سأل أحدُ المعترضين أحدَ المسلمين قائلاً له : هل تعرف أول من أسلم ، وآمن بالرسولِ ؟ فقال المسلمُ: نعم ؛ إن أولَ من أسلمَ من الرجالِ أبو بكر، ومن الصبيان عليٌّ ، ومن النساءِ خديجةٌ  ، فقال المُنصّرُ في سخرية :إجابة خاطئة ، إن أول من أسلم هو الحمارُ يعفور ، وإليك أدلتي كما يلي :
عن أبي منظور قال : لما فتح الله على نبيِّه r خيبراً أصاب من سهمه أربعة أزواج من البغال وأربعة أزواج خفاف ، وعشر أواق ذهب وفضة ، وحمار أسود ومكتل .
قال : فكلم النبي r الحمار ، فكلمه الحمار ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : يزيد بن شهاب ، أخرج الله من نسل جدي ستين حماراً كلهم لم يركبهم إلا نبي ، لم يبق من نسل جدي غيري ، ولا من الأنبياء غيرك ، وكنت أتوقع أن تركبني ، قد كنت قبلك لرجل يهودي ، وكنت أعثر به عمداَ ، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري ، فقال النبيُّ r : سميتك يعفور ، يا يعفور ! قال : لبيك ، قال: تشتهي الإناث قال : لا .
فكان النبيُّ r يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله r فلما قبض النبي r جاء إلى بئر كان لأبي التيهان فتردى فيها فصارت قبره جزعاً منه على الرسول r . راجع : البداية والنهاية لابن كثير 6ج : 150 ، وأسد الغابة ج 4 ص 707 ، ولسان الميزان باب من اسمه محمد ، محمد بن مزيد ، و السيرة الحلبية ، غزوة خيبر.

• الرد على الشبهة

أولاً : إن هذه القصة قصة موضوعة على رسولِ اللهِr ، لا يقبلها المسلمون ؛ حُكم عليها بالوضع المحققون كما يلي :
1- الشيخ الألباني - رحمه اللهُ - في السلسة الضعيفة والموضوعة برقم 5405 قال: ( موضوع ).
2- جاء في كتابِ كشف اللئيم حول الإسلام العظيم تخريجها – القصة- كما يلي :
1- أورد الإمام ابن كثير في تاريخه ( 6 / 150) هذه القصة وأشار إلى أنها ضعيفة وقد أنكرها غيرُ واحدٍ من الحفاظِ الكبارِ.
2- نص ابنُ الأثير في أسد الغابة (ج 4 ص 707 ) إلى أن القصة ضعيفة وليست بصحيحة، وإليكم كلامه في نقله عن أبي موسى عقب ذكر القصة : " هذا حديث منكر جداً إسناداً ومتناً لا أحل لأحد أن يرويه عني إلا مع كلامي عليه ".
3- أورد الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني في كتاب لسان الميزان ، باب من اسمه محمد بن مزيد هذه القصة كمثال إلى الكذب الذي يرويه محمد بن مزيد ، وأورد كلام الحافظ ابن حبان وإليكم نص الكلام :
" محمد بن مزيد أبو جعفر: عن أبي حذيفة النهدي ذكر ابن حبان أنه روى عن أبي حذيفة هذا الخبر الباطل "
ثم ذكر ابنُ حجر القصةَ كاملة فقال: قال ابنُ حبان : هذا خبر لا أصل له وإسناده ليس بشيء. وقال ابنُ الجوزي: لعن اللهُ واضعه.
4- كلام الإمام السيوطي في اللآلئ المصنوعة الجزء الأول ، (كتاب المناقب) واسم الكتاب كاملاً:( اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) ، وهو خصيصا لتبيان الأحاديث الموضوعة أي: الكاذبة.
بعد أن ساق الإمام السيوطي الحديث قال : موضوع أي: (الحديث ).
ثم ذكر كلام الإمام الحافظ ابن حبان وإليكم كلامه:
قال ابنُ حبان: لا أصل له وإسناده ليس بشيء ولا يجوز الاحتجاج بمحمد بن مزيد.
فكما رأينا جميعاً لم يكونوا أبدًا أمناء في النقل ، ولقد بتروا الكلام من السياق وأخفوا عليكم أقوال العلماء قبل وبعد أن يذكروه وذلك لغاية في أنفسهم . أهـ بتصرف يسير.

قلتُ : إن الواضح من خلالِ ما تقدم أن القصة ليست صحيحة ؛ وإنما هي موضوعة ...
وعليه فجواب المسلم كان صحيحًا لما قال: إن أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي ، ومن النساء خديجة جميعًا ، ولا نعترف بقصةِ الحمار يعفور الذي تحدث عنها المُنصّر كما سبق بيان ذلك .... فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء كما قال ابنُ المبارك - رحمه اللهُ - .

ثانيًا : إن الكتابَ المقدس يحدثنا عن حمارٍ يتكلم ؛ حمار يحاور بلعام النبي .... وذلك في سفر العدد اصحاح22عدد27فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الأَتَانُ مَلاَكَ الرَّبِّ، رَبَضَتْ تَحْتَ بَلْعَامَ. فَحَمِيَ غَضَبُ بَلْعَامَ وَضَرَبَ الأَتَانَ بِالْقَضِيبِ. 28فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأَتَانِ، فَقَالَتْ لِبَلْعَامَ: «مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَّى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاَثَ دَفَعَاتٍ؟». 29فَقَالَ بَلْعَامُ لِلأَتَانِ: «لأَنَّكِ ازْدَرَيْتِ بِي. لَوْ كَانَ فِي يَدِي سَيْفٌ لَكُنْتُ الآنَ قَدْ قَتَلْتُكِ». 30فَقَالَتِ الأَتَانُ لِبَلْعَامَ: «أَلَسْتُ أَنَا أَتَانَكَ الَّتِي رَكِبْتَ عَلَيْهَا مُنْذُ وُجُودِكَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ؟ هَلْ تَعَوَّدْتُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ هكَذَا؟» فَقَالَ: «لاَ».
* الأَتَانُ: أنثى الحمار.
قلتُ: إن المنصّر لما سأل المسلمَ عن قصةٍ لا نعترف بها استهزأ ، وسخر .......أما نحن - المسلمين- فلا نسخر من هذه النصوص كما فعل؛ فنحن لسنا مثله ...
ثم إن الأعجب من ذلك هو أن الكتاب المقدس يحدثنا عن حمارٍ يرد حماقة نبيٍّ .... وذلك في رسالةِ بطرس الثانية إصحاح 2 عدد 15قَدْ تَرَكُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، فَضَلُّوا، تَابِعِينَ طَرِيقَ بَلْعَامَ بْنِ بَصُورَ الَّذِي أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ. 16وَلكِنَّهُ حَصَلَ عَلَى تَوْبِيخِ تَعَدِّيهِ، إِذْ مَنَعَ حَمَاقَةَ النَّبِيِّ حِمَارٌ أَعْجَمُ نَاطِقًا بِصَوْتِ إِنْسَانٍ.
قلتُ: إن كون الحمار يتكلم هذا لا إشكال فيه ؛لأن اللهَ قادرٌ على ذلك، فنحن لا نشك في قدرةِ اللهِ ؛ ولأن السنةَ دلت على ذئبٍ تكلم ليخبر عن النبيِّ r ، ودلت عن تكلمِ بقرةٍ ... وذلك في الآتي:
1- دلائلِ النبوةِ للبيهقي برقم 2290 عن أبي سعيد الخدري ، قال : بينما أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له إذ عدا عليها الذئب ، فأخذ شاة من غنمه ، فأدركه الأعرابي فأخذها ، وانطلق الذئب يمشي ، ثم رجع الذئب مستذفرا (1) بذنبه مستقبل الأعرابي ، ثم قال : ويحك ، ألا تحرج (2) تنزع رزقا رزقنيه الله ، فطفق الأعرابي بين يديه ، فقال : العجب من ذئب يتكلم قال الذئب : والله إنك لتدع ما هو أعجب من هذا ، قال : وما أعجب من هذا ؟ قال : نبي الله في النخلات يحدث الناس عن أنباء ما قد سبق ، وما يكون بعد ذلك ، فساق الأعرابي غنمه حتى ألجى إلى بعض المدينة ، وسعى إلى النبيِّ r ، حتى ضرب عليه بابه ، فأذن له فحدثه الأعرابي فصدقه ثم قال : « إذا صليت بالناس الصلاة فاحضرني » ، فلما صلى رسولُ اللهِ r ، قال : « أين صاحب الغنم ؟ » فقام الأعرابي ، فقال له النبيُّr : « حدث بما رأيت وبما سمعت » ، فحدث الأعرابي بما سمع وبما رأى ، ثم قال : « والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فتخبره نعله ، أو سوطه ، أو عصاه بما أحدث أهله بعده » . قال عبد الحميد بن بهرام الفزاري ، عن شهر بن حوشب
__________
(1) استذفر الذئب : إِذا أَدخل ذنبه بين فخذيه حتى يُلْزِقَهُ ببطنه، وأصل الفعل استثفر
(2) تَحرَّج : تأثَّم وتجنَّب الوقوع في الإثم والضيق
2- مسند أحمدَ برقم 7047 عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ r صَلاَةً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ :« بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا قَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحِرَاثَةِ ». فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ. فَقَالَ : « فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ غَداً غَداً وَعُمَرُ » وَمَا هُمَا ثَمَّ « وَبَيْنَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا عَلَيْهَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ شَاةً مِنْهَا فَطَلَبَهُ فَأَدْرَكَهُ فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ يَا هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّى فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لاَ رَاعِىَ لَهَا غَيْرِي ». قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: « فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ». وَمَا هُمَا ثَمَّ.
تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين.
لكن الإشكالية الحقيقية في نصِ رسالةِ بطرس الثانية وهي:أن الحمارَ لما نطق ،نطق ليرد حماقةَ النَّبِيِّ !!
وأتساءل: هل الحمارُ أذكى من النبيِّ ، وأعلم من النَّبِيِّ كما يذكر الكتابُ المقدس ؟
وهل بعضُ أنبياءِ اللهِ في الكتابِ المقدس حمقى لدرجة أن الحمارَ يردُ حماقةَ أحدِهم ؟!
هذه هي الإشكالية التي نبرأ إلى الله ِ منها .

كتبه الشيخ /أكرم حسن مرسي
نقلا عن كتابه رد السهام عن خير الأنام محمد - عليه السلام-
في دفع شبهات المنصرين عن النبي الأمين