الصوفية الوجه الآخر

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

الصوفية الوجه الآخر

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 32

الموضوع: الصوفية الوجه الآخر

  1. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي

    الفصل الخامس

    أهم الشخصيات الصوفية :

    سنحاول عرض أبرز الشخصيات الصوفية وأكثرها تأثيرا عبر العصور ـ وخصوصا الذين دعوا إلى عقيدة الحلول والاتحاد فمن أبرزهم:
    ـ البسطامي (261 ﻫ): هو أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي كان جده مجوسيا فاسلم, وهو أول من استخدم لفظ الفناء بمعناه الصوفي الذي يقصد منه الاتحاد بذات الله, يقول د. عبد الرحمن بدوي ـ صوفي معاصر ـ صاحب كتاب تاريخ التصوف الإسلامي: "لقد نصب الله الخلائق بين يدي أبي يزيد وها هي ذا تتحرق إلى رؤياه في هذا المقام... لكن لكي يمكنهم أن يروه كان عليه أن يطلب غالى الله أن يزين أبا يزيد بوحدانيته ويلبسه أنانيته..." وعلى هذا فإن عقيدة البسطامي واضحة فهو أول من سعى في نشر عقيدة الاتحاد بين المسلمين.
    ـ الحلاج (309 ﻫ): هو الحسين بن منصور الحلاج, صوفي فيلسوف, تبرأ منه سائر الصوفية والعلماء لسوء سيرته ومروقه, وهو يدعي الحلول ومعناه حلول الإله فيه أي الله سبحانه وتعالى وتقدس عما يقول, واستمر الحلاج في نشر فكره ألحلولي حتى استفحل أمره فألقي القبض عليه لتتم مناظرته ومناقشته بحضره القضاة وبعد أن تيقن السلطان (المقتدر) أمره أمر بقتله.
    ـ الغزالي (450 ـ 505 ﻫ): أبو حامد محمد بن احمد الطوسي الملقب بحجة الإسلام, ولد بطوس من إقليم خرسان, نشأ في بيئة كثرت فيها الآراء والمذاهب مثل علم الكلام والفلسفة, والباطنية, والتصوف, وأورثه ذلك حيرة وشكا , ألف عددا من الكتب أهمها تهافت الفلاسفة والمنقذ من الضلال, وأهمها على الإطلاق إحياء علوم الدين, ويعد الغزالي رئيس مدرسة الكشف في المعرفة.. ومن جليل أعماله هدمه للفلسفة اليونانية وكشفه لفضائح الباطنية. وفي آخر حياته اقبل على حديث الرسول , وفي هذه المرحلة ألف كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" الذي ذم فيه علم الكلام وطريقته وانتصر لمذهب السلف, ويقال انه رجع عن القول بالكشف وإدراك خصائص النبوة,.
    ـ ابن الفارض (566 ـ 632 ﻫ): هو أبو حفص عمر بن علي الحموي الأصل المصري المولد, لقب بشرف الدين, وهو من الغلاة الموغلين في وحدة الوجود, يقول الشيخ الوكيل "ابن الفارض يزعم انه منذ القدم كان الله, ثم تلبس بصورة النفس.. الخ" ونص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن ابن الفارض من أهل الإلحاد القائلين بالحلول الاتحاد ووحدة الوجود..
    ـ ابن عربي (560 ـ 638 ﻫ): وهو أبو بكر محيي الدين محمد بن علي بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي, الملقب بالشيخ الأكبر عند الصوفية, رئيس مدرسة وحدة الوجود, يعتبر نفسه خاتم الأولياء, استقر في دمشق حيث مات ودفن, وله فيها قبر يزار, طرح نظرية الإنسان الكامل التي تقوم على أن الإنسان وحده من بين المخلوقات يمكن أن تتجلى فيه جميع الصفات الإلهية إذ تيسر له الاستغراق في وحدانية الله, وهذا يوضح خطورة آرائه ولذلك فقد اتفق علماء الإسلام شرقا وغربا على ذم ابن عربي وآرائه والبعض منهم يحرم النظر في كتبه.
    ـ ابن سبعين (614 ـ 669 ﻫ): هو قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين الاشبيلي المرسي, احد الفلاسفة المتصوفة القائلين بوحدة الوجود التي يرى أنها تعني أن وجود الحق هو الثابت بدءا , وانه مادة كل شيء, والخلق منبثق منه فائض عنه, ولذا يقول ابن تيمية: إن ابن سبعين وان قال بان الوجود واحد فهو يقول بالاتحاد والحلول من هذا الوجه, لان معنى كلامه أن الحق محل للخلق. ويرى ابن سبعين أن الله هو الوجود كله ولا شيء معه إلا علمه, والكائنات هي عين علمه. يقول ابن تيمية "هذا من أبطل الباطل وأعظم الكفر والضلال".
    ـ العفيف التلسماني (610 ـ 690 ﻫ): هو سليمان بن علي الكومي التلمساني, يلقب بعفيف الدين, يقول عنه الذهبي انه احد زنادقة الصوفية, ويقول ابن كثير "وقد نسب هذا الرجل إلى عظائم في الأقوال والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة والكفر المحض وشهرته تغني عن الإطناب في ترجمته", ومن أقوال التلمساني الشنيعة التي توضح كفره الحوار الذي دار بينه وبين احد شيوخه قال: القرآن ليس فيه توحيد بل القرآن كله شرك, ومن اتبع القرآن لم يصل الى التوحيد" وكذلك فان من فكر التلمساني الفاسد ما حكاه شيخ الإسلام من أن الشيرازي قال لشيخه التلمساني ـ وقد مر بكلب أجرب ميت ـ فقال: هذا أيضا من ذات الله؟! فقال: وهل ثم خارج عنه!؟ قال ابن تيمية: هذا من أعظم الكفر. وعلى هذا فان الرجل يعد من رواد وحدة الوجود الكبار, ومن المصنفين المكثرين في تقرير هذه العقيدة الفاسدة ونشرها.
    ـ النابلسي (1050 ـ 1143 ﻫ): هو عبد الغني بن إسماعيل الدمشقي النابلسي الحنفي النقشبندي القادري, آمن بالطريقة النقشبندية الذين يؤمنون بعقيدة الفناء ووحدة الوجود.
    ونأخذ نموذجين من أهم النماذج وأشهرها:
    الأول : محي الدين ابن عربي
    الثاني: عبد الكريم الجيلي
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  2. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي


    النموذج الأول

    فكر ابن عربي




    ما وراء إحياء أفكار ابن عربي:
    قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: " وفي هذه الأيام يوجد تعاون بين قسم الدراسات الإسلامية في السوربون وبين المسئولين عن العلوم والآداب والفنون عندنا على إخراج كتاب الفتوحات المكية في بضعة وثلاثين سفرًا، في نسخ أنيقة فاخرة لتيسير تداولها بين الناس، ولنشر فكر ابن عربي الذي تحتاج إليه أوروبا في هذه الأيام...
    والسعي لإحياء أفكار ابن عربي جزء من تضليل أمتنا وتعتيم الرؤية أمامها, أو هو عرض لدين مائع يسوي بين المتناقضات؛ إذ قلب ابن عربي – كما وصف نفسه - دير لرهبان وبيت لنيران وكعبة أوثان، إنه تثليث وتوحيد ونفي وإثبات.. هذا الكلام الغث هو قرة عين الصليبين وأمثالهم, وهو ما يراد الآن نشره على أوسع نطاق...
    إن علماء الأزهر في العصر الأيوبي أنكروا تفكير هذا الرجل وحكموا بكفره وأودع السجن ليلقى جزاءه, لكن أصدقاءه نجحوا في تهريبه'. [تراثنا الفكري 72: 74].

    ولد الشيخ ابن عربي سنة 560 هجرية 1165 ميلادية في مدينة مرسية علي الساحل الشرقي في الأندلس، وتوفي في دمشق عن عمر يناهز الثمانين، واللافت بحق أن ضريحه غدا مزاراً لا بوصفه مفكراً، بل بوصفه ولياً ذا كرامات، يُتوسل به في نقل احتياجات العامة إلي البارئ العظيم.
    ويرجع فضل انتشار فكر ابن عربي على نطاق واسع إلى كتابين "روضة السر" للشبستري ت 1311م (بالفارسية) و"الإنسان الكامل " للجيلي ت 1408م (ب*********، لكنها ترى أن على المرء ألا يستخلص نتائج بعيدة المدى من استخدام وحدة الوجود في الشعر حيث استخدمت لدى الشعراء الأكثر التزاماً بمبادئ الشرع، ولا غنى عن أن يميز الإنسان بعناية بين اللغة الشعرية والأنظمة الخارجة عن نطاق المادة.
    وكتاب الفتوحات المكيةمن أعظم كتبه في علم التصوف التي تحتوي أكثر من 4000 صفحة قال فيها الشيخ كنت نويت الحج والعمرة فلما وصلت أم القرى أقام الله سبحانه وتعالى في خاطري ان اعرف الولي يفنون من المعارف حصلتها في غيبتي وكان الأغلب هذه منها ما فتح الله سبحانه وتعالى على ثم طوافي بيته المكرم.
    وقال في الباب الثامن والأربعين واعلم ان ترتيب أبواب الفتوحات لم يكن عن اختيار ولا عن نظر المذوق وإنما الحق تعالى يملى لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره وقد نذكر كلاما بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده وذلك شبيه بقوله سبحانه وتعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى بين آيات طلاق ونكاح وعدة ووفاة وقال واعلم ان جميع ما أتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه فإني أعطيت مفاتيح الفهم فيه والإمداد منه.
    اختصار الفتوحات المكية
    وقد اختصرها الشيخ عبد الوهاب بن احمد الشعراني المتوفى سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة وسماه لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية وفرغ في ذي الحجة سنة ستين وتسعمائة ثم لخص ذلك التلخيص ثانيا وسماه الكبريت الأحمر من علوم ذكر فيه ان جماعة من مشايخ عصر بمصر سألوه اختصاره بمعنى انه حذف لهم منه كل ما لا نعم تمس الحاجة إليه من المسائل لا بمعنى تقليل اللفظ وتكثير المعنى فأجاب ولم يخرج عن ترتيب الشيخ على خمسمائة وستين بابا.
    ويعتبر هذا الكتاب من أهم نصوص التصوف الإسلامي، كما يعد مؤلفه الشيخ محيى الدين ابن عربي (ت 638 ﻫ.) من أكبر شخصياته، بل يمكن عده من أكبر شخصيات التصوف بصفة عامة.
    ـ بدأ ابن عربي تأليف الكتاب لأول مرة بمكة وهو يحج سنة 598 ﻫ. ، وأكمله بدمشق سنة 629 ﻫ. ، ثم أعاد كتابته مرة أخرى في الفترة بين سنة 632 ﻫ. إلى 636 ﻫ. ، مضيفا تارة، ومختصرا أخرى، ومحيلا ثالثة على النسخة الأولى.
    ـ وللكتاب العديد من المخطوطات بمكتبات العالم ، أهمها مخطوطة قونية التي بخط ابن عربي ، وتمثل الإبرازة الثانية للكتاب والتي فرغ منها سنة 636 ﻫ. ، وقد قسمها المؤلف إلى (37) سفرا ، وهى محفوظة حاليا بمكتبة إيفكاف موسيى بتركيا (أرقام : 1845- 1881) . كما توجد نسخ تمثل الإبرازة الأولى التي فرغ منها سنة 629 ﻫ. ، ومنها نسخة محفوظة بمكتبة با يزيد بتركيا (أرقام : 3441 - 3443) .
    ـ طبع الكتاب عدة مرات ، أولها طبعة بولاق بمصر سنة 1274 ﻫ. ، ثم أعيد طبعه سنة 1293 ﻫ. ، بتصحيح الشيخ محمد قطة العدوى . ثم قامت دار الكتب العربية الكبرى بمصر (مصطفى الحلبي وأخويه) بطباعته سنة 1329 ﻫ. ، على نفقة الحاج فدا محمد الكشميري وشركاه بمكة ، وتم فيها تدارك ما وقع في طبعتي بولاق من أخطاء ، وذكر الشيخ محمد الزهري الغمراوي رئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى أنه فات طبعتي بولاق الوقوفُ على نسخة المؤلف ، وأنه من العناية الإلهية أن سيقت لهم نسخة تمت مقابلتها على نسخة قونية التي بخط المؤلف ، قابلها جماعة من العلماء بأمر الأمير عبد القادر الجزائري رحمه الله تعالى .
    ـ كما قدم الدكتور عثمان يحيى تحقيقا للكتاب وصل فيه إلى السفر (14) بحسب تقسيم مخطوطة قونية (37 سفرا) ، وتوفى دون أن يكمله .
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  3. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي

    المادة الداخلية للفتوحات :
    ـ قسم المؤلف الكتاب إلى ستة فصول ، تحتوى على (560) بابا :
    ـ الفصل الأول في المعارف (الأبواب من 1 – 73) .
    ـ الفصل الثاني في المعاملات (الأبواب 74 – 188) .
    ـ الفصل الثالث في الأحوال (الأبواب 189 – 269) .
    ـ الفصل الرابع في المنازل (الأبواب 270 – 383) .
    ـ الفصل الخامس في المنازلات (الأبواب 384 – 461) .
    ـ الفصل السادس في المقامات (الأبواب 462 – 560) .
    ـ وقدم المؤلف للكتاب بخطبة وفهرست لفصول الكتاب وأبوابه، ومقدمة في تمهيد ما يتضمنه الكتاب من العلوم الإلهية، كما تشتمل على بيان لطريق التصوف.
    ـ وتندرج تحت أبواب الكتاب الخمسمائة والستين (560) مئات العناوين الجانبية ، حيث تنوع أسلوب الشيخ ابن العربي في إبراز ما يريد من مادة الكتاب فتارة يجعله متوسطا في سطر مستقل بخط عريض عن الخط المعتاد ، وتارة يترك قبله فراغا كبيرا وبعده فراغا كبيرا ، وتارة يجعل العناوين في حاشية الصفحة ، وتارة ينهى الكلام السابق بدارة (دائرة صغيرة) ثم يترك فراغا ليبدأ موضوعا جديدا أو تقسيما أو نحو ذلك مما يفيد الانتقال إلى عنوان آخر ، إلى غير ذلك من الصور الأخرى التي راوح المؤلف بينها تقسيما للمادة العلمية الطويلة للكتاب ، وهو في كل ذلك يحرص على استهلال كلامه بما يدل على الموضوع الذي يشرع فيه ، ويصلح أن يكون عنوانا له .
    وهو رائد الصوفية المتفلسفة بلا منازع.
    ومصطلح الصوفية المتفلسفة هو مصطلح الغزالي في كتابه " رسالة معراج السالكين", والغزالي نفسه كان منهم وله " تهافت الفلاسفة", و" فضائح الباطنية" , و" المنقذ من الضلال " .وكذلك فخر الدين الرازي، ونصير الدين الطوسي, وامتزج التصوف بالفلسفة الواردة على الفكر العربي الديني، وكان البيروني قد ذكر في أصل التصوف أنه ليس عربياً وأن اللفظة أصلها الإيتيمولوچي هو (صوفيا اليونانية)، وصوفيا هي الحكمة أو الفلسفة، فمن باب التواضع لا يسمى الحكيم فيلسوفاً ولكنه محب للحكمة، أو الفلسفة، حيث أن كلمة فيلسوف من مقطعين: فيلا أي محبة، وصوفيا أي الفلسفة، وتلك فوارق و تخريجات لم يعرفها العرب، والأصوب أن العرب اعتبروا الصوفي هو الحكيم نفسه.
    غير أن نسبة التصوف في الصوفي المتفلسف قد تزيد وقد تنقص ويزيد عليها التفلسف في هذه الحالة، فالسهر وردي المقتول يُظهر من التفلسف أكثر من التصوف، وكذلك الحلاج وكذلك البسطامي.
    والسهروردي والحلاج كلاهما قُتل لأنه متفلسف أكثر منه متصوف.
    ويُذكر ابن عربي كفيلسوف وليس كصوفي، بسبب نظريته في وحدة الوجود، وهذه النظرية هي ما بقي منه، أي أن الصوفي المتفلسف الذي يذكرونه بالشيخ الأكبر لم يعد الناس يذكرون له سوى ما قاله كفلسفة وليس كتصوف.
    وربما كانت فلسفة ابن عربي أصولها مسيحية يستقيها من الحلول والتحاد ووحدة الوجود في النصرانية، وورث ذلك عن طريق الأندلس، وربما كانت مدرسته في وحدة الوجود هي رسائل إخوان الصفا، وهي حافلة بالفلسفة اليونانية أو الأفلاطونية المحدثة، وظهر ذلك جلياً في أقوال الجنيد الذي يقال أنه مؤسس التصوف، ومنها:
    قوله: " فأين ما لا أين لأينه.. إذ مؤين الأينات مبيد لما أينه ".
    وقوله: " فكان حيث لم يكن، ولم يكن حيث كان، ثم كان من بعد ما لم يكن حيث كان".
    وهم يفرقون بين الصوفي والمتصوف، كالفرق بين الفيلسوف والمتفلسف، وعن الحلاج قال: من أشار إليه فهو متصوف، ومن أشار عنه فهو صوفي، والأول يفرّق بين الرب والعبد، والثاني صار الربّ والعبد واحداً، حتى ليتكلم العبد باسم الرب.

    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  4. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي

    النموذج الثاني

    عبد الكريم الجيلي وكتابه الإنسان الكامل:


    هذا عبد الكريم الجيلي يكتب كتابه (الإنسان الكامل) زاعماً أيضاً أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول:
    ".. ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه.
    وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئاً من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكراً، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقاً بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم.
    واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه" (الإنسان الكامل ص8).
    علماً بأنه لم يضع فيه شيئاً مطلقاً وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئاً في الأرض فما عبد إلا الله. بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب،والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر..
    تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً واستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته.. اللهم رحماك رحماك.. لقد قلت سبحانك في كتابك الكريم عن الذين ادعوا الإلوهية في عيسى عليه السلام وهو نبي كريم ونفس طيبة [مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ](الكهف : 5 ).
    وقلت سبحانك أيضاً [تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)](مريم 90ـ 93)..
    وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءاً منك، ومظهراً لك (ومجلى) ـ حسب عبارتهم ـ من مجاليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
    نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص:
    "وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح (..انظر) وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل".
    ثم يقول: "فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعاً للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلاً على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه (الدن: هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه) القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم) أ.ﻫ(ص6).
    ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب:
    إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق.. هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحاً كاملاً في كتابه، وأضاف أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي: قل يا محمد الإنسان هو الله أحد. فهاء الإشارة في (هو) راجع إلى فاعل قل وهو أنت.. فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد.. هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة.
    وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك:..
    "الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي هو عين الإنسان قال الله تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الإنسان (الله أحد) فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتاً بيانياً إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء.
    قال الله تعالى [وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ](الأنعام : 27 ). ليس المراد به محمداً وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز.
    قال الله تعالى (والله هو الولي) يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه[أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ](يونس : 62 ). لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد ([فاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (الشورى : 9 ). أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت:

    لي الملك في الدارين لم أرى فيهما

    سواي فأرجو فضله أو فأخشاه


    ولا قبل من قبلي فالحق شأنه

    ولا بعد من بعدي فأسبق معناه

    وقد حزت أنواع الكمال وإنني

    جمال جلال الكل ما أنا إلا هو

    فمهما ترى من معدن ونباته

    وحيوانه مع أنه وسجاياه

    ومهما ترى من عنصر وطبيعة

    ومن هباء الأصل طيب هيولاه

    ومهما ترى من أبحر وقفاره

    ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

    ومهما ترى من صورة معنوية

    ومن شهد للعين طال محياه
    إلى أن يقول: (ص31)
    فإني ذلك الكل والكل مشهدي
    أنا المتجلي في حقيقته لا هو

    ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيلياً في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص:
    الباب الستين: في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق.
    "اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس ********* مكان العبادة عند النصارى. والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار:

    وما الكلب والخنزير إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة)

    فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية.

    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  5. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي


    الفصل السادس

    مَصَادِرُ التّصوُّفِ وَمَآخِذُهُ


    إن أمر التصوف كله مختلف فيه , فكما أختلف في أصله واشتقاقه , وحده وتعريفه , بدئه وظهوره , وفي أول من تسمى به وتلقب به , كذلك اختلف في منبعه ومأخذه , ومصدره ومرجعه , فتشعبت الآراء وتنوعت الأقوال , وتعددت الأفكار , فقال قائل : إنه إسلامي بحت في أشكاله وصوره , ومبادئه ومناهجه , وأصوله وقواعده , وأغراضه ومقاصده , حتى في ألفاظه وعباراته , وفلسفته وتعاليمه , ومواجيده وأناشيده , ومصطلحاته ومدلولاته , وهذا هو إدعاء الصوفية ومن والاهم , وناصرهم , ودافع عنهم .

    وقال قوم : لا علاقة له بالإسلام إطلاقا , قريبة ولا بعيدة في اليوم الذي نشأ فيه , ولابعد ماتطور , وهو أجنبي عنه كاسمه , فلذلك لا يفتش عن مصادره ومآخذه في القرآن والسنة وإرشاداتهما , بل يبحث عنها في الفكر الأجنبي , وهو رأي أكثر السلفيين ومن نهج منهجهم وسلك مسلكهم وكذلك الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة من المتقدمين , والأكثرية الساحقة من المستشرقين , والكثير من الباحثين والمفكرين المتحررين من الجمود وعصبية التقليد , من المتأخرين .

    وقالت طائفة : إنه اسم للزهد المتطور بعد القرون المشهود لها بالخير كردّ فعل لزخرفة المدينة وزينتها التي انفتحت أبوابها على المسلمين بعد الغزوات والفتوحات وانغماسهم في ترف الدنيا ونعيمها , ثم حصلت فيه التطورات , ودخلت أفكار أجنبية والفلسفات غير الإسلامية وذهب إلى هذا الرأي ابن تيمية والشوكاني من السلفيين وغيرهم من بعض أعلام أهل السنة , حتى الصوفية أنفسهم وبعض المستشرقين .

    وقال الآخرون : إن التصوف وليد الأفكار المختلطة من الإسلام واليهودية والمسيحية ومن المانوية والمجوسية والمزدكية , وكذلك الهندوكية والبوذية , وقبل كل ذلك من الفلسفة اليونانية وآراء الأفلاطونية الحديثية , وتمسك بهذا الرأي بعض الكتّاب في الصوفية من المسلمين وغير المسلمين .

    فهذه هي خلاصة الاختلاف والآراء المختلفة في أصل التصوف ومأخذه , ننقاشها في هذا الباب , وندعم رأينا الذي نراه من بين هذه الآراء المتعددة , بالأدلة والشواهد , الخارجية منها والداخلية.
    فنقول : إن أفضل طريق للحكم على طائفة معينة وفئة خاصة من الناس هو الحكم المبني على آرائه وأفكاره التي نقلوها في كتبهم المتعمدة والرسائل الموثوق بها لديهم بذكر النصوص والعبارات التي يبني عليها الحكم , ويؤسس عليها الرأي ولا يعتمد على أقوال الآخرين ونقول الناقلين , اللهم إلا للاستشهاد على صحة استنباط الحكم وإستنتاج النتيجة .

    وهذه الطريقة ولو أنها طريقة وعرة شائكة , صعبة مستعصبة , وقل من يختارها ويسلكها , ولكنها هي الطريقة الصحيحة المستقيمة التي يقتضيها العدل والإنصاف .
    وعلى ذلك عندما نتعمق في تعاليم الصوفية الأوائل والأواخر , وأقاويلهم المنقولة منهم , والمأثورة في كتب الصوفية , القديمة والحديثة نفسها , نرى بونا شاسعا بينهما وبين تعاليم القرآن والسنة , وكذلك لا نرى جذورها وبذورها في سيرة سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الكرام البررة خيار خلق الله وصفوة الكون , بل بعكس ذلك نراها مأخوذة مقتبسة من الرهبنة المسيحية , والبرهمة الهندوكية , وتنسك اليهودية , وزهد البوذية , والفكر الشعوبي الإيراني المجوسي عند الأوائل , والغنوصية اليونانية والأفلاطونية الحديثة لدى الذين جاءوا من بعدهم , وتدل على ذلك تعريفات القوم للتصوف , التي نقلناها عن كبارهم فيما سبق .
    وكما تنطق وتشهد تعاليمهم التي هي بمثابة الأسس للتصوف , والضوابط لمن يدخل في طريقتهم .

    فنبدأ أولا بإبراهيم بن أدهم , وهو من الطبقة الأولى وأئمة التصوف الأوائل , وكثيراً ما تبدأ كتب طبقات الصوفية بذكره واسمه , ولا يخلوا كتاب من كتب التصوف وسيرته .
    ومما يذكر بيانا لشأنه الرفيع ومكانته السامية أنه كان من أبناء الملوك وملكا لبلخ , وتزوج من امرأته جميلة , وله ولد , ولكنه ترك الملك والزوجة والأولاد , وكل من كان يملكه , للنداء الغيبي , أو للقاء الخضر الذي لقنه ذلك , مثل ما ترك بوذا ملكه وزوجته , وأبنه وملاذ الدنيا وزخارفها طبقا بطبق , وحذو القذة بالقذة , خلافا لتعاليم الإسلام وأسوة الرسول وسيرة الصحابة , ولا يوجد له أي مثال في الكتاب ولا في السنة , ولا من السلف الصالح ومع ذلك يبجّل الصوفية ذكره , ولذلك يجعلونه قدوة يقتدى , ومثالا يحتذى , ويفتخرون بذكره وأحواله , مع أن أحواله تلك ليست إلا ناطقة بالبوذية المنسوخة الممسوخة التي لم ينزل الله بها من سلطان .

    فنود أن نورد تلك الحكاية الصوفية الباطلة , من التصوف القديم الأصيل , ومن الصوفي الذي يعدّ من الأعلام والأقطاب مقارنة بقصة بوذا , المنقولة من الكتب البوذية , ولبيان أنها تشتمل على ترهات وأكاذيب فاحشة مكشوفة تنطق بكونها مختلفة موضوعة مكذوبة.

    وننقل هذه القصة من تذكرة صوفية قديمة ( تذكرة الأولياء ) لفريد اليدن العطار , مقتبسين ترجمتها العربية من صادق نشأت :
    ( إن إبراهيم بن أدهم كان ملكا لبلخ , وتحت إمرته عالم , وكانوا يحملون أربعين سيفا من الذهب وأربعين عمودا من الذهب من أمامه ومن خلفه , وكان نائما ذات ليلة على السرير , فتحرك سقف البيت ليلا , كأنما يمشي أحد على السطح , فنادى : من هذا .. ؟ فقال : صديق فقدت بعيرا أبحث عنه على هذا السقف , فقال : أيها الجاهل , أتبحث عن البعير فوق السطح ...؟ فقال له : وأنت أيها الغافل تطلب الوصول إلى الله في ثياب حريرية وأنت نائم على سرير من ذهب ...؟ فوقعت الهيبة في نفسه من هذا الكلام , واندلعت في قلبه نار , فلم يستطع النوم حتى الصباح , وعندما أشرق الصبح ذهب إلى الإيوان وجلس على السرير متحيرا مفكرا حزينا , ووقف أركان الدولة كل في مكانه واصطف الغلمان وأذنوا إذنا عاما , فدخل رجل مهيب من الباب بحيث لم يكن لأي أحد من الخدم أو الحشم الجرأة على أن يقول له من أنت , ولم ينبسوا ببنت شفه , وتقدم الرجل حتى واجه سرير إبراهيم , فقال له : ماذا تريد ..؟ قال : أنزل في هذا الرباط , قال : ليس هذا برباط , إنما هو قصري , وإنك لمجنون , فقال : لمن كان هذا القصر قبل هذا ؟ قال : كان لأبي , قال وقبل ذلك , قال : كان ملكا لجدي ... وقبل ذلك ؟ قال : ملكا لفلان , قال : أو ليس الرباط هو ما يحل به أحد و يغادره الآخر .. ؟ قال هذا و اختفى , وكان هو الخضر عليه السلام , فازدادت حرقة روح إبراهيم ولوعته , وازداد ألمه حدة نتيجة لهذه الحال , وازدادت هذه الحال من واحد إلى مائة ضعف , إذ أنه رأى أنه قد اجتمع ما شاهده نهارا مع ما وقع ليلا ولم يعرف مما سمع , ولم يعلم ماذا رأى اليوم , فقال : أسرجوا الجواد لأني أريد الذهاب للصيد , فقد حدث لي اليوم شيء لست أدري ما هو , فيا إلهي إلى أين تنتهي هذه الحال ... ؟ فأسرجوا له جوادا , وتوجه للصيد , فكان يتجول في البرية دهشا بحيث لم يعرف ماذا يفعل , فأنفصل عن جيشه وهو في تلك الحال من الدهش , فسمع صوتا في الطريق يقول له : انتبه , فانتبه , ولم يصغ إليه , وذهب وجاءه هذا النداء للمرة ثانية , فلم يعره سمعا للمرة الثالثة نفس ذلك النداء , فأبعد نفسه عنه , وسمع للمرة الرابعة من يقول : ( انتبه قبل أن تنبه ) ففقد صوابه تماما وفجأة ظهرت غزالة فشغل نفسه بها , فأخذت الغزالة تخاطبه قائلة : إنهم بعثوني لصيدك , وإنك لن تستطيع صيدي , ألهذا خلقت ؟ أو بهذا أمرت ؟ إنك خلقت للذي تعمله وليس لك عمل آخر , فقال إبراهيم : ترى ما هذه الحال ....؟ وأشاح بوجهه عن الغزالة , فأرتفع نفس ذلك الصوت الذي قد سمعه من الغزالة من قربوس السرج , فوقر في نفسه الخوف والفزع وأزداد كشفا , وحيث أن الحق تعالى أراد أن يتم الأمر ارتفع ذلك الصوت ثلاث مرات أخر من حلقة جيبه , وبلغ ذلك الكشف هنا حد الكمال , وأنفتح عليه الملكوت ونزل , وحصل له اليقين , فابتلت الملابس والجواد من ماء عينيه , وتاب توبة نصوحا , وانتحى ناحية من الطريق , فرأى راعيا يرتدي لبادا , وقد وضع قلنسوة من اللباد على رأسه , وأمامه الأغنام وأخذ منه اللباد ولبسه ووضع قلنسوة اللباد على رأسه وطفق يسير راجلا في الجبال والبراري هائما على وجهه ينوح من ذنوبه , ثم غادر المكان إلى أن بلغ نيسابور , فأخذ يبحث عن زاوية خالية يتعبد فيها حتى وصل إلى ذلك الغار المعروف واعتكف فيه تسعة أعوام .
    ومن ذا الذي يعلم ما كان يفعله هناك في الليل والنهار , إنه ينبغي أن يكون رجلا عظيما ذا مادة واسعة حتى يستطيع الإقامة في مثل ذلك المكان , وصعد إبراهيم يوم خميس إلى ظاهر الغار وجمع حزمة حطب واتجه في الصباح إلى نيسابور حيث باعها , وصلى الجمعة واشترى بثمن الحطب خبزا , وأعطى نصفه لفقير وتناول النصف الآخر , وأتخذ منه إفطاره وداوم صيامه حتى الأسبوع التالي , وبعد أن وقف الناس على شأنه هرب من الغار وتوجه إلى مكة , وقيل أنه بقي أربعة عشر عاما يطوي البادية حيث كان يصلي ويتضرع طوال الطريق حتى أشرف على مكة , وروي أنه كان له طفل رضيع عند مغادرته بلخ , ولما أيفع طلب من أمه أباه , فقصت له الأم الحال قائلة : إن أباك قد تاه , ونقل عنه أنه قال : عندما كنت أسير في البادية متوكلا , ولم أتناول شيئا مدة ثلاثة أيام جاءني إبليس وقال : أنت ملك , وتركت هذه النعمة لتذهب جائعا إلى الحج ...؟ لقد كان بمقدورك الحج بعز وجلال حتى لا يصيبك كل هذا الأذى, قال: عندما سمعت هذا الكلام منه رفعت صوتي وقلت : إلهي ‍‍!! سلطت العدو على الصديق حتى يحرقني فأغثني حتى أستطيع قطع هذه البادية بعونك, فسمعت صوتا يقول: يا إبراهيم ‍! ألق ما في جيبك حتى تكشف ما هو في الغيب فمددت يدي
    إلى جيبي فوجدت أربعة دوانيق فضية كانت قد بقيت منسية , ولما رميتها جفل إبليس مني وظهرت قوة من الغيب ) [انظر ( تذكرة الأولياء ) لفريد الدين العطار ص 53 وما بعد ط باكستان ]..

    وورد ذكره وحكايته أيضا في ( طبقات الصوفية ) للسلمي [طبقات السلمي ص 12 مطابع الشعب القاهرة 1380 .] .
    وفي ( حلية الأولياء ) للأصبهاني[ حلية الأولياء للأصبهاني ج7 ص 367 وما بعد ط دار الكتاب العربي لبنان .].
    وفي ( الرسالة ) للقشيري [ الرسالة القشيرية ج1 ص54 وما بعد ط دار الكتب الحديثة – القاهرة بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ]..
    وفي ( جمهرة الأولياء ) للمنوفي الحسيني [ جمهرة الأولياء ج2 ص 125 ط مؤسسة الحلبي - القاهرة 1967م .].
    وفي ( نفحات الأنس ) للجامي [ نفحات الأنس للجامي ص41 الطبعة الفارسية إيران .].
    وفي ( طبقات الأولياء ) لابن الملقن المتوفى 804 ﻫ [ طبقات الأولياء لابن ملقن ص 5 نشر مكتبة الخانجي – القاهرة الطبعة الأولى 1393 ]..
    وفي ( الطبقات الكبرى ) للشعراني [ الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 69 .] .

    فهذه هي قصة إبراهيم بن أدهم , وفيها ما فيها من ترك الأهل والزوج والولد بدون جريمة ارتكبوها , وإثم اقترفوه , خلافا لأوامر القرآن وإرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم , المشهورة المعروفة شبها ببوذا , وهاهي خلاصة قصته :

    ( وكانت قبيلة ساكياس تقطن في شمال بنارس , وهي التي ولد فيها أواسط القرن السادس قبل الميلاد , وقد مات في سنة 478 قبل الميلاد بعد أن عمر ثمانين عاما . وتزوج بوذا في سن التاسعة عشرة ابنة عمه , وكان في رغد وسعادة . وبينما كان يسير يوما إلى الصيد وهو في التاسعة والعشرين شاهد رجلا قد بلغ من كبر سنه منتهى الضعف والعجز , ورأى في وقت آخر شخصا مبتلى بمرض استعصى علاجه ويحتمل الآلام وبعد مدة أخرى تأثر واشمأز لرؤية منظرا كريها لجثة في حالة من الفساد , وكان خادمه وصاحبه الوفي المسمى ( جانا ) يذكره وينبهه في كل هذه الحالات ويقول له : ( هذا هو مصير حياة البشر ) وشاهد بوذا أحد النساك يمر عليه وهو في منتهى الراحة والأبهة والكرامة فسأل جانا ما حال هذا الرجل .. ؟ فحكي له جانا تفصيلا عن أخلاق الزهاد الذين أعرضوا عن كل شيء وعن أحوالهم, وقال له
    : إن هؤلاء الجماعة في سير وارتحال دائم وهم يعلمون الناس أثناء سياحتهم ورحلاتهم تعاليم هامة بالقول والعمل.
    والخلاصة أنه برغم اختلاف الروايات لا شك في أن ذهن هذا الأمير الشاب قد أخذ يضطرب تدريجيا وينفر من الحياة وضوضائها .
    ووفد عليه رسول يوما في أثناء أزماعه العودة من النزهة وبشره بميلاد ولد هو أول مولود له , فقال بوذا لنفسه في تلك الحالة النفسية المضطربة دون أن يشعر : ( ها هي ذي رابطة جديدة تربطني بالدنيا ) . والخلاصة أنه عاد إلى المدينة بينما كان المطربون يلتفون حوله . فطرب ورقص في تلك الليلة أقاربه وذوو رحمه فرحا بالمولود الجديد . لكن بوذا كان من الامتعاض والاضطراب بحيث لم يكترث بتلك الأوضاع أبدا . وأخيرا نهض من فراشه في آخر الليل كمن التهمت النار داره وأوعز إلى جانا أن يحضر له الفرس ومد رأسه في هذه الأثناء إلى غرفة زوجته وولده الوحيد من غير أن يوقظهما وعلى العتبة أخذ على نفسه عهدا ألا يعود إلى داره ما لم يصبح ( بوذا ) أي ( حكيما مستنيرا ) وقال :
    ( أذهب لأعود إليكم معلما وهاديا لا زوجا ووالدا ) والخلاصة أنه خرج مع جانا وهام في البراري , وفي هذه اللحظة ظهر في السماء ( مارا ) أي الوسواس الكبير ( إبليس أو النفس الأمارة ) ووعده بالملك والعز في الدنيا بأسرها لكي يرجع عن عزمه لكنه لم يقع في شرك الوسوسة . فسار بوذا قليلا في تلك الليلة على شاطئ النهر ثم وهب لجانا جوهره وملابسه الفاخره وأعاده ومكث سبعة أيام بلياليها في غابة ثم التحق بخدمة برهمي يدعى ( الارا ) كان في تلك البقعة وأختار بعد ذلك صحبة برهمي آخر يسمى ( أودراكا ) وتعلم من هذين الرجلين حكمة وعلوم الهند كلها , ولكن قلبه لم يستقر بعد فذهب إلى غابة كانت في أحد الجبال , وهناك صحب خمسة من التلاميذ الذين كانوا يحيطون به ومارس التوبة والرياضات الشاقة ست سنين حتى اشتهر في تلك الناحية , فاعتزم لهذا أن يهجر ذلك المكان ولما قام ليذهب سقط على الأرض لشدة ضعفه وعجزه , وغاب عن وعيه بحيث ظن تلاميذه أنه فارق الحياة , ولكنه عاد إلى رشده فترك الرياضات الشاقة منذ ذلك الحين وأخذ يأكل طعامه بانتظام , ولما رأى التلاميذ الخمسة الذين كانوا في صحبته أنه مل من الرياضة نفضوا أيديهم من إحترامه وتركوه وذهبوا بنارس .
    أما بوذا فإنه ترك ملذات الدنيا وثروتها والمقام فيها حتى ينال الضمير والطمأنينة عن طريق التعلم والفلسفة وحكمة الآخرين فلم يستطع أن ينال بتلك الرياضة والتوبة طمأنينة القلب التي كان يصبوا إليها والحاصل أنه بقي حيران في أمره ذاهلا وفي نفس ذلك اليوم الذي تفرق فيه عن تلامذته مكث بوذا تحت شجرة يتأمل ويفكر في نفسه , ماذا يعمل ... ؟ وأي طريق يتبع .. ؟ وهاجمته وساوس كثيرة وتاقت نفسه إلى الزوجة والولد والجاه والثروة والترف والنعيم , واستمر هذا الكفاح والجهاد مع النفس حتى غروب الشمس . ونتيجة لهذا الكفاح اتصل ( بنير فانا ) وتأكد لديه أنه أصبح ( بوذا) أي أنه نال الإشراق واستنار , وحينئذ نال بوذا ما كان يصبو إليه من الراحة والطمأنينة . لذلك عزم أن يمارس الإرشاد . وأن يعرض رغبته على الآخرين , وكان بوذا وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره فقصد في بادئ الأمر أستاذيه ( الارا ) و ( أودراكا ) ولكنه علم بعد , بأنهما قد توفيا , فذهب إلى تلامذته الخمسة من بنارس وأرشدهم وجعلهم من أتباعه , وآمن به أبوه وأمه وزوجته كذلك , ثم أمر زمرة من خواص مريديه أن يقوموا بإرشاد الناس ) [ انظر للت دستر الباب الحادي والعشرون فقرات 125 , 126 , 127 , 131 , أيضا دائرة المعارف البريطانية نقلا عن تاريخ التصوف في الإسلام للدكتور قاسم غني ترجمة عربية ص 223 وما بعد , أيضا جستجودر تصوف إيران ( فارسي ) للدكتور عبد الحسين زرين كوب ص 6 , 7 ط مؤسسة انتشادات امير كبير طهران 1363 .].
    فهذه هي خلاصة قصة بوذا , وهي عين ما ذكره الصوفية عن إبراهيم بن أدهم ابن الأمير البلخي الذي طلق الدنيا وتزيّا بزيّ الدراويش , وبلغ درجة أكابر الصوفية برياضته الطويلة , وتلك صورة طبق لأصل لما كانوا قد سمعوه عن حياة بوذا [ نفس المصدر السابق أيضا .].
    ثم علّق عليه الدكتور قاسم غني الباحث الإيراني بقوله :
    ( وحدس ( جولدزيهر ) يمكن أن يكون صحيحا وهو من الأحتمالات القريبة من الواقع , وقد شوهدت لها نظائر كثيرة – إلى أن قال - : وإذا ما قارن أحد بين قصة بوذا كما وردت في مدونات البوذيين بقصة إبراهيم بن أدهم ذات الطابع الأسطوري , الواردة في كتب تراجم العارفين مثل ( حلية الأولياء ) للأصفهاني , و ( تذكرة الأولياء ) للشيخ العطار وجد شبها عجيبا بين تلك القصتين يستلف نظرة )[ انظر تاريخ التصوف في الإسلام للدكتور قاسم غني عربية ص 223 ].
    هذا وهناك أقوال لإبراهيم بن أدهم وغيره من كبار الصوفية وأقطابهم في الزواج والأولاد تخبر بجلاء عن مواردها ومنابعها , فها هي تلك الأقوال من أهم كتب الصوفية :
    ينقل الطوسي والعطار عن إبراهيم بن أدهم أنه قال :
    ( إذا تزوج الفقير فمثله مثل رجل قد ركب السفينة , فإذا ولد له ولد قد غرق ) [ كتاب اللمع للطوسي ص 265 باب آداب المتأهلين ومن ولد بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور , وتذكرة الأولياء للعطار ص 57 ط باكستان ].
    ونقل السهروردي عنه أنه قال : ( من تعود أفخاذ النساء لا يفلح ) [عوارف المعارف للسهروردي ص 166 , أيضا غيث المواهب العلمية للنفزي الرندي ج1 ص 208 .].
    ونقل أبو طالب المكي ـ وهو من أعلام الصوفية البارزين وأئمتهم المتوفى سنة 386 ﻫ ـ عن قطب من أقطاب الصوفية الأوائل عن أبي سليمان الداراني المتوفى سنة 215 ﻫ :
    ( من تزوج فقد ركن إلى الدنيا ) [ قوت القلوب لأبي طالب المكي ج1 ص 252 ط دار صادر بيروت , غيث المواهب العلية ج1 ص 208 ]..
    ونقل السهروردي في ( عوارفه ) الذي هو أشهر كتاب في التصوف عن أبي سليمان الداراني أيضا أنه قال : ( ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته )[ عوارف المعارف للسهروردي الباب الحادي والعشرون ص 165 ط دار الكتاب العربي بيروت 1983 م .].

    ونقل المكي عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي أنه قال : ( أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بالتزوج ) [ انظر قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي ج1 ص 267 .].

    كما نقل عن بشر بن الحارث أنه قيل له : ( إن الناس يتكلمون فيك , فقال : وما عسى يقولون ؟ قيل : يقولون : إنك تارك السنة يعنون النكاح .
    فقال : قل لهم : إني مشغول بالفرض عن السنة , وقال مرة : ما يمنعني من ذلك إلا آية في كتاب الله تعالى قوله : { ولهن مثل الذي عليهن } , و لعسى أن لا أقوم بذلك , وكان يقول : لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلاداً على الجسر هذا . يقوله في سنة عشرين ومائتين والحلال والنساء أحمد عاقبة , فكيف بوقتنا هذا ؟
    فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج ) [قوت القلوب ج2 ص 238 , أيضا عوارف المعارف ص 165 , أيضا الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 73 ط دار العلم للجميع - القاهرة 1954 م .]
    ويقول السهروردي :
    ( التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص , وجوع من الترمح إلى النقص , وتقيدا بالأولاد والأزواج , ودوران حول مظان الاعوجاج , والتفاف إلى الدينا بعد الزهادة , وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة والعادة ) [ انظر عوارف المعارف ص 164 , 165 .].

    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  6. #16
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي



    الفصل السابع


    المصطلحات والغموض


    إن أي انحراف عن السنة ولو كان قليلاً فإنه يزداد مع الأيام , وتأتي الروافد من هنا وهناك باجتهادات خاطئة أو تصورات باطلة فيتسع الخرق ويقوى الباطل , وقد وقع المتصوفة منذ نهاية القرن الثالث الهجري بمشكله المصطلحات الغامضة المبهمة التي يستطيع كل متصوف تفسيرها حسب ما يشاء فالمبتدئ يفسرها تفسيراً بريئاً والمتعمق منهم يفسرها حسب غلوه وضاله , وهذه المشكلة ( المصطلحات ) وعدم وضوحها هي من أسباب ضلال الأمم قبلنا , فالكلمات التي تحتمل الصواب والخطأ هي من بعض أسباب وقوع النصارى في القول بإلوهية المسيح عليه السلام, فعندما يقول سبحانه عن عيسى ( وروح منه ) فهذا لا يعني أنه جزء منه بل هذه إضافة تشريف , كما يقول تعالى ( ناقة الله ) أو كما يوصف أحد الصحابة بأنه ( أسد الله ) أو ( سيف الله ) أو قوله تعالى ( سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ) ولذلك حذر القرآن الكريم في إتباع المتشابه وأنه يجب رد المتشابه إلى المحكم , والمحكم : ( قل هو الله أحد , الله الصمد , لم يلد ولم يولد ..) قال الإمام أحمد: بكلمة ( كن) كان عيسى عليه السلام وليس هو الكلمة نفسها , وقال تعالى في حق بني إسرائيل ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) .

    تكلم المتصوفة في مصطلحاتهم عن الفناء والبقاء والصحو والمحو , والتجريد والتفريد و وهي ألفاظ تحتمل الحق والباطل , بل هي أقرب إلى الباطل , وقد اعترف مؤلفوهم باستحداث مصطلحات خاصة بهم .

    قال أبو بكر الكلاباذي " إن للقوم عبارات تفردوا بها , واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم " ومن أوائل من تكلم بهذه المصطلحات أبو حمزة الصوفي البغدادي ( ت 296ﻫ) والبسطاني وأبو سعيد الخراز ( ت277 ﻫ) .

    وهذه أمثلة لبعض مصطلحاتهم وتعريفهم لها ثم نتكلم عن الآثار المترتبة عليها :

    الفناء:
    هذه كلمة مبهمة مجملة قد تعني وجهاً باطلاً بل كفراً وهو ما يسمونه ( الفناء عن وجود السوّي ) أي ليس موجوداً إلا الله سبحانه وكل ما عداه ليس له وجود حقيقي , وهذه هي وحدة الوجود.
    وقد تعني هذه الكلمة ( الفناء ) أن يغيب عن الناس والخلق ولا يشهد سوى الله ويقع في ( الغيبوبة ) ويغيب حتى عن العبادة , وقد يتوهم أنه صار هو والإله شيئاً واحداً " ويظن أنه تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته " [ البقاعي : تنبيه الغبي / 81 . وقد يسمونه: الجمع أو السُكر وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطاً في ذلك وأن الرب رب والعبد عبد] .
    وقد تعني هذه الكلمة ما يسمونه ( الفناء عن إرادة السوى ) أي لا يحب إلا الله ولا يوالي إلا فيه ولا بيغض إلا فيه , فهذا صحيح وإن كان لا يسلم لهم بالتعبير بـ ( الفناء ) لأن فيه كما قلنا غموض واشتباه , وأما الفناء الذي يسمونه فناء النفس عن التشاغل بما سوى الله فلا يسلم لهم أيضاً " بل أمرنا الله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها "[ الذهبي : سير أعلام النبلاء 15/393.].

    الجمع والفرق:
    قالوا عن الجمع أنه إشارة إلى حق بلا خلق, والفرق إشارة إلى خلق بلا حق. ويقصدون أن الفرق هو ما يكون كسباً للعبد من إقامة العبودية لله , والجمع هو مشاهدة الربوبية , والجمع قريب من الفناء بالمعنى الأول الذي هو وحدة الوجود .

    السكر والصحو:
    قالوا عن السكر : حال تبدو للعبد لا يمكنه معها ملاحظة السبب ولا مراعاة الأدب[ الكلاباذي : العرف / 114 .], والصحو هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته وزوال إحساسه[ الجرجاني : التعريفات /132 .],

    العشق :
    واستحدثوا هذه الكلمة وهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا العبد في محبته ربه.
    هذه نماذج من مصطلحاتهم وهي كثيرة جداً و كلها رموز وألغاز فتكلموا عن الحال والمقام والعطش والدهش , وجمع الجمع ... الخ , وإذا أخذنا واحدة من هذه المصطلحات لنرى هل هي صحيحة من ناحية شرعية ؟ هل الفناء عن المخلوقات وعدم التشاغل بها من الإسلام ؟ والجواب بالنفي لأن الله يقول : " قل انظروا ماذا في السماوات والأرض " وقال عليه السلام " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب " وكان يحب عائشة وأباها ويحب أولاد ابنته الحسن والحسين , ويجب العسل , ويحب وطنه , ويحب الأنصار ... "[ الذهبي : سير إعلام النبلاء 15/394 .].
    وأما محاولتهم للفناء في الله فهذا مستحيل , لأن الله سبحانه هو الخالق وهم مخلوقون , فكيف يتحد المخلوق بالخالق ؟ وقد يحاولون التمويه فيقولون ( بالصحو بعد المحو ) ( أو الفرق في الجمع ) أي أن يرجع الإنسان إلى حال العبودية وقد يتكلمون هذا باللسان فقط أي أنه رجع إلى العبودية .

    والحقيقة أن كل هذا أوهام , والإسلام يحث على حفظ العقل , فكيف يسعى مسلم لزوال عقله , والصوفي عندما يتحدث عن أسرار الربوبية يحاول شيئاً لا يطيقه الإنسان , لذلك سيصل إلى كارثة ( وحدة الوجود ) التي هي كفر , ويفقد فيها الاتزان النفسي , وهي نزعة خفية عند الإنسان الذي لا يخضع للوحي وهي نزعة التكبر والتأله , ويحاول أن يأت بها عن طريق ( وحدة الوجود ) وهي نزعة فرعونية عندما قال " أنا ربكم الأعلى " .
    إن فكرة ( الفناء ) موجودة في الديانة البوذية وتسمى عندهم ( نرفانا) وربما أخذها الصوفية عنهم .

    النتائج المترتبة على مثل هذا الخلط :
    إن الدخول في هذه المتاهات يبعد المسلم عن العلم النافع والعبادة والعمل فيتكلم في أشياء ليس لها وجود ولا تعني في عالم الواقع شيئاً , والمسلم مأمور بإعمار الدنيا لتكون جسراً إلى الآخرة وهذه المصطلحات تسيطر على الجاهل وتربك العاقل إذا لم يكن دينه قوياً .

    ليس في الإسلام أسرار , فالقرآن واضح , والسنة واضحة , وهذه الألغاز تجعل الدين وكأنه بحاجة إلى (هيئة) لحل هذه الأسرار , ويتحول الأمر إلى باطنية تفسر كل شيء حسب أهوائها فكل شيء نسبي , وذاتي " ولذلك يمنعون من قراءة كتبهم لكل أحد "[ حقائق التصوف /527 .].

    إن الاسترسال في هذه المصطلحات سيؤدي حتماً إلى عقيدة ( وحدة الوجود ) وهذا انسلاخ من الدين , فالمسلمون يرجعون إلى الكتاب والسنة , والصوفية يرجعون إلى الذوق والكشف والخيالات وكلام مشايخهم, وهذا أمر مشكل لأن لكل إنسان ذوق فالنصراني يتذوق التثليث , والمشرك يتذوق الشرك ... الخ .

    كما تتميز هذه المرحلة عند الصوفية بما يسمونه ( المقامات ) كالتوكل والرضا.. وانحرفوا فيه أيضاً عن الفهم الإسلامي الصحيح , فالتوكل عندهم هو عد الأخذ بالأسباب , قال الهروي : " التوكل في طريق الخاصة عمىً عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب " ويقول أبو سعيد الخراز " كنت في البادية فنالني جوع شديد فطالبتني نفسي إن أسأل الله طعاماً , فقلت : ليس هذا من فعل المتوكلين "[ الكلاباذي التعرف / 150 .].
    فهذا الشيخ خالف السنة في الخروج إلى البادية دون زاد , وفهم التوكل فهماً خاطئاً , والله سبحانه وتعالى خلق الأسباب وطلب من العباد الأخذ بها والمسلم لا يعتمد على الأسباب وحدها ولكن يفعلها ويتوكل على الله ويطلب النتائج من الله .

    وقالوا عن مقام ( الرضا ) أنه الاسترسال مع القدر , فيكون مستسلماً لما يأتي من عند الله , وهذا الكلام تنقصه الدقة , فالمسلم لا يعترض على قدر الله كالمرض والفقر ولكن يدفع قدر الله بقدر الله , فهو يدفع المرض بالدواء ويدفع الفقر بالعمل والكسب . أما إذا كان هناك أمر ديني مثل الصلاة والصوم فلا يقول: أنا لا أصلي لأن الله لم يقدر لي الصلاة فهذا من الحيل الشيطانية, ويشبه كلام المشركين فالأوامر الشرعية يجب أن تنفذ والمصائب تدفع بقدر الله ويصبر عليها. والخلاصة أن هذه الألفاظ المستحدثة عند الصوفية هي كما وصفها ابن القيم " تسمع جعجعة ولا ترى طحناً " [ مدارج السالكين 3/437 .].
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  7. #17
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي


    الفصل الثامن

    الصوفية الوجودية
    تعتبر هذه المرحلة من أخطر مراحل الصوفية , حيث تسربت إليها الفلسفة اليونانية فابتعدت بها عما سبقها من مراحل التصوف بل جعلتها من الصوفية الخارجة عن الإسلام فكانت شبيهة بالنصرانية عندما دخلها الروم ومزجوها بالتثليث والفلسفة ولذلك فيل إن النصرانية ترومت ولم يتنصر الروم , بل نستطيع أن نجزم من خلال استقراء ما طرأ على الرسالات السماوية التي بدلت وحرفت كاليهودية والنصرانية أن للفلسفة دوراً كبيراً في هذا التبديل ؛ فبسبب نقد الفلاسفة للنصوص التوراتية واتهامها بأنها ساذجة أو أساطير , تحت هذا الضغط راح علماء اليهود يؤولن النصوص تأويلات رمزية كما فعل (فيلون) اليهودي , فأولوا إبراهيم عليه السلام بأنه النور , وزوجته سارة بأنها الفضيلة وهكذا فعلوا بقصة آدم وحواء وقصة بني آدم وقصة يوسف عليه السلام .
    ومن ( فيلون انتقلت طريقة التأويل الرمزي إلى النصرانية خصوصاً عندما هاجمها رجال الأفلاطونية المحدثة وممثلو الثقافة اليونانية , وأقر رجال اللاهوت النصراني على أنه ورد في الأناجيل أشياء غير معقول فأولوها تأويلاً يرضى عنه الفلاسفة [ انظر البحث الذي كتبه د . عبد الرحمن بدوي عن التأويل بالباطل وأثره في التوراة والإنجيل في كتابه مذاهب الإسلاميين الجزء الثاني].
    وفي الإسلام جاء الفلاسفة بعد ترجمة الكتب اليونانية ككتاب " التاسوعات" لأفلاطين الإسكندري , نقله إلى العربية عبد المسيح بن ناعمة الحمصي بعنوان " الأثولوچيا" أي الربوبية [ أحمد أمين : ظهور الإسلام 4/156.].
    كما ترجم كتاب " أثولكوچيا " للأرسطوطاليس وفيه نظرية الفيض والإشراق التي ستلعب دوراً خطيراً في التصوف خصوصاً عند السهروردي [ يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي من مؤيدي فلسفة الإشراق التي من زعمائها أفلوطين , ثبت عليه الانحلال من الدين وادعاء النبوة فأفتى علماء حلب بكفره وقتل سنة 587هـ . انظر الذهبي : سير أعلام النبلاء 21/201 وبدوي : شخصيات قلقة /95. ابن تيمية : درء تعارض العقل والنقل 5/82 .].
    وابن عربي [ هو أبو بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي ولد ( بمرسية ) سنة 560هـ ونشأ بها ثم ارتحل وطاف البلدان فجاء بلاد الشام والروم والمشرق ودخل بغداد , كان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب , اختلف الناس في شأنه فذهب طائفة إلى أنه زنديق وقال آخرون إنه ولي ولكن يحرم النظر في كتبه , والصحيح أنه اتحادي خبيث , ولم يشتهر أمره وكتبه إلا بعد موته لأنه كان منقطعاً عن الناس إنما يجتمع به آحاد الاتحادية ولهذا تمادى في أمره ثم فضح وهتك , توفي سنة 637هـ . انظر : شذرات الذهب لابن عماد 5/190 والبقاعي / 178 , وبدوي : تاريخ التصوف / 41 . ابن تيمية : درء تعارض العقل والنقل 5/82 .]

    وتحت ضغط الفلسفة قام المعتزلة بحذف أو تأويل كل نص يناقض العقل – بزعمهم – كما غرقوا في الجدل العميق الذي يدور حول ألفاظ ( الجوهر – والجزء الذي لا يتجزأ – والجسم – والمتحيز و .... الخ ) , ومثلوا دور الترف الفكري أحسن تمثيل , فانحرفوا بذلك عن الإسلام العملي الإيجابي .

    وأما الصوفية فقد دخلت عليهم الفلسفة من باب ( التشبه بالإله على قدر الطاقة ) فحاولوا إثبات تشبه العبد بالرب في الذات والصفات والأفعال , كما فعل الغزالي ومن تبعه في كتابه : ( المضنون به على غير أهله )[ ابن تيمية : درء تعارض العقل والنقل 5/82 .].
    ثم جاء ابن عربي وتلامذته فقالوا بالوحدة المطلقة , لأن الفلاسفة يقولون: الوجود الحقيقي هو للعلة الأولي ( الله ) لاستغنائه بذاته , فكل ما هو مفتقر إليه فوجوده كالخيال . ومن هنا نشأت نظرية " وحدة الوجود " عند ابن عربي وقد انطلقت ابتداء مما يردده الصوفية بشكل عام من أن الموجود الحق هو الله سبحانه , ويعنون بذلك أن الموجودات والكائنات إنما هي صور زائفة ومجرد أوهام وليست ذاتاً منفصلة قائمة بنفسها , فمثلها لا يستحق أن يطلق عليه الوجود الحقيقي[ بعض المفكرين في هذا العصر ـ وهم من أهل السنة ـ من أطلق عبارة : أن الموجود والحق هو الله سبحانه وإنما قصد بذلك معنى لا يصادم الشرع وهو أن الله سبحانه وهو الباقي السرمدي بخلاف الموجودات الغائبة التي لا تستطيع القيام بنفسها بل هي مستندة إلى وجود الله سبحانه و وهو معنى وإن لم يصادم الشرع إلا أنه مدخل لكثير من التصورات التي قد تؤدي للوقوع في البدعة , والالتزام بالألفاظ الشرعية أولى وأهل السنة يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى حق قيوم على مخلوقاته , وأنه خلق الكائنات وجعل لها ذواتاً منفصلة لا علاقة لها بذاته , وهي موجودة حقيقة وليست صوراً أو أوهاما وأنها تفني في هذه الحياة الدنيا , وأن وجودها مستقل عن الخالق المعبود .].
    ولكنها حرفت عند ابن عربي عن مفهومها لدى الصوفية بحيث انتهى إلى القول بوحدة الوجود فقال أن الوجود الحقيقي هو الله سبحانه , ولكننا نرى هذه الكثرة والتعدد قائمة أمام أعيننا فلا يمكن إنكارها ومن ثم فهذه الموجودات كلها ليست سوى الله ذاته ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ـ وكلها مظهر من مظاهره وتجل من تجلياته , وليست آية من آياته كما مفهوم أهل السنة فحقيقة الرب إذن أنه وجود مطلق لا اسم له ولا صفة ولا يرى في الآخرة , وليس له كلام ولا علم ولا غير ذلك ولكن يُرى في الكائنات [ انظر البقاعي في كتابه : تنبيه الغبي 19/40 وابن تيمية في الإيمان الأوسط /132 والشوكاني في قطر الولي /190 .].
    فكل كائن هو الله والله هو كل كائن, فاتحد بذلك الوجود مع الخالق المعبود, وتم له ما أراد من هدم صرح التوحيد وكان هذا القول أشد شركاً من قول النصارى, إذ أن الكل في هذا التصور المريض إله يعبد.

    ويحاول ابن خلدون شرح فكرة ابن عربي , إذ أن هذه التصورات الباطلة عادة ما تكون غامضة ومتناقضة حتى على أصحابها , يقول ابن خلدون : يعنون بهذه الوحدة أن الوجود له قوى ذاتية فالقوة الحيوانية فيها قوة المعدن وزيادة , والقوة الإنسانية فيها قوة الحيوان وزيادة , والفلك يتضمن الإنسانية وزيادة , وكذلك الذوات الروحانية (الملائكة ) ثم القوة الجامعة التي انبثت في جميع الموجودات , فالكل واحد هو نفس الذات الإلهية " [ المقدمة /471 .].

    وحين يرد السؤال: كيف يقال بوحدة الوجود ؟ وهناك خالق ومخلوق ومؤمنون وكفار والكفار يعذبون في النار فمن الذي يعذبهم ؟ ... حتى لا يرد هذا السؤال راح ابن عربي يحرف كل آيات القرآن الكريم ويطبق باطنيته وكفره في كتاب ( فصوص الحكم ) فموسى عليه السلام لم يعاقب هارون عليه السلام إلا لأن هارون أنكر على بني إسرائيل عبادة العجل , وهم ما عبدوا إلا الله لأن الله قضى ألا نعبد إلا إياه , ولذلك كان موسى أعلم من هارون[ البقاعي / 120 نقلاً عن فصوص الحكم – فص 192 .].

    والريح التي دمرت عاد هي من الراحة لأنها أراحتهم من أجسامهم المظلمة وفي هذه الريح عذاب وهو من العذوبة[ المصدر السابق / 95 – فص رقم 109.].

    ويحكم ابن عربي بإيمان فرعون بقوله تعالى : " قرة عين لي ولك " فكان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق[ المصدر السابق 128 وفي هذا المقام لا بد من القول بأن اعتذار البعض عن ابن عربي بأنه يقصد كذا أو كذا ويؤولون كلامه , هذا غير مقبول . قال العراقي " لا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره ولا يؤول كلامه ولا كرامة " . ].
    وهكذا راح يعيث فساداً في بقية قصص الأنبياء ومن شاء فليرجع إلى كتبه ففي كل سطر سيجد رائحة ( وحدة الوجود) . وكلامه هذا في الحقيقة هو إبطال للدين من أصله لأن وعيد الله للكفار لا يقع منه شيء فهو وتلامذته يتسترون بإظهار شعائر الإسلام وإقامة الصلاة والتزي بزي النسك والتقشف وتزويق الزندقة باسم التصوف [ انظر تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للشيخ برهان الدين البقاعي .].

    فالفلاسفة لم يقولوا بوحدة الوجود على طريقة ابن عربي ولكنهم هم الذين مهدوا الطريق لهذه النظرية الباطنية بقولهم على الله مالا يعلمون ووصفهم إياه بصفات من نسج خيالهم , وهذا كله بسبب بعدهم عن الشرائع السماوية والأخذ من نور الأنبياء , ولذلك تخيلوا الإله ذاتاً بسيطة منزهة عن أي شائبة من شوائب التركيب , والصفات مثل العليم القدير السميع البصير هي عندهم تركيب , فقالوا أن من أحق صفاته ( الوجود ) وإذا قيل لهم وجود أي شيء ؟ فالجواب ليس بوجود شيء , فهو هكذا وجود بلا أية صفة فليس هذا الوجود هو الله سبحانه الذي نعرفه نحن المسلمين والذي أرسل الأنبياء ونزل الكتب وإنما هو عندهم وجود مطلق بلا أية صفة وطبعاً هذا لا يكون إلا تصورات باطلة في أذهانهم وهو غير الواقع . وبما أن هذه الصفة ( الوجود ) هي أخص وصف لله , تركب في عقولهم أن كل وجود هو واجب مثل وجود لله , وبما أن العالم موجود فهو الله , تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً[ انظر تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للشيخ برهان الدين البقاعي .].

    هذا الكلام من الفلاسفة كان الإرهاص الذي أدى بابن عربي إلى القول بوحدة الوجود , وإن كان مذهبه أكثر شراً من مذهب الفلاسفة , خاصة وأنه آيات القرآن لتنسجم مع نظريته الباطلة وخاصة أن كثيراً من المسلمين المغفلين من يعظمه ويسميه " الشيخ الأكبر " .

    طبعاً هناك روافد أخرى أوصلت هؤلاء الناس إلى هذا القول الشنيع الذي يعتبر من أشد المخالفات للإسلام وعقيدة التوحيد , و من هذه الروافد الفناء الذي تحدثنا عنه في المبحث السابق , كما أن نفي صفات الله التي قالت بها الجهمية وانتشر شيء من أثرها في صفوف المسلمين , يمكن أن يساعد على نظرية الوحدة , إن نفي صفة العلو مثلاً يؤدي إلى القول بأنه سبحانه في كل مكان , ثم وزعوه في الموجودات كلها , مع ذلك فسيبقى للفلسفة الدور الأكبر في محاولة تخريب العقيدة الإسلامية الصافية السهلة , بل بتخريب المجتمعات الإنسانية , لأنها تقوم على نظريات في الذهن وليست في الواقع , وهذا مما حدا بعالم كبير كابن تيمية أن يقول محذراً منها بعد أن نفذ إلى أعماقها : " ولا شك أن كل من كان أقرب إلى الشرائع السماوية كان اقرب إلى العقل ومعرفة الحقيقة . وهل رأيت فيلسوفاً أقام مصلحة قرية من القرى " [ درء تعارض العقل والنقل 5/65 وابن تيمية هنا يقصد الفيلسوف الذي يعيش بنظريات بعيدة جداً عن الواقع ويعيش بعيداً عن واقع الناس , ومشكلة الفلاسفة أنهم يعالجون أموراً ليست من اختصاصهم , وقد جاء الأنبياء والرسل بحلها بأقرب السبل وأيسرها .].
    وهو هنا يلتقي مع مفكر غربي هو الدكتور ألكسس كاريل الذي يرى أن الفلسفة أساءت كثيراً للمجتمعات الغربية حين كانت تنظر في الكتب فقط دون معرفة الواقع العملي , ويقول: " ليس هناك مذهب فلسفي قد استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس , وكل استنباطات الفلاسفة ما هي إلا فروض " [ تأملات في سلوك الإنسان 1/47 .].
    و يتابع نقده للفلسفة : " كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والاجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي فارتضينا أن نأسن وسط المعاني المجردة .
    ولا شك أن فلاسفة عصر النور هم الذين مكنوا لعبادة الحرية بصورة عمياء في أوروبا وأمريكا "[ المصدر السابق 1/7 .] .

    إذا المشكلة واحدة في القديم والحديث , فعندما يبتعد الناس عن الشرائع السماوية التي جاءت لخير الإنسان في الدنيا والآخرة , تأتيهم الأزمات تلو الأزمات , أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية , نتيجة هذا الفصام النكد بين ما فطر الإنسان عليه من التوجه إلى بارئه وبين شياطين الإنس وما يوحون به ويبدو أن النفس الإنسانية يصعب عليها الاستمرار في طريق الاعتدال فهي إما أن تميل إلى التشدد والغلو أو إلى التساهل والترخص والخروج عن التكاليف وقد يسول الشيطان لمن أحس من نفسه زيادة فهم أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر السنة كان مثل العامة ولذلك لا بد من التنطع والتبدع والإتيان بالغرائب وهذه شهوات خفية لا يدركها ولا يبتعد عنها إلا العلماء الربانيون .

    ولعله من المناسب قبل أن ننهي هذا المبحث أن نذكر رأي بعض العلماء في ابن عربي وتلامذته باعتباره زعيم هذه المدرسة الوجودية .

    قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في ابن عربي هو شيخ سوء مقبوح كذاب , يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً " [ الفتاوى لا بن تيمية 2/240 .].
    ويروي ابن تيمية عن الشيخ إبراهيم الجعيري أنه كان يقول : " رأيت ابن عربي هو شيخ نجس يكذب بكل كتاب أنزله الله, وبكل نبي أرسله الله " [ نفس المصدر 2/240 .].
    وقال ابن تيمية[الفتاوى 2/242 .]. : ورأيت بخطه في كتابه ( الفتوحات المكية ) هذين البيتين :
    الرب حق , والعبد حق



    ياليت شعري من المكلف


    إن قلــت عـبد, فــذاك رب

    أو قـلـت رب أنـي يكلـــف

    ولما كان الله في نظر (ابن عربي) هو المخلوقات والمخلوقات هي الله فحينئذ تكون العبادة عنده متبادلة.. ويعبر عن ذلك بقوله:
    " فيحمدني وأحمده ....



    ويعبدني وأعبده " ...



    ثم يذهب شيخ الصوفية الأكبر بعد هذا إلى القول بوحدة الأديان، لا فرق لديه بين سماويها، وغير سماويها فيقول في ذلك:
    وقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي



    إذا لم يكن ديني إلى دينه داني


    فأصبح قلبي قابلاً كل حالة



    فمرعى لغزلان ودير لرهبان


    وبيت لأوثان وكعبة طائف



    وألواح توراة ومصحف قرآن



    وفي كتاب "الفتوحات المكية).. هاهو يعبر عن اعتقاده بوحدة الوجود بقوله: "سبحان من خلق الأشياء وهو عينها".
    ثم ماذا يقول الحلاج وهو يشرح لنا عقيدة الحلول: "من هذب نفسه في الطاعة لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصفاة حتى يصفو عن البشرية فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى ابن مريم وكان جميع فعله فعل الله تعالى"، وفي كتاب (النفحات القدسية) يقول محمد بهاء الدين البيطار أحد مشايخ الصوفية:
    وما الكلب والخنـزير إلا إلهنا



    وما الله إلا راهب في كنيسة



    ويقول البقاعي قاطعاً الطريق على من يؤول لابن عربي :
    " قال الأصوليون : لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية , كفر ظاهراً وباطناً "[ تنبيه الغبي /23 .].
    ومن تلامذة ابن عربي : ابن الفارض الذي يؤكد وحدة الوجود دون خجل أو مواربة , وفي قصيدته المشهور ( بالتائية )
    يعيد هذه الفكرة ويكررها حتى لا يبقى شك عند القارئ أو السامع مثل قوله :

    لها صلاتي بالمقام أقيمهـا



    وأشهـد أنها لي صلـت


    كلانا مصل عابد ســاجد إلــى

    حقيـقة الجمـع في كـل ســجدة
    وما كـان صلي سواي فـلم تكـن

    صلاتي لغيري في أداء كل ركعـة
    ومـازلت إيـاها وإيـاي لـم تزل

    ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحــبت

    فهل بعد هذا من تصريح , صلاته لنفسه لأنها هي الله والعياذ بالله , وحتى لا يظن أحد أن هذا ( سكر) الصوفية , يؤكد أنه في حالة صحو:

    ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها



    وذاتي بذاتي إذا تحلت تجلت




    ولا يزال الصوفية إلى الآن يعجبون بهذه التائية ويسمون صاحبها ( سلطان العاشقين ) رغم ما فيها من كفر , ورغم ما يقولون عنه أنه كان يحب الجمال , وأنه كان يذهب إلى قرية ( البهنسا) فيرقص على الدف مع النساء وهكذا يدجلون على الناس ويقولون بأن هذا الرقص من الدين والحقيقة أنها مواخير يخجل منها أي مسلم استروح رائحة الإسلام , لقد ابتلي المسلمون بمن فسد من هؤلاء الصوفية فبثوا فيهم أوهاماً قد تملك الجاهل وتربك العاقل إذا لم يغلبها بالتمسك بمنهج أهل السنة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم .
    إن "الجيلي" وهو من كبار مشايخ الصوفية – يعلن في صراحة أو وقاحة – أنه إله الكون الأعظم فيقول في كتاب "الإنسان الكامل 1/22":

    لي الملك في الدارين لم أر فيهما



    سواي فأرجو فضله أو فأخشاه


    وقد حزت أنواع الكمال، وأنني



    جمال جلال الكل، ما أنا إلا هو



    إلى أن يقول:
    وإني رب للأنام وسيد



    جميع الورى اسم، وذاتي مسماه




    أما "الحلاج" – وهو إمام من أئمة الصوفية – فإنه يقول في كتاب (الطواسين/34) :
    أنا من أهوى ومن أهوى أنا



    نحن روحان حللنا بدنا


    فإذا أبصرتني أبصرته



    وإذا أبصرته أبصرتنا


    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  8. #18
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي


    الفصل التاسع

    الأولياء والكرامات


    من أكثر الأشياء التي يدندن حولها الصوفية قديماً وحديثاً موضوع الأولياء والكرامات التي تحصل لهم , وقبل إن نتكلم عن مدى مطابقة ما يذهبون إليه للكتاب والسنة , قبل هذا لا بد من تعريف الولي وكيف تطورت هذه اللفظة لتصبح مصطلحاً خاصاً علماً على فئة معينة ثم نتكلم عن الكرامات وما هو مقبول منها وما هو مردود .

    جاء في كتاب ( قَطْر الولي على حديث الولي ) [ هذا الجزء من المبحث عن الولي مختصر من هذا الكتاب للإمام الشوكاني مع مقدمة وتحقيق الدكتور إبراهيم هلال .].
    الولي في اللغة : القريب والولاية ضد العداوة , وأصل الولاية المحبة والتقريب , والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين , وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء قوله : " الذين آمنوا وكانوا يتقون " [يونس /63.]
    أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من المعاصي.
    قال ابن تيمية : الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها , وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب والنصرة هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي مشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه , سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أعداء الله. ومن ثم فليس لنا أن نخرج هذا المصطلح عن المعنى الذي حدده القرآن بلسان عربي مبين .
    يقول ابن حجر العسقلاني : " المراد بولي الله : العالم بالله تعالى , المواظب على طاعته . "

    هكذا كان استعمالها وظلت النظرة إليها بهذا المعنى إلى أن دخلت أوساط الشيعة ثم في دائرة الصوفية فأطلقوها على أئمتهم ومشايخهم مراعين فيه اعتبارات أخرى , غير هذه الاعتبارات الإسلامية فأصبحت محصورة في طائفة خاصة بعد أن كانت صفة محتملة لي إنسان يقوم بنصرة دين الله من عباده المسلمين , وأول من صرف هذا المعنى إلى معنى خاص هم الشيعة فأطلقوها على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على اعتبار أنه هو وذريته ( بشراً نورانين من طينة مكنونة تحت العرش ) ثم أضاف لها الشيعة والصوفية ( العلم اللدني لأن الشيعة يعتقدون أن علي ابن أبي طالب أخذ علماً خاصاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والقشيري من الصوفية يرى : " بأن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء العصمة من المعاصي والمخالفات " وهذه قلدوا فيها الشيعة الذين يعتقدون العصمة لأئمتهم , وربما تلطف الصوفية فسموها ( الحفظ ) كما يقول الكلاباذي " ولطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه.... " وأكبر مقامات الولي عند الصوفية هو ( الفناء ) وهو باب الولاية ومقامها أما عند ابن عربي فهي مراتب ومنها مرتبة الولاية الخاصة وهو الورثة لأنهم أخذوا علمهم عن الله مباشرة !!؟ , وهم عن ابن عربي أفضل من الأنبياء نظراً لما هم عليه من ذوق أدركوا به علم الوجود ووقفوا على سر القدر .

    هذا هو التحديد التعسفي لمفهوم الولاية عند الصوفية , أما شخصية الولي في القرآن الكريم فهي شخصية إيجابية يترسم خطى الدين في كل ما أمر أو نهي , والصحابة ومن تبع أثرهم من العلماء العاملين هم أولي الناس بهذا اللفظ ويصدق عليهم حديث : " من عادى لي ولياً .... " وطريق الوصول إلى الولاية عند الصوفية طريق معكوس لأن الغاية من مجاهداتهم هي معرف الله أو الفناء و والمفروض أن معرفة الله سبحانه هي خطوة أولى للإيمان وهذه المعرفة فطرية كما يحدثنا القرآن , والعمل الصالح هو الذي يوصل إلى أن يحب الله عبدَه , وأما فناؤهم فهو يوصلهم إلى كفر الإتحاد والحلول فطريق الولاية عند أهل السنة سهل ميسر ومن أول هذا الطريق تبدأ المحبة بين الله سبحانه وعبده بينما طريق الصوفية طريق شكلي آلي , لا بد أن يمر المريد بكذا وكذا ثم يصل إلى شطحات يظن فيها أنه شاهد الحق . وأفضل الأولياء عند أهل السنة الأنبياء والرسل بينما عند الصوفية النبي يقصر عن الفلاسفة المتألهين في البحث والحكمة كما يقول السهروردي المقتول على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله .

    فالولي عند أهل السنة هو ذاك المسلم الإيجابي الذي يقوم بالطاعات , والولي عند الصوفية هو المستغرق في الفناء[ انتهى ما نقلناه مختصراً وبتصرف عن كتاب ( قطر الولي ) .].

    بعد هذا البيان والإيضاح لكلمة الولي وكيف تطورت , والمعنى السني لها , لا بد من توضيح المقصود بـ ( الكرامات ) وما هو رأي أهل السنة فيها وهل التزم الصوفي بهذا الرأي ؟ وهل هناك ارتباط بين الولاية والكرامة فنقول :
    خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وسيره على سنن محكمة مطردة لا تتعارض ولا تتخلف , وربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها وأودع في الأشياء خواصها , فالنار للإحراق , والماء للإرواء والطعام للجائع , ثم هذا النظام الكوني البديع المتناسق الشمس والقمر والنجوم , وتعاقب الليل والنهار .. كل بنظام محكم , فإذا لم ترتبط الأسباب بنتائجها وخرقت هذه العادة المألوفة بإذن الله لمصلحة دينية أو دعاء رجل صالح , فهذا الخرق إذا كان لنبي فهو معجزة ,وإذا كان لأناس صالحين فهو كرامة وهذه الكرامة إن حصلت لولي حقاً فهي الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصل ببركة إتباعه.
    وهذه الخوارق إما أن تكون من جهة العلم بأن يسمع النبي ما لا يسمع غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً أو يعلم مالا يعلم غيره حياً وإلهاماً و أو فراسة صادقة لعبد صالح , وإما أن تكون من باب القدرة والتأثير مثل دعوة مستجابة أو تكثير الطعام وعدم إحراق النار , وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم كرامات من هذا النوع وكانت إما لحاجة أو حجة في الدين , كما أكرم الله سبحانه أم أيمن عندما هاجرت وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش وكانت صائمة , فلما كان وقت الفطر سمعت حساً على رأسها فإذا دلو معلق فشربت منه , وكان البراء بن مالك إذا أقسم على الله أبّر قسمه , وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة , مشى أمير الجيوش الإسلامية في البحرين العلاء بن الحضرمي وجنوده فوق الماء لما أعترضهم البحر ولم يكن معهم سفن تحملهم وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار فلم تحرقه[ ابن تيمية : الفتاوى 11/279 وفي هذا الجزء بحث قيم حول المعجزات والكرامات .].

    هذه حوادث صحيحة وقعت للصحابة رضوان الله عليهم, وأكثر منها وقع في عصر ما بعد التابعين. فأهل السنة لا ينكرون الكرامات كما ينكرها المبتدعة , وهم يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب ومسبباتها قادر على خرق هذه السنن لعبد من عباده , ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلاً على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا هذه كرامة لشيخ الطريقة ولذلك لا بد من ملاحظات وتحفظات حول هذا الموضوع .

    أولاً: هذه الخوارق كانت تقع للصحابة دون تكلف منهم أو تطلب لها أو رياضات روحية يستجلبون بها هذه الخوارق , بل تقع إكراماً من الله لهم أو دعاء يرون فيه مصلحة دينية إما لحجة أو لحاجة للمسلمين كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم , أما المتأخرون فيطلبونها ويتكلفون لها الرياضات الروحية وربما أفسد جسمه ونفسيته بسبب هذا مع أن " طلب الكرامات ليس عليه دليل , بل الدليل خلاف ذلك فإنما غيب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به "[ الشاطبي : الموافقات 2/283 .].
    وهذا من التأثير بالفلاسفة حيث يقررون رياضات معينة للوصول إلى هذه الخوارق .

    ثانياً : إن كرامات أولياء الله لا بد أن يكن سببها الإيمان والتقوى والولي لله هو المحافظ على الفرائض والسنن والنوافل , عالماً بأمر الله عاملاً بما يعلم فمن صفت عقيدته وصح عمله كان ولياً لله يستحق إكرام الله له إن شاء , فهذا إذا خرقت له العادة لا تضر ولا يغتر بذلك ولا تصيبه رعونه , وقد لا تحصل لمن هو أفضل منه فليست هي بحد ذاتها دليلاً على الأفضلية , فالصديق رضي الله عنه لم يحتج إليها , وحصلت لغيره من الصحابة , كما أنه ليس كل من خرقت له العادة يكون ولياً لله كما أنه ليس كل من حصل له نِعَمٌ دنيوية تعد كرامة له , بل قد تخرق العادة لمن يكون تاركاً للفرائض مباشراً للفواحش فهذه لا تعدوا أن تكون إما مساعدة من شياطين الجن ليضلوا الناس عن سبيل الله , أو استدراج من الله ومكر به أو رياضة مثل الرياضات التي يمارسها الهنود والبوذيون الكفرة ثم يضربون أنفسهم بآلات حادة ولا تؤثر فيهم أو يتركون الطعام أياماً عديدة إلى غير ذلك ويظن الفسقة أن هذه كرامة لهم .

    ثالثاً : هناك سؤال مهم في هذا الصدد وهو لماذا كانت هذه الحوادث من خرق العادات قليلة في زمن الصحابة والتابعين ثم كثرت بعدئذ ؟

    يجيب ابن تيمية : " أنها بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه فيها ما يقوي إيمانه ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك لعلو درجته[ هذا فيما ثبت صحة نقله من الكرامات إلا أننا لا نغفل أنه بعد هذا العصر بدأ أهل الأهواء والبدع في نشر مذاهبهم ولا نرى مانعاً من أن يكون هؤلاء قد استظهروا على صحة مذاهبهم باختلاف كرامات لا أساس لها من الصحة تناقلتها الألسن فكثرت فيها الكرامات فيما تلى ذلك من العصور .] , كما أن عدم وجودها لا يضر المسلم ولا ينقص ذلك في مرتبته والصحابة مع علو مرتبتهم جاءتهم هذه الخوارق إكراماً لهم أو لحاجة في الدين , وكثرتها في المتأخرين دليل على ما قاله ابن تيمية أو لتطلبهم إياها بالرياضة الروحية [ الفتاوى : 11/323.].

    رابعاً : إن معجزة هذا الدين الكبرى هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم , وعندما طلب منه صلى الله عليه وسلم معجزات مادية رفض ذلك لأن هذا ليس هو منهج هذا الدين وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطلب , قال تعالى : " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً , أو تكون لك جنة من نخيل فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً , أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه , قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً "[ الإسراء : 90/93 .].

    كما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى الغنى والقدرة وعلم الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى : [قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ] [ الأنعام / 50.] ولذلك كانت حياته وسيرته تجري كبقية عادات البشر ومألوفاتهم مع ما أعطي من شرف المنزلة [الشاطبي : الموافقات 2/248.].
    وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يطر في الهواء ولم تطو له الأرض وإنما سار كما يسير أي راكب ويقطع المسافة في تسعة أيام, لماذا ؟ لأن هذا هو الأصل , الأصل أن يسير الناس على السنن الكونية التي أودعها الله في الخلق , ولكن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائراً على قانون محكم ويسعدها أن يكون هذا القانون بيد المجاذيب والدراويش يتصرفون به [انظر : زكي نجيب محمود في كتابه : ثقافتنا / 72 .].

    وتبقى الحقيقة أن الاستقامة على طريق الهدى , طريق السنة والإتباع , طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان , هذه الاستقامة هي عين الكرامة , فإن حصل بعدئذ خرق العادة إكراماً من الله سبحانه وتعالى لمؤمن صادق فهذه يجب أن يخفيها ولا يذيعها ويشكر الله سبحانه على ما منّ به عليه .
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  9. #19
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي


    الأقطاب و الأوتاد


    بعد أن حرف كلمة ولي عن معناها الذي أراده القرآن الكريم اخترعوا ما يسمونه بالأقطاب والأوتاد والأبدال .
    تسميات ما أنزل الله بها من سلطان , يرتبون بها أوليائهم ترتيباً فيه مضاهاة للنصارى الذين يرتبون رجال الدين عندهم بدأ بالشماس وانتهاء بالبابا كما أنه فيه تشبه بالشيعة في ترتيب الأئمة وكذلك ترتيب النصيرية والإسماعيلية في أئمتهم كالسابق والتالي والناطق والأساس[ انظر الفتاوى لابن تيمية 11/439.].

    وقد رتبوا أوليائهم حسب أهميتهم على الشكل التالي:
    1ـ القطب .
    2ـ الأوتاد الأربعة .
    3ـ الأبدال وعددهم أربعون وهم بالشام ... ؟ !
    4ـ النجباء وهم الذين يحملون عن الخلق أثقالهم .
    5ـ النقباء .
    وما هي حقيقة القطب عندهم؟..
    يجيب مؤسس الطريقة التيجانية :
    " إن حقيقة القطبانية هي الخلافة عن الحق مطلقاً , فلا يصل إلى الخلق شيء من الحق ( الله ) إلا بحكم القطب "[ هذه هي الصوفية / 125 .].

    ثم قسموا القطب إلى نوعين :
    نوع هو من البشر مخلوق موجود على هذه الأرض , يتخلف بدلاً عنه حال موته أقرب الأبدال له ( التشبه بالنصارى )..
    وقطب لا يقوم مقامه أحد وهو الروح المصطفوي وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد [ المصدر السابق /125 وانظر هامش كتاب تنبيه الغبي / 32 .].

    أما الرفاعي فقد تعدى هذه الأطوار فيقول أحد تلامذته : " نزه شيخك عن القطبية " [ طبقات الشعراني 1/144.].
    وعند أبي العباس المرسى مقام القطبية فوقه مقام الصديقية [ لطائف المنن / 109.].
    وعند الشاذلي " يكشف له عن حقيقة الذات "[ نفس المصدر / 12.].

    وأما الأوتاد فهم أربع رجال منازلهم على منازل الأركان الأربعة من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب[ الجرحاني : التعريفات / 39.].
    والأبدال سبعة رجال من سافر من موضع ترك جسداً على صورته حياً بحياته [ المصدر السابق / 23.].

    إن المسلم ليمتلكه العجب عندما يقرا أو يسمع ما يقوله هؤلاء من أمثال الجرجاني وغيره الذين يدعون العلم والمعرفة , إن هذه أمور خطيرة تمس جوهر العقيدة الإسلامية , إن الاعتقاد بأن أحداً غير الله سبحانه يتصرف في هذه الكون هو شرك أكبر مع أن الله سبحانه وصف أكابر أوليائه بالصديقين كأبي بكر والسيدة مريم والدة السيد المسيح عليه السلام فيأتي هؤلاء ليحادوا الله ورسوله ويقولوا : القطبية هي مرتبه فوق الصديقية..

    وأما مصادمة كلامهم للعقل من البديهيات الأولية و لأن الخرافة لا يمكن أن يصدق بها عقل .
    أوتاد وأقطاب يتحكمون في العالم وهؤلاء سبعة وأولئك أربعة من أين جاءوا بهذا التحديد وهذا العدد ؟ ومن أين جاءوا بهذا القطب الذي جعلوه نائباً لله ؟ كأن الله سبحانه ملك من الملوك يحتاج إلى نواب سبحانك هذا بهتان عظيم وإفك مبين..

    [ جاء في ( الفتاوى البزازية ) :" من قال أن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر " انظر كتاب ( غاية الأماني ) لشكري الآلوسي 3/66 وما نقله عن الشيخ صنع الله الحنفي في موضوع الأولياء والأقطاب والأوتاد 2/66 من نفس الكتاب أيضاً .].

    وهذا الكلام وكلامهم عن الحقيقة المحمدية ووحدة الأديان لا نستطيع أن نصنفه بأنه هلوسة وتخبطات مصروع لا غير , لأننا نكون عندئذ غافلين عن حقيقة هذه المذاهب , وإنما هي غنوصية لهدم الإسلام..

    [ الغنوصية : فرقة دينية فلسفية متعددة الصور مبدؤها أن المعرفة الحقة هو الكشف عن طريق الحدس الحاصل عن اتحاد العارف بالمعروف وليس عن طريق العلم والإستدلال , فهي نوع من التصوف يزعم أنه المثل الأعلى للمعرفة , ويعتقد أنه ليس هناك حواجز أو فروق بين الأديان , ومن هنا كان خطرها , وهي مأخوذة من اللفظ اليوناني ( غنوسيس ) يعني ( معرفة ) وقد نشأت في القرن الأول الميلادي بتأثير اختلاط الثقافة اليوناينة بثقافة الشرق ومن زعمائها ( أفلوطين ) فيلسوف القرن الثالث الميلادي , انظر إبراهيم هلال في مقدمة الولاية والطريق إليها /77.]..
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  10. #20
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,550
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    22-03-2017
    على الساعة
    08:38 AM

    افتراضي

    الفصل العاشر

    الشطح الصوفي واللامعقول

    فسر أبو نصر السراج الطوسي الشطح الصوفي بأنه (عبارة مستغرقة في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشدة غليانه وغلبته) (اللمع ص453)، وقد لجأ المتصوفة إلى هذا التعريف لتبرير الكفر والزندقة الذي فاضت به كتب القوم وتواتر عنهم معتذرين أن ما قالوه قد قالوه في حالة سكر بما تجلى لهم من حقائق وبما عاينوا من علوم وزعموا أنها أسكرتهم وأطارت صوابهم، وجعلتهم يتكلمون بمثل هذه العبارات وهذا التبرير السمج الذي لجأ إليه الصوفية لا يغير من الحقائق شيئاً وهو أن ما قالوه كفر واضح ظاهر وافتراء على الشريعة.
    وقبل أن نبدأ في تفنيد مزاعمهم نستعرض طائفة يسيرة من عباراتهم التي اعتذروا عنها بأنها من الشطح وأن قائليها معذورون فيما قالوه لأنهم بزعمهم كانوا سكارى غائبين عن وعيهم عند ذكرهم لهذه العبارات. فقد تواتر ونقل الناس عن أبي يزيد البسطامي أنه قال "رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك!! فقلت: زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا" (اللمع ص461) أ.ﻫ.
    وذكر عنه كذلك أنه قال "أول ما صرت إلى وحدانيته فصرت طيراً جسمه من الأحدية، وجناحاه من الديمومة فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية، فرأيت فيها شجرة الأحدية" (اللمع الطوسي ص461)، ونقل عنه أيضاً أنه قال: "سبحاني سبحاني" وقال أيضاً "ضربت خيمتي بإزاء العرش" (اللمع ص464)، ومر يوماً بمقبرة للمسلمين فقال "مغرورون" و.. لليهود فقال "معذورون"!! (اللمع ص463).
    وأما الشبلي فهو أحد مقدميهم وقادتهم واسمه دلف بن جحدر فقد قيل له يوماً: يا أبا بكر أخبرنا عن التوحيد فقال: للسائل: "ويحك! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن هم أنه واصل فليس له حاصل، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل ومن ظن أنه قريب فهو بعيد ومن تواجد فهو فاقد، وكلما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم محدث مصنوع مثلكم" أ. ﻫ.
    وعندما سئل الشبلي عن أبي يزيد البسطامي وعرض عليه بعض ما قاله البسطامي مما نقلناه آنفاً قال الشبلي:
    "لو كان أبو يزيد ها هنا لأسلم على يد بعض صبياننا وقال: لو أن أحداً يفهم ما أقول لشددت الزنانير" (اللمع ص50).
    وكان هذا الشبلي أيضاً يقول: "لو خطر ببالي أن الجحيم نيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً" (اللمع ص479 ومعنى شددت الزنانير جمع زنار وهو ما كان يضعه أهل الذمة على وسطهم تميزاً لهم عن المسلمين).
    وذكر عنه أيضاً أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية [اخسئوا فيها ولا تكلمون] فقال الشبلي ليتني كنت واحداً منهم (اللمع ص490).
    وذكر عنه كذلك أنه قال: "إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفئوها" (اللمع ص490) وثبت عن أبي الحسين ألنوري أنه قال (أنا أعشق الله وهو يعشقني"!!).(اللمع ص491).
    وشهدوا عليه أيضاً أنه سمع المؤذن فقال: طعنه وشم الموت!! وسمع نباح كلب فقال: "لبيك وسعديك"!! (اللمع ص492)، وكذلك كان أبو حمزة الصوفي إذا سمع صوت هبوب الريح وخرير الماء، وصياح الطيور يصيح ويقول: لبيك!!.
    ودخل دار الحارث المحاسبي فسمع شاه مرغياً: فقال: "لبيك يا سيدي"!!.
    هذه عبارات قليلة جداً مما نقل عن هؤلاء وتواتر عنهم، ومهما حاول المرء أن يعتذر عن أصحابها بأي وجه من الوجوه فإنه لا يجد مفراً من الحكم بكفر معتقديها وقائليها..
    فأما قولهم إن هذا شطح، وغلبة حال وغلبة سكر، ونحو هذا من الأقوال فالرد عليها ما يأتي:
    1ـ لا نسلم أن قائلي هذه العبارات قد قالوها كما زعموا وهم في حالة هذيان وغيبة عقل، وذلك أن هذه العبارات لها لمعان محدودة، وهي نسيج مؤلف مركب قصد بها صاحبها أن يدل على عقيدة عنده، ولم يقلها كلاماً غير منضبط ككلام السكران والغائب عن الوعي.
    2ـ إن هذه العبارات قد تلقاها تلاميذ التصوف بالقبول واعتقدوا ما فيها بل وشرحوا العقيدة التي تشير هذه العبارات إليها في كتب كاملة..
    والعقيدة هذه هي أن الأديان جميعاً دين واحد، وأن الخلق جميعاً هم عين الخالق وأنه لا موجود إلا الله!! وأن هذا الخنزير الذي كان يمر به أحدهم فيقول له عم صباحاً!! هم مظهر من مظاهر الخالق ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ ونستغفر الله من كتابة أقوالهم وإعادتها وكذلك هذه الشاة التي ترغي فيقول لها أحدهم لبيك يا سيدي، ما قال ذلك في غلبة السكر، وفي رؤيته للنار أو النعيم، ولا لتذكره لآية من كتاب الله وإنما قال ذلك لأنه سمع ثغاء شاة، أو نباح كلب، ومثل هذه الأصوات لا تخلق في المسلم (حالة) ولا تجعل عنده وجداً يحمله على الغياب عن الوعي حتى يقول مجيباً له "لبيك يا سيدي"!!
    وكذلك نقول أيضاً ما الذي يبعثه نداء المؤذن في قلب الصوفي حتى يرد عليه قائلاً.. ضربه وشم الموت!!، هل سماع المؤذن يؤدي إلى حالة وجد وغياب عن الوعي حتى يقول سامع المؤذن: ضربك أيها المؤذن وشم الموت!! وأنا أقول نعم هي حالة حقيقية للزنديق عند سماع المؤذن لأنه لا يريد لصوت الداعي إلى الله أن يعلو.. لأنه يكفر بالإسلام والصلاة ويريد لأصوات الكلاب والخنازير أن يقبلها المسلم بقولهم (لبيك يا سيدي"!!.. إقرأ في كتاب اللمع للطوسي قوله "وأخذوا عليه (يعني أبا الحسن النووي) أنه سمع أذان المؤذن فقال: طعنه وشم الموت، وسمع نباح الكلب فقال: لبيك وسعديك".
    ومثله تماماً ما نقلناه آنفاً عن أبي يزيد أنه اجتاز بمقبرة لليهود: فقال: معذورون. وبمقبرة للمسلمين فقال: مغرورون!! فأي غلبة حال وسكر، وهذيان غلبت على هؤلاء حتى قالوا ما قالوا.. وأليست هذه عقيدة زنديقية واحدة.. ثم ما هذا (المربي) ـ زعموا ـ الذي رأى مريده يقتل قملة فقال له: قاتلك الله شفيت غيظك بقتل قملة!! وهذا الشيخ نفسه يمر على الخنزير فيقول له: عم صباحاً!!
    وكان يبدأ الكلاب والخنازير بالسلام.. المهم أن هذه العبارات التي يسمونها شطحاً لم تكن شطحاً كما زعموا وقد قالها قائلوها في حالة صحو وليس في حالة سكر، وإنها تنبئ عن عقيدة وليست كلاماً فارغاً من المعنى وهذياناً كما زعموا.
    3ـ ثم إننا نسأل إذا كان مثل هذه العبارات يسميها الصوفية شطحاً وهذياناً، فلماذا يعمدون إلى تأويلها وتفسيرها، وإخراج درر معانيها، بل وجعلها من مناقب قائليها ووصولهم إلى الحقيقة؟! فقد فسروا كلام من أجاب الشاة بقوله: لبيك يا سيدي بأنه علم أن كل شيء يسبح بحمد الله، وأن ثغاء الشاة تسبيح ولذلك أجابها.. فإذا كان كلامهم هذا شطحاً فلماذا فسروه وأخرجوا معانيه الغالية!! ودرره الثمينة..
    وتقول لهم جعل الشاة في موضوع السيادة ليس تعظيماً للخالق!! والسلام ليس موضوعاً ليلقي على الخنازير والكلاب بل ولا على غير المسلم أيضاً لأن السلام تحية خاصة بالمسلمين فقط فإلقاؤها على الكلاب والخنازير مروق من الدين، وخروج عن حقيقة الشريعة المطهرة وظاهرها.
    وأما تفسيرهم لقول النوري الذي دعا على المؤذن بالموت عندما سمع نداءه، بأنه خشي أن يكون هذا المؤذن مرائياً أو يأخذ أجراً على أذانه كما زعموا فليس هذا طريق الإنكار على المؤذن وإنما النوري أنكر على الأذان وليس على المؤذن.
    وكان يجب لو كان يؤمن بالإسلام حقاً، وبالأذان صدقاً أن يقول كما يقول وأن يصلي بعد ذلك على الرسول ويطلب له الوسيلة والفضيلة ثم يسارع إلى المسجد ويشهد الصلاة مع المسلمين ثم ينكر على المؤذن أخذه للأجرة لو شاء.. ولكن هؤلاء كما أسلفنا ينشرون عقيدة معلومة لديهم تلقوها عن الزنادقة والملاحدة، وهذا الذي يسمونه شطحاً ما هو إلا تأسيس لهذه العقيدة.
    4ـ والأمر الرابع نسألهم: هذا السكران بحب الله كما زعمتم.. وبرؤية الجلال الإلهي أو الجمال -كما تزعمون- هل يجلس ليؤلف كتباً كاملة في هذا الهذيان والسكر وغلبة الحال كما تقولون.. أو يكفيه عبارة أو عبارتان، جملة أو جملتان.. أعني لو كانوا صادقين أن هذا الكلام الخارج عن موازين الشريعة هذيان وشطح حقاً لكان شيئاً قليلاً ولكن الحاصل والموجود أن هناك عشرات بل مئات بل آلاف الكتب قد شحنت بهذا الكفر والزندقة فكتاب يزعم صاحبه أنه تلقاه من الغيب بالوحي الإلهي ولا يترك كفراً إلا ويضعه فيه كالحكم ببراءة قوم نوح من الشرك، وجهل نوح لأنه دعاهم إلى التوحيد، والحكم بإيمان فرعون، وجهل هارون لأنه نهى قومه عن عبادة العجل، والعجل هذا في زعم مؤلف كتاب (الفصوص) هو مظهر من مظاهر الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وكذلك تبرئة إبليس والحكم بنجاته، بل والحكم بأن أهل النار منعمون فهم في عذوبة لا عذاب وأنه وأنه..
    بعضهم يسمي كل هذا شطحاً.
    وآخر وهو عبد الكريم الجيلي يكتب كتاباً يقع في أكثر من مائتي صفحة من القطع المتوسط يسميه (الإنسان الكامل) لا يترك كفراً في الأرض إلا ويجعله فيه؛ من ذلك أنه يصف رحلة مزعومة له من الأرض إلى السماء الدنيا، حيث يصف ما فيها وأنه قابل فيها فلاناً وفلاناً من الأنبياء وناقشهم واستفاد منهم، ثم السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة والسادسة والسابعة وإلى الكرسي والعرش والحجب السبعين!! ويصف ما رآه هناك ثم يعود ليهبط إلى الأرض الأولى فالثانية فالثالثة، فالرابعة وحتى السابعة ويقابل فيها أولياء وروحانيين وفلاسفة وحكماء و.. ويدعي أن من لم يصدق هذا فهو كافر!!.
    ويأتي كاتب صوفي آخر ينسج على منوال هؤلاء فيكتب كتاباً يسميه (مشارق شموس الأنوار ومقارب حسها في معنى عيون العلوم والأسرار) والكاتب هذا هو إسماعيل بن عبد الله السوداني ألف كتابه سنة 1262 ﻫ فيصف كذلك مشاهداته الحسية ـ في زعمه ـ للسماوات السبع العلى، وللأرضين السبع.
    والمهم هنا أن نرد على دعواهم أن مثل هذا من الشطح، فيقول كيف يكتب كاتب كتاباً يقسم أبوابه ويضع فصوله ويقول للناس هذا من عند الله وتدعون أنتم أنه شطح وهذيان وأن قائله معذور لأنه قاله في غلبة حال وضياع عقل!! أليس قولكم هذا تلبيساً على الناس، واستهزاء بعقولهم!! الشطح لا يكون كتباً كاملة مؤلفة منسقة منفصلة!! وإنما هذه عقيدة ودين باطني يريد أربابه به صرف المسلمين عن عقيدة الكتاب والسنة إلى الكفر والإلحاد والزندقة.
    5ـ ثم نقول لهؤلاء إثباتكم أن الصوفية يشطحون ويقولون ما لا يريدونه ولا يقصدونه في أقل أحواله إثبات لأحوال غريبة وبدعة منكرة ما كان عليها أحد من سلف الأمة الصادقين كالصحابة والأئمة فهل سمعتم أن أبا بكر وعمر والخلفاء والصحابة شطحوا!! وهل وجد في التابعين لهم بإحسان من عرف عنه شيء من ذلك، وهل كان الأئمة الأربعة من أهل الشطح أليس الشطح الصوفي دليلاً على الابتداع والخروج عن الدين القويم..؟
    أليس الإمام الشافعي قد قال وقد صدق والله فيما قال: "لا أرى شخصاً يتصوف في أول النهار، إلا وأصبح أحمق في آخره!!" أليست هذه كلمات من نور الإمام الشافعي الذي رأى بعينه بدايات التصوف وأخبر أن يوماً واحداً في التصوف يكفي لجعل الشخص أحمق.
    فأنتم باعترافكم أن هذا شطح إنما تسجلون على أنفسكم الحماقة والبدعة والخروج عن نهج السلف الصالح رضوان الله عليهم ورضي الله عن الشافعي الذي يقول أيضاً "ما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد عقله إليه أبداً" (تلبيس إبليس).
    6ـ ولكن بعض الصوفية وقد أحرجوا في حكاية الشطح هذه أرادوا أن يستخرجوا دليلاً من الكتاب والسنة على شطحهم وأن أحوالهم هذه وهذيانهم مؤيد أيضاً بالكتاب والسنة فقال:
    لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً] فدل هذا على جواز الشطح وأن الرسول فعله أو مثله..
    ونحن نقول: نسبة النبي إلى الشطح كفر وزندقة.. فالنبي صلى الله عليه وسلم عاين ما عاين من أمر الله وكان في كل ذلك هو الإنسان الكامل والرسول الصادق والعبد الكامل صلى الله عليه وسلم ولم يكن له حال أو مقال يخالف عقيدته التي نشرها وبينها والتي جاء بها كتاب الله وسنة رسوله.
    ومن قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف بعض كلامه بعضاً لحال أو مشاهدة فقد كفر وافترى وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وأما استدلالكم بالحديث على أن من رأى ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فنقول: من هذا الذي رأى ما رآه الرسول في الغيب: الحلاج والبسطامي، والشبلي، والنوري وأشكالهم سبحان الله أجاء هؤلاء ليطلعوا على ما لم يطلع عليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والمبشرون بالجنة. أكان الحلاج يزعق بالشوارع، والشبلي يصرخ بالمجالس لأن الله أطلعه على الجنة والنار!! ألا تستحون من إيراد مثل هذه السخافات!!..
    ونتنزل معكم درجة: هبو صدقناكم أن هؤلاء اطلعوا على الجنة والنار وشاهدوها رأي العين ألم يكن الواجب أن يحصل فيهم ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فيبكون كثيراً ويضحكون قليلاً وهذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم:[لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً].
    ما قال لشطحتم ونصحتم وافتريتم وكذبتم وقلتم "سبحاني" وما في الجبة إلا الله، ويا خنزير عم صباحاً، ويا كلب عم مساءً.
    وفي ختام هذه الدراسة نقول من سمع آيات الله وكان من أهل الإيمان والتقوى خشع قلبه وقد تدمع عينه، ويقشعر جلده، ثم يلين لذكر الله كما قاله سبحانه وتعالى: [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]. (الزمر:23).
    وقال أيضاً سبحانه وتعالى في وصف حال الأنبياء والرسل والمؤمنين عند سماع آيات الله بعد أن قص في سورة مريم أخبار طائفة من رسله وأنبيائه وأوليائه وهم زكريا ويحيى وعيسى ومريم وإبراهيم وموسى وهارون، وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل وإدريس..[ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا] (مريم: 58).
    فليس عندهم عند سماع الآيات إلا السجود والبكي، وليس الشطح فهل هؤلاء الصوفية حقاً متأسون بالأنبياء والأولياء الصالحين أو أنهم صارخون مستصرخون من وخز الشياطين ولترويج عقائد الملحدين؟!
    يروى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : " لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق " [ تلبيس إبليس / 370 ].
    وسواء صحت هذه الرواية عن الشافعي أم لم تصح فإن الاتجاه العام لدى الصوفية هو الابتعاد عن العقل والعقلانية , وذلك لأنهم يرون أنه لا يمكن الوصول إلى الأحوال والمقامات العالية إلا بإلغاء العقل , ولذلك يذكرون حوادث لمشايخهم ويقررون أموراً يأباها العقل بل يكذبها , ومع أن العقل شرط في معرفة العلوم وهو بمنزلة البصر في العين فإذا اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل بنور الشمس وإن إبعاد العقل وعزله تماماً هو رجوع إلى الأحوال الحيوانية[ انظر ما كتبه ابن تيمية في الفتاوى 3/338 كما أ،ه كتب عشر مجلدات في بيان أنه لا تعارض بين الشريعة المنقولة والحقيقة المعقولة] .
    ومن المعلوم أن مناط التكليف في الإسلام هو العقل ولكن الصوفية كل شيء عندهم ممكن , وكل شيء يصدق مهما كانت غرابته , لأنه لا شيء يؤد على مشايخهم , وإذا رددت فأنت محجوب لا تفهم في مثل هذه الأمور , ولذلك أصبحت قصصهم أضحوكة لأهل الأديان المنسوخة كما يقول الآلوسي[ محاكمة الأحمدين / 490.].

    ولأن الناس عجزوا بعد سقوط بغداد عن ربط الأسباب بالمسببات فربما كان التصوف هو الوحيد الذي نجا من تلك الكارثة فهرع الناس إلى المتصوفة يمنحونهم البركة فامتلأت البلاد بأرباب الطرق [ انظر أحمد أمين : ظهور الإسلام 4/219.] .

    وحتى لا يظن أننا نظلم ونتهم فهذه صور من اللامعقول عند الصوفية منتزعة من كتابهم الكبير ( الطبقات الكبرى ) للشعراني .
    هو يترجم لهؤلاء ولا يعلق بشيء لاعتقاده بصحتها , بل ينقل قصص المجاذيب ويترضى عنهم, وقد يقال بأنها مكذوبة عليهم ولكن الشعراني نقلها ولم ينكرها والذين يقرؤون للشعراني من عصره وحتى هذا الوقت لا يقولون : نحن ننكر مثل هذه الأمور ويجب أن تحذف من كتبنا , فالمشكلة في هؤلاء الذين يبررونها ويصدقونها فعلاً وهذه النماذج مأخوذة من عصور مختلفة إلى عصر المؤلف في القرن العاشر الهجري .
    ذكر في ترجمة الشيخ أحمد الرفاعي أنه : " إذا تجلى الحق تعالى عليه بالتعظيم يذوب حتى يكون بقعة ماء , ثم يتداركه اللطف فيصير يجمد شيئاً فشيئاً حتى يعود إلى جسمه المعتاد ويقول : لولا لطف الله ربي ما رجعت إليكم " [ الطبقات 1/143.].
    الشيخ أبو عمرو بن مرزوق القرشي :" كان الرجل العربي إذا اشتهى أن يتكلم بالأعجمية أو العجمي يريد أن يتكلم العربية يتفل الشيخ في فمه فيصير يعرف تلك اللغة كأنها لغته الأصلية "[ الطبقات 1/154.].
    مساكين الطلبة الذين يدرسون اللغات الأجنبية في هذا العصر فلو أن الشيخ يعيش معهم لاستراحوا وأراحوا ...
    قال تقي الدين السبكي : " حضرت سماعاً فيه الشيخ رسلان فكان يثب في الهواء ويدور دورات ثم ينزل إلى الأرض يسيراً يسيراً , فلما استقر سند ظهره إلى شجرة تين قد يبست فأورقت واخضرت وأينعت وحملت التين في تلك السنة "[ الطبقات 1/152.].
    والعجب هنا ليس من الشيخ رسلان ولكن من عالم مثل السبكي كيف يقبل بأن يذكر الله بالرقص في الهواء وكيف يقبل مثل هذا الهراء , هذا إذا صحت رواية الشعراني عن السبكي.
    أبو العباس أحمد الملثم : يقول الشعراني عنه : " وكان الناس مختلفين في عمره , فمنهم من يقول : هذا من قوم يونس , ومنهم من يقول : إنه رأى الإمام الشافعي , فسئل عن ذلك , فقال عمري الآن نحو أربعمائة سنة وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية والخلوة[ نفس المصدر 1/157.].
    الشيخ إبراهيم الجعبري : كان له مريدة تسمع وعظه وهو بمصر وهي بأرض السودان من أقصى الصعيد[ الطبقات 1/203.].
    حسين أبو علي : " من كمّل العارفين , كان كثير التطورات , تدخل عليه فتجده جندياً , ثم تدخل عليه فتجده سبعاً , ثم تدخل فتجده فيلاً ( يا ألطاف الله ) "[ الطبقات 2/87.].
    تخيل هذا الذي من كمّل العارفين يتحول إلى سبع وإلى فيل .... ؟!
    إبراهيم بن عصيفير : " كان يغلب عليه الحال وكان يمشي أمام الجنازة ويقول زلابيه و هريسة وأحواله غريبة , وكان يحبني وأنا في بركته وتحت نظره "[نفس المصدر 2/140.]. قد يكون هذا مجنون لا تكليف عليه , أما أن يقول الشعراني : سيدي إبراهيم , وكنت في بركته وتحت نظره , فهذا مما لا ينقضي من العجب , وما رأي صوفية اليوم هل ينكرون على الشعراني هذا الكلام ؟ لا أعتقد , بل يبدوا أن هؤلاء وأمثالهم هم أقرب إلى الظن بأن الحقيقة إنما ينطق بها البلهاء قبل أن ينطق بها العلماء .
    7ـ ومن أثر الصوفية وكتب الشعراني وغيره أن أساتذة في جامعات مصر , أساتذة في الطب والفيزياء والكيمياء و تكون عقولهم سليمة عند البحث العلمي وتمسخ عند الحديث عن الولي الفلاني كيف طار في الهواء أو غاص في الماء [ لاحظ هذا الانفصام الدكتور زكي نجيب محمود وطبعاً الدكتور هنا لا يدافع عن الإسلام الحقيقي وإنما يدافع عن العقل وتأثره بالمذهب الوضعي المنطقي العلماني الاتجاه ].
    لا شك أنها ازدواجية تحتاج إلى تحليل نفسي لمعرفة أسبابها ودوافعها , وقد رأينا طلاب جامعات في بلاد الشام ومصر والعالم الإسلامي كيف يتبعون دجالاً مخرفاً , ظاهر الكذب والاحتيال , إن هؤلاء المشايخ يقومون بعملية غسل دماغ للمريد بطريقة شيطانية خبيثة تجعل طلاب الجامعات بل وأساتذتهم يسيرون وراء الشيخ كالقطيع , وتبقى أجواء الصوفية غير العقلانية هي العامل الأهم .
    إن قمة إلغاء العقل عند الصوفية هو ما يسمونه ( بالشطح ) وهي أن يتكلم أحد مشاهيرهم بكلمات غير معقولة أو تتضمن كفراً وزندقة في الظاهر ويقولون : إنه قالها في حالة جذب وسكر أما في حالة الصحو فيتراجع عنها وقيل في تعريف ( الشطح ) :" كلمة عليها رائحة الرعونة والدعوى تصدر عن أهل المعرفة باضطرار وإضراب "[ بدوي : شطحات الصوفية 1/22.].
    8 ـ قال أبو يزيد البسطامي " إن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق , وما النار والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي " [ انظر : تاريخ التصوف لعبد الرحمن بدوي .].
    والدسوقي يعلن أن أبواب الجنة بيديه ومن زاره أسكنه جنة الفردوس 2 2 هذه هي الصوفية / 121. وأبو الحسن الشاذلي يعوم في عشرة أبحر : خمسة من الآدميين : محمد وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي , وخمسة من الروحانيين : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح[ لطائف المنن / 57.].
    وأحمد بن سليمان الزاهد شفعه الله في جميع أهل عصره [طبقات الشعراني 2/82.] .

    شطحاتهم لا تنتهي ونكتفي بما أوردنا كنموذج للرعونة والدعوى وأقوالهم هذه مرفوضة جملة وتفصيلاً ولا تستحق بذل الجهد لتبريرها فقاعدة الإسلام الركينة أننا نحكم بالظاهر كما دلت جملة الأحكام الشرعية, فلا مجال لمدع أن يقول بأن باطن أقوالهم مخالف لظاهرها , ويجب أن يصان الإسلام عن مثل هذا الشطح واللامعقول , بل الشرك لأن ممن يتصرف في الجنة والنار فقد اتخذ نفسه نداً لله وشركاً و قال ابن عقيل " ومن قال هذا كائناً من كان فهو زنديق يجب قتله "
    وإذا كانت الجنة بيد الدسوقي فلينم البطالون وليستريحوا من عناء الجهد والتعب والأمر لا يحتاج إلى علم أو عبادة أو جهاد بل مجرد زيارة الشيخ تفتح له أبواب الجنة أليست هذه نسخة أخرى عن صكوك الغفران , وأما نحن فنستغفر الله حتى من إيراد أقوالهم[ تلبيس إبليس / 343.].
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة

الصوفية الوجه الآخر

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الصوفية الوجه الآخر
    بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد في المنتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 39
    آخر مشاركة: 15-04-2014, 12:51 AM
  2. الوجه الآخر للخداع
    بواسطة ronya في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-05-2010, 06:30 AM
  3. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-07-2007, 10:04 PM
  4. الصوفية
    بواسطة الليزر في المنتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-10-2006, 12:06 AM
  5. الوجه الآخر للكتاب المهلوس
    بواسطة ismael-y في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-12-2005, 03:35 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الصوفية الوجه الآخر

الصوفية الوجه الآخر