قالوا لأحدِ الموحدين: لا داعي أن تعبد اللهَ حقَ العبادةِ ؛ لأنه قد يسبق عليك الكتاب فتكون من أهلِ النارِ.... واستشهدوا على ذلك بما جاء في الصحيحين ،واللفظ لمسلم كِتَاب ( الْقَدَرِ) بَاب ( كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ ) برقم 4781 حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ قَالُوا :حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ r وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ".

• الرد على الشبهة

أولاً: إن المسلمين يعتقدون أن اللهَ ليس بظلامٍ للعبيدِ ؛تدلل على ذلك أدلة منها:
1- قوله  :  مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ  (فصلت46).
2- قوله  :  مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ  (ق29) .
3- قوله  :  إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا  (النساء 40 ).
4- قوله  لنبيِّه r :  وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  (هود115).
5- قوله  :  مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  (غافر40) .
6- قوله :  مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  (النحل97).
وعليه فإن قولَهم للأخِ الموحدِ لا داعي أن تعبد اللهَ حق العبادة ؛ لأنه قد يسبق عليك الكتاب فتكون من أهل النار ... قول كاذب مردودٌ عليهم بالأدلة السابقة وغيرها.

ثانيًا: إن الحديثَ الذي استشهدوا به على شبهتِهم لا يخدم مصالحهم بحالٍ من الأحوال للآتي :
قوله r : " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" .
قلتُ : إن هذه رواية مطلقة قيدت بروايةٍ أخرى في صحيحِ مسلمٍ كِتَاب ( الْقَدَرِ) بَاب (كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ) برقم 4792 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:" إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
نلاحظ قولََه r :" فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ " .
وعليه فالحديث يحمل على المنافقِ والمرائي الذي يعمل العملَ ليس للهِ ،والناس يظنون به الخير و أنه من أهلِ الصلاح و البر .... ولكنه يرائي بعملِه الناس ...
ومما يدعم ما سبق هو ما ثبت عند الترمذي في سننه برقم2067 قال r :" سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ" .
ونلاحظ أيضًا أن الإمامَ النووي - رحمه اللهُ - ذكر الحديثَ الأول الذي استشهد به المعترضون على شبهتِم في كِتَاب( الْقَدَرِ ) بَاب( كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ ) ، وذكر الحديث الثاني الذي قيد الحديث الأول في نفس الكتاب والباب ، وكأنه - رحمه اللهُ - يريد أن يقول : إن الرواية الثانية قيدت أو خصصت الرواية الأولى بلفظ " فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ".
وعليه فلا شبهة - بفضل الله  - .

ثالثًا : إن الإمامَ النووي - رحمه اللهُ - ذكر في شرحِه معنى آخر للحديثِ قائلاً : وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَصْرِيح بِإِثْبَاتِ الْقَدَر ، وَأَنَّ التَّوْبَة تَهْدِم الذُّنُوب قَبْلهَا ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْء حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَاب الْمَعَاصِي غَيْر الْكُفْر فِي الْمَشِيئَة . وَاَللَّه أَعْلَم . أهـ
قلتُ:إن هذا تأويلٌ جيد من الإمامِ النووي - رحمه اللهُ - ؛ حيث إن النصراني أو اليهودي لو أسلم إلى اللهِ قبل موته لكان هذا من رحمةِ اللهِ به ؛ حيث كان في قلب هذا الشخص صدق مع الله في حياته ، وكان باحثًا عن الحق فختم له بالخير ؛ يقول لنبيِّه:r قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ  (الأنفال38).
وعليه فإن هذا يدل على رحمةِ اللهِ  بعبادِه...
والنبيُّ r قال لعمروِ بنِ العاص  :" الإسلامُ يَجبُ ما كان قبله ". صحيح الجامع الصغير برقم 4543.

كتبه الشيخ /أكرم حسن مرسي
نقلا عن كتابه رد السهام عن خير الأنام محمد - عليه السلام-