فيها .
    5 ـ مخالفة نظرية الجرجاني في النظم من خلال اجتثاث المفردة من سياقها وتجريدها من معناها الحقيقي .
    6 ـ إغفال علوم الصرف والاشتقاق التي كان من أئمتها أبو علي الفارسي وابن جني .
    7 ـ مخالفة ما ورد في الشعر الجاهلي .
    8 ـ الاستخفاف بعقل القارئ وغياب المنهج العلمي الحقيقي .
    9 ـ إضفاء صفة العلمية والحقيقة على افتراضات وتصورات محضة فقدت أدلتها وبراهينها.
    10 ـ الانطلاق من أفكار الماركسية ومبادئها وإكراه آيات القرآن وقسرها على التعبير عنها.
    11 ـ اتخاذ آيات القرآن غطاءً لأفكاره وأطروحاته وانهيار العلاقة بين التشكيل اللغوي للآية
    والمعنى الذي يوضع لها من خارجها .
    12 ـ إقحام علم الرياضيات واستخدام ألفاظ العلم والتكنولوجيا بغرض الإرهاب العلمي.
    13 ـ بناء نظرية فقهية على أسس فاسدة ومقدمات باطلة علمياً ومنطقياً ولغوياً .
    14 ـ وضع النتائج قبل المقدمات والإتيان بمقدمات واهية غير مسلم بها ولا ملزمة ولا منطقية.
    15 ـ عدم التوثيق وانعدام المرجعية مطلقاً وعدم مراعاة أبسط قواعد البحث العلمي .).أ.ه.
    ثانياً: ولا ريب أن ما تضمنه الكتاب من ملاقاته هوى في نفوس كثير من المتحللين والإباحيين الذين لا يعنيهم إلا إرضاء شهوتهم والاستمتاع الغريزي الحيواني،وما تضمنه من إرهاب علمي ومصطلحات براقة جوفاء تبهر من يقرأها وما زعمه مؤلفه من الاعتماد على أرضية معارف القرن العشرين ومناقشاته لمواضيع وقضايا فكرية أو اجتماعية أو ... بأسلوب غير منضبط جذاب في محاولة للإقناع لتغيير الواقع ورافق ذلك دعاية إعلامية قوية روج لها منتفعون وداعمون للمشروع أدى إلى انتشار الكتاب بسرعة .
    ثالثاً: ومن المناسب ذكره في هذا المقام ما قاله السيد ماهر المنجد في آخر كتابه عندما دعي من قبل الأستاذ الدكتور نعيم اليافي إلى حضور ندوة علمية خاصة مع المؤلف الدكتور محمد شحرور في دمشق نظمها اتحاد الكتاب العرب منذ أكثر من سنة وفي أثناء ذلك لا حظ المنجد أن المؤلف كان على العكس تماماً مما وجده في كتابه من تنظيم وتقسيم واصطلاحات فقد كان مشتتاً يتحدث دون ترابط سببي في كلامه ، فعندما طلب الدكتور اليافي أن يقدم الكتاب من خلال ثلاث نقاط :
    1ـ تجربته مع الكتاب.
    2ـ مقولته في الكتاب.
    3ـ النتائج التي وصل إليها .
    تحدث عن كل شيء إلا عن هذه النقاط الثلاث وكان حديثه مبعثراً ولغته سقيمة ركيكة لا تكاد تستقيم فيها جملة فصيحة ... حتى الآيات القرآنية التي كان يستشهد بها كان يغلط في قولها فيرده الحضور مرة والدكتور اليافي مرة أخرى ثم كانت الطامة الكبرى أن سمى نظرية " النَّظم " لعبد القاهر الجرجاني بنظرية " النُّظم " بضم النون وكررها أكثر من مرة ؟؟ !! .
    فما النتيجة التي تخرج بها بعد ذلك يا رعاك الله ؟!.
    رابعاً: وفي خريف عام 2005م جمعني ـ كاتب الدراسة زهدي جمال الدين ـ لقاء مع فضيلة الدكتور العالم محمد سعيد رمضان البوطي وذلك في مدينة صلالة بسلطنة عمان بارك الله في عمره ونفعنا بعلمه، فسألته رأيه عن كتاب الدكتور شحرور وهل تفضل بالرد عليه أم لا وكنت قد عرضت عليه بعض من ردودي على الكتاب وأريد رأيه فيها بعد أن سلمته نسخة منها..فإذا به يفجر قنبلة خطيرة لكل الحضور في هذا اللقاء، مؤداها أن فضيلة الدكتور العالم حينما تناقش مع شحرور فيما هو مكتوب واستعرض بعض النماذج الموجودة بالكتاب، فوجئ باستغراب الدكتور شحرور من أن هذه النماذج التي استشهد بها العالم الجليل الدكتور البوطي موجودة بكتابه!!!.. الأمر الذي أدرك معه الدكتور البوطي أن الكاتب ليس هو شحرور وأن هناك من كتب له هذا الكتاب حتى أن شحرور لم يعرف محتويات كتابه.. فأحجم عن الرد وأنهى الحديث...
    خامساً: وأضيف هنا أيضاً ما قاله الدكتور محمد رفعت زنجير في كتابه " اتجاهات تجديدية متطرفة " صـ 41 وهو يعرض في نقد الكتاب أيضاً :
    ( يبقى أن نشير إلى ما سماه الكاتب [ يريد شحرور ] بالقانون الثاني للجدل ، فهو هنا يحاول إسقاط التفسير المادي للتاريخ على التاريخ الإسلامي ، والجدلية نظرية فلسفية نادى بها إنجلز مثلما نادى ماركس بالشيوعية ، وكلاهما يهوديان ، وقد هوت الشيوعية وهوى معها التفسير المادي للتاريخ وكان من المفترض طبقاً للتفسير المادي أن تكون الشيوعية هي المحطة الأخيرة في سلسلة النظم الاجتماعية التي عرفتها البشرية ، لذا فإن إسقاط المصطلحات المستوردة الميتة على كتاب الله مع ثبوت بطلانها وفشلها وإخفائها فيه تجن كبير على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .).
    سادساً: وأود أن أنبه منذ البداية أنني لا أستطيع أن أرد على كل الأخطاء التي وردت في الكتاب وذلك لضخامة حجمه الذي يبلغ (819) صفحة من جهة ، ولكثرة الموضوعات التي تحدث عنها الكاتب من جهة ثانية ، ولكني سأرد على بعض النقاط التي أراها أكثر خطورة من غيرها ، والتي يتّسع المقام للرد عليها .
    1ـ قال شحرور: بما أن القرآن علم بالحقيقة الموضوعية "الموجودة خارج الوعي الإِنساني" وفيه قوانين الوجود وقوانين التاريخ، نستنتج بالضرورة أن له وجوداً مسبقاً عن التنزيل.
    لذا قال تعالى عن القرآن الكريم:
    (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) ) البروج: 21 - 22
    وهو القوانين العامة الناظمة للوجود منذ الانفجار الكوني الأول وحتى البعث والجنة والنار والحساب، وأنه في إمامٍ مبينٍ وذلك بالنسبة لأحداث الطبيعة الجزئية "ظواهر الطبيعة" المتغيرة وأحداث التاريخ بعد وقوعها. ولم يقل ذلك أبداً عن أم الكتاب ولا عن الذكر ولا عن الفرقان.
    وهذا يجرنا إلى الموضوع التالي: ما هو "اللوح المحفوظ" و"الكتاب المكنون" و"الإِمام المبين"؟
    ـ اللوح المحفوظ: هو لوحة التحكم في الكون الذي نشأ فعلاً، وقد برمج القرآن المجيد في داخلها. ويمثل اللوح المحفوظ: (information inaction).
    ـ الكتاب المكنون: هو البرنامج الذي بموجبه تعمل قوانين الكون العامة
    كمعلومات(information)
    ـ الإِمام المبين: فيه قوانين الطبيعة الجزئية (ظواهر الطبيعة المتغيرة) آيات الله. وفيه أرشفة الأحداث التاريخية بعد وقوعها:
    قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)) يس: 12
    من هذا الإِمام المبين جاءت قصص القرآن، لذا سماها "الكتاب المبين" ففي أول سورة يوسف
    قال تعالى: (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1))يوسف: 1
    وفي أول سورة القصص
    قال تعالى: (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2))القصص: 1 - 2
    وفي أول الشعراء
    (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2))الشعراء: 1 – 2 .
    فإذا أخذنا محتويات هذه السور الثلاث نراها كلها قصص أحداث تاريخية.
    أما إذا أخذنا سورة النمل فنراها تبدأ بقوله تعالى:
    (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1))النمل: 1
    فإذا نظرنا إلى محتويات السورة نرى أنّ فيها آيات كونية وقصصاً معا وجاء فيها ذكر "كتاب مبين" الآية رقم 75: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75))النمل: 75.
    لذا نجد هنا عطف "كتاب مبين" على "القرآن" من قبيل عطف الخاص على العام.
    ولهذا فإن القرآن ليس له أسباب نزول لأن أسباب النزول هي للأحكام وتفصيل الكتاب وقد قال عنه إنه أنزل دفعة واحدة عربياً وفي رمضان ..
    قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185))البقرة: 185
    وقال تعالى: (ِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1))القدر: (الكتاب والقرن/ د. محمد شحرور). [ص ـ92]"







    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  8. #118
    الصورة الرمزية فكرى1
    فكرى1 غير متواجد حالياً عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Oct 2013
    المشاركات
    6
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    26-10-2013
    على الساعة
    08:40 PM

    افتراضي


  9. #119
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    ملاحظات حول الموضوع

    ـ إن القرآن والكتاب والفرقان والذكر جميعها من أسماء الوحي التنزيلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أول الفاتحة حتى آخر الناس.
    ـ وأن القرآن وصف بأنه في (كتاب مكنون):
    قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80))الواقعة: 77 - 80
    كما وُصف بأنه في (لوح محفوظ):
    قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) )البروج: 21 - 22
    ووصف بأنه (مبين):
    قال تعالى : (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1))الحجر: 1.
    ـ وأن معنى المكنون، هو أقصى حالات الحفظ والصون.

    ـ ما دام أن هذه "الكتب" صدرت عن الله وأُبلغت إلى النبي بوحي "من أمره".
    وما دام أن ليس للإنسان يدٌ في تحديد وظائفها وتوزيعها، لأن ذلك منوط بمشيئة من أصدرها وأوحاها وأمر بإبلاغها.
    وما دام أن "البرمجة" تعني الترتيب والتبويب التي تستعين به الذاكرة لحفظ المعلومات وتنسيقها فهي إحدى حاجات الذاكرة الإنسانية التي فُطرت "محدودةً عن الكمال" ومتَّصفةً "بدواعي النقص والسهو" وهي عوارض وحاجات، لا يمكن تصورها في الله عزَّ وجلَّ الذي هو الكمال المطلق المنزه عن السهو والنقص والحاجة إلى وسائل التذكير. فالخطأ الجسيم الذي وقع فيه المؤلف، هو في أنه تعامل مع الذات الإلهية مثلما يتعامل مع الذات الإنسانية، فأخضعها للمؤثرات والعوامل التي يخضع لها الإنسان، وجعل ذاكرة الله عاجزة عن الإحاطة بقضايا الكون وإدارته وتنظيمه ما لم تستعن بالبرمجة والتقسيم والتبويب وإلا وقعت فيما تقع به ذاكرة الإنسان عندما تزدحم عليها المهمات وتتعقَّد الإجراءات.
    وحاشَا لله...
    ـ ثم كيف استطاع الجزم بأن القرآن نزل دون سبب (هذا عنوانه)؟ وهل يعقل أن يكون نزول هذا المعجز الإلهي عبثاً بلا سبب؟.
    إن فقدان السبب، يعني فقدان الغاية والهدف، وهذا يعني، أن القرآن نزل عبثاً؟ ألم يقل المؤلف؟..إن القرآن جمع الحقائق الموضوعية المطلقة وأوجب على العلماء أن يبحثوا عنها في آياته، فأعطاهم القدرة على تأويلها، واستخراج القوانين منها ومطابقتها مع الحياة؟..
    لقد كرَّر هذا القول أكثر من عشرين مرة في كتابه.
    ـ ثم، ألم يقل: إن آيات القرآن هي الآيات البينات التي أوكل إليها تصديق الرسالة وقيامها بين يدي آيات الرسالة، بمهمة الحراسة والحماية من الوضع والرفع والتحوير؟..
    ألا يصلح هذا أن يكون سبباً لنزول آيات القرآن؟...
    لا حظ أنه لا ينسى أن يضع أمام اللوح المحفوظ تعبيراً إنجليزياً " Information in action" وكذلك أمام الكتاب المكنون "Information" أما الإمام المبين فقد ظل حرّاً يتمتع بعروبته.
    2ـ استعرض الدكتور محمد شحرور في بداية كتابه منهجه الذي أقام بناء كتابه عليه وهو اعتماد المنهج اللغوي في تحديد معاني الألفاظ ، واعتماد عدم وجود الترادف في اللغة مستنداً على نظرية أبي علي الفارسي ، وقد أحسست من دراستي للكتاب بأنه يظن أنه أول المكتشفين لهذا المنهج ، ولكن الحقيقة أن المعتزلة سبقوه إلى هذا المنهج معتمدين على قوله تعالى :
    (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4))إبراهيم: 4
    فأوقعهم هذا المنهج في ضلالات متعددة أبرزها حصرهم معنى الكلمة بالمعنى اللغوي وحده ، وقد ردَّ أبن تيمية عليهم معتمداً على منهج أهل السنة في النظر إلى هذه الألفاظ ، فبيّن أنّ بعض الألفاظ مثل : الإيمان، الصلاة ، الكفر الخ . . . نقلها الشرع من معناها اللغوي وأعطاها معنى آخر، فأصبحت مصطلحاً محدّداً وضّحه القرآن والسنة توضيحاً كاملاً ، فمثلاً لفظ الإيمان يعني لغة التصديق لقوله تعالى : (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17))يوسف: 17
    فقول سبحانه وتعالى(وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) بمعنى وما أنت بمصدّق لنا ، لكنه يعني في الشرع الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر ، ويعني الإيمان بالله بصفاته التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، وكذلك قل بالنسبة لبقية الأركان التي دخلت في مسمّى الإيمان ، وقد أجمل بعض علمائنا تعريف الإيمان فقالوا : الإيمان قول باللسان ، وتصديق بالجنان ، وعمل بالأركان.
    وقد نتجت فروق رئيسية بين الإيمان عند المعتزلة وعند أهل السنّة نتيجة الخلاف في منهج التعامل مع كلمة الإيمان أبرزها: إدخال أهل السنّة العمل في مسمّى الإيمان وبالمقابل عدم إدخال المعتزلة له، فشتان ما بين الإيمان لغة واصطلاحاً.
    وكذلك الصلاة في اللغة تعني الصلة والدعاء، لكن الصلاة في الشرع أصبحت مصطلحاً يدل على أعمال منها: القيام، والركوع، والسجود ، وقراءة الفاتحة ، والتسبيح الخ ... ويجب أن يسبق تلك الأعمال شروط منها : طهارة البدن ، وطهارة الثياب ، وطهارة المكان ، ودخول الوقت الخ ... ، ويجب أن يرافق ذلك أعمال قلبية منها : الخشوع ، والاطمئنان ، والتعظيم ، والتذلّل الخ... فشتان ما بين الصلاة لغة واصطلاحاً .
    والآن بعد هذا التوضيح لمنهج أهل السنّة في التعامل مع المصطلحات الشرعية واختلافه مع منهج المعتزلة ، نعود إلى مناقشة الدكتور شحرور ونشير إلى الأمور التالية :
    1- كرّر الدكتور محمد شحرور خطأ المعتزلة في عدم التمييز بين المصطلحات والألفاظ ، فالألفاظ التي تعرض لها الدكتور مثل : الكتاب ، والقرآن ، والنبي ، والرسول ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني الخ . . . لم تعد ألفاظ تحتاج إلى أن نستقرئ معناها اللغوي في المعاجم ، بل علينا أن نستقرئ معناها في مصادر الشرع ، لذلك فإنّ كل الفروقات والتمييزات والمعاني التي حاول أن يستنبطها الدكتور شحرور من معاني الألفاظ المعجميّة وحدها إنما هو أمر لا طائل تحته ، وكل النتائج التي بناها على التفريق بين الكتاب والقرآن ، وأنّ القرآن هو الآيات المتشابهات والسبع المثاني الخ . . . نتائج غير صحيحة لأن الشرع هو الذي حدّد مضمون هذه الألفاظ ، وعلى كل من يريد أن يفهم الدين عليه أن يلِجَه من باب مصطلحاته الخاصة التي رسمها وحدّد معناها ، وفي تقديري إنّ مثل هذه الخطوة طبيعية وهي من حق كل مذهب وعلم ودين أن يحدّد مصطلحاته الخاصة التي تكون مدخلاً له.
    2- حمّل الدكتور شحرور بعض الألفاظ معاني لا تسمح بها اللغة ولا سياق النص ، ومن أمثلة ذلك تفسيره عبارة أم الكتاب التي وردت في ثلاثة آيات كريمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلموأضاف إلى ذلك تحديد مضمون تلك الرسالة وهي الحدود والأخلاق والعبادات وتعليمات خاصة وعامة ، ولو فسّرنا كلمة "أم الكتاب" معجميّاً لوجدناها تعني "أصل الكتاب" ، ولو استقرأنا الآيات التي وردت فيها تلك العبارة لوجدنا أنها تحتمل معنيين :
    الأول : الآيات المحكمات .
    قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)) آل عمران: 7
    وقد فصّلت كتب علوم القرآن تعريف المحكم وتعريف نقيضه المتشابه .
    الثاني : اللّوح المحفوظ
    قال تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))الرعد: 39
    وقال تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4))الزخرف: 4
    وفي كلا الحالين يتّضح تحميل الدكتور شحرور للفظ "أم الكتاب" معاني لا يحتملها التحليل اللغوي ولا سياق النّص ، وممّا يزيد في اعتسافه أنه حدّد الآيات المحكمات بالحدود والأخلاق والعبادات ، لكنّه يمكن أن تكون الآيات المحكمات في صفات الله تعالى ، أو بعض آيات الجنّة والنّار الخ . . . كقوله تعالى :
    (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ *)الإخلاص
    وكقوله تعالى : ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ * ) الإخلاص
    وكقوله تعالى عن الجنّة :
    (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)فاطر: 35
    3ـ اعتسف الدكتور شحرور في التفسير اللغوي لبعض الألفاظ ، فهو قد اعتبر قول القائل "سبحان الله" إقراره بقانون هلاك الأشياء ـ ما عدا الله ـ نتيجة التناقض الذي تحويه داخليّاً ، وهو قد استهزأ بكل التفسيرات التي تعتبر قول المسلم "سبحان الله" بمعنى تنزيه الله عن كل نقص وعيب ، ووصفه ـ تعالى ـ بكل صفة كمال ، وكانت حجّته في ذلك أنّ النقائص والعيوب تحمل مفهوماً نسبيّاً ، ولا أدري ما الذي يضير المعنى عندما ينزّه المسلم الله عن كل عيب مطلق أو نسبي ؟! ولكن هناك قضية أخرى بالإضافة إلى اعتساف الدكتور في مجال المعنى هي أنّ عبارة "سبحان الله" تتألّف من مضاف ومضاف إليه ، والتي تعني إضافة شيء إلى ذات الله ، والواضح أنّ صيغتها النّحويّة لا تسمح بتفسيرها إلا بالمعنى الذي قال به علماء التفسير وهو إضافة التنزيه لذات الله ، ولا تسمح صيغتها النّحويّة بالمعنى الذي ذهب إليه الدكتور شحرور .
    ومما زاد في خطأ استنتاجه وأحكامه في أحيان كثيرة رفضه للسنة كمبيّن ومقيّد ومفصّل لآيات القرآن الكريم، ليس هذا فحسب بل اعتباره تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام هو اجتهاده غير الملزم لنا في شيء، وهو فهمه الخاص المرتبط بالمستوى المعرفي للجزيرة العربية ، وهو فهم نسبي، وهو في هذا يلتقي مع كثير من الفئات المنحرفة التي عادت السنة المشرفة قديماً كالمعتزلة والخوارج ، ويلتقي مع كثير من الشخصيات التي هوّنت من شأن السنة حديثاً ودعت إلى طرحها جانباً : كحسين أحمد أمين ، ومحمد أبو القاسم حاج حمد الخ . . .
    وليس من شك بأن هذه الأقوال في التهوين من شأن السنة المشرّفة والدعوة إلى طرحها جنباً ، تتناقض تناقضاً كاملاً مع أمر الله تعالى في عشرات الآيات الكريمة من القرآن الكريم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب طاعته سبحانه وتعالى، وقد أشار إلى جانب من ذلك الشافعي ـ رحمه الله ـ في بداية كتاب "الرسالة" ، والتي تساءل فيها : من أين لنا أن نستدل على لزوم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ فأجاب بأن القرآن هو الذي وجّهنا إلى ذلك ، وأوجب علينا ذلك ، واستشهد بالآيات التي أمرت بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)النساء: 59
    ومنها مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)النساء: 80
    ومنها: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)الحشر: 7
    ومنها : (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)النور: 51
    إنّ النظر إلى القرآن وحده دون الأخذ بالسنة معه هو الذي جعل الكاتب يخرج علينا بتفاسير غريبة لبعض الآيات الكريمة أو بعض المعاني القرآنية : كالقيامة والبعث والصور والساعة والسّبع المثاني الخ . . .
    وسأمثّل لذلك بمثال واحد هو تفسيره للسّبع المثاني.
    قال تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ)الحجر: 87
    فلقد أورد ما جاء عن أصلها في مقاييس اللغة حيث قال :
    ( المثناةُ : طرف الزمام في الخشاش ) وإنما يثنى الشيء من أطرافه ، فالمثاني إذاً أطراف السور وهي إذن فواتحها ، فتوصّل إلى أنّ السبع المثاني هي سبع فواتح للسور ، فإذن السبع المثاني هي الفواتح التالية :
    1ـ ألم 2ـ ألمص 3ـ كهيعص 4ـ يس 5ـ طه 6ـ طسم 7ـ حم
    ثم نظر إلى الأحرف التي تتضمنها الآيات السبع السابقة فوجدها تتألف من 11 حرفاً ، وأخذ الأحرف التي وردت في بداية سور أخرى ولم ترد في الفواتح السابقة فوجد أنها ثلاث هي :
    1ـ القاف 2ـ الراء 3ـ النون . نجمعها مع الأحرف السابقة فصارت أربع عشر أحرفاً ، وأشار إلى أنها أصبحت (7 × 2) وهي أيضاً سبع مثان .
    وربط بين ما توصّل إليه وهو أنّ أحرف السور الفواتح بلغت أحد عشر حرفاً وبين قول علماء اللغويات واللسانيات من أنّ الحد الأدنى لأية لغة إنسانية معروفة في العالم هو أحد عشر صوتاً، واعتبر أنّ هذا هو الحد الأدنى اللازم من الأصوات لأي تفاهم بيننا وبين أية مخلوقات يمكن أن توجد في الكواكب الأخرى في المستقبل .
    هذا ما أورده الدكتور شحرور في تفسيره للسبع المثاني.
    ولنر ما ورد في السنّة عن تفسير السّبع المثاني لنر مدى ابتعاده عن الصواب لغة وشرعاً وعقلاً .
    قال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ في مسنده عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله تعالى عنه قال : "كنت أصلّي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صلّيت ، قال : فأتيته فقال : ما منعك أن تأتيني ؟ قال ، قلت : يا رسول الله إني كنت أصلّي قال :
    ألم يقل الله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)الأنفال: 24
    ثم قال : لأُعلّمنّك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد .
    قال : فأخذ بيدي فلمّا أراد أن يخرج قلت : يا رسول الله إنك قلت لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن .
    قال : نعم " الحمد لله رب العالمين " هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" .
    وقد وردت بعض الروايات تفسّر الفاتحة بالسّبع المثاني فقط.
    والآن : هل بعد تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للسّبع المثاني من تفسير؟.
    لا أظن أنه يجوز لمسلم بعد أن يسمع تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتطلع إلى تفسير آخر ، وأحب أن أُنوّه بالإضافة إلى ما سبق إلى أنّ تفسير السنّة للسّبع المثاني أصوب من ناحية لغويّة مما ورد عند الدكتور شحرور لأنه اختار كلمة مثناة وترك الأصل ثني ، وقد جاء في مقاييس اللغة عن الأصل ثني ما يلي :
    ( الثاء والنون والياء أصل واحد وهو تكرير الشيء مرتين ، أو جعله شيئين متواليين أو متباينين ) والحقيقة إنّ هذا التعريف اللغوي أكثر انطباقاً على الفاتحة وهو أصل المعنى لأن الفاتحة سبع آيات تتكرّر وتثنى في كلّ صلاة ، لذلك لم يأخذ به الدكتور شحرور واختار كلمة أخرى هي "المثناة" ليجعلها أصلاً في دراسته ، وليصوغ النتيجة التي يريد أن يتوصّل إليها وهي مطابقة الأحرف في فواتح السور مع أصل الأصوات في اللغات الإنسانية .
    وقد انتبه خيار الصحابة إلى أنّ فهم القرآن الكريم دون ربطه بالسنّة قابل لكل التفسيرات ، لذلك وجّه علي بن أبي طالب أبن عبّاس رضي الله عنهما أن يحاجج الخوارج بالقرآن الكريم والسنّة المشرفة معاً عندما أرسله لمناقشة الخوارج فقال له : لا تحاججهم بالقرآن وحده فإنّ القرآن حمّال أوجه ، حاججهم بالسنّة .
    حرص الدكتور محمد شحرور على فتح ثغرة في فهم المسلمين للنص القطعي الثبوت القطعي الدلالة ، وهو في هذا يلتقي مع عدد من الكتّاب يركّزون على فتح هذه الثغرة في هذا الوقت من أمثال : عادل ضاهر ، وحسين أحمد أمين ، ونصر أبو زيد ، ومحمد سعيد العشماوي الخ . . . وكل كاتب تناول بعضاً من هذه الآيات ، فنصر أبو زيد تناول آيات صفات الله تعالى ، وأحمد أمين تناول آيات الحدود ، ومحمد سعيد العشماوي تناول آيات الحجاب والمرأة ، وعادل ضاهر تناول النص القطعي الثبوت القطعي الدّلالة بشكل عام وضرورة فهمه فهماً جديداً مبايناً لكل الأفهام السابقة ، وكل واحد منهم دعا إلى أن نطور فهمنا لهذه الآيات القطعية الثبوت القطعية الدلالة ، ودعوا إلى عدم التوقف عند فهم الرسول والصحابة وعند فهم علماء المسلمين هذا الفهم الذي استمر على مدار ألف وأربعمائة عام بل يجب أن نفهمها على ضوء معطيات العصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، وحشد كل منهم حججه الخاصة ، ولكن قبل أن أستعرض حجج الدكتور محمد شحرور أود أن أنبه إلى خطورة الانسياق في هذه الدعوة التي تنتهي إلى مسخ الدين ، وجعله أُلعوبة بيد أصحاب الأهواء ، وينتهي حينئذ ديننا إلى ما انتهت إليه الأديان السابقة بأن يكون مبرراً لكل انحرافات البشر وتابعاً لانحدارهم .
    تناول الدكتور محمد شحرور كل النصوص القطعية الثبوت القطعية الدّلالة تقريباً فهو تناول آيات الحدود وآيات الربا وآيات الميراث وآيات الطلاق والزواج الخ . . . المهم أنه انتهى من تناوله لكل الآيات السابقة إلى فهمها فهماً جديداً مخالفاً لكل الأفهام التي طرحت سابقاً ، فهو بالنسبة للربا حرّم ربا أضعاف المضاعفة ، وبالنسبة لآيات الميراث أباح التلاعب بالأنصبة التي حدّدها الشرع لكل فرد من أفراد الأسرة ، وبالنسبة لتعدد الزوجات أباحه من الأرامل ذوات الأولاد ، وبالنسبة لمعالجة الزوجة الناشز فقد ألغى بعض مراحل معالجة نشوزها الخ . . . .
    وقد استند كل مَنْ تناول النص القطعي الثبوت القطعي الدّلالة على شبهة تطور المحيط البشري، فهناك الجديد المتطور باستمرار في العلم والأدوات والأشياء والوسائل الخ . . . وبالتالي يجب أن يكون هناك تطور بالأحكام مرافق للتطور المحيط بنا ، ولكن نسي أولئك القائلون بذلك القول أنّ هناك أشياء ثابتة في كيان الإنسان إلى جانب الأشياء المتطورة والمتغيرة التي أشاروا إليها ، وإنّ الإسلام عندما وضع آيات الحدود والميراث والزواج والطلاق والمرأة الخ . . . ربطها بالجانب الثابت من الكيان الإنساني ، فهناك التجاذب بين الذكر والأنثى ، وهناك الأسرة ، وهناك شهوة المال ، وشهوة النساء، وشهوة الانتقام الخ . . . وهي أمور ثابتة إلى قيام الساعة فلابد من حدود ثابتة مرتبطة بها ، فكانت تشريعات الزواج والطلاق والميراث وأحكام الأسرة وحدود السرقة والزنى والقتل .
    وإنّ أكبر دليل على أنّ الإسلام دين الله العليم الخبير هو أنه راعى الثابت والمتحوّل في الكيان الإنساني والحياة البشرية ، فأنزل الشرائع الثابتة للجوانب الثابتة في كيان الإنسان ، وأعطى أُطراً عامة للأمور المتحولة في حياة الإنسان ، فالإسلام مثلاً أعطانا أحكاماً عامة محدودة في مجال الحياة الاقتصادية فحرّم الربا وأحلّ البيع وأوجب الزكاة وفرض الميراث ولم يلزمنا بزراعة معيّنة ولا بطرق زراعيّة معيّنة ولا بموادّ معيّنة ولا بتجارة معيّنة ولا بصناعة معيّنة الخ . . . إنما ترك ذلك لظروف الزمان والمكان .
    ولقد حدّثنا القرآن عن أمور غيبيّة متعددة ، فحدثنا الله تعالى عن ذاته وعن الجنّة والنار والملائكة وخلق الإنسان وخلق الكون الخ . . . ومن الواضح أنّ قوانين عالم الغيب لا تنطبق بحال على عالم الشهادة ، وإن معظم الضلال الذي وقع فيه الفلاسفة والمعتزلة جاء من قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وسحب قوانين الشهادة على عالم الغيب ، وقد وقع الدكتور شحرور في هذا الخطأ ، ومن أمثلة هذا قياسه كلام الله على كلام البشر ، لذلك تخيّل أنّ القرآن الموجود في اللوح المحفوظ لابد له من الانتقال إلى صيغة لسانية عربية قبل إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم ليلة القدر وهي ليلة إشهار القرآن الكريم في نظره .
    ولكن هذا القرآن الكريم الذي تكلّم الله به والذي كان موجوداً في اللوح المحفوظ ، لا نعرف الكيفية التي تكلم الله بها لأننا نجهل ذات الله وبالتالي لا نستطيع أن نخوض في هذه التفصيلات لأنها ستكون بلا سند شرعي أو عقلي .
    دندن الدكتور شحرور كثيراً على الجبريّة في فهم القضاء والقدر ، مع أنّ المسلمين الأوائل لم يفهموا القضاء والقدر بحال من الأحوال على أنّه السلبية والتواكل وسلب الإرادة ، بل فهموا القضاء والقدر على أنه الإيجابية نحو الأحداث ، والأخذ بالأسباب وثمّ التوكل على الله ، كذلك كان فهم القضاء والقدر بتلك الصورة عاملاً إيجابياً في بناء الشخصية المسلمة على مدار التاريخ ، وفي دفعها إلى الفعل والبناء وإعمار الكون، وجلّ الدَخَن الذي دخل فهم المسلمين للقضاء والقدر من ثقافات خارجية وأبرزها التصوف الذي رسّخ السلبية ، ودعا إلى إسقاط التدبير والانشغال بالذات وترك الخلق للخالق .
    وقد تجاوز المسلمون هذا الفهم الخاطئ للقضاء والقدر في العصر الحديث ، وجاء ذلك نتيجة عاملين :
    الأول : إبراز معظم الصالحين أوجه القصور في فهم القضاء والقدر الذي ورثناه في العصور المتأخرة ، وإبراز الصورة الصحيحة لما يجب أن يكون عليه الإيمان بالقضاء والقدر .
    الثاني : انحسار موجة التصوف التي كانت سبباً في رواج الفهم الخاطئ للقضاء والقدر .
    لذلك فإني أرى أنّ دندنة الدكتور شحرور حول القضاء والقدر ليست في محلّها بعد أن تجاوز المسلمون هذه الظاهرة في وقتنا الحاضر .
    اعتمد الدكتور محمد شحرور على عقله وحده في تفسير كثير من الآيات الكريمة فجاء بعجائب من التفسير ، وهو أمر طبيعي لكل من اعتمد على العقل وحده دون المزاوجة بين العقل والنقل في فهم الآيات وتفسيرها ، ودون الاعتماد على المأثور من الأقوال، ونستطيع أن نمثّل على مقولتنا بآيتين :
    الأولى:
    قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر: 24
    فسّر النذير بالملاك ، وقرّر أنّ الله كان يرسل ملائكة إلى البشر قبل نوح عليه السلام الذي اعتبره أوّل رسول إلى البشر ، وزعم أنّ قوله تعالى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) الشعراء: 105 وقوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) القمر: 23 يعني أنّ تلك الأقوام كذّبت بنبيّهم وبالملائكة الذين أرسلوا إلى البشر يكلّمونهم ويدعونهم ، ورفض التفسير الذي ذكرته معظم التفاسير وهو أنّ الله سبحانه بيّن أنّ تكذيب رسول واحد يعني تكذيب جميع رسله ، لذلك جاءت كلمة الرسل بالجمع وليس بالمفرد لتشير إلى هذا المعنى .
    الثانية : قوله تعالى : (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)القصص: 88
    فسّرها بأنّ هذا الكون يحمل تناقضاته ، وأنّ المادة تحمل تناقضها معها ، لذلك فإنّ هذا الكون سيتدمّر وسيتبدّل وسيهلك ، ولكن هلاكه سيحوّله إلى مادة أخرى ، وهذا هو تفسيره ليوم القيامة ، وهو يعتبر أنّ الجنّة والنار غير موجودتين وستوجدان عند تحوّل هذا الكون إلى مادة أخرى ، وهو في هذا يرفض الأحاديث الشريفة التي قرّرت وجود الجنّة والنار ، ولا أريد أن أسرد عشرات الآيات والأحاديث التي تدحض تفسيره للآية السابقة ، ولكنّي أريد أن أسأله بمنطقه اللغوي الذي اعتمده : كيف يمكن أن يوفّق بين المدلول اللغوي للآية الكريمة السابقة وهو الذي يعني بكل بساطة فناء المخلوقات الأخرى وهلاكها وبين تحوّلها إلى مادة أخرى ؟ فأين هو إذن الهلاك للمادة ؟.
    التأويل أحد مباحث علوم القرآن ، ويحتوي على عدة أقسام مقبولة منها : التأويل بمعنى تحقيق الشيء ، ومنها : التأويل بمعنى التفسير، ولكن علماءنا حذّروا من أحد أقسامه التي تقوم على صرف ألفاظ الآية المؤوّلة عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح لا تسمح به اللغة ، وقد جاء تحذيرهم ذلك نتيجة استخدام الفِرَق المنحرفة له في خدمة أهوائها وضلالاتها ، ولأنه أدّى إلى ضياع حقائق الدين ومعالمه التي رسمها محمّد صلى الله عليه وسلم ، فهل أخذ الدكتور شحرور بهذا التأويل ؟ نعم لقد أخذ به ، ليس هذا فحسب بل دعا وقَنَّن له ، ولن أعرض لكل تلك التأويلات لكن سأعرض لواحد منها . قال تعالى في سورة الفجر: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ *)الفجر: 1 - 3
    فسّر الدكتور شحرور الآيات السابقة بما يلي :
    ( فالخلق الأول بدأ بانفجار كوني هائل حيث قال : "والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر" حيث إنّ الفجر هو الانفجار الكوني الأول "وليال عشر" معناه أنّ المادة مرّت بعشر مراحل للتطوّر حتى أصبحت شفّافة للضوء ، لذا أتبعها بقوله "والشفع والوتر" حيث أنّ أول عنصر تكوّن في هذا الوجود وهو الهيدروجين وفيه الشفع في النواة والوتر في المدار ، وقد أكّد هذا في قوله تعالى :
    ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)هود: 7
    والهيدروجين هو مولّد الماء ، أي بعد هذه المراحل العشر أصبح الوجود قابلاً للإبصار لذا قال سبحانه وتعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الأنعام: 1
    ـ الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة. ص235ـ.
    ليس من شك بأنّ الدكتور شحرور قد ابتعد في متاهات التأويل عندما فسّر الفجر بالانفجار الكوني الأول ، وفسّر الليالي العشر بمراحل تطوّر المادة العشر ، وفسّر الشفع والوتر بغاز الهيدروجين لأن معطيات السورة لا تسمح بمثل هذا التأويل ، ولو أقررناه على تأويله لأعطينا الفرصة لكل صاحب بدعة أن يُطوّع آيات القرآن حسب بدعه وهواه .
    والآن : بعد هذا العرض السريع لبعض تجاوزات الدكتور شحرور وضلالاته وانحرافاته لا نستطيع إلا أن نقول إنّ الكتاب ليس حلاًّ لمشكلة الجمود في الفكر الإسلامي ، بل هدماً لكثير من أركان وأُسس ومنطلقات الفكر الإسلامي والدين الإسلامي .
    وقد أراد الشحرور بتحريفاته أن يصنع دينًاجديدًا ، فصار يبدل بأحكام الشريعة حسب هواه ، متخذًا لذلك حيلة التأويل والتعطيللآيات الأحكام ، التي جاءت في كتاب الله تعالى .. وإن متابعته في تحريفاته في هذاالشأن يتطلب عدة مجلدات ، لذلك فسوف نقدم نماذج من تحريفاته فقط ، وقد جعل من نفسهإمامًا للمجتهدين المعاصرين، فألغى أحكام الدين، وهو يناقض دين الله لعبادهزاعمًا أنه يستخرجه من كتاب الله بالتأويل الملائم لحاجات العصر(التحريف المعاصر في الدين ، ص219 ، الشيخ عبد الرحمن حبنكة .).
    ولنأخذ ثلاثة نماذج من تحريفاته الفقهية:
    النموذج الأول: تلاعبه في مفهوم الآيات المشتملة على ذكر حدود الله :
    في الآيات(13 ـ 14)من سورة النساء ، في قوله تعالى : (ينظر : الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، ص453 وما بعدها).
    فقسم حدود الله إلى ثلاثة أقسام :
    القسم الأول : له حد أدنىوهذا يجوز الزيادة عليه ، وقد ضرب مثلاً على هذا القسم ، ما له حد أدنى من المحرماتمن النساء اللاتي جاء في القرآن تحريم نكاحهن ، فقال : هذه المحرمات هي الحد الأدنىولا يجوز النقصان عنه على أساس أنه اجتهاد ، ولكن يمكن الاجتهاد بزيادة العدد ،كتحريم بنات العم والعمة ، وبنات الخال والخالة.!!.
    القسم الثاني : له حد أعلى، وهذا يجوز النقص منه ، وضرب مثلا له عقوبات السرقة والقتل ، فيجوز النقصان من قطعيد السارق مثلاً ، على أساس أنه اجتهاد ، ولكن لا يجوز الزيادة عليه !!
    القسمالثالث : له حد أعلى وحد أدنى ، وهذا يجوز النقص من حده الأعلى والزيادة على حدهالأدنى .وضرب مثلاً لذلك ، أحكام الميراث ، فالحد الأعلى ، هو ميراث الذكر الذي هوضعف ميراث شقيقته الأنثى ، فيجوز الزيادة عليه ، ولكن لا يجوز النقص منه ، ويجوزإصدار قانون بإعطاء الأنثى أكثر من نصف ميراث شقيقها ، ولكن لا يجوز إعطاؤه أقل مننصف ميراثه !!

    هذا كفر صريح ، وتبديل لدين الله ، إذ جعل شحرور من نفسه شريكالله عز وجل في بعض خصائص ربوبيته، وهى أحكام شريعته لعباده(التحريف المعاصر في الدين، عبد الرحمن حسن حبنكة ، ص196 – 197)..
    فشحرور يرىهنا أن مفهوم السنة ، يعنى أن محمدًا صلى اله عليه وسلم اجتهد في الحدود بمايتلاءم مع ظروف شبه الجزيرة العربية في القرن السابع ، وهذا لا يعنى أبدًا أنه إذاطبق في موقف من المواقف الحد الأدنى ، أو الحد الأعلى ، علينا أن نلتزم بهذا الموقفأو ذاك وأن نستمر عليه إلى ( أن تقوم الساعة ) تحت شعار تطبيق السنة ، لأن هذاالموقف ليس له علاقة بالسنة(تهافت القراءةالمعاصرة : د. منير محمد الشواف ،ص23) .

    النموذج الثاني من تحريفاته الفقهية : ما أسماهبالفقه الجديد في موضوع المرأة :
    وقد خبط ولفق في هذا الموضوع خبط عشواء. فأعطىنموذجًا عن آرائه هذه في عدة نقاط منها :تعدد الزوجات والإرث والمهر، وحق العملالسياسي، والعلاقات بين الرجل والمرأة(الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، ص592 – 629 ، محمد شحرور) .
    1ـ ففي تحريفه حول تعدد الزوجات ،جعل الإذن هنا مقتصرًا عليه في حاله أن تكون الثانية فالثالثة فالرابعة من الأراملأو المطلقات، لا من الأبكار، ومن شاء أن يتزوج أرملة أو مطلقة ولها أولاد، فعليهأن يتحمل إعالة أولادها ، فيما يزعم ويفتري على دين الله (التحريف المعاصر في الدين ، ص233 ، الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني . ) .
    2 ـ ومن تحريفاتهوضلالاته أنه زعمه أن نشوز الرجل هو الشذوذ الجنسي، كما أن الرجل في نظره لا يملكحق طلاق زوجته.
    3 ـ ومن ذلك وقاحته فيما يتعلق بلباس المرأة وحدود عورتها .
    فهو يرى أن الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة عريانين، ثم قيدهما بحدودونصحهما بتعليمات، فكان للمرأة عورة في الحياة العامة والمجتمع، وعورة أمامالمحارم .
    فأمام الأجانب ( غير المحارم ) للمرأة أن تظهر كل جسدها باستثناءالجيوب ، وجيوب المرأة (حسب فهمه الماركسي الإباحة ) هو كل ما له طبقتان أو طبقتانمع خرق، وهى ما بين الثديين وتحتهما، وتحت الإبطين، والفرج والإليتين، وما عداذلك فليس بعورة علمًا بأن الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[ الأحزاب : 59]هي للتعليم وليست للتشريع (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، ص453 وما بعدها) !!
    * أما أمام المحارم، فالمرأة ليس لها عورةعلى الإطلاق، فهي تجلس معهم كما خلقها الله عارية من كل شيء، وأن الأب أو الأخمثلاً، إذا جلست ابنته أو أخته عارية أمامه في البيت، لا يجوز له أن يقول لها: اذهبي والبسي ثيابك، لأن هذا حرام، بل يقول لها: هذا عيب. وكذلك الأمر مع سائرالمحارم في نظره(الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، ص453 وما بعدها) !!!
    وبذلك يكون الشحرور ، قد فاق أساتذته ( ماركس ولينينوفرويد ... ) في نشر الإباحية والتخلي عن الحياء والفطرة ، مع إلباس ذلك كله لبوسالإسلام .
    النموذج الثالث من تحريفاته : ما يتعلق بإباحة الربا(الكتاب والقرآن قراءة معاصرة : محمد شحرور، ص467).
    فقدزعم الكاتب أن الربا الذي يترتب على إقراض البنوك لذوي الفعاليات الاقتصادية ،الصناعية والتجارية ونحوها جائز، بشرط ألا يزيد على ضعف رأس المال في السنةالواحدة، وزعم أن هذا هو المقصود بقوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]آل عمران : 130 .
    أنالآية نزلت في أوائل العهد المدني لكف المؤمنين كفًا ابتدائيًا عن الربا ، بتحريمالأضعاف المضاعفة ، ثم نزل التحريم البات للربا قليلة وكثيرة في آيات سورة البقرة ،في أواخر العهد المدني في قوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ] البقرة : 278 – 279وأي ربافي البنوك العالمية يصل إلى ضعف رأس المال في السنة الواحدة ؟!..وهو بذلك يزعم أنمعاملات البنوك الربوية في العالم كلها تطبق أحكامَا يجيزها الإسلام ، وهذا عدوانصفيق على كتاب الله تعالى(الكتاب والقرآن قراءة معاصرة : محمد شحرور، ص467،التحريف المعاصر في الدين ، ص199 - 201 ، عبد الرحمن حبنكة).
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  10. #120
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,528
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-10-2014
    على الساعة
    07:15 PM

    افتراضي

    الفرع الثاني

    قال لي صاحبي وهو يحاورني



    هذه صورة ضوئية لما بعث به أحد المجادلين في كتاب الله تعالى
    فبعد حديث طويل دار بيننا حول الخط العثماني أصوله وخصائصه، وعن علم القراءات ، ذلك الفن الذي تميز به كتاب الله تعالى ..أجد من المناسب أن أركز في حديثي هنا عن افتراءه على كتاب الله تعالى وذلك بقوله: ( ..التي أرى أن اليهود تدخلوا فيها قديما حين سئلوا عن التقاء الساكنين فأشاروا بحذف الساكنين)



    كتبت إليه الآتي:
    يا أستاذ صبحي
    لقد أمعنت النظر كثيراً عند كلمتك عن اليهود أنهم (سُئِلوا) عن التقاء الساكنين..فقلت لنفسي لعله قصد (سألوا)..
    ولكن إجابتك جاءت شافية وموضحة اللبس الذي عندي حينما قلت عنهم (فأشاروا ) ـ أي اليهود ـ ( بحذف الساكنين)..رداً على السؤال الموجه إليهم..
    ما هذا التهريج يا أستاذ صبحي..
    منذ متى كان اليهود هم علماء هذه الأمة في اللغة العربية وفي علوم القرآن الكريم نتلقى عنهم علوم القرآن الكريم ومعارفه؟.
    فهل كان قالون وابن وردان والكسائي وابن جمَّاز وخلف وابن كثير وهشام وابن عمرو ويعقوب وابن زكوان، وأبي حاتم السجستاني، وابن فتيبة وأبي الفضل الرازي،وابن الجزري، علماء الأمة في القراءات ، كل هؤلاء كانوا تلاميذ اليهود؟..
    سبحانك هذا افتراء عظيم..لم يقل به أي كافر من الملة السابقة، ولم يدعه اليهود انفسهم..
    يا أستاذ صبحي
    أتستطيع إعراب هذا البيت؟..
    أخاك أخاك إن من لا أخاً له = كساع إلى الهيجا بغير سلاح
    دعني أوفر عليك مشقة الأمر، ولسوف أعربه أنا.
    أخاك: مفعول به لفعلٍ محذوف وجوباً تقديره ألزم ولعامة نصبه الألف لأنه من الأسماءالستة
    وهو مضاف والكاف مضاف إليه .
    أخاك الثانية توكيد لفظي.
    إن : حرف مشبهبالفعل .
    من اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم إن.
    لا: نافية للجنس.
    أخاً : اسم لا مبني على الألف وهو مضاف والهاء مضاف إليه واللام مقحمة بينالمضاف
    والمضاف إليه . والجملة الاسمية لا محل لها صلة الموصول الاسمي.
    كساعٍ:الكاف حرف ساعٍ اسم مجرور بالكاف وعلامة جرة الكسرة المقدرة على الياء المحذوفةلالتقاء الساكنين.
    وبيان ذلك أن الصرفيين قالوا: أن أصل الكلمة: ساعي (اسم منقوص).
    ثم نُوّنتْ فصارت هكذا: (ساعي ٍ = ساعينْ)، فالتقى ساكنان هما: ياء المنقوص ونون التنوين، فحذف حرف العلة، (وحروف العلة دائمًا ما تكون كبش الفداء!(فصارت الكلمة هكذا: ساع ٍ.
    إن أصل ( ساعٍ)ساعيٌ في حال الرفع ، وساعيٍ في حال الجر فاستثقلت الضمة والكسرة على الياء فحذفتا، فالتقى ساكنان : الياء ، والتنوين فحذفت الياء تخلصًا من التقاء الساكنين.
    فالمعروف أنَّ سببَ حذفِ الياءِ هنالأن كلمة َ(ساع ٍ) اسمٌ منقوصٌ حُذِفَتْ ياؤُه، مع العلم أن الياء ليست ساكنة أصلاً، وإنما عليها كسرة مقدرة، منع من ظهورها الثقل، فهي ساكنة لهذا، والكلمة مجرورة وليست في محل جر، كما يتوهم البعض.
    والاسم المنقوص تُحذف ياؤُه إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا غير معرَّف....
    ونحنهنا أمام نحو وصرف، فالنحو في الجر وتقدير الكسرة،والصرف في حذف ياء المنقوص لالتقاء الساكنين... وهذا يسمى الحذف لفظاً وخطاً.
    أي أنه قد التقى ساكنان: ياء المنقوص ونون التنوين..
    وثمة حذف آخر لفظي فقط، والشيء بالشيء يذكر، وهو ما يقع في المقصور المنون مثل:
    (هدىً .. عصاً ) فالألف القائمة أو المقصورة هما شيء واحد من حيث لفظهما ، ولكنالألف هنا قد سقطتلفظا ً لا كتابة لالتقاء الساكنين أصلاً..
    إلى الهيجاء : جارومجرور متعلق بساعٍ .
    بغير سلاحِ متعلقة بساعٍ أيضاً.
    هذه هي اللغة العربية في أبسط معانيها ثم تأتي أنت لتقول لي أن التقاء الساكنين من صناعة اليهود









    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



صفحة 12 من 13 الأولىالأولى ... 2 11 12 13 الأخيرةالأخيرة

القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. هل القرءان الكريم معصوم !!؟
    بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد في المنتدى مشروع كشف تدليس مواقع النصارى
    مشاركات: 117
    آخر مشاركة: 20-02-2015, 11:45 PM
  2. ثلاث كتب في الدفاع عن القرءان الكريم ..
    بواسطة ahmedali في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 14-03-2010, 01:19 AM
  3. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 05-06-2009, 01:56 AM
  4. الإستكشافات العلمية الحديثة تثبت أن القرءان من عند الله وليس من عند بشر
    بواسطة عطاء الله الأزهري في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 25-08-2005, 04:18 PM
  5. رسائل من القرءان الكريم الى أهل الضلال
    بواسطة مـــحـــمـــود المــــصــــري في المنتدى الرد على الأباطيل
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 15-08-2005, 01:15 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

القرءان الكريم وليس التناخ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ