1*/
هل عيسى يخلق??

2*/
تفسير الرازي


{أخلق لكم من الطين } أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى: {قدير يـاأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم } (البقرة: 21) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضا فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد، أما القرآن فآيات أحدها: قوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخـالقين } (المؤمنون: 14) أي المقدرين، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقا بالتقدير والتسوية وثانيها: أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء {إن هـاذا إلا خلق الاولين } (الشعراء: 137) وفي العنكبوت {وتخلقون إفكا } (العنكبوت: 17) وفي سورة ص {إن هـاذا إلا اختلاق } (ص صلى الله عليه وسلم #1764;: 7) والكاذب إنما سمي خالقا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله {أنى أخلق لكم من الطين } أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } (المائدة: 110) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها: قوله تعالى: {هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } (البقرة: 29) وقوله {خلق } إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله {خلق } على الإيجاد والإبداع، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي، وذلك باطل بالاتفاق، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض، وأما الشعر فقوله: # ولأنت تفري ما خلقت وبعـ # ـض القوم يخلق ثم لا يفري # # وقوله: # ولا يعطي بأيدي الخالق ولا # أيدي الخوالق إلا جيد الأدم # # وأما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي له هذا المقدار من الاستحقاق، والصخرة الخلقاء الملساء، لأن الملاسة استواء، وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية. # /إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ {الخـالق } قال أبو عبد الله البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال، وقال أصحابنا: الخالق، ليس إلا الله، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {الله خـالق كل شىء } (الرعد: 16) ومنهم من احتج بقوله {هل من خـالق غير الله يرزقكم } (فاطر: 3) وهذا ضعيف، لأنه تعالى قال: {هل من خـالق غير الله يرزقكم من السماء } (فاطر: 3) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقا من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه، ليس إلا الله، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله.

50@ # وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالا في حق الله تعالى فالعلم ثابت. # إذا عرفت هذا فنقول: {أنى أخلق لكم من الطين } معناه: أصور وأقدر وقوله {كهيئة الطير } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله {فأنفخ فيه } أي في ذلك الطين المصور وقوله {فيكون طيرا بإذن الله } ففيه مسائل: # المسألة الأولى: قرأ نافع {فيكون } بالألف على الواحد، والباقون {عليهم طيرا } على الجمع، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع. # يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طينا وصوره، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا
، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش، وكانت قراءة نافع عليه. وقال آخرون: إنه خلق أنواعا من الطير وكانت قراءة الباقين عليه. # المسألة الثانية: قال بعض المتكلمين: الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح، ولذلك وصفها بالفتح، ثم ههنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا/ أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: {الذى خلق الموت والحيواة } (الملك: 2) وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك {ربي الذى يحى ويميت } (البقرة: 258) فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. # المسألة الثالثة: القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى /عليه السلام للحياة والروح. # المسألة الرابعة: قوله {بإذن الله } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } (آل عمران: 145) أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل. # واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات # فهو قوله: {ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم }....