بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
الذنب الموروث بين الفطرة والقيم المطلقة
ورد في سفر حزقيال النص الآتي : (النفس التى تخطىء هى تموت لا يحمل الابن من اثم الاب ولا يحمل الاب من اثم الابن بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون) . (حزقيال 18 : 20).
اذا كان الجزء الاول من النص السابق (النفس التى تخطىء هى تموت لا يحمل الابن من اثم الاب ولا يحمل الاب من اثم الابن) يعبر عن قيمة مطلقة مفادها ان الانسان لا يتحمل وزر انسان اخر اوجرمه وبالتالى عقابه وهذه القيمة اخذت طلاقتها من مفهوم العدل فان القيمة المضادة لهذه القيمة سوف تحصل على الطلاقةايضا ولكن تحت مفهوم اخر (الظلم ) والعكس صحيح .
بمعنى اذا كان عدم معاقبة انسان بجرم غيره من العدل مطلقا فان عقاب انسان بجرم غيره سوف يكون ايضا من الظلم مطلقا ((لكون المساواة مفهوم من اهم مفاهيم العدل)) .
وعلى ذلك لابد ان يسير العدل دائما وابدا على هذا النهج حتى لا يخرج عن مفهوم المساواة فيكون في منأى عن انقسامه على نفسه . (لان العدل والمساواة وجهين لعملة واحدة) .
واذا كان الجزء الثانى من النص يعبر عن قيمة مطلقة مفادها ان الاب لا يحمل من اثم الابن والابن لا يحمل من اثم الاب وفى نفس الوقت يؤكد على الجزء الاول من النص وهذه القيمة اخذت طلاقتها من مفهوم العدل فان القيمة المضادة لهذه القيمة سوف تحصل على الطلاقة ايضا ولكن بالقياس تحت مفهوم اخر (الظلم ) بمعنى اذا كان عدم معاقبة انسان بجرم ابيه من العدل مطلقا فان معاقبة انسان بجرب ابيه سوف تكون من الظلم مطلقا مع التركيز على مفهوم المساواة وسير العدل على نفس النهج حتى يكون في منأى عن الانقسام على نفسه كما قلنا سابقا , ومن غير المعقول ان يكون الجزء الثانى من النص مندرج تحت نطاق الظلم فيكون المضاد له العدل وبذلك يكون النص السابق محرض على الظلم ومشجع له من جميع الوجوه.
واذا قيل يستثنى من ذلك الاب والابن فيحمل كل انسان خطيئة ابيه وبالتالى عقابه ... نقول هذا الاستثناء سوف يتمثل في قانون والقانون محكوم بمتغيرات وفى احيان باهواء فكيف يتحكم المتغير في المطلق الذى لا يتغير وكيف يكون المطلق اصلا قابلا للتغير او عرضة لهجوم الاهواء والنزوات والنزعات والعصبية والخداع ؟ وهو مطلق وثابت قيمى , وكيف تكون البادرة في ذلك لله فيسمح بالتلاعب في العدل وغيره من القيم ؟ وذلك ان قيل الاستثناء من عند الله ...ونقول ايضا بغض النظر عن كون الله منزه عن ذلك نظرا لعدله وحكمته ما هو الاثبات على ذلك تحت الثوابت المطلقة مع العلم بان الثوابت المطلقة لا ولن تجيز هذا الاستثناء وليس هناك اثبات الا فى اطارها تحت مظلة العقل والدليل النص السابق الذى يعبر عن مفهوم الفطرة للعدل لان المفهوم السابق الذى احتواه النص لو كان مناقضا للفطرة وفى نفس الوقت مناقضا للعقيدة الخطيئة الموروثة لكان بعيدا تماما عن هذه الغفلة الفطرية لوجود اكثر من منبه لها ينجيها من هذه الغفلة ويمنعها من الحيود عن طبيعتها السوية وما ظهر ايضا النص بهذه الصورة التى تظهر بوضوح بان كل انسان يؤخذ بجرمه هو فقط لا بجرم احد اخر وحتى لا يحدث لبس او حيود تم تاكيد ذلك في نفس الجزئية التى حدث عنها الحيود عند النصارى إلى عقيدة الذنب المورث بان الابن لا يحمل من اثم الاب والاب لا يحمل من اثم الابن الشىء الذى يؤكد بان النص السابق ان اخبر اخبر بمكنون الفطرة ورؤيتها للعدل لا شىء اخر وبالقياس ايضا على التنبيه الذى ورد فى ارميا (31-29) وحدث ايضا عنه حيود (وفى تلك الايام لا يقولون بعد الاباء اكلوا حصرما واسنان الابناء ضرست بل كل واحد يموت بذنبه كل انسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه) فالنص السابق احتوى على اخبار وتنبيه ... اخبار بمجىء فئة مستقبلا من البشر تعتقد فيما يسمى بعقيدة الذنب المورث الذى مفاده ان الانسان البار سوف يؤخذ بجرم ابيه الخاطئ وتجلى ذلك في الجزء الاول من النص : (وفى تلك الايام لا يقولون بعد الاباء اكلوا حصرما واسنان الابناء ضرست) , ثم تبيه على ان هذا الاعتقاد الذى سوف يحدث مستقبلا اعتقاد خاطىء وتجلى ذلك في الجزء الثانى من النص (بل كل واحد يموت بذنبه كل انسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه) وفعلا جاء من يعتقد في ذلك (النصارى ) متجاهلا هذا الاخبار والتبيه والتحذير وما تمليه الفطرة الصحيحة على الانسان تحت مفهوم العدل فنبهم النص بان هناك فئة من البشر سوف يعتقدون بان الانسان سوف يؤخذ بجرم ابيه وان هذا الاعتقاد خاطىء .

اثبات ما سبق من الكتاب المقدس
لكى نزداد يقينا من مفهوم الفقرات السابقة : (النفس التى تخطىء هى تموت لا يحمل الابن من اثم الاب ولا يحمل الاب من اثم الابن بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون) . (حزقيال 18 : 20).
ووضوحها في عدم اخذ اى انسان بخطيئة غيره مهما كان اب اوابن قريب او بعيد الا بالطبع اذا نهج نهج الحية او الشيطان في الاغواء والتحريض على الشر الامر الذى يجعل له نصيب في الخطأ وبالتالى مشاركة في تحمل العقوبة .
سوف نثبت المفهوم السابق بطريقة غير مباشرة من فقرات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وذلك لا يحتاج الا الى قرأة بعض الايات المتعلقة ببعض العقوبات .
وها هى بعض العقوبات على سبيل المثال لا الحصر :
فمثلا كسر يوم السبت : عقوبته الرجم حتى الموت
فَتَحْفَظُونَ السَّبْتَ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكُمْ. مَنْ دَنَّسَهُ يُقْتَلُ قَتْلاً. إِنَّ كُلَّ مَنْ صَنَعَ فِيهِ عَمَلاً تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهَا. 15سِتَّةَ أَيَّامٍ يُصْنَعُ عَمَلٌ. وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتُ عُطْلَةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ. كُلُّ مَنْ صَنَعَ عَمَلاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ يُقْتَلُ قَتْلاً. خروج 31عدد 14-17
بينما الاستخفاف بناموس الله : عقوبته الرجم حتى الموت :
وَاذْهَبْ إِلى الكَهَنَةِ اللاوِيِّينَ وَإِلى القَاضِي الذِي يَكُونُ فِي تِلكَ الأَيَّامِ وَاسْأَل فَيُخْبِرُوكَ بِأَمْرِ القَضَاءِ. 10فَتَعْمَلُ حَسَبَ الأَمْرِ الذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ وَتَحْرِصُ أَنْ تَعْمَل حَسَبَ كُلِّ مَا يُعَلِّمُونَكَ. 11حَسَبَ الشَّرِيعَةِ التِي يُعَلِّمُونَكَ وَالقَضَاءِ الذِي يَقُولُونَهُ لكَ تَعْمَلُ. لا تَحِدْ عَنِ الأَمْرِ الذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ يَمِيناً أَوْ شِمَالاً. 12وَالرَّجُلُ الذِي يَعْمَلُ بِطُغْيَانٍ فَلا يَسْمَعُ لِلكَاهِنِ الوَاقِفِ هُنَاكَ لِيَخْدِمَ الرَّبَّ إِلهَكَ أَوْ لِلقَاضِي يُقْتَلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيل. تثنية 17عدد 9-12
اما القتل العمد : فعقوبته الموت
مَنْ ضَرَبَ إِنْسَاناً فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلاً. )) خروج 21عدد 12
كُلُّ مَنْ قَتَل نَفْساً فَعَلى فَمِ شُهُودٍ يُقْتَلُ القَاتِلُ. وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ لا يَشْهَدْ عَلى نَفْسٍ لِلمَوْتِ. 31وَلا تَأْخُذُوا فِدْيَةً عَنْ نَفْسِ القَاتِلِ المُذْنِبِ لِلمَوْتِ بَل إِنَّهُ يُقْتَلُ.)) عدد 35 عدد 31
الحادي عشر : من اعتدى على أحد أبويه بالسب أو الضرب :
وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً. .. .. 17وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً. خروج 21عدد 15
وعند اغتصاب فتاة أو إغوائها سواء كانت مخطوبة أم متزوجة :
(( وَلكِنْ إِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ الفَتَاةَ المَخْطُوبَةَ فِي الحَقْلِ وَأَمْسَكَهَا الرَّجُلُ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا يَمُوتُ الرَّجُلُ الذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا وَحْدَهُ. 26وَأَمَّا الفَتَاةُ فَلا تَفْعَل بِهَا شَيْئاً. ليْسَ عَلى الفَتَاةِ خَطِيَّةٌ لِلمَوْتِ بَل كَمَا يَقُومُ رَجُلٌ عَلى صَاحِبِهِ وَيَقْتُلُهُ قَتْلاً. هَكَذَا هَذَا الأَمْرُ. 27إِنَّهُ فِي الحَقْلِ وَجَدَهَا فَصَرَخَتِ الفَتَاةُ المَخْطُوبَةُ فَلمْ يَكُنْ مَنْ يُخَلِّصُهَا.)) [تثنية 22عدد 25-27]
واخيرا عند عبادة الأوثان تكون العقوبة الرجم حتى الموت :
(( تَرْجُمُهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ لأَنَّهُ التَمَسَ أَنْ يُطَوِّحَكَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِكَ الذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ العُبُودِيَّةِ. 11فَيَسْمَعُ جَمِيعُ إِسْرَائِيل وَيَخَافُونَ وَلا يَعُودُونَ يَعْمَلُونَ مِثْل هَذَا الأَمْرِ الشِّرِّيرِ فِي وَسَطِكَ.)) [تثنية 13عدد 1-11]
المهم هو ان مفهوم الفقرات السابقة لم يشذ اويحيد عنما ورد فى (حزقيال 18 : 20) من كون الانسان مسئول عن جنايته فقط لا جناية احد اخر حتى لوكان اب او ابن وظهر ذلك جليا في تثنية 22 عدد 25 – 27 ((وَلكِنْ إِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ الفَتَاةَ المَخْطُوبَةَ فِي الحَقْلِ وَأَمْسَكَهَا الرَّجُلُ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا يَمُوتُ الرَّجُلُ الذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا وَحْدَهُ. 26وَأَمَّا الفَتَاةُ فَلا تَفْعَل بِهَا شَيْئاً. ليْسَ عَلى الفَتَاةِ خَطِيَّةٌ لِلمَوْتِ بَل كَمَا يَقُومُ رَجُلٌ عَلى صَاحِبِهِ وَيَقْتُلُهُ قَتْلاً. هَكَذَا هَذَا الأَمْرُ. 27إِنَّهُ فِي الحَقْلِ وَجَدَهَا فَصَرَخَتِ الفَتَاةُ المَخْطُوبَةُ فَلمْ يَكُنْ مَنْ يُخَلِّصُهَا.)) [تثنية 22عدد 25-27] فقد تم التبيه على عدم عقاب الفتاة او اخذها بخطيئة الشاب مما لا يجعل مجالا للشك او الاستدراك ولا يمكن ان ننسى ايضا بان العقوبات السابقة كانت محددة المعالم والابعاد من كم ونوع وكيف وليس ذلك لغلق الباب على شطحات ونطحات البشر بل ايضا لانه من اهم متطلبات العدل والرحمة حتى تكون الرؤية كاملة للانسان ولقد اوضحنا ذلك سابقا .
ثانيا : في الفقرات السابقة صدر الامر بعقاب الجانى فقط وكان ذلك لحكمة سامية هذه الحكمة لن تتحقق بعقاب انسان اخر.
ثالثا : وجود الجانى يقتضى وجود المجنى عليه بغض النظر عن نوع الجناية ويمكن ان نصل لمفهوم يناقض ما ورد في (حزقيال 18 : 20) (النفس التى تخطىء هى تموت لا يحمل الابن من اثم الاب ولا يحمل الاب من اثم الابن بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون) . (حزقيال 18 : 20).
في حالة واحدة فقط وهى ان يكون كلا من الجانى والمجنى عليه مستحقان للعقاب لكون احدهما جانى والثانى مجنى عليه .