أنواع الفتن :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تساؤل في محله!!!
أيها الإخوة الكرام، ماذا أقول: إن تجاوَزْنا الموضوع الساخن فالموضوعات الأخرى لا يلتفت إليها المستمعون، هناك موضوعات ضاغطة، موضوعات ساخنة، موضوعات تغلي، هناك مفارقات حادة، هناك تناقض مريع بين صفات المؤمنين في القرآن الكريم وواقع المسلمين، كانوا دعاة سلام، فأصبحوا مجرمين، كانوا دعاة إحسان، فأصبحوا دعاة إساءة، على كلٍّ، الذي حصل أن العالم كله انقسم إلى مؤمن وكافر، محسن ومجرم، متمسك بمنهج الله، وطاعن في منهج الله، ماذا أفعل ؟ وماذا أقول ؟ ومِن أيّ موضوع أبدأ ؟ وتحت أين عنوان تكون هذه الخطبة ؟

أحاديث في الفتن
فتحت كتاب الفتن فاخترت من كتاب الفتن بعض هذه الأحاديث، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا.

الحديث الأول:
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ ! قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ـ الحصيرة كم عوداً فيها ؟ فيها ألوف ـ فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ؛ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ... ))
[ أخرجه مسلم]
أقسام القلوب بالنظر إلى الفتن
(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ))
فتنة الشاشة، فتنة الإنترنت، فتنة المحمول، فتنة الاختلاط، فتنة المجلات، فتنة السينما، فتنة المرأة الكاسية العارية، فتنة الربا.

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ))
كل عود له أثر في القلب نكتة سوداء.

(( وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ))
أي حتى ينقسم البشر إلى نموذجين.

(( عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ))
وما أقلَّهم.

(( مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ))
ما معنى ذلك ؟ المُرْباد شديد السواد ظلمة ما بعدها ظلمة، سواد داكن، سواد لا ترى فيه إلا السواد، لا بصيص نور، ولا خيطاً رمادياً، كالكوز، القلب وعاء، لكن هذا الوعاء (( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ))، مقلوب لا يمكن أن يأخذ شيئا، ضع الكأس على عكس وضعه، صب فيه الماء، وقعره نحو الأعلى، (( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا )) أي منكوساً.

(( لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))
هذا واقع العالم اليوم، قلب أبيض لا تضره فتنة، لأنه أنكر هذه الفتن فتنةً فتنة، فهي كالحصير، فيه أعواد لا تعد ولا تحصى، وكل عود فتنة، وقلب آخر أسود داكن، (( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ))، أي مقلوباً ليس فيه خير إطلاقاً،
(( لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))
الآن العالم منقسم قسمين، مؤمن وكافر، محسن ومجرم، صادق وكاذب، منضبط ومتفلت، وهكذا، وهذا الانقسام في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل مجتمع، إلا أن القسم الأقل هو القسم الأول.
أيها الإخوة الكرام، تعوذوا بالله من أن نكون مع القسم الثاني، مع القسم الذي يعم معظم الناس.

الحديث الثاني:
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ:

(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي ؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ))
[أخرجه البخاري، ومسلم. وأخرج الترمذي منه طَرفا يسيرا ]
يبدو أن الله أطلعه على ما سيكون في آخر الزمان.

(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ))
في العصور الثلاثة الأولى كان فيها الإسلام متألقاً، وكان فيه بطولات، ووفاء، وكرم، وحياء، ومروءة، وجدة، طبعاً امرأة قالت: وا معتصماه، المعتصم لم يجلس حتى جهز جيشاً، وغزا الروم، وأنقذها.

رُبّ وا معتصما انطلقت ملء أفواه البنات اليتــم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
***
(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ ))
بكاء منخفض لهذا لا نسمعه.

(( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ ))
يظهر النفاق.
موجة نفاق تجتاح العالم، النفاق للأقوياء، ولو كانوا مجرمين، والنفاق للأغنياء، ولو كانوا مبذرين.
يظهر النفاق، وترفع الأمانة، ويكثر الاحتيال والكذب، والدجل وابتزاز أموال الناس، وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين.
أيها الإخوة الكرام، من علامات قيام الساعة أن الحياء ينزع من وجوه النساء، وأن النخوة تنزع من رؤوس الرجال، وأن الرحمة تنزع من قلوب الأمراء، فلا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال، ولا رحمة في قلوب الأمراء.

الحديث الثالث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ، وَيَتَقَارَبَ الْأَسْوَاقُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ: الْقَتْلُ ))
[ أحمد ]
تنتقل من طرف الدنيا إلى طرفها الآخر في ساعات، وتتصل مع أقصى مكان في الدنيا في ثوان، العلم وتظهر الفتن ويكثر الكذب، ويتقارب الزمان، وتتقارب الأسواق.

(( وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ: الْقَتْلُ ))
قتل كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيم قتل، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، وحتى يتطاول الناس في البنيان، الأبراج خمسون طابقًا فما فوق، تسعون طابقًا فما فوق، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه.

الحديث الرابع:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))
[ الترمذي ]
الحديث الخامس:
أيها الإخوة الكرام، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))
[ متفق عليه ]
أطلعه أن أمته من بعده سترجع كفاراً، فما علامة كفرها ؟
(( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))
قتل، ذبح، تمثيل، تعذيب، إبعاد، تشريد.

الحديث السادس:
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((سيكون بعدي سلاطين الفتن، على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه مثله ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف ]
العطاء مقابل أن تتنازل عن دينك، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه أضعافاً، وهناك أناس فهموا الإسلام فهماً معكوساً، فهموه تكفيراً، فهموه تشريكاً، فهموه قتلاً، فهموه استعلاءً، فهموه وصاية.

الحديث السابع:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ))
[ الترمذي ]
الحديث الثامن:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ))
يبيع دينه من أجل منصب، من أجل مبلغ.

[ الترمذي ]
بيع الدين بقليل من الدنيا
إذا جاء مبلغ فلكي مقابل أن تكتب عن الموت أنه كان طبيعياً، والموت كان قتلاً، باع دينه كله بهذا التقرير، يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل، كان مؤمناً فأصبح كافراً، أمسى مؤمناً فأصبح كافراً، أو أصبح مؤمناً فأمسى كافراً.
هذا من علامات آخر الزمان، والمؤمن لا يباع ولا يشترى، المؤمن رقم صعب، لكن المنافق رقم سهل، له ثمن محدود، هناك إنسان يُشترَى بألف ليرة، وإنسان بمليون، و إنسان بخمسة ملايين يبيع دينه، يبيع ورعه، يبيع صلاته، يبيع صيامه، وحجه، وزكاته.

الحديث التاسع:
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ ))
أكبر وعيد توعد الله فيه الناس في القرآن أن تقتل مؤمناً متعمداً، وهذا يقع كل يوم، المؤمنون يقتلون من قبل مؤمنين، القائم القاتل والمقتول في النار، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.

الحديث العاشر:
أيها الإخوة الكرام، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّتَكَ سَتُفْتَتَنُ مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ سُئِلَ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا ؟ قَالَ:

(( الْكِتَابُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، مَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ جَبَّارٍ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ، هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَتَنَاهَ أَنْ قَالُوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ، وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ ))
[ رواه الدارمي، وفي إسناده مقال ]

هذا هو المخرج من الفتن

ليس هناك حل، مهما تعددت الحلول، إلا أن نصطلح مع الله، لأن الله أعزنا في الماضي بالإسلام، ولن يعزنا بشيء آخر، لا حل إلا أن نقيم الإسلام في بيوتنا، والحل الذي أضعه بين أيديكم بإمكان كل واحد منا تطبيقه، دعك من المجموع، دعك من الأقوياء، دعك من الطواغيت، أقم الإسلام في بيتك، وأقمه في عملك، وانتظر من الله النصر، قال تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
( سورة الزمر: الآية 66 )
الحل الأول والأخير القرآن الكريم أن نعود إليه، وأن نعود إلى فهمه من السنة الصحيحة، ومن فهم الأجيال الثلاثة من صحابة رسول الله، فإذا عدنا إلى الله عاد الله لنصرنا، واستعدنا دورنا القيادي، وأصبحنا أعلاماً بين الأمم، أما الآن فوالله نحن مضغة الأفواه بين الأمم، ويسخر بقصصنا، نتقاتل، لسنا مؤهلين أن نحكم أنفسنا، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، ثَلَاثَ مِرَارٍ ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن عمر ].
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ، كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ ))
[ أحمد ]
الزم الجماعة، كن مع المؤمنين، لا تنفرد برأي، خذ رأي العلماء الأجلاء الربانيين الورعين، لا تجتهد من عند نفسك، لا تسبب للمسلمين متاعب لا تنتهي، المسلمون سلمهم واحدة، وحربهم واحدة .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: << يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة >>.

الحديث الحادي عشر:
عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ؟ واحدة في الجنة وسائرهن في النار ؟ قلت: ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، الأمر بيد النساء، امرأة تزلزل أكبر رجل، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولاً، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، الصحابة الكبار لُعنوا، وساد القبيلة فاسقهم، أفسق واحد سيدها، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره، فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس إلى الشام وإلى مدينة منها يقال لها: دمشق، من خير مدن الشام، فتحصنهم من عدوهم ))
[ الجامع الصغير قريبا منه عن أبي هريرة بسند فيه ضعف ]
ونسأل الله أن تكون هذه البلدة على منهج الله، وهناك علامات تؤكد ذلك.
الحديث ليس في الصحاح، درجته أقل من الصحاح.

الحديث الثاني عشر:
عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ، فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))
[أحمد بإسناد صحيح]
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.
من الأخبار المضحكة المبكية
خبر قرأته في موقع معلوماتي كدت لا أصدقه، لكنه خبر وقع فعلاً.
أيها الإخوة، الآن صنعت طائرة هي أضخم طائرة اخترعت حتى الآن، تقلّ ثمانمئة وأربعين راكبًا، ثمنها يساوي ميزانيات دول، هي أكبر طائرة نقل حتى الآن، الخبر المدهش أن ثرياً من أثرياء العالم ليس من أوربا، ولا من أمريكا اشتراها كطائرة خاصة، هذه الطائرة يزيد طولها على خمسة وسبعين متراً، عرض جناحيها ثمانون مترًا، معظم المطارات لا تحتملها، لها طيارون خاصون، ثري واحد لا من أمريكا، ولا من أوربا، ولكن من الشرق الأوسط، وسوف يدفع مئات الملايين لتكون بيتاً، نصف البيت ثلاث غرف نوم، وصالة استقبال كبيرة، صالة للطعام، حمام، صالة تدليك، درجات هوائية منزلية في الطائرة العملاقة، تحويلها من طائرة ركاب تجارية إلى طائرة خاصة يحتاج عشرات الملايين من أجل إنسان واحد، ويمكن لثمن حمامها أنْ يحل مشاكل المخيمات كلها، حمام فقط، الآن خمسة وأربعون إنسانًا في الطريق بلا طعام، ولا شراب، ولا مأوى، نزلاء مخيم نهر البارد في الطريق، وإنسان يشتري أكبر طائرة تحمل ثمانمئة وستة وثمانين راكبًا، ثمنها يساوي ميزانيات دول، ثم تجهز ثلاث غرف نوم، صالة استقبال كبيرة، صالة للطعام، حمام، صالة تدليك، درجات هوائية منزلية، أهذه أمة تستحق أن تعيش ؟
هذا هو الفساد، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاس﴾
[ سورة الروم: من الآية 41 ]
تناقضات لا موضع لها من الإعراب
والله أيها الإخوة، اسمعوا مني هذا الكلام: أنا والله كففت من زمن طويل عن أن أمدح المسلمين أبداً، وإلا فأنا إنسان ناقص، المسلمون لا يمدحون أبداً الآن.
نحن في سورية عندنا مئة وخمسة وثمانون ألف كيلو متر مربع، هذه مساحتنا، ربع هذه المساحة صالحة للزراعة، المزروع منها ربع الربع، أي واحد من ستة عشر، ومع ذلك من فضل الله عندنا ستة ملايين طن قمح كل سنة، واستهلاكنا مليون طن، عندنا سبعمئة ثمان مئة ألف طن حمضيات، ونصدر، وعندنا زيتون بالدرجة الأولى، وعندنا محاصيل لا يعلمها إلا الله، كم زُرع ؟ ربع الربع، السودان عندها أرض صالحة للزراعة، اثنان ونصف مليون كيلو متر مربع، هذا كلام سفير السودان، ومياه النيل معظمها تصب في البحر، ينقصهم ثمانية مليارات فقط، ثمانية مليارات تطعم السودان، العالم الإسلامي كله، وألف مليار موظفة في بنوك أجنبية للمسلمين، هذه أمة لا تستحق أن تعيش.

التوبة التوة، الصحوة الصحوة
أيها الإخوة، إذا ما صحونا صحوة جذرية، إذا ما راجعنا حساباتنا كلها، إذا ما ضبطنا بيوتنا، ما ربينا أولادنا، ما طبقنا منهج رسول الله، ما عدنا إلى الله، واصطلحنا معه، فالمشكلة كبيرة جداً.

احذروا فراعنة العصر الجديد
والله أيها الإخوة، المعاصي زائد الصبر ما بعدها إلا القبر، قتل جماعي ما مقابر جماعية ما شيء لا يصدق ما خمسة دول محتلة الآن، والسادسة في الطريق، احتلال كامل، احتلال تقليدي، نهب الثروات، أكثر احتياطي نفط في العالم في العراق، أربعمئة وخمسون مليار برميل، وأرخص نفط استخراجه في العراق بثمانين سنتا، كلفة البرميل دون عدادات مع القتل اليومي، مئة وخمسون يومياً، هذه الفوضى الخلاقة، قال تعالى:

﴿ إِِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعا ﴾
[ سورة القصص: من الآية 4 ]
هذا شأن الفراعنة في كل عصر.
أيها الإخوة، الفتنة الطائفية الورقة الرابحة الوحيدة في أيدي أعدائنا، إياكم أن تمكنوه منها، إياكم، انظروا ما في العراق، وغزة الآن، وما في الضفة، ولبنان، والصومال، خمس دول تعاني ما تعاني، من الفوضى الخلاقة، خلاقة بمصالح الأجانب.

قد فعلها مسلم ولم يفعلها كافر
أيها الإخوة الكرام، هذه لقطة الطائرة فقط لأخذ العلم، إنسان واحد لحاشيته وأصدقائه، ولا يمكن أن يفعلها واحد في الغرب.
شبه الكاتب راوي الخبر هذا الأمر بمثل: إنسان يشتري أكبر محطة توليد كهرباء لشحن هاتفه الخلوي، ثمانمئة وستون راكبا، ثمنها يساوي ميزانيات دول بأكملها، يشتريها واحد من منطقة الشرق الأوسط، اشكروا الله على أن الله عز وجل ما جعلنا بهذا الغنى المطغي.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ ـ الذي يتحدث عن الحرية والديمقراطية ـ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]