منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام منتديات كلمة سواء منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد موقع الجامع
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
موقع المسيحية في الميزان غرفة الحوار الإسلامي المسيحي دار الشيخ عرب مكتبة المهتدون
موقع الأستاذ محمود القاعود الموسوعة شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلام
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مدونة الإسلام والعالم شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

  1. #1
    الصورة الرمزية شمائل
    شمائل غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    10,953
    الديانة
    الإسلام - Islam
    الجنس
    أنثى - Female
    آخر نشاط
    28-12-2014
    على الساعة
    03:31 PM

    افتراضي منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

    منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى
    وفد نجران أنموذجاً
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
    فإن الحوار له أهمية كبرى في ديننا الحنيف، فالمتأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد ذلك واضحا في حوار الله مع ملائكته ورسله، وحوار الرسل مع أقوامهمً، ولهذا اعتنى أهل العلم والمثقفون من المسلمين بالحوار منذ القرون الأولى وإلى وقتنا الحاضر، وما مؤتمرنا هذا إلا من ذلك الاعتناء المبارك, وبحثي هذا لا يتحدث عن القيام بالحوار وأهمية ذلك, بقدر ما يتحدث عن كيفية القيام بالحوار والمنهج الصحيح في ذلك، ومن هنا أتت فكرة البحث من خلال محاور هذا المؤتمر الكريم، وهي كيف حاور الرسول - صلى الله عليه وسلم - النصارى؟
    ولا شك أن الإجابة على هذا السؤال سترسم لنا -بإذن الله- المنهج النبوي الكريم في ذلك، وهذا في نظري نحتاج إليه كثيراً. لأن الحديث عن الحوار مع المخالف، وأهميته ذلك قد كتب فيه كثيراً ولله الحمد, ولكي يكون بحثي مركزاً ارتأيت أن يكون حوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع وفد نجران أنموذجاً.
    وإن المتأمل في منهجه - صلى الله عليه وسلم - في حواره هذا مع وفد نصارى نجران يجد ما يلي:
    أولاً: ابتداء التواصل مع المخالف.
    فهنا نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - اهتم بنصارى نجران المخالفين له, في العقيدة حيث كاتبهم وبدأهم بذلك، فكان أول خطابه: ((بِاسْمِ إلَهِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ, أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَدْعُوكُمْ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ وَأَدْعُوكُمْ إلَى وِلَايَةِ اللّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ فَإِنْ أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام)).
    ثانياً: الوضوح في الدعوة إلى الحق (الإسلام).
    فكان من منهجه - عليه الصلاة والسلام - في حواره مع النصارى دعوتهم إلى الإسلام؛ بل إن هذا هو الهدف من حواراته, - صلى الله عليه وسلم - معهم، ونجده - صلى الله عليه وسلم - في بداية كل حوار معهم يدعوهم إلى الإسلام, فتأمل خطابه الذي بعث به إلى نصارى نجران وفيه: ((أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد)).
    ولما جاء الوفد ودخلوا عليه, - صلى الله عليه وسلم - فإنه دعاهم إلى الإسلام في بداية الحوار معهم, فامتنعوا.
    وليس هذا مع نصارى نجران فحسب؛ بل مع جميع النصارى الذين حاورهم أو راسلهم فهناك وفد من نصارى الحبشة, أتوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة إلى المدينة, ودخلوا عليه وهو في المسجد الحرام, وجلسوا إليه وكلَّموه, ولما فرغوا من مسألته - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى الله فأسلموا, وكذلك في قصة إسلام عدي بن حاتم الطائي ففي بداية اللقاء قال له - صلى الله عليه وسلم –: ((ما يضرك أن تقول لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله)) فقال عدي: "لا". وأيضاً حينما التقى بعدَّاس في بستان عتبة وشيبة ابني ربيعة حيث كان رقيقاً لهما, وذلك عقيب خروجه - صلى الله عليه وسلم - من الطائف, ورفض أهلها الإيمان وقد آذوه وأدموه، فعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الإسلام فأسلم عدَّاس، وهذا نجده مطرّداً في جميع مكاتباته - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك النصارى.
    ثالثاً: عدم الإكراه على الإسلام.
    فكان من منهجه - عليه الصلاة والسلام - عدم إكراه الطرف الآخر على الإسلام وذلك في حواراته مع النصارى أو مع غيرهم, مع أنه كان في موطن القوة والنصر من الله - تعالى -, ومع وجود التعنت من الطرف المخالف, فإن ذلك لم يجعله - صلى الله عليه وسلم - يجبرهم أو يكرههم، لأن الإسلام بسماحته، وخلقه، وموافقته للفطرة، لا يحتاج إلى أن يجبر الناس عليه, فهو يقتحم القلوب اقتحاماً لذلك نجد في كتاب الله - تعالى -قوله عز من قائل: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).
    وها هو - صلى الله عليه وسلم - في كتابه إلى أهل نجران لم يكرههم على الإسلام، بل خيرهم، فقد جاء في كتابه ذلك بعد أن دعاهم إلى الإسلام: ((فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسّلام)). وأيضاً لما التقى به الوفد, فإنه دعاهم إلى الإسلام, وحاورهم, ولم يجبرهم على قبول ما دعاهم إليه.
    رابعاً: إبراز القواسم المشتركة مع المخالف:
    وهذا أدعى لقبول الحق، وقد اهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإبراز ذلك حيث ابتدأ كتابه إلى أهل نجران باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب, وليس يخفى ما في ذكر هؤلاء الأنبياء من إشعار للمخاطب بنوع من التواصل، وهذا بدوره يقرب النفوس النافرة، ودليل تأثير هذا الأسلوب ما جاء في قصة عدّاس النصراني لمّا سأله رسول الله عليه وسلم عن دينه وسأله عن البلاد التي جاء منها, وأجابه بأنه من نَيْنوى فمباشرة قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى)), فقال عدّاس: "وما يدريك ما يونس بن متى؟" فقال: الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ذاك أخي، وكان نبياً وأنا نبي)) فأكب عدّاس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, يقبل رأسه ويديه وقدميه، وأسلم على يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -, فلما عاد إلى ابني ربيعة, وهما سيداه آنذاك قالا له: "ويلك يا عداس! مالك تقبلَّ هذا الرجل ويديه وقدميه؟" قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي.
    خامساً: السماحة ولين الجانب.
    لما قدم نصارى نجران المدينة دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وهو في مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجده - صلى الله عليه وسلم -, فأراد الناس منعهم فقال - عليه الصلاة والسلام –: ((دعُوهُم)) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
    وهنا يبرز جانب السماحة منه - صلى الله عليه وسلم -, وجانب الرفق والتلطف مع المخالف, ولو تأملنا هذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - لوجدنا الدلالات الآتية:
    ‌أ) أنهم فعلوا وهم كفار، ويقولون بالتثليث, ويعبدون الصليب, ومع ذلك يأذن لهم بدخول المسجد النبوي الشريف.
    ‌ب) قيامهم بتأدية صلاتهم في مسجده - عليه الصلاة والسلام -, مع أنها تخالف صلاة المسلمين.
    ‌ج) استقبالهم للمشرق, وهذا فيه مخالفة لقبلة المسلمين.
    ولا شك أن فعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك هو من التسامح الداعي, إلى ترغيبهم في قبول الحق, وتأليف القلوب.
    وقد استدل ابن القيم - رحمه الله تعالى -بهذا على جواز دخول أهل الكتاب, مساجد المسلمين, وتمكينهم من صلاتهم, بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً, ولا يمكنون من اعتياد ذلك.
    وأيضاً نجد ذلك في تعامله - صلى الله عليه وسلم - حينما استقبل عدي بن حاتم الطائي وأخذ بيده، واستضافه في منزله، وأكرمه حينما قدَّم له وسادة وأجلسه عليها، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأرض، يقول عدي - رضي الله عنه -: "فقلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك", وعدي آنذاك مخالف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دينه، ويدين بدين باطل, ومع ذلك يتبسط معه - صلى الله عليه وسلم - في الكلام والحوار ويلاطفه بل ويمسك بيده، ويدخله في بيته، ويحاوره بكل أدب ورفق والنتيجة ختام الحوار بإسلام عدي - رضي الله عنه -.
    سادساً: الرحمة والرفق والشفقة على المخالف:
    ولا تكاد تطالع حواراً له - صلى الله عليه وسلم - مع النصارى, أو غيرهم إلا وتجد ظهور هذا الجانب بكل وضوح، فوفد نجران لما التقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وبعد الحوار الذي حدث بينهم وبعد أن تبين الحق, وتمت الإجابة على أسئلتهم, ونزل بذلك القرآن أبوا أن يُقرّوا بذلك, وأرادوا الملاعنة وهي المباهلة التي وردت في قوله - تعالى -: (فمن حآجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).
    والبَهْل من معانيه الدعاء، ومعناه هنا اللّعن: بهله الله بهلاً: أي لعنه، وعليه بهلة الله، أي لعنة الله, (ثم نبتهل) أي نخلص في الدعاء, ويجتهد كل منهما في الدعاء واللعن على الكاذب منا.
    وصورة المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.
    ولما طلبوا المباهلة استجاب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وذلك ببيان الحق ثم لمّا عرفوا صدقه - صلى الله عليه وسلم -, وخافوا من عواقب ذلك طلبوا منه عدم الملاعنة, فاستجاب لهم رحمة وشفقة ورفقاً بهم, وقد جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو تمّوا على الملاعنة)).
    أيضاً يبرز هذا الجانب حينما طلب أحد قادة الوفد النجراني عدم المباهلة, وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني رأيتُ خيراً من مُلاعنتك" فقال: ((وما هو؟)), قال: "شرحبيل وهو من أشرافهم: حُكمك اليوم إلى الليل, وليلتك إلى الصباح فهما حكمت فينا، فهو جائز", فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لعلَّ وراءَك أحداً يثربُ عليك)) فقال شرحبيل: "سل صاحبي، فسألهما"، فقالا: "ما يَردُ الوادي، ولا يصدرُ: لا عن رأي شُرحبيل", فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كافر)) أو قال: ((جاحد موفق)).
    والشاهد هنا تنبيهه - صلى الله عليه وسلم - لهذا الرجل النصراني؛ لأمر قد لا يقدر عليه, وقد يجد فيه حرجاً من قومه أو قد يثّربوا عليه, والحقيقة أن المتأمل لهذا المنهج الذي سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليجد قمة العدل, والأمان, والرحمة, والشفقة, مع المخالف.
    سابعاً: الإجابة على أسئلة النصارى جميعها ولما أشكل عليه شيء من ذلك فإنه توقف حتى نزل الوحي.
    ومن منهج - صلى الله عليه وسلم - الإجابة على جميع الأسئلة التي طرحها النصارى بكل دقة ووضوح وصراحة، ولما سألوا عن عيسى - عليه السلام - توقف وقال: ((ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال في عيسى - عليه السلام -)).
    وهذا منهج ينبغي أن نسير عليه في حوارنا مع الآخر, فما نعلمه نقوله ونجيب عليه وما أشكل علينا نرجئه أو نسأل فيه أهل العلم, يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -في تعليقه على هذه المسألة وفي حديثه عن فقه قصة نصارى نجران: "ومنها: -أي من فقه القصة- مناظرةُ أهل الكتاب وجوابهم عما سألوه عنه، فإن أشكل على المسؤول، سأل أهل العلم".
    ثامناً: إسماعهم للقرآن.
    وهذا منهج سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حواره مع النصارى الذين قدموا من نجران, وكذلك الذين جاءوا من الحبشة أسمعهم القرآن ففاضت أعينهم من الدمع, وأسلموا لما سمعوا الحق, فأنزل الله - تعالى -فيهم قوله: (الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين).
    ولا شك أن القرآن له وقع في النفس, وبسببه أسلم الكثير, ولذلك كان منهجاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حواره.
    تاسعاً: عدم الحوار إذا رأى التعاظم والتكبر:
    وذلك أن النبي صلى الله - صلى الله عليه وسلم -, لما رأى وفد نصارى نجران قد لبسوا الذهب والحرير, وصاحب ذلك الفخر, والخيلاء, والكبر, والتعاظم؛ فإنه لم يرد - عليهم السلام -، ولم يبدأ معهم في حوار إلى أن خلعوا تلك الملابس وتروضت نفوسهم للحوار فرد - عليهم السلام -, وبدأ في الحديث معهم؛ لأن التكبر والتعاظم يمنعان من قبول الحق, وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عنهم: ((والذي بعثني بالحق نبياً لقد أتوني في المرّة الأولى وإن إبليس معهم)), وفي هذا ملمح لطيف، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - خاف عليهم من تلبيس الشيطان, ومن الكبر أن يصرفهم عن الحق، فعل كل ذلك لمصلحتهم.
    عاشراً: إبطال التصورات الخاطئة وتوضيح الحقائق التي لُبّست.
    وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع وفد نصارى نجران؛ حينما التقوا مع اليهود فتجادلوا في المسجد أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وكل فريق يقول للآخر لستم على شيء، وكلٌ كفر بما عند الآخر, وكلّ ادعى أن إبراهيم - عليه السلام - ينتسب إليه ثم توجّهوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -, فقال أحد أحبار اليهود وهو أبو رافع القرظي: "أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ " فقال رجل من أهل نجران واسمه الربيس: "أو ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا؟" فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((معاذ الله، أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، فما بعثني بذلك الله، ولا أمرني)), فأنزل الله - تعالى -قوله: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون?)).
    فهنا وضحّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقيقة الدعوة, وأمر الدين متسلحاً بالرفق آخذاً بالصبر لعلمه - عليه الصلاة والسلام -, أن تلك مغالطة منهم ليس إلا فبين أنه لا يعبد أحداً غير الله، ولم يدعو لذلك بل إن دعوته خلاف ذلك, فمبناها على عبادة الله وحده, والأمر بذلك, وهو هنا أزال ذلك اللّبس وصححّ تصوّرهم الخاطئ, ووضح للناس ذلك التلبيس على دعوته - صلى الله عليه وسلم -, وقد نزل الوحي مؤيداً له بذلك وبما قال.
    حادي عشر: الإعراض عن الجدال والمراء الذي لا فائدة منه:
    فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أعرض عن الدخول في الجدال العقيم, الذي خاض فيه اليهود والنصارى أمامه، بل إنه فضل الصمت عندما وصل الحوار معهم إلى طريقة مسدودة.
    ثاني عشر: عدم إثارة الطرف الآخر أو الإساءة إليه أو إلى ما يعتقده.
    فلا يوجد في حواره - صلى الله عليه وسلم - مع نصارى نجران شيء من ذلك سواء في كلماته، أو في أسئلته، لا ما يجرح مشاعرهم, أو يستثيرهم, لأن ذلك يجعلهم في نفرة من قبول الحق, وقد يتجرأ المخالف على الدين أو على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -, وبالتالي سينحرف الحوار عن منهجه فيؤدي ذلك إلى قطع كل الحبائل التي يمكن أن تقرّب بين وجهات النظر, وقد أمرنا الله - تعالى -بذلك فقال: (ولا تسبوا الذين يَدْعون من دون الله فيسبوا الله عدْواً بغير علم), وقد قال العلماء عن هذه الآية الكريمة: "وحكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعةٍ، وخيف أن يُسبّ الإسلام، أو النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الله - عز وجل -، فلا يحل لمسلم أن يسبَّ صلبانهم، ولا دينهم، ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزل البعث على المعصية".
    ثالث عشر: مواجهة الطرف الآخر من خلال أفكاره:
    وهذا منهج رائع في حواره - صلى الله عليه وسلم - مع النصارى حيث أنه أدانهم من أفواههم, وقد جعل ذلك في أسئلة وجهها لهم.
    يقول ابن جرير في سبب نزول قوله - تعالى -: (ألم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم) إن النصارى أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخاصموه في عيسى بن مريم، وقالوا له من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ )) قالوا: "نعم"، قال: ((ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ )) قالوا: "بلى"، قال: ((ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ )) قالوا: "بلى"، قال: ((فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟)) قالوا: "لا"، قال: ((ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟)) قالوا: "بلى"، قال: ((فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم)) قالوا: "لا". قال: ((فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء, قال: ((ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟))، قالوا: "بلى" قال: "ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟)) قالوا: "بلى"، قال: ((فكيف يكون هذا كما زعمتم؟)) قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً, فأنزل الله: (ألم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم).
    الرابع عشر: التركيز على القضايا العقدية الكبرى:
    ونلمس هذا في حوار - صلى الله عليه وسلم - مع نصارى نجران، حيث ركز على توحيد الله في العبادة، وعلى توحيده - عز وجل - في أفعاله، وعلى بشرية عيسى - عليه السلام -، ومشابهة ذلك بآدم - عليه السلام -، وهذه القضايا نجدها بارزة في مكاتبيه لهم في أول الأمر وفي أسئلته لهم، وفي إجابته لهم على أسئلتهم، وفي ردهم لهم على تصوراتهم الباطلة، وقد ذكرت النص بكامله في أول البحث، ولعله من المناسب هنا عدم تكراره.
    الخامس عشر: المباهلة وختام الحوار:
    وبعد أن ظهرت الحجة على وفد نجران، وبطلت دعواهم، وبعد أن يئس الرسول - صلى الله عليه وسلم - من إسلامهم دعاهم إلى المباهلة، فآثروا تركها لعلمهم بصدقه - عليه الصلاة والسلام -.
    الخاتمة:
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد: ففيء نهاية هذا البحث ذي الجهد المتواضع، وبعد أن عشنا مع قصة وفد نجران, وحوار النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمنهج الذي اتخذه في حواره ذلك، يمكنني أن أخرج بالنتائج والتوصيات التالية:
    أولاً: النتائج.
    1.أن حواه - صلى الله عليه وسلم - مع نصارى نجران، بل ومع النصارى عموماً قد رسم لنا منهجاً واضحاً في كيفية حوارنا مع أهل الكتاب، ينبغي أن نسير عليه، ونحذو حذوه لقوله - تعالى -: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
    2.السماحة والوضوح، ولين الجانب مع المخالف، وعدم إيذائهم أو جرح شعورهم.
    3.الصراحة والوضوح, في الطرح, وفي الدعوة إلى الحق.
    4.ترك المهاترات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
    5.الرفق والعدل والصبر على المخالف، وعدم إهمال الجوانب الإنسانية.
    6.تقريب الحق إلى المحاور، واحترام قوله، وعدم تسفيهه، وإبراز القواسم المشتركة لترغيبه في قبول الحق.
    7.التواضع الجم منه - صلى الله عليه وسلم -.
    8.عدم إهمال الجانب المنطقي في الحديث، والحرص على إبراز الاستدلال العقلي، فالله - تعالى -أمرنا أن نعمل عقولنا فيما لا يخالف شرعنا.
    9.الثقة بالنفس، واليقين بأن الله ينصر من نصر دينه.
    10.اعتزاز المسلم بدينه، وعدم الانهزام النفسي.
    ثانياً: التوصيات، ومنها.
    1.لابد من التواصل مع الآخرين، وابتداء الحوار معهم لدعوتهم إلى دين الله - تعالى -، ولكي يعرفوا ديننا على حقيقته، وسماحته.
    2.لا بد من دراسة منهجه - صلى الله عليه وسلم - في حواراته مع الآخرين، فهي معالم لنا في طريق حواراتنا مع مخالفينا.
    3.لا بد من دراسة ما عند الآخر, لكي نحاوره على بصيرة.
    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  2. #2
    الصورة الرمزية pharmacist
    pharmacist غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    5,191
    الديانة
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    28-12-2014
    على الساعة
    01:32 PM

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية شمائل
    شمائل غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    10,953
    الديانة
    الإسلام - Islam
    الجنس
    أنثى - Female
    آخر نشاط
    28-12-2014
    على الساعة
    03:31 PM

    افتراضي

    سلمك الله من كل سوء اختي الحبيبة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. من شعر النصارى في مدح الرسول صلى الله علية وسلم
    بواسطة سلام من فلسطين في المنتدى الأدب والشعر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-07-2012, 01:30 AM
  2. رحمة للعالمين منهج محمد صلى الله عليه وآله وسلم
    بواسطة د. الرمادي في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26-10-2010, 07:25 PM
  3. كيف سحر الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-04-2010, 02:00 AM
  4. منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الحوار مع النصارى
    بواسطة دفاع في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 27-02-2010, 11:37 PM
  5. مالذي ابكى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى سقط مغشيا عليه ؟
    بواسطة I_MOKHABARAT_I في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 12-12-2005, 06:38 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى

منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحوار مع النصارى