يسجل لنا الإنجيل بحسب القديس متى (27:24) أن بيلاطس البنطي الحاكم المعين من قبل الدولة الرومانية على ولاية اليهودية قد غسل يديه وأعلن للجماهير المتجمعة أمام دار الولاية أنه بريء من دم يسوع فكان جوابهم كما سجله لنا الإصحاح (27:25) من نفس الإبجيل فاجاب جميع الشعب بأنا دمه علينا وعلى اولادنا.
كانت تلك الكلمات طوال قرون عديدة هي الوقود الذي غذت نار الحقد ضد اليهود وتسببت بأكبر موجة عداء ضد السامية في طول أوروبا وعرضها مما أدى الى مجازر وتطهير عرقي إستهدف كل المخالفين لإيمان الكنيسة الكاثوليكية(العالمي) بشكل عام من مسلمين وبروتستانت وكل الطوائف المسيحية المخالفة ولكن اليهود كانت لهم معاملة خاصة من محاكم التفتيش الكنسية ونصيب وافر من التمييز والإضطهاد بإعتبارهم قتلة يسوع له المجد مما أدى الى أكبر موجة نزوح من أوروبا وخصوصا في إسبانيا حيث كانت وجهتهم بلاد المغرب العربي وخصوصا المغرب وتونس حيث إستوطنوا الى جانب أحفاد المهاجرين الأصليين لتلك البلاد الذين تركوا إسبانيا لنفس السبب.
وقد إستمرت تلك الموجة من العداء للسامية والتي تجذرت في الإيمان المسيحي حتى قامت الكنيسة الكاثوليكية بإعلان برائة اليهود من دم يسوع وذالك في المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1965 مستندة في ذالك على نص من العهد القديم في الكتاب المقدس وذالك إستنادا الى نصي سفر الخروج (20:5)[ افتقد ذنوب الآباء في الابناء في الجيل الثالث والرابع من مبغض] و(24:7)[ ولكنه لن يبرئ ابراء مفتقد اثم الآباء في الابناء وفي ابناء الابناء في الجيل الثالث].
ولكن لكي نتحرى الدقة والموضوعية في الإجابة عمن قتل يسوع, يجب علينا البحث عمن يقف خلف عملية الصلب ومن كانت له المصلحة في ذالك؟
في حالة قمنا بإتهام اليهود وبفرضية صحة ذالك الإتهام إستنادا الى الروايات التي قدمها كتبة الأناجيل لحياة يسوع له المجد, محاكمته, صلبه وقيامته, فإنه هل يجوز تعميم تلك التهمة على كل اليهود؟ حيث علينا أن نأخذ في الحسبان عند دراستنا لتلك الجزئية المتعلقة بنصوص سفر الخروج (20:5) و (24:7) أنها تتعارض مع نص سفر آرميا (31:30) [بل كل واحد يموت بذنبه كل انسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه] ونص سفر حزقيال (18:2) [ما لكم انتم تضربون هذا المثل على ارض اسرائيل قائلين الآباء اكلوا الحصرم واسنان الابن].
وماذا عن دور الدولة الرومانية ممثلة بحاكم اليهودية الروماني بيلاطس البنطي المعروف بشدته وقسوته كما كتب في الإنجيل بحسب القديس لوقا (13:1)[ وكان حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم]؟ حيث أنه من الصعب تحقيق الأحداث من الناحية التاريخية والموضوعية وبحيادية ونزاهة بدون أن نأخذ في حسباننا طبيعة الأسباب التي دفعت بمؤلفي الأناجيل الى تدوينها بعد أن أصبح المسيحيون مؤمنين بقيامة يسوع من بين الأموات وأن هذه الجزئية قد دمغت الإيمان المسيحي بل هي نفسها الإيمان كله كما قال بولس الرسول في 1كورنثوس(15:14)[ وان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل ايضا ايمانكم].
من المهم لدقة تحقيق المعلومات المتوافرة تاريخيا ونصوص الأناجيل المتوفرة بين أيدينا أن يقوم الباحثون بدراستها بكل دقة وموضوعية لإزالة اللبس والأفكار الخاطئة التي إنتشرت حول هذا الموضوع لقرون طويلة.
لدينا نصوص تاريخية متوفرة من خارج الكتاب المقدس بخصوص صلب يسوع له المجد وهي إن إختلف عليها وعلى مدى دقتها وصحتها فإنها تبقى مرجعا يمكن الإستفادة منه في رسم مسار تاريخي لعملية صلب يسوع له المجد ومسبباتها ومن المستفيد منها. روايات المؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف(37م-100م) والمؤرخ الروماني تاسيتوس(55-120ميلادية) في حوليته التي كتبها سنة 117 ميلادية على وجه التقريب.
سوف نبدأ أولا بالمؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف الذي هناك شكوك قوية حول النص الذي ذكر فيه يسوع والموجود في كتابه آثار اليهود والذي ألفه عن تاريخ اليهود من سفر التكوين حتى حرب اليهود مع الرومان التي بدأت سنة 66م وإنتهت سنة 70م بدخول الجيش الروماني الى أورشليم وتهديم الهيكل ومساواة أبنيته بالأرض.هذا النص ليس حاسما فيما يتعلق بعملية الصلب والقيامة للأسباب التالية حيث أنه الكثير من العلماء أجمعوا على أنه غير أصلي وهو إضافة الحقة حيث أنه ليس موجودا ضمن أقدم النسخ لكتاب آثار اليهود, تعصب فلافيوس جوزيف لفريسيته بل ومشاركته في الحرب ضد الرومان حتى القبض عليه كما يقال في حصار حصن الماسادا سنة 73م, الجزء الذي أضيفت فيه لا يتفق وسياق الكلام, عدم وجود تناسق في صياغة النص المنسوخ عن الترجمة اليونانية التي قام بها فلافيوس جوزيف لكتاب آثار اليهود ووجود خلل بنيوي واضح بين الفصول السابقة أو اللاحقة للفصل الذي جاء فيه ذكر يسوع مما قد يدل على تلاعب بالنص تم على أيدي النساخ المسيحيين.
أما بالنسبة للمؤرخ الروماني تاسيتوس فقد ذكر أن إسم المسيحيين مشتق من المسيح الذي حكم عليه بالموت من قبل الحاكم الروماني لمقاطعة اليهودي بيلاطس البنطي وذالك في أيام حكم الإمبراطور الروماني طيباريوس ولم يذكر أي شيئ عن قيامته من بين الأموات أو أي شيئ من الحاصل بخصوص تلك الحوادث المذكورة في الإنجيل بحسب القديس متى مثل الزلزال العظيم وتشقق الهيكل وقيامة الأموات من القبور. ومن العلل الأخرى التي تعتري هذا النص وتشكك في مصداقيته هي أن أقدم نسخة تعود للقرن الحادي عشر ولم تعرف على نطاق واسع, أي دخلت المكتبات حتى أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر ميلادية.
على كل حال فإن حادثتي الصلب والقيامة من الممكن الرجوع إليهما بشيئ من التفصيل فقط في الأناجيل الأربعة وليس خارجها. وعند قرائة تلك الأناجيل الأربعة, فأنه علينا أن تكون مدركين للصعوبات الجمة التي إعترت العمل الدعوي والتبشيري الذي كان تلاميذ يسوع وأتباعه الأوائل وتلاميذهم وذالك لتوصيل رسالة يسوع وتعاليمه. كانت رسالتهم في الحقيقة أن إبن اهلو, المسيا الذي وبالرجوع إلى النصوص المتوفرة بين أيادينا(الأناجيل الأربعة) قد ظهر وإرتفع جالسا على يمين الله تحقيقا لنبوئة الإنجيل بحسب القديس متى المذكورة في (26:24) وأنه قد أعدم على يد السلطات الرومانية بطريقة كانت مخصصة للعبيد والمجرمين حيث نسنتطيع القول وببساطة, يعني باللغة العامية أنه كان من أصحاب السوابق. وبناء على ماسبق وذكرته فإنه من المتوقع وجود محاولات لتبرئة السلطات الرومانية الحاكمة من دم يسوع وهذا ماسوف نلاحظه عند قرائتنا للأناجيل ورواياتها بخصوص القبض على يسوع وماحكمته وصلبه.
ولكن السؤال هو عن أسباب تلك المحاولات لتبرئة السلطات الرومانية من تهمة قتل يسوع وإلصاقها باليهود ومن هو المستفيد؟
الجواب هو موجود في روما والفاتيكان حيث شكل تصاعد نفوذ بابا روما وبداية تحول روما الى مركز ثقل الديانة المسيحية وخصوصا مع بدابة تبني سياسات متسامحة من قبل الأباطرة الرومان مما ساعد على إنتشار المسيحية وبالتالي المحاولات المستميتة لإبعاد الدولة الرومانية عن تلك التهمة ومحاولة إلصاقها باليهود.
وبالمقارنة بين الروايات التي تقدمها لنا الأناجيل المختلفة فإننا نجد أن القديس متى قد إتبع القديس مرقس بدرجة كبيرة حيث تتشابه العديد من الروايات بينها ولكن متى أضاف قصة حلم زوجة بيلاطس وأن يسوع رجل صالح (27:19)[ واذ كان جالسا على كرسي الولاية ارسلت اليه امرأته قائلة اياك وذلك البار.لاني تألمت اليوم كثيرا في حلم من اجله].
لوقا تفرد بذكر الرواية بخصوص إرسال يسوع الى هيروديس إنتيباس, الحاكم المحلي للجليل لأن يسوع كان من تلك المنطقة والذي أعاد إرساله الى بيلاطس. المثير أن الإثنين إتفقا انه غير مذنب وأنهما لم يجدا فيه علة واحدة. وفي نهاية رواية القديس لوقا لعملية صلب يسوع, فقد أعلن قائد المائة الذين تم توكيلهم بحراسة موقع الصلب أن يسوع بريء(رجل بار) بدلا من تثبيت التهمة عليه بأن زعم انه إبن الله. وطبعا علينا أن لا ننسى رواية القديس يوحنا في إنجيله الذي إنفرد بجزئيات غير مذكورة في باقي الأناجيل منها موقف العسكر الذي كانوا يحرسون موقع الصلب وبعض الأحداث التي جرت هناك.
وهل هكذا كان الرومان يفعلون؟ مجرد التصديق على حكم أصدرته السلطة الدينية اليهودية. من المهم هنا أن نلاحظ الروايات المختلفة. في الإنجيل بحسب القديس متى والقديس مرقس فإنه كانت هناك محاكمة ليلية أمام قيافس, الكتبة والشيوخ حيث كانت هناك تهمتان متزامنتان وجهتا ليسوع المسيح هما التنبأ ضد المعبد (تم إسقاطها لاحقا لتضارب الأدلة) والإدعاء بأنه المسيح(مسيا) وتم الحكم عليه بالموت على الرغم من أن إدعائه بكونه المسيا لم يلعب دورا أبعد. لقد تمت السخرية منه بوصفه رسولا.
في الإنجيل بحسب القديس لوقا فقد تمت إستجواب يسوع المسيح من قبل المجلس اليهودي في الصباح, ولكن هذا لم يكن محاكمة رسمية وقد يظن البعض أن هذا كان هو السبب الرئيسي لإستنكار بيلاطس. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا, تم إستجواب يسوع المسيح من قبل حنان قبل أن يتم إرساله الى قيافا والذي كان رئيس الكهنة في تلك السنة. قراء الأناجيل يعرفون أن قيافا كانت له غاية في موت المسيح حيث ينسب إليه في يوحنا (11:50) ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.
إن موقف الشعب من يسوع المسيح هو أيضا متفاوت بحسب الإنجيل الذي نقرأه. ففي الإنجيل بحسب القديس متى والإنجيل بحسب القديس مرقس فإنهم كانوا معادين له, ومن الواضح تأثرهم بالأرستقراطية المحلية. في الإنجيل بحسب القديس لوقا, الجماهير طالبت بصلبه ولكن قسما كبيرا منهم تبعه الى موقع إعدامه بالنياح. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا فإن موقف الجماهير من يسوع هو غير واضح.
الأداة المتوفرة لدينا من المصادر معقدة ومثيرة للإرتباك. في كل المناسبات, وعلى الرغم من أنه متفق بشكل عام على أن اليهود ليسوا مخولين تنفيذ حكم الإعدتم بأنفسهم, ولا هو من الواضح أن التهمة الموجهة ليسوع المسيح تحتمل إصدار مثل هذا الحكم. يسوع المسيح تمت إدانته بموجب القانون الروماني وأن الملاحظة التي تم وضعها على الصليب هي " يسوع الناصري ملك اليهود" تمت صياغتها من وجهة نظر رومانية.
ولكن لماذا صلب يسوع المسيح؟
على الأرجح, يبدو من الواضح أن قدومه من الريف إلى القدس جعله يشعر بالكراهية تجاه طبقة النبلاء(الأرستقراطية) التي كانت عن معنية عن كثب بإدارة شؤون المعبد, بالإضافة الى السلطات الرومانية. وقد تكلم متنبأ ضد المعيد وقام بعمل بسيط ورمزي كناية عن تطهير المعبد, بالإضافة الى تكلم به عن المملكة والذي قد يكون تم فهمه كنوع من التحدي السياسي. كان هناك عدد من الأنبياء من المعاصرين للزمن الذي عاش فيه يسوع المسيح والذين نجحوا في كسب أتباع وكانت نهايتهم دموية. من هؤلاء يهوذا الجليلي 6ب.م, نبي من السامرة 36ب.م بالإضافة الى شخص يدعى ثوداس 44-46ب.م. يهوذا وثوداس مذكوران في سفر أعمال الرسل (5: 36-37). ويبدو أن يسوع المسيح قد لاقى حنفه بمفس الطريقة.
للإطلاع على كافة مواضيعي في مقارنة الأديان, يرجى دعم مدونتي بزيارتها على الرايط التالي:
http://koranandbible.blogspot.ca/
وجزاكم الله كل خير