سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

الاخوة الافاضل اسالكم الدعاء » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | لاويين 20 :21 يسقط الهولي بايبل في بحر التناقض !!! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | صلب المنصر هولي بايبل على أيدي خرفان الزريبة العربية ! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | ابحاث على الكتاب المقدس قويه جدا مفيده لكل دارس مقارنة اديان » آخر مشاركة: ابا عبد الله السلفي | == == | ابحاث على الكتاب. المقدس قويه جدا مفيده لكل دارس مقارنة اديان وكل باحث عن الحق » آخر مشاركة: ابا عبد الله السلفي | == == | ابحاث على الكتاب المقدس قويه جدا مفيده لكل دارس مقارنة اديان وكل باحث عن الحق » آخر مشاركة: ابا عبد الله السلفي | == == | قيامة يسوع الإنجيلي من بين الأموات حقيقة أم خيال! ــــ (وقفات تأملية في العهد الجديد) » آخر مشاركة: أبو سندس المغربي | == == | رد شبهة:نبيُّ يقول : إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ،وينظر للنساء... » آخر مشاركة: أكرم حسن | == == | فشل ذريع لمسيحية أرادت ان تجيب على أخطر تحدي طرحه ذاكر نايك للنصارى في مناظراته » آخر مشاركة: فداء الرسول | == == | صفحة الحوار الثنائي مع العضو المسيحي Nayer.tanyous » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى ... 2 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 37

الموضوع: سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر

  1. #21
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    وداعاً مفتي الأمة ابن باز

    بقلم: د. صالح بن عبد الله بن حميد
    الاهتمام بالأعلام دليل وعي في الأمة وعنوان وفاء في المجتمع وهو في ذات الوقت طريق صحيح لتعريف الجيل والأجيال بعده بالقدوة والأسوة والمثال الحي.
    وأنّ العلم المتحدث عنه هو سماحة الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز أمد الله في عمره على طاعته وحفظه في صحته ودينه وعلمه.
    أن ابن باز هذا اسم عال في سماء العصر وعنوان بارز في رجال الجيل يسمو على التلقيب بالألقاب (ابن باز) يترفع عن التحلي بالنعوت والعرب بفطرتها الصاخبة تنكر حاجة الأعلام للألقاب حتى قالوا: (وهل يخفى القمر!!).
    والنيران: الشمس والقمر يذكران من غير حلية أو لقب، وأنت خبير بأن من الأسماء نكرات موغلة في التنكير لا يزيدها التعظيم بالألقاب والتفخيم بالنعوت إلا نكرة وخفاء وضمور، يموت أصحابها وما عرفوا وما ذكروا.



    وقد يموت أناس لا تحسهم




    كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا


    والأصالة العربية تنزع إلى التجريد فتتعلق بالجواهر والمعاني فتنادي عظماءها بأسمائهم المجردة ثقة بنفسها وثقة بعظيمها.
    وأنه ليكفي علمنا وشيخنا أن يدعى (ابن باز) فله تكوينه السوي وفقهه الواثق وروحه المتوثبة في قيم خلقية صافية، ترفعت على الشهوات نفسه، وتحلت بالإيثار خليقته، يصرفه عقل دارك وقلب يقظ، مرفود بالركانة والزكانة والنظرة الشاملة والتصور الكلي غير المحبوس في أفق خاص أو دائرة ضيقة إنه للأمة كلها وللدين كله.
    يجمع بين الهمة العالية والخشوع والخضوع، سر الإعجاب أنه متواضع في بساطة مع كم من القيم والمثل العليا. رجل فذ يحمل المسؤولية بقوة ويرسم المنهج بكفاءة.
    معهد علم ينهل منه الوارد فقهاً في الدين وفضلاً في المعضلات بضاعته في ذلك الآية والحديث والسند والرواية والفقه والدراية، فهو صاحب حجة وقائم بدليل ومستمسك بالوحيين.
    عمله إدارة وجهاد يبذل الشفاعة ويقضي الحاجة ويعين على ثوابت الحق.
    في منزله بيت كرم رفيع العماد تسطر أفعاله في الجود مع حاتم

    طيء وهرم بن سنان.
    هو في هذا أو ذاك يحمل هموم الأمة على كاهله ويتزاحم الناس على بابه ويسير الناس في ركابه المطالب تحيط به من كل جانب.
    تمر به العواصف العاتية وهو ثابت كالطود الأشم وتنزل النوازل فإذا الشيخ يتلقفها باليمين.
    لشدة الحق في سماحة سماحته معلم وللدعاة في وسطية مسلطه منهج.
    وبعد فهذه إلماحات وإشارات ومقتطفات من شذرات مما ظهر من حال الشيخ والله ربنا وربه هو حسبنا وحسبه وما شهدنا إلا بما علمنا وعلم البواطن موكول إلى من يعلم السر وأخفى، فهو سبحانه أعلم بمن اتقى وأعلم بمن هو أهدى سبيلاً، فعلى من يحب الخير لنفسه أخذ بجامع المحاسن والاقتداء بما سلك الأماثل، إن أطاق وإن عجز فليترسم الخطى وليتتبع الأثر مأخذ القليل خير من ترك الجميع، ولله الحجة على خلقه ورحم الله شيخنا رحمة واسعة.

    ```


    * العالم الإسلامي: الأربعاء 4-8 صفر 1420هـ، 19-23 مايو 1999م.


    ثلمة في الإسلام

    صالح بن يحيى الدوسي الزهراني
    المحاضر بقسم التربية - كلية المعلمين بجده.
    خراب الأرض ونقص أطرافها يكون بموت علمائها وفقهائها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهم عند تفسير قول الله تعالى: )أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا( الآية، وفي الأثر عن الحسن -رحمه الله- أنه كان يقول: (موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار) وأي ثلمة اليوم أصابت الإسلام والمسلمين كثلمته بموت إمام من أئمة السنة سماحة مفتي الديار العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز غفر الله له ورفع درجته.
    عاش قرابة تسعين عاماً علم وأفتى وربى فيها المسلمين أكثر من نصف قرن على مذهب سلفهم الصالح، خصوصاً في مجمل مسائل الاعتقاد ومفصلها، وذلك من خلال كتبه وفتاواه وطلبته، وقد أولى رحمه الله قضية الألوهية والعبودية والأسماء والصفات جل اهتمامه في دعوته، إيماناً منه بأنه أول وأعظم حق لله على العبيد، ولا أظن عالماً على وجه الأرض اليوم ركز على هذا الحق في دعوته مثل سماحته غفر الله له، فما تكاد تجد له مؤلفات أو تسمع له محاضرة إلا ويبدأ

    بالدعوة إلى توحيد الله الذي لا إله غيره وبيان أنه الغاية التي خلق الله من أجلها الثقلين، بعد ذلك ينثر الدر حول الموضوع المحدد الذي يخص محاضرته على منهج سلفه الصالح قال الله وقال رسوله e مع نقل كلام أئمة الإسلام كالإمام أحمد وشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم مع التركيز على أقوال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله على الجميع.
    كان -رحمه الله- إذا تكلم يتكلم بوضوح وتبسيط للمسائل على سجيته بعيداً عن التكلف والتعقيد، يربي بصغار العلم قبل كباره، وبأصوله قبل فروعه، وبهذا المنهج فتح الله له قلوب الناس، وكتب لأقواله وفتاواه القبول في مشارق الأرض ومغاربها، في كل المراكز الإسلامية والمساجد والأكاديميات المنتشرة في أرجاء المعمورة، قد تتوقف المؤتمرات العالمية عن إصدار حكم شرعي حول موضوع أو قضية ما لاختلاف أعضائها فإذا بلغهم رأي سماحته انفضَّ الخلاف بقبولهم وتصويتهم معه.
    فإذا تأملت أخلاقه -رفع الله درجته- وجدته هيناً ليناً، ذا سماحة وصبر وحلم وأناة، يوقفه طالب العلم في حر الشمس، وقد وضع قدمه الأولى في سيارته فما يرفع الأخرى حتى ينصرف السائل وقد أجابه وقضى حاجته، كما يظهر حلمه في حلقات العلم ومجالسه التي تسمع فيها الأسئلة تنهال على الشيخ من كل جهة، وهو يجيب

    دون ملل أو ضجر، تتكرر الأسئلة فلا يتجاهل أحداً، بل يزيد ويجيب ويكرر الإجابة بحسب حاجة السائل حتى أنه قد تضيق صدور بعض الحاضرين بالإثقال على سماحته وهو في صبر وحلم عجيب استولى على قلبه فلم يجعل للغضب والانفعال فيه مكاناً، إلا أن يكون لله فلا تأخذه في الله لومة لائم، فكم أنكر على أذناب العلمنه والحداثة وأمثالهم من أهل المناهج الفاسدة، وكم أنكر على بعض الزعماء في بعض دول العالم الإسلامي عدم تحكيمهم لشرع الله، فكلمة الحق عنده تخرج بقوة وشجاعة، ومن تأمل كتبه وفتاواه وإنكاراته ورسائله تجلى له ذلك.
    أما وقته فكان وقفاً لله، ومن تتلمذ على يديه يوماً واحداً تربى تربية علمية على استغلال الوقت واستثماره في طاعة الله، إذ يبدأ رحمه الله الفتوى والدرس من بعد صلاة الفجر مباشرة ويظل كذلك يعمل ويفتي ويدرس دون توقف حتى ساعة متأخرة من الليل، بل إنك ترى كاتبه يقرأ عليه وهو في سيارته أثناء انتقاله لعمله أو عودته لمنزله، والشيخ يستمع ويجيب ويفتي حتى يصل مقره، ولسان حاله (إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وتعطل بصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا أنهض إلا وخطر لي ما أكتبه) فاللهم أجرنا في مصابنا وأحسن عزاءنا.. )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(.







  2. #22
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    الشيخ ابن باز .. كان نموذجاً لرجال السلف


    د/ صهيب حسن عبد الغفار.
    في العالم رجال كثيرون ولكن الله ذكر نوعاً عزيزاً من الرجال تنويهاً بشأنهم وتمجيداً لعلو مكانتهم، فقال عز من قائل: )مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(، وقال: )يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(.
    ولا ريب أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من هؤلاء الرجال الذين لا يظهرون على ساحة الوجود إلا نادراً وإذا ظهروا فهم النجوم الكواكب الذين تستنير بهم الأرض وتقتدي بهم الأجيال وتخلد ذكراهم لأبد الآباد.
    جمع الشيخ في ذاته من الأوصاف الحميدة ما تندر أن تجتمع في شخص واحد، كان أمة في ذاته، جيلاً شامخاً من العلم والتقى في عصره، فلما مات صدق فيه من قال:

    وما كان قيس هلكه هلك واحد




    ولكنه بنيان قوم تهدما


    كان قطعة من السلف أكرم به الله تعالى هذه الأمة، قد عاش هذا الزمان ولكنه عكس لنا نموذجاً من أروع النماذج لسيرة من سلف من عباقرة الزمان، تحدث عنه كثيرون ممن صاحبوه ولازموه، وكل يأتي بما لديه من ذكريات وانطباعات وسيكتب عنه الكثير بما تجود به قرائحهم، وإنما أدلي بدلوي بما لدي من مشاهدات شخصية، وحق لي أن أكتب فإن للشيخ عليَّ حقا فإن لم أتمكن من الوفاء به فلتكن مني على الأقل كلمة طيبة أجدد بها ذكراه.
    كنت على صلة بالشيخ ابن باز بالكتابة إليه أحياناً وبزيارته خلال أيام الإجازة حيث أن الوالد الشيخ عبد الغفار حسن الرحماني قد دعي للتدريس في الجامعة الإسلامية -وكنت آنذاك طالبا فيها- ثم بقي يدرس فيها الحديث وأصوله لمدة ستة عشر عاماً، فكنت أتمتع بإجازتي بالمدينة فيتجدد اللقاء مع الشيخ وكلما زرته سأل عن أحوال المسلمين في أفريقيا وكان يسأل عن أحوال بقية الدعاة، كل واحد باسمه ونعته، كان كأمير الجيش الذي يجعل من مهمته تفقد حال كل جندي من جنوده.
    طابت بي الإقامة في نيروبي عاصمة كينيا لعدة سنوات وكانت لي مع أهل البدعة والخرافات جولات وصولات إلى أن وصل بي الأمر


    إلى شدة وعناء فاستخرت الله تعالى في التحول من تلك البلاد وكان لا بد من الاستشارة مع الاستخارة، فجئت إلى الشيخ استشيره في أمري وفي ضرورة تحولي إلى بلد آخر فلم يبد لي الشيخ ضجراً ولا استياء بل عرض عليّ بكل هدوء وبساطة: اختر ما تشاء.
    التحول إلى بلادك باكستان أو إلى إحدى بلاد الإفرنج بريطانيا أو أميركا، وكان الشيخ آنذاك رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقد اختلجت في صدري فكرة تسجيل اسمي كطالب غير متفرغ للدراسة العليا في جامعة من الجامعات فاخترت التحول إلى بريطانيا لما عرف عنها من كثرة الجامعات وأقسامها التي تهتم بدراسة العلوم الشرقية والإسلامية وهكذا تم النقل بكل يسر وسهولة إلى مدينة لندن في منتصف عام 1976م.
    وأوصى الشيخ كعادته بالجد في الدعوة وملازمة التقوى والسير الدؤوب في هذا المجال فإن المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع. فإذا كنت من أوائل المبعوثين للدعوة في أفريقيا فقد أصبحت أول موفد إلى بلاد الإفرنج من قبل الشيخ أيضاً.
    فتح الله عليّ فرصاً أخرى للاتصال بالشيخ وذلك من خلال عمل الدعوة بين حجاج بيت الله الحرام حيث انتدبت لهذا الغرض عدة أعوام، وقد صاحبني في كثير من هذه الرحلات أخونا المفضال الشيخ سيد متولي الدرش -رحمه الله-.


    أتاحت هذه الزيارات المتلاحقة فرصة مزيد من التعرف على أحوال الشيخ من خلال مكتبه ومنزله. ومن خلال مقامه في مكة المكرمة والطائف، ومن خلال مخيمه في منى وعرفات، وكان للمسجد المجاور لمبنى التوعية الإسلامية في الششة بمكة المكرمة حظ كبير من تواجده بين جدرانه وكلماته التي كان يلقيها عقب بعض الصلوات، وكان للشيخ مزية أراها من مفاخره العظام، وأنه كان يستمع بإنصات إلى كل كلمة يلقيها أحد المشايخ في هذا المسجد، فيعقبها بمزيد من الإيضاح إذا كانت في حاجة إلى ذلك، أو إلى تصحيح أو تصويب لنقطة من النقاط إذا رأى من خطيب هفوة أو عثرة، كله بأدب جم وعبارات ملؤها المودة والإكرام بدون تشهير أو تأنيب، ممتثلاً لقوله تعالى: )إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ(.
    إنَّ الشيخ بذلك ترك سنة حسنة ولكن ما أقل من ينتدب إلى مثل هذه المهمة فإنه يحتاج إلى علم وفير وحكمة بالغة وتواضع حقيقي.
    ولا يخفى على أحد ما للشيخ من أيادٍ بيضاء في إقامة بيوت الله في سائر المعمورة وتشييد صروح العلم في مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن ليرد سائلاً سواء حضر لغرض شخصي أو مطلب إسلامي، فقد حرص الشيخ دائماً على تقديم مساهمة إما بطريق المكتب رسمياً أو بطريق صندوقه الخاص، فإذا لم يتمكن من هذا أو ذاك استحث


    المحسنين بخطابات توصية وشفاعة حسنة على فعل الخير وبذل العطاء فأصبح شريكاً في الأجر في كل حال.
    بدأت بإنشاء جمعية باسم جمعية القرآن الكريم في لندن فكانت للشيخ مساهمة في إنشائها ثم في طبع مطبوعاتها، ولما قمت -مع مجموعة من إخواننا أهل الحديث- بوضع نواة لمسجد التوحيد في حي "ليتون" في شرق لندن عام 1984لم نتمكن بذلك إلا بتبرع سخي يصل إلينا من الشيخ لنشتري به المنزل الذي انطلقت منه جميع الأنشطة التي عرفت باسم مسجد التوحيد.
    ثم تأسس مجلس الشريعة الإسلامية واختير سيد متولي الدرش أول رئيس له والشيخ محمود مير بوري أول أمين عام، ولم يكن لدى المجلس ما يواصل به مسيرته في العمل ولو على نطاق ضيق، فانصرفنا إلى الشيخ فلم يخيب رجاءنا وتتابعت مساهماته في أولى سنواته إلى أن استوى على سوقه واستقام أمره وترعرع.
    ولا يسعني إلا أن أقول إنَّ هذه المنشآت الثلاث نالت من رعاية الشيخ وعظيم منواله ما عزز من مكانتها وبارك في ثمراتها.
    وكانت هناك فرصة أخرى من أطيب الفرص وأحلاها أن ينتدبني الشيخ مع سيد متولي الدرش -رحمه الله- لمراجعة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية التي هي من نتاج أحد أفاضل الهند السيد عبد الله يوسف علي وقد سبقنا عدة من أهل العلم بمراجعة هذه الترجمة إلا أن


    الشيخ أراد منا بذل كل جهودنا لتخليصها من كل شائبة من انحراف فكري أو خطأ في العقيدة غابت عن أذهان المراجعين الذين سبقونا، فقدمنا إلى الرياض وسلمنا على سماحته وحظينا بضيافته في داره كشأنه مع جميع الزوار ثم حللنا في دار الدعاة المجاورة لمبنى الرئاسة، وبدأنا العمل في مراجعة هذا السفر الضخم من ترجمة معاني القرآن الكريم والحواشي التي دبجها يراع المترجم الفاضل، ولما كانت الغربة عن الأهل والأولاد تقض مضاجعنا انكببنا على دراسة هذه الترجمة وواصلنا الليل بالنهار لنقضي من العمل ما نستطيع في أقرب وقت ممكن.
    وقد بلغت حواشي هذه الترجمة إلى ستة آلاف حاشية ونيف، أتينا على عشرها إما بالتصحيح أو بالحذف أو بالاختصار، وأخذ منا هذا العمل قرابة ثلاثة أشهر، وحمدنا الله على إنجازه وودعنا الشيخ بحرارة، وعدنا أدراجنا إلى بلاد المهجر، وأخذت هذه النسخة المصححة مدة من الزمن حتى تماثلت للطبع وذاعت في الناس وعمت وشاعت وصارت توزع في بلاد الغرب الناطقة باللغة الإنجليزية، وإذا بنا نستلم من الشيخ قائمة تحتوي على ثمانين ملاحظة على هذه الترجمة مما تمس العقيدة أو التعبير الإنجليزي لنص من النصوص، بحيث فاتنا إصلاحه أو خاننا التنبيه إليه.
    جلست أنا والشيخ الدرش ندرس هذه الملاحظات فنتخذ لبعضها


    تأويلاً إذا تحمل التأويل ونخرج للبعض الآخر تخريجاً من ناحية اللغة الإنجليزية إذا أمكن ذلك، ونقر بالخطأ الحاصل في عدم إدراكنا للمفهوم الخاطئ الذي صدر أصلاً من المترجم نفسه وبعثنا بالجواب إلى الشيخ، ولم يصل إلينا من الشيخ تأنيب ولا تقريع وهذا مما يدل على علو مكانة الشيخ وصدره الرحب وخلقه الحسن الذي وسع الناس كلهم.
    وقد كثر الجدال حول هذه الترجمة وصلاحيتها ليكون متداولاً بين الناس فاستبدلت في الآونة الأخيرة بترجمة مبسطة أخرى. وقد أتيحت لي فرصة نقل بعض رسائل الشيخ إلى اللغة الإنجليزية أو الأردية مثل رسالة الشيخ في الرد على الرؤيا المكذوبة التي ادعاها المدعو أحمد خادم المسجد النبوي، وكذلك حاشية الشيخ المختصرة على متن العقيدة الطحاوية.
    كما تشرفت غير مرة بنقل كلام الشيخ إلى اللغة الإنجليزية مباشرة وذلك عندما قبل الشيخ إلقاء محاضرة بطريق الهاتف ثم الرد على أسئلة المستمعين من خلال مكتب مسجد التوحيد بلندن بحيث ربط هذا اللقاء الهاتفي بعديد من المراكز الإسلامية في بريطانيا وأوروبا خلال السنوات الثلاث الماضية.
    وكان الشيخ يستهل مكالمته بالسؤال عن حال والدي الشيخ عبد الغفار حسن (المقيم حالياً في إسلام آباد) وحال إخواننا السلفيين حولنا، وحصل تعطل مرة في هذا الاتصال ولم نتمكن من الوصول


    إليه إلا بعد تأخير، فلم يعنف بل استجاب إلى أسئلة الحضور لما بقي من الوقت ثم ودعنا على أن نعاود الاتصال معه في فرصة أخرى.
    ولا يسعني كذلك إلا أن أذكر جانبا مهماً من جوانب سيرته وهو غير مخفي على أحد غير أن قليلاً من الناس ينوه به فإن المرء يعرف بجليسه.
    وهكذا كان حال الشيخ فقد اختار جلساءه وأعوانه في المكتب والمنزل وهم من خيرة الناس وأطيبهم وأحسنهم. وما لك إلا أن تنظر إلى أصحابه حوله بدءاً بابن عمه وصاحب سره وحامل ختمه الشيخ عبد العزيز بن ناصر ومدير مكتبه الشيخ عبد الله الحكمي، ونائبه في جميع أموره الشيخ إبراهيم بن صالح آل الشيخ، والمسؤول عن مكتبه الخاص الشيخ إبراهيم الحصين رحمه الله وسكرتيره الملازم له في حله وترحاله الدكتور محمد بن سعد الشويعر، وجميع كتابه الآخرين ومنهم الشيخ عبد الملك آل الشيخ والشيخ الدكتور محمد لقمان السلفي.
    كما التف حوله زمرة من فضلاء العصر المعاونون له في أمور الدعوة والإفتاء من أمثال الشيخ محمد بن قعود والشيخ على الغيث والشيخ عبد الله بن زيد والشيخ إسماعيل بن عتيق، وكثير غيرهم قد أنسى أن أذكر أسماءهم ولكن مكاتب الرياسة لا يمكن أن تنساهم ولا من حل فيها، انعكست فيهم أخلاق الشيخ فيرحبون بالزائر أيما ترحيب ويحرصون على قضاء مآربه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
    وهكذا الرجل الصالح يجمع حوله الصالحين وصدق أصدق


    القائلين من الأنبياء والمرسلين: ((لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)).
    أكننت للشيخ حباً كسائر الناس ولكن عبرت عنه بطريق جاء عفواً ولم يكن لي فيه اختيار، رأيت رؤيا في إحدى الليالي وذلك قبل سفري إلى الرياض في شهر جمادى الآخر من العام الماضي (1419هـ) رأيت فيها الشيخ مستلقياً على السرير مرة وقائماً مرة أخرى، واقتربت منه حتى قلت له كلمة لا تزال ترن في أذني، قلت له: أنا أحبك.
    ولم يعلق في ذاكرتي من هذه الرؤيا كلمة في غاية الوضوح إلا هذه الكلمة، ثم أتيحت لي فرصة اللقاء مع الشيخ في مكتبه فتذكرت هذه الرؤيا وتجاسرت أن أذكر له ما رأيت وكنت اشتاق إلى سماع هذه الكلمة من لسان الشيخ أيضاً فتحركت شفتاه وسمعت منه ما سرني: (وأنا أحببتك) ولا ضير في التفوه بهذه الكلمة لمن تحبه في الله، فقد قالها الرسول e لمعاذ بن جبل وقالها معاذ -رضي الله عنه- الله عنه لأبي إدريس الخولاني لما قال له: أنا أحبك في الله.
    هكذا كان آخر لقائي مع الشيخ صباح ذلك اليوم في مكتبه وظهراً في بيته على مائدة الغداء. وكان آخر مكالمتي له في صباح يوم الأربعاء غرة ذي العقدة عندما اتصلت بمكتبه في الرياض من لندن ومكنني صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله الحكمي من مكالمته بالهاتف


    في أمر فوري يتعلق بأمر من أمور الدعوة بالأخص بما جرى في مسجد التوحيد من تصرف غير حكيم من قبل بعض المتبجحين بالعلم، فنصحني الشيخ في هذا الأمر وحثني على درء الفتنة بما تيسر من القوة، وتجنيب المسجد من عناصر مشبوهة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    * الشرق الأوسط: الاثنين 14/6/1999م - العدد 7503.






  3. #23
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    كلمة مضيئة
    من مناقب فقيد الأمة


    بقلم: طارق العيسى
    رئيس جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت
    عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أتدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا. قال: ذهاب العلماء.
    ودعت الأمة الإسلامية علماً من أعلامها المصلحين ونجماً من نجومها الساطعة في سماء العلم، [شيخ الإسلام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز] رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين.
    لقد كان -رحمه الله- من العلماء العاملين الذين وفقهم الله إلى نشر الدعوة الإسلامية السلفية (دعوة التوحيد).. وكان -رحمه الله- يذكرنا بسيرة أئمة علماء السلف الصالح.
    كما أجمع الناس على حبه وتقديره، ووضع الله له القبول عند الكبير والصغير، وعند الموافق والمعارض، وعند من عرفه عن قريب أو سمع عنه من بعيد.


    وكان -رحمه الله- رمزاً للتسامح والوسطية وسعة الأفق، تلمس ذلك من دروسه وفتاواه ومواقفه من القضايا الشائكة والنوازل.
    ولقد كان موقفه من أزمة الخليج من أبرز المواقف التي فيها حسم الخلاف حول جواز الاستعانة بالأجنبي، ولقد كان للفتوى أثر كبير في الإطفاء فتنة عظيمة كادت تقضي على الأخضر واليابس في الجزيرة العربية.
    لقد كان محباً -رحمه الله- لطلاب العلم، فتح بابه للجميع... متواضعاً لهم متابعاً لأحوالهم الدعوة وشؤونهم الخاصة، يتفقدهم كما يتفقد الأب أبناءه، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، وقد أحبه طلبة العلم حباً جماً لسماحته وكرمه وتواضعه الذي أكسبه محبة الجميع...
    لقد اكتسب ثقة أهل الخير من المحسنين، فما كان الشيخ يقتنع بحاجة داعية أو مؤسسة إسلامية إلا بادر بالكتابة إلى التجار وإلى الهيئات المتاحة، سواء الحكومية والأهلية، فيستجاب لشفاعته ولا يرد طلبه.
    وقد بلغ عدد الطلاب والدعاة الذين يصرف لهم رواتب شهرية من منزل الشيخ أكثر من ألفي طالب علم.
    فضلاً عن ذلك كان يبذل من ماله الخاص ويحث المحسنين على


    أعمال البر من بناء المساجد، وطبع الكتب، وإقامة المعاهد السلفية، ويحث كذلك المسؤولين لتقديم المساعدات بالمال والجاه والدعاة.
    كان -رحمه الله- يحذر من الخوض في أعراض الناس، لا سيما طلبة العلم والعلماء.
    وكان ينصح -رحمه الله- برفق وحكمة بالغة حكام المسلمين ويرشدهم إلى تحكيم الشريعة الإسلامية. فقد قال: (والواجب على ولاة الأمور في الدول العربية ولإسلامية التناصح وأن يحكموا شريعة الله في عباد الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن لا يتساهلوا فيما شرعه الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله، وأن ينقادوا لشرع الله، وأن يلزموا شعوبهم بشرع الله، وهذا هو طريق النجاة، وطريق العزة، وطريق النصر، وطريق جمع الكلمة).
    وكان سيفاً مسلولاً على أهل البدع والشرك والخرافات، يحذر منهم ويرد عليهم منتهجاً بذلك مسلك شيخه المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. وكان من أكبر همومه، الدعوة إلى التوحيد الخالص وتصفية العقيدة من الشوائب والبدع التي شوهت جمال الإسلام.
    أما الجامعة الإسلامية فهي حسنة من حسناته، حيث تخرج منها آلاف الطلبة، وهم الآن أبناء أكثر من مائة وأربعين جنسية، وكلهم انتشروا في مختلف الأمصار، ينشرون العلم، ويدعون إلى توحيد الله -عز وجل-


    إنها لا شك صدقة جارية ونهر من أنهار الخير في ميزان حسنات شيخنا.
    إن المكانة التي اكتسبها شيخنا -رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى- لدليل قوي على مكانة العلماء العاملين المخلصين مما يجعلنا نشتد حزناً على موت علمنا الذي عرفناه وعاصرناه ولمسنا آثاره، واستفدنا من علمه وعمله.
    لقد مات -رحمه الله- بعد أن خلف تراثاً باقياً، وربى أجيالاً.. وقد ترك وراءه في كل قطر إسلامي مدرسة أو معهداً أو داعية، لقد ترك في كل مكتبة فتاوى وتوجيهات ونصائح ومؤلفات، تزخر بها المكتبة الإسلامية كان زاهداً في الدنيا، عفيفاً عما في أيادي الناس، وكرمه بما في يده، ولا يعلم هذا إلا من خالطه، حتى أن راتبه كان ينفقه في سبيل الله، أو ينفق أكثره.
    فالله نسأل أن يسكنه فسيح جناته، وأن يوسع له في رضوان رحمته، وأن يعلي منزلته، ويرفع درجته مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، ونسأله سبحانه أن ينفعنا بعلمه، وأن يبصرنا بالطريق فنسلك دربه.
    ```

    * مجلة الفرقان.



    ابـن بـاز .. وموقفان
    مع الندوي .. والغزالي


    بقلم: د. عبد الحليم عويس
    عاش تسعين عاماً ملء السمع والبصر.. كأنه ولد رجلاً!! لم أتصور له طفولة ولا صباً ولا فتوّه.. فدائماً كنت أتصوره شاباً في نشاطه، شيخاً في سلوكه، ويعيش بين الناس في الدنيا.. لكن قلبه موصول بالآخرة!!
    كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- يعيش مع ضيوفه في بيته العامر، ويرد في الوقت نفسه على السائلين والمستفتين من هاتفين في وقت واحد!!
    ولم يشعر الذين تعاملوا معه -رحمه الله- أنهم يتعاملون مع رجل ملء السمع والبصر، له في قلوب الناس مكانة خاصة، وله في عالم الإسلام مكانة عامة..
    لم يكن يسمح لأحد في مجلسه بفضول القول.. بل كان يرد الناس إلى الأدب الإسلامي في ودٍ وحزم.. وإذا كان هذا شأنه بالنسبة لكل الناس، فقد كان شأنه بالنسبة للعلماء والدعاة أقوى وأحزم..!!


    صحيح أنه لم يكن يتصور الكذب في الناس، ولا سيما الذين يرتادون مجلسه، لكنه مع ذلك كان يطلب الدليل، وكان يمحص الأمور قدر استطاعته، وكان دائماً عندما يستبين له الرأي الأصوب يعلنه، فقد كانت غيرته على الحق أكبر عنده من كل الاعتبارات الدنيوية والاجتماعية!
    ```
    زرته يوماً مع سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي -أطال الله عمره- فأكرمه كل الإكرام، وأثنى عليه، ودعا له وللمسلمين في الهند، وبسط القول في المفاهيم الإسلامية الصحيحة، دون أن يتطرق للحديث في أية جزئيات، مع أني كنت أعلم أن بعض إخواننا -هداهم الله- لا يسرهم بقاء الود كبيراً وقائماً بين ندوة العلماء في الهند وبين سماحة الشيخ ابن باز والمملكة العربية السعودية!! لكن سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- كان عارفاً بأقدار الرجال وبموازين الحق!!
    ```
    وزرته يوماً مع فضيلة الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله رحمة واسعة- فاستقبله -أيضاً أحسن استقبال، وأكرمه غاية الكرم، وتكلم في بعض الأمور بطريقة عامة كريمة جعلت الشيخ الغزالي يقول للشيخ ابن باز -بود وحب-:


    أكتب إليَّ ما تشاء في ضوء النصوص الشرعية وأنا مستعد للعدول عن أي رأي كنت قد رأيته أو اجتهدت فيه!! ولهذا كان الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- دائم القول في الشيخ عبد العزيز بن باز -وأنا شاهد على ذلك-:
    إن الشيخ عبد العزيز بن باز ملك من ملوك الآخرة!! لقد كان الرجلان كبيرين -بحق- وأصحاب نفوس كبيرة بيقين!!
    ```
    وعندما كنت أحرر "الملف الفقهي لجريدة الشرق الأوسط" قرأت بعض الفتاوى لسماحة الشيخ عبد العزيز -رحمه الله وجعله في الفردوس الأعلى- ورأيت بعض الآراء الأخرى التي توافرت لدي تخالف رأيه.
    وكان الملف الفقهي يقتضي إبراز كل الآراء الصادرة عن الثقات، فاتصلت بسماحته وطلبت منه موعداً، وشرحت له الأمر وبيّنت له أن هؤلاء الفقهاء في بلادهم لا يستطيعون أن يميلوا إلى هذا الرأي لأنه يسبب لهم حرجاً ومشكلات كثيرة بالنسبة لظروفهم وأوضاع بلادهم.
    وأشهد أن الرجل كان مجتهداً بحق، وأنه سمح لي أن أبرز الآراء الأخرى مشيراً إلى مخالفة هذه الآراء لسماحته، ودعا لي بخير وسألني -وهكذا كان يفعل معي ومع كل الناس- عن أسرتي وأموري وكأنني صديق من أقرب الناس إليه وهكذا كان شأنه مع الجميع.


    وقد كنت دائماً أقول: "إنَّ الشيخ ابن باز عاش في الدنيا فوق المادة وفوق الدنيا" وبينما كانت الدنيا تمور من حوله بالمادة.. كان زاهداً فيها، يسخّرها ما استطاع للخير، ويبذل جاهه وماله في سبيل الإسلام، بل إنَّ بيته كان مقصد الكثيرين القادمين من أفريقيا وآسيا وكانت مائدته اليومية البسيطة تستقبل الزوار والضيوف كباراً وصغاراً على قدم المساواة!!
    وستبقى بصماته حية قوية في معظم المؤسسات الإسلامية الدولية والمحلية وسيبقى نموذجاً للسلفية الودود، التي تتعامل مع الآخرين تعامل الطبيب الرحيم مع المريض الضعيف.. وصدق الله العظيم في قوله لنبيه الكريم: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ..([(159) سورة آل عمران].
    اللهم إنا نشهد أن الشيخ ابن باز كان طبيباً رحيماً فارحمه رحمة تليق برحمتك وأنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وعوضنا خيراً فيه.

    ```



    * الدعوة: العدد 1694 - 19 صفر 1420هـ - 3 يونيو 1999م.






  4. #24
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    ابن باز .. مناقب إمام !!

    عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل
    إنَّ شخصية كشخصية الشيخ عبد العزيز بن باز لا تستطيع الحروف ولا المعاني أن تفي بقدره ولا بشيء من حقه، وما جعل الله له من المحبة في قلوب العباد خير شاهد لذلك، فمهما كتب فيه من الثناء والتبجيل وتعداد المحاسن والفضائل التي اتصفَّ بها فما نكنُّ له في القلوب أعظم وأجل. ولعلي في هذه العجالة أشير على بعض هذه الفضائل والخصائص التي وجدتها فيه من خلال دروسه وجلساته ومن كتبه وأشرطته:
    1- التقوى والخشية لله تعالى.
    2- الإخلاص والصدق مع الله والنية الصالحة.
    3- كثرة تعلقه بالله تعالى وقوة التوكل والاعتماد عليه سبحانه ويقينه العظيم بالله تعالى.
    4- كثرة تذكر الآخرة ونعيم الجنة وما أعده الله لأهلها وعذاب النار وما أعده الله لأهلها.
    5- خشوعه وبكاؤه الكثير من خشية الله.


    6- زهده في هذه الدنيا وتجافيه عنها وعن كل حطامها.
    7- ورعه العظيم في أقواله وفتاويه رغم ما رزقه الله من علم غزير فقد سمعته عشرات المرات يقول -إذا سئل- "الله أعلم" في مسائل يفتي بها سائر الناس فضلاً عن طلبة العلم.
    8- قوته في العبادة وجمعه بين أنواعها من صيام وصدقة وقيام ليل وكثرة ذكر واستغفار وغيرها.
    9- غزارة علمه وموسوعيته المتكاملة وإلمامه بفنون الشريعة وعلومها، وجمعه المتين بين الفقه والحديث.
    10- فهمه العميق لمقاصد الشريعة وإحاطته بنصوصها مع سعة الأفق وبعد النظر ودقة الفقه.
    11- إدراكه الواسع لقواعد المصالح والمفاسد وقدرته الفذة على التوفيق بينهما ومعرفة الأصلح في هذا الباب الذي تزل فيه الأقدام.
    12- حرصه الشديد على اتباع السنة والدليل واقتفاء أثر النبي e في كل شيء.
    13- جلده وصبره وجده في العلم فلقد كان يجلس لبعض دروسه ما يقارب من ثلاث ساعات جلسة واحدة، ويقرأ عليه فيها أكثر من عشرة كتب رغم تقدم سنه وتردي صحته رحمه الله.


    14- ما حباه الله ومنّ به عليه من قوة الحافظة والذاكرة التي متعه الله بها إلى آخر حياته.
    15- حرصه -رحمه الله- على كسب القلوب وتقارب الآراء وجمع الكلمة وتوحيد الصف.
    16- أدبه الرفيع مع المخالفين وعدم تجريحهم والتغليظ عليهم، وهذه منقبة عظيمة لا يتصف بها إلا أعاظم الرجال.
    17- تصديه للبدع والرد على المبتدعة وجهاده الطويل في هذا المضمار.
    18- صدعه بالحق ووقوفه -رحمه الله- في وجوه الفتن واجتهاده العظيم في رد المنكرات وقمع الفساد وثباته الواضح أمام أمواج الفتن.
    19- مواقفه الجبارة في الإصلاح والدعوة ونشر الخير والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    20- عالميته الواسعة وتجاوزه هموم بلده ووقوفه مع المسلم في أقطار الأرض والإحساس بهمومهم ومتابعة أخبارهم ودعمهم المعنوي المادي.
    21- صدق شفقته على الأمة ودوام مناصحة المسلمين عامتهم وخاصتهم، واجتهاده -رحمه الله- في ذلك.
    22- تواضعه الجم ووقوفه مع الفقراء والمساكين والأرامل في كل بلد وفتح


    بابه لكل أحد، وسماعه لمشاكل الناس جميعاً والاجتهاد في معالجتها، والسعي في قضاء حوائج الناس، والشفاعة لهم.
    23- سماحة نفسه رحمه الله وسعة خلقه ولطفه ولين عريكته مع جميع الناس.
    24- كرمه العميم وسخاؤه الذي لا يشق له غبار.
    25- حلمه وعفوه وصفحه -رحمه الله- على من أغلظ عليه أو آذاه.
    26- سمته ووقاره رحمه الله والسكينة التي لا تفارقه أبداً.
    27- بشاشته وطلاقة وجهه وحسن منطقه -رحمه الله تعالى- فلله دره كيف جمع بين هذه كلها وهذه الصفات التي ذكرت في هذا الإمام المجدد إنما هي غيض من فيض سقتها كي يُقتدى به فيها "وله في كل واحدة مما ذكرت قصص وأخبار ومواقف عظيمة تستحق التأمل وتثير العجب تكتب بالمجلدات" فهو قدوة ومثال يقدم لشباب الإسلام وطلبة العلم، بل العلماء، عسى أن نسير مسيرة ونرتسم خطاه ونتأسى به في هذه الخلال العظيمة التي منّ الله عليه بها جميعاً.
    نسأل الله أن يرفع قدره ويعلي في العالمين ذكره، ويسكنه فردوسه الأعلى، كما نسأله أن يأجرنا بفراقه ويخلفنا مثله، ويجبر قلوبنا بفاجعة موته رحمه الله رحمة واسعة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



    * الدعوة: العدد 1694 - 19 صفر 1420هـ، 3 يونيو 1999م.





    إلى جنة الخلـد يا أبـا عبد الله


    عبد الرحمن عبد الله التويجري
    مهما أوتي أحدنا من فصاحة وبلاغة وبيان فإنه لا يستطيع أن يعبر عما يكنه في الجنان تجاه عالم علمائنا وحكيم حكمائنا وقدوة أهل زماننا فقيدنا بل فقيد الأمة كلها إنه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله-.
    لقد تجرأت على من هو أحق مني وأمسكت القلم بيدي مع بعدي عن الشيخ وقلة علاقتي به لأسطر كلمات عن فيقدنا لعلها تكون شاهدة لي على محبته يوم القيامة فالمرء يحشر مع من أحب.
    من أين أبدأ وعن أي شيء أتحدث من يستطيع أن يأتي لنا بكل ما في البحر أو يحصي لنا عدد أوراق الشجر، ويزداد الأمر صعوبة وأنت قد فجعت بفاجعة من فواجع هذا الزمان أظلمت الدنيا بخبره وحق لها أن تظلم فقد غاب نجم من نجومها ونور من أشعة شمسها.
    نعم إن خبر وفاته فاجعة، وليس على أبنائه وأقاربه فقط ولا على محبيه ومجالسيه ولا على أهل بلاده وزمانه فحسب، بل على المسلمين جميعاً، كيف لا وهم قد فقدوا أباً رحيماً ومربياً متواضعاً وشيخاً جليلاً محبا للفقراء والمساكين عطوفاً على المعوزين والمحتاجين.


    رحمك الله يا أبا عبد الله فقد عرفناك متواضعاً وعالماً وحكيماً ومخلصاًَ ومحبوباً.
    ومن شدة تواضعه -رحمه الله- يلقبه البعض أبا الفقراء والمساكين، لم يبخل عليهم بماله وفتح لهم بابه. كان يعطي عطاء من لا يخش الفقر ويطعم الطعام ولا ينتظر من أحد الشكر، إذا أتى إليه مسكين أو فقير أو ذو حاجة قال احضر معنا على الغداء بعد صلاة الظهر ويأتيه المسكين أو الفقير وذو الحاجة فرحاً مسروراً يوم أن حظي بهذه الدعوة لوحده فإذا أقبل على مجلسه فإذا هو قد امتلأ بالناس هذا لديه سؤال وهذا عنده إشكال وهذا جاء محباً وزائراً وهذا جاءه يريد مالاً وهذا جاءه مستفتياً؛ فلله درك يا أبا عبد الله قد أتعبت من بعدك.
    وأما عن علمه فهو كالبحر الذي لا ساحل له حفظ المتون فلا يكاد يذكر له شيء إلا وعنده منه علم، حديثه كالماء العذب وفتواه يطمئن لها الصدر، لا ينتصر ولا يسفه رأي غيره يُهدى إليه كتاب ليقدم له وفيه آراء تخالف رأيه فما يكون منه إلا أن يثني عليه ويدعو لمؤلفه ويقوي من عزيمته ويوصيه باتباع الحق والحذر من الهوى.
    كان عالماً وفي نفس الوقت داعياً، كتب الرسائل للرؤساء والأمراء من جملة ما كتب رسالة إلى جمال عبد الناصر رئيس مصر آنذاك يستشفعه في سيد قطب. وجمعت له مؤلفات ورسائل في التفسير والفقه والعقيدة والحديث والفرائض والتحذير من التحاكم إلى غير ما


    أنزل الله والتحذير من السحرة والإتيان إليهم، وعقدت له كثير من الدروس في بعض المساجد يشرح لطلبة العلم أمهات الكتب، ويعلق على الندوات التي تقام في الجامع الكبير في يوم الخميس بعد صلاة المغرب.
    وأما عن حكمته فهي من أشهر صفاته )وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً(، كان رحمه الله يتعامل مع الأمور التي تعرض له بحكمة وتأنٍ وبُعد نظر بعيداً عن العجلة والتسرع.
    يأتي إليه الرجل وهو يبكي ويتضجر فيقول عد إلينا بعد كذا حتى نبحث في الأمر وننظر، ويأتيه الآخر وهو يرمي بكلامه بشرر واصفاً ما رآه من منكر فيشكره على غيرته ويهوّن عليه ويكتب إلى من كان مسؤولاً عن ذلك ويذكره. وأذكر يوماً من الأيام أتيته لأخبره عن وجود نشرة تقلل من شأن بعض العلماء فقال إئتني بنسخة منها وتثبت في الأمر أكثر.
    وأما عن إخلاصه فماذا أقول في رجل سخر ماله وجهده ووقته في سبيل الدعوة إلى الله، وما كان عمله ينتهي بمجرد مغدرته مقر العمل بل هو يعمل في كل ساعة من ليل ونهار في مقر عمله، في منزله ومسجده وأثناء سيره بل وهو على الفراش الأبيض في سريره، فمع ما يكابد من آلام المرض يقول لمرافقيه اقرأوا علي رسائل الناس وأسئلتهم. وأما عن محبته يشهد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء. إنه


    بأخلاقه وحسن معاملته نحت حبه في القلب نحتاً، وهذه الصفة لا يستطيع أحد أن يكتسبها بماله أو جاهه وإنما هي هبة من الله يتفضل بها على من شاء من عباده. ففي الحديث الصحيح الذي خرجه البخاري ومسلم: ((إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيوضع له القبول في الأرض)).
    وبالجملة فإن هذه الصفات التي ذكرتها في شخصه رحمه الله حسبما عرفت عنه وإلا فما خفي عليّ وغاب كان أعظم.
    حقاً إنَّ من هذه صفاته يستحق المدح والثناء والدعاء ويكفي فخراً وشرفاً ثقة حكومتنا الرشيدة فيه وتقديرها له بتعيينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية.
    أخي القارئ الكريم:
    إنَّ العين لتدمع وإنَّ القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.









  5. #25
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    رحيل موسوعة العلوم الشرعية

    عبد العزيز إبراهيم بن سعد بن باز
    لقد فجع المسلمون يوم الخميس الموافق 27/1/1420هـ في جميع أنحاء العالم بوفاة علامة زمانه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا الله وإياه في دار كرامته وإن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
    رحم الله الشيخ عبد العزيز بن باز العالم الجليل والداعية المجاهد والمسلم التقي الورع، لقد كان عالماً فقيها مجتهداً وكان مرجعاً معتمداً في العقيدة السلفية النقية من الشوائب والقائمة على الكتاب والسنة، رحم الله فقيد الأمة الإسلامية فقد أمضى شبابه في حلقات العلم، وتتلمذ على يد كبار العلماء واستفاد منهم وسار على نهجهم، لقد حفظ وقته يوم ضيع بعض الناس أوقاتهم وباع الدنيا بأبخس الأثمان، ونذر نفسه لخدمة الإسلام والمسلمين وامتطى صهوة وتعلم وعلم وكان كشجرة طيبة تظل المستظل ويقطف ثمارها الجميع، ومهما كتبت ومهما جاءت وجاشت النفس من مشاعر فلن أوفيه حقه، ولعل عذري هو تحشرج العبرات في قلبي وتحجر الدمعات حزناً على فراق الحبيب، ولقد أكرمني الله بزيارة لسماحة الشيخ يوم الاثنين الموافق 24/1/1420هـ

    قبيل وفاته بيومين في مستشفى القوات المسلحة بالطائف وتشرفت بالسلام عليه، وسألني عن الأهل والأسرة ومكثت عنده قليلاً وكان رحمه الله يستغل كل دقيقة في حياته بالرغم من أنه كان مريضاً حيث رأيته جالساً على الكرسي ويقرأ عليه ابن سيرة عن سماحته، وكان ينصت ويصحح ثم استأذنته وقال لي شكر الله سعيك، ورجعت إلى الرياض ومما دعاني إلى زيارة سماحة الشيخ رحمه الله في وسط الأسبوع أن إحدى الأخوات الفاضلات قد رأت رؤيا صالحة في سماحة الشيخ توحي والله أعلم بدنو أجل شيخنا..
    واسمحوا لي أن أذكر لكم هذا الموقف العجيب والذي يبشر بالخير إن شاء الله لسماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وهذا الموقف حصل من الشيخ سعد بن عبد المحسن بن باز وهو عميد أسرة آل باز، وكان قاضياً ويكبر سماحة الشيخ بعشر سنوات، وقد فقد الذاكرة منذ سنتين وذلك لكبر سنه، وقد كان يكن لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حباً عظيماً وقل أن يجلس في مجلس إلا ويذكره ويدعو له وعندما توفي سماحة الشيخ لم يخبره أبناؤه وذلك لأنه لا يعرف إلا بعض أبنائه فقط، وفي صباح يوم السبت الموافق 29/1/1420هـ استيقظ فزعاً من النوم وأخذ ينادي بأعلى صوته وسأل زوجته من الذي مات من آل باز فلم تخبره ثم ردد مرة أخرى وقال إن هناك من مات من آل باز وأنا أعرفه ولكني نسيت اسمه، ثم سكت قليلاً وقال هنيئاً له هنيئاً له هنيئاً لهذا الرجل جميع

    الناس صغاراً وكباراً يدعون له يحبونه وأنا أحبه، ثم قال أعطيني الماء كي أتوضأ وأصلي عليه قبل أن يدفن ويعلم الله أن هذا الكلام قد حصل منه كما روته زوجته، الله أكبر كيف علم بوفاة سماحة الشيخ وهو فاقد للذاكرة بل كيف أنه طلب الماء كي يتوضأ ويصلي على هذا الميت.. وهو لم يصل منذ سنتين بسبب فقده للذاكرة. وأخيراً أقول هنيئاً لسماحة الوالد بحب الناس له وثناؤهم عليه، فهم شهداء الله في أرضه اللهم أسكنه فسيح جناته واحشره مع زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. والحمد لله على قضاء الله وقدره )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(.

    ```


    * الرياض: الأحد 8 صفر 1420هـ، 23 مايو 1999م - العدد 11290.



    رحل القلب الكبير

    عبد العزيز بن حمين الحمين
    رئيس محكمة محافظة الرس.
    عبارات كثيرة يرددها كل من تقابله وهو يتذكر الأيام الماضيات، ويعود ببصره إلى الوراء قليلاً.. ففي يوم الخميس السابع والعشرين من شهر الله المحرم 1420هـ كان للتاريخ وقفة، وكانت له لحظة ذهول وحزن، عندما وقف مع العالم يستمع إلى نبأ وفاة إمامنا ووالدنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله عليه- الذي أجمع الصغير والكبير والرجل والمرأة والقريب والبعيد والموافق والمخالف على إمامته وفضله وتقديره، وهو رحمه الله أهل لهذا الحب وهذا التقدير، فمن عرفه عن قرب وجلس معه وجالسه يعرف عظم مصاب الأمة بفقده وغيابه، لا بل من عرف سماحته عن بعد ورآه أو اتصل به ولو مرة واحدة، يعرف مكان الشيخ ومكانته، لقد كان حقاً عالم العصر ورجل المواقف، حياته كلها علم ودعوة، وجهاد وحركة وكرم وإنفاق، وسماحة وعلو همة، إفتاء وتعليم، إرشاد وتوجيه، أمر بمعروف ونهي عن منكر، مسارعة إلى الخير.. كل ذلك بقلب كبير، ورأي سديد، وعمل متواصل لا يعرف الكلل والملل.

    ومن يصف حياة فقيدنا -رحمة الله عليه- لا شك يعجزه البيان، ولا يسعفه اللسان، فيرى أنه كلما وصف كان الشيخ غير ذلك، وكلما مدح كان الشيخ أكرم من ذلك، فللّه دره، جمع بين العلم والمكانة والزهد في الدنيا.. فما أعظم المصاب بفقده، وما أصعب فراقه، وما أمر البعد عنه، ولكن عزاؤنا في ذلك أنه قدم إلى ربه وهو رافع الراية، حامل اللواء، وعزاؤنا أنه ترك لنا من مآثره الكريمة شيئاً كثيراً، علم وعمل، قول وفعل، تواضع وزهد، حكمة وإدراك، رسائل وفتاوى، وفوق ذلك قدوة حسنة وذكر جميل، وسيرة حق لها أن تكتب وتدرس ويستفيد منها الجميع.
    لقد عرفته -رحمه الله- عن قرب وجالسته ومشيت معه، وطلبت منه وطلب مني، وعلمني ونصحني، بل وكرر لي وردد، وعلى السير في طريق الخير أكد علي وشدد..
    عرفته معلماً مربياً.. لا يجعل من التعليم وحشر الأحكام والمفاهيم وحشو العلوم هدفاً وحيداً له، بل يقدم مع العلم التربية التي تخرج من قلب واسع رحيم، وتقدم بلا تكلف، هكذا بسيطة سهلة، لكنها غالية غالية تقع في النفوس فلا تخرج منها، وتركز في العقل فلا تفارقه، وهكذا يجب أن يكون المعلم.. لا ينفض مجلسه إلا بفائدة من علم أو أدب أو نصح وتوجيه، بل إنه -رحمه الله- كان مربياً بسمته وخلقه وتواضعه، دون أن يتكلم في ذلك أو يرشد إليه.. إنه بذلك ينشئ

    جيلاً، ويربي نفوساً، ويزرع خيراً وعلماً وفقهاً، ويصقل مواهب، ويكتشف كنوزاً، فنال هذه المكانة العالية في قلوب الناس.
    وعرفته رؤوفاً رحيماً عطوفاً رفيقاً، يعطف على الصغير، ويرحم الضعيف، بل إذا قال له أحد ما يؤلم ويؤثر في النفس، ترقرق الدمع في عينيه وبكى -رحمه الله- فما أكثر الذي يقطعون المسافات لمقابلة الشيخ، بل ومخاطبته بشدة وعنف، فإذا رأوا من رقته شيئاً يسيراً ذهب عنهم ما يجدون، وخرجوا من عنده وهم له يدعون، وبرأيه يأخذون، ولوجهة نظره يقدرون ويحترمون.
    وعرفته منفقاً كريماً سخياً باذلاً في الخير كل ما يستطيع، فكم رفعت إليه حوائج، وطلبت من سماحته طلبات، وعرضت عليه مشاريع، فكان نعم المعين، يؤيد ويدعم ويشجع ويعطي بكرم، فما وجدته يوماً يثبط، أو يعتذر، أو يؤجل، بل يقدم لك المساعدة على الفور وبكل ما يستطيع، مقرونة بالنصح والإرشاد والتوجيه، وإذا لم يستطع دعا لك بالتوفيق في المقام الأول، وسأل الله لك العون والسداد، ثم شفع لك عند غيره، أو رفع طلبك إلى ولاة الأمر، لا.. بل إنه يتابع ذلك ويسألك عنه حتى يطمئن إلى تنفيذه وإتمامه، إنه -رحمه الله- لا يترك مجال خير إلا وضرب له فيه بسهم كبير، وترك له فيه أثر جميل، لقد كان حقاً كالغمامة يسقي الجميع دون أن يفرق بين من يستفيد منها.

    وعرفته -رحمه الله- مهتماً بأحوال المسلمين، متابعاً لما يحدث لهم، يتألم لألمهم، ويفرح لفرحهم ويتشوق لسماع أخبار طيبة عنهم، ويدعو الله تعالى بذلك، فكم جاءته الوفود من شتى بقاع العالم الإسلامي، فاستقبلهم برحابة صدر وأكرمهم، وسمع منهم وسمعوا منه، وأعطاهم وبذل لهم، وأرشدهم إلى طريق الخير، مما يجعلهم يكررون زيارته، والاتصال به، ومراسلته. وعرفته ذا همة عالية لا تعرف الكلل والملل، ولا تستكثر في سبيل الخير الوقت والعمل، ولا يقعدها يوماً خمول أو كسل، ولقد تعجبت أشد العجب عندما علمت أن الشيخ لا يأخذ إجازة، ليرتاح من عناء العمل كغيره من الناس، فانقضى عجبي عندما علمت أن هذا هو دأب العظماء من العلماء والدعاة والمصلحين.
    وأعلم تمام العلم أني مهما قلت في سماحة الوالد الفقيد فلن أو فيه حقه، ولن أزيد في شأنه، لكن هذا أقل الواجب على طلبته ومحبيه، من ذكره بالخير والدعاء له، والاستفادة من سيرته وحياته وجهاده. فقد كان فقده خسارة لا تعوض، وغيابه خطب جسيم، وقد قال الشاعر:
    إذا ما مات ذو علم وتقوى




    فقد ثلمت من الإسلام ثلمة


    فقد ثلم الإسلام بموته ثلمة، ورزئ المسلمون رزءاً عظيماً، وأصيبوا بفقده مصاباً كبيراً.

    نعم.. لقد رحل القلب الكبير.. العالم الجليل.. الإمام الزاهد عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن دنيانا، ونحن في أشد الحاجة إليه، ولكن هذا قدر الله، وهذا ما اختاره لنا، ولا اعتراض على قضائه سبحانه، (وإنَّ القلب ليحزن والعين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفقدك أيها الوالد الكريم لمحزنون).. وسوف يبقى بيننا بإذن الله علماً من أعلام المسلمين في هذا العصر، ومنارة لكل باحث عن سير الصالحين المصلحين.
    نسأل الله تعالى أن يغفر له ويرحمه، ويجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يكتبه في الصالحين الأبرار مع النبيين والصديق والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وأن يجعل في خلفه الخير والبركة، ويوفقنا وإياهم لما فيه صالح الإسلام والمسلمين )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(.

    ```

    * الرياض: الخميس 12 صفر 1420هـ، 27 مايو 1999م - العدد 11294.


    صاحب السماحة

    د. عبد العزيز السبيل
    جامعة الملك عبد العزيز

    دهى "الجزيرة" أمر لا عزاء له




    هوى له أحد وانهد ثهلان


    تتجاذب المرء عاطفته وعقله، حين يريد أن يكتب كلمات حول بحر من العلوم جمعها البارئ جل وعلا في فرد واحد "هو البحر من أي النواحي أتيته" هكذا كان ابن باز رحمه الله. ولذا يكبر التساؤل، من أين يمكن أن يبتدأ بالحديث عنه؟ لسنا أمام فرد يمكن الإحاطة به، أو احد يمكن التعبير عنه. فابن باز لم يكن رجلاً واحداً بل كان أمة في رجل. ابن باز إنسان لم يعش لنفسه وإنما قسم جسمه في جسوم كثيرة. ابن باز زاهد خلف الدنيا وراءه، واقبل على آخرته. ابن باز فقيه وهبه الله من المعرفة الشرعية ما لم تتح لأحد من مُجادليه. ابن باز محدث ربما لا يضارعه أحد من معاصريه في معرفة الأحاديث والأسانيد والرجال. ولعل جمعه بين علمي الفقه والحديث أحد أسرار تفوقه في فتواه واختياراته، ونبوغه بين العلماء في سائر البلاد.
    ابن باز لم يكن حافظاً لمتون الفقه والحديث فحسب، بل كان رجلاً مفكراً. ابن باز

    حنبلي المذهب، لكن سعة علمه بالمذاهب الفقهية، وإلمامه بعلم الحديث جعله صاحب اختيارات فقهية عديدة من مذاهب أخرى. ابن باز رجل عصري، يضع الواقع المعاش أمام ناظريه حين يصدر فتواه، معتمداً في ذلك على الكتاب والسنة وأقوال السلف، غير متحيز لعالم أو متعصب لمذهب.
    ابن باز عالم يكاد ينفرد في تجربته الحياتية، فالعلم الواسع صاحبه تجربة طويلة متنوعة، بدأت بالإمامة والخطابة وشملت القضاء والتدريس في مراحل تعليمية مختلفة، وعلوم شرعية متعددة، وحفلت بالكثير من الأعمال الإدارية ذات المستويات العليا، التي تعدت حدود الوطن لتمس العالم الإسلامي، والمسلمين خارجه.
    منذ بداية الثمانينات الهجرية، بدأت صلته المباشرة بالعالم الإسلامي عملياً من خلال الجامعة الإسلامية التي تولى رئاستها الفعلية.
    وحين أصبح رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، تعمقت الصلة أكثر بالعالم الإسلامي من خلال الإشراف على الدعاة والمرشدين في دول كثيرة، وأصبح على دراية أكبر بأحوال العالم الإسلامي. ولذا غدا مقصداً للأقليات والجماعات الإسلامية، والأفراد في مختلف دول العالم. يتولى عونهم بتوجيهه وإرشاده وبدعم مدارسهم ونشاطاتهم المختلفة وقضاء حوائج أفرادهم، من خلال ما تتيحه له الدولة، وما يصله من أموال أهل الخير الذين وجدوا فيه كل الثقة لتوزيع صدقاتهم وزكاتهم.

    ينطلق -غفر الله له- في علاقاته مع العامة والخاصة من منطلق السماحة والتسامح، يحرص على تغليب حسن الظن بالأفراد والجماعات. ويزكي الكثيرين على ضوء واقع يكونون عليه، أو حالة يتمنى أن يكونوا عليها. أما علاقته بولاة الأمر فإنه يلتزم بمنهج أهل السنة والجماعة، الذي يعتمد السمع والطاعة مصحوباً بالنصح والتوجيه بالتي هي أحسن. وقد يلين في قوله أو يقسو حسب الموقف والحالة، لكنه لا يعلن مواقفه لعامة الأمة وسائر الناس فهو يوجه لله، ومن أجل دين الله ومصلحة عباده، لا لوجاهة إعلامية، أو مكانة اجتماعية أو زعامة حزبية. كان يأسر السامع بعمق حديثه، وصدق نصحه، وسهولة عباراته، بعيداً عن بلاغة الخطباء، وتفقيه الفصحاء.
    حري بأصحاب المدارس الإدارية أن يدركوا أبعاد التنظيم في جوانب حياته، ودقة مواعيده، والقيمة الكبرى للوقت لديه. ليس ثمة أيام للمتعة، أو أسابيع للراحة. بل الوقت كل عمل وإنتاج، حتى الدقائق من زمن التنقل من مكان إلى آخر تستثمر في إنتاج علمي أو إداري. وإذا كان الشاعر الجاهلي يقول:
    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش




    ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم


    فقد كانت الثمانون لرجل الإيمان "عبد العزيز بن باز" قمة العطاء العلمي، وذروة التدفق الفقهي، وسنام العون الخيري، النفس المؤمنة لا

    يساورها السأم، فهي تتلذذ بالذكر، وتتقوى بالطاعة، وابن باز لم يدخل الإجازة في قاموس حياته، فهو رجل يجد في العمل راحة، وفي العطاء سعادة، وفي البذل حبوراً، وفي العون بهجة.
    إنه صاحب السماحة، سماحة الدين، سماحة المنهج، سماحة العقل، سماحة الرؤية، سماحة الخلق، سماحة التعامل، سماحة المحيا. لم يكن ابن باز رجل فقه فحسب، بل كان رجل علم ودين بالمعنى الشمولي. كان أباً للفقراء، ومواسياً للمساكين، وعوناً للمعوزين، ونصيراً للمظلومين.
    "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا بفراقك لمحزونون". ابن باز أمة في فرد، ومدرسة شرعية في عالم. حين تجيل نظرك في عالمنا الإسلامي، باحثاً عن شخصية كابن باز فحتماً سوف "ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير" تغمده الله بواسع رحمته وأنزل عليه شآبيب رحمته ورضوانه.

    ```


    * جريدة المدينة: الأربعاء 4 صفر 1420هـ.








  6. #26
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    ابن باز كان أمة من الناس بعمل الخير


    الشيخ عبد العزيز السعيد
    رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((عكاظ))
    وصف معالي الشيخ عبد العزيز السعيد رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء بأنه كان أمة من الناس لعلمه وسعت اطلاعه.
    وقال إنَّ فقد سماحته خسارة كبيرة للأمة لموقع سماحته ومكانته الشرعية وقدرته على معالجة القضايا التي تشكل على الناس أو يلتبس عليهم أمرها.
    وأضاف معاليه أن هذه السمات الفريدة وسعة اطلاع سماحته تجعل مهمة من يخلفه شاقة.
    وتحدث معاليه عن مآثر الفقيد فأكد أن سماحته كان جم التواضع مهتماً بفقراء المسلمين وضعفائهم حتى ولو أثقل عليه ذلك.
    وأشار السعيد وبحكم قربه من سماحة الشيخ ابن باز وتتلمذه على يديه إلى رحلة الفقيد العامرة بالكفاح في سبيل ترسيخ مفهوم هذا الدين لدى النشء قائلاً:
    إن مآثر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كثيرة حيث قضى يرحمه


    الله نحو50 عاماً في الدعوة إلى الله في كل المواقع التي عمل بها سواء في الدلم والرياض أو أي موقع من المواقع لمساعدة الضعفاء والمساكين وطلاب العلم وملاطفتهم ومجاراتهم على مستواهم والفقيد في هذا المضمار يبدو أنه كان من أندر الرجال وأفذاذ العلماء على مر العصور الذي يتمتعون برحابة الصدر وقدرته على تفنيد الآراء بمنطقية وعلمية تستند على الكتاب والسنة.
    وثمن الشيخ السعيد حرص سماحة الشيخ ابن باز على تجهيز موقع على الانترنت كوسيلة تفرغ المعلومات الوافدة للاستفادة منها.
    ورغم رحيل سماحة الشيخ بجسمه إلا أن علمه باقٍ وسيظل هذا الموقع على هذه الشبكة العنكبوتية مصدراً للاستفادة من علمه وآثاره لخدمة المسلمين.
    وعن مواقف الفقيد مع السائلين وتواضعه الجم قال معالي الشيخ السعيد أن الفقيد كان محبوباً والجميع يتعلق بآرائه وفتاواه، وذلك لزهده في الدنيا وما فيها وصدقه فيما يقول واستناده دائماً للكتاب والسنة وفقهه في علم الحديث يرحمه الله، حيث كان يتابع شرحه لمنتقى الأخبار إلى عهد قريب يرحمه الله.

    ```



    * عكاظ: السبت 29 محرم 1420هـ، الموافق 15 مايو 1999م - العدد 11949.


    عبد العزيز بن باز .. المصلح القدوة


    عبد العزيز بن صالح العسكر
    الدلم - المعهد العلمي
    الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وأصلي وأسلم على معلم الناس الخير، ومن ختم بدينه الأديان ونسخت بشريعته الشرائع نبينا e ما أشرقت شمس وما لاح نجم وما تعاقب الليل والنهار، وبعد:
    فقد فقدت أمة محمد e ليلة الخميس 27 محرم 1420هـ إمام أهل السنة والجماعة في عصرنا، فقدنا علم الهدى وبدر الدجى وقامع البدعة.
    إمامنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا وإياه في دار كرامته وغفر لنا جميعاً ذنوبنا وسيئاتنا بمنه وكرمه ومغفرته إنه جواد كريم.
    ولست هنا بصدد الترجمة له أو تعداد مكارمه فهي من السعة والكثرة بما يقصر القلم عن وصفه وتعجز الكلمات عن الإلمام به.. وقد أفاض في ذلك المتحدثون في الأيام الماضية التي أعقبت وفاته

    رحمه الله.
    ولكني هنا أسجل مشاعر كانت تخنقها العبرات لمدة أسبوع كامل، أذكر هنا خواطر كانت تبللّها الدموع كلما قرأت سطراً من النثر أو بيتاً من الشعر أو سمعت عبارة متحدث عن مناقب الشيخ وفضائله.
    أقول: لقد تمتع الشيخ الإمام العلامة بمناقب من أهمها:
    1- الرحمة بالناس وسعة الأفق في الفتوى بحيث تكون الأحكام التي ينطق بها رفيقة بالناس مقربة لهم إلى الله موافقة لسنة محمد e .. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فتواه ببطلان طلاق الرجل الذي طلق زوجته في حالة غضب وله منها ثمانية أولاد وقد مكث معها ثمانية عشر عاماً، وتفصيل ذلك موجود في سيرة الشيخ وما كتب عنه في الأيام الماضية وفي ذلك رسالة موجهة لقضاتنا بارك الله فيهم ونفع بهم.
    2- الكرم الذي يرزي بكرم حاتم ومن جاء بعد حاتم، فقد روى الشيخ عبد الله بن منيع تلميذ الشيخ ونائبه في الإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء أن الشيخ ينفق في اليوم ما معدله ألفان وخمسمائة ريال تزيد ولا تنقص، وذلك في سد حاجات المحتاجين، ونشر دين الله، والجهاد في سبيله في شتى بقاع الأرض.. وحينما يقول له أحد بنيه كيف تنفق كل هذا ونحن مالنا، يقول بكل ثقة في الله واعتماد عليه وزهد في الدنيا (لنا الله) فهو حسبنا ورزقنا بيده. وفي هذا درس لمن

    يدعون للإنفاق في سبيل الله فيمنعهم الشيطان ويعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء، ويمنعون مال الله الذي آتاهم تكاثراً وإيثاراً لزينة الدنيا على ما عند الله.
    3- الأوبة للحق والتواضع.. فقد روى الشيخ عبد الله بن منيع وغيره من كبار العلماء أن الشيخ حينما يدلي برأيه في مجلس هيئة كبار العلماء ثم يكون رأي الأكثرية مخالفاً لرأيه ويتبين له صحة ما رأوه ينزل على رأيهم ويتنازل عن رأيه مردداً -رحمه الله- (اللهّم اهدنا فيمن هديت).. فمن لنا بمن يكون هذا منهجه في الحوار وبخاصة حينما يكون مع من هم دونه في السن أو العلم أو غيرهما إنَّ هذا درس بليغ لعامة الأمة وخاصتها فهل تعيه!
    4- أنه يحب للمسلمين ما يحب لنفسه، فهو زاهد في الدنيا، متعفف عن شهواتها، حذر من البدع والخرافات. وإذا سأله سائل أي مسألة في هذا الجانب أجابه بما التزم.
    5- الإخلاص والحرص على براءة الذمة في أداء العمل، والتفاني في إنجاز حاجات الناس ومطالبهم، فقد روى كتاب الشيخ وموظفوه، وتلاميذه في هذا الجانب قصصاً رائعة فريدة، فهو حريص على ساعات العمل الوظيفي من بدايتها إلى نهايتها منجزاً لكل عمل بأسرع وقت ممكن مستغلاً كل دقيقة من دقائق يومه وليلته حضراً وسفراً.. وليس هذا فحسب بل إنه -رحمه الله- وهو على سرير

    المرض في المستشفى يطلب معاملات مكتبه لتقرأ عليه ويوجهها بما يلزم رغبة في الخير وخدمة للبلاد والعباد، ثم ينقل ابنه أحمد -حفظه الله ووفقه-: أنهم إذا وجدوا باله مشغولاً أثناء المرض طلبوا أحد كتابه ليحضر بعض المعاملات، فيأتي الكاتب ويقرأ وإذا أنجزها سُرَّ وزال همه.. أي موظف هذا، وأي نموذج من الناس. سبحان ربي، إنَّ ما نراه لصورة نادرة، تملكنا الدهشة، ونحار حينما نضعها بجانب ما نراه من صور مؤسفة محزنة لبعض إخواننا الموظفين في شتى المجالات الذين يهدرون ساعات العمل فيما لا يفيد، ثم هم لا يا يجيبون مراجعاً في الساعة الأولى من الدوام ولا في الساعة الأخيرة منه، وقد قرأنا وسمعنا أن شيخنا -عليه رحمة الله- لم يتمتع بإجازة من العمل طيلة حياته الوظيفية، وحينما اقترح عليه أخذ إجازة من العمل الوظيفي للراحة قال: (الراحة في الجنة إن شاء الله)، إنها رسالة صريحة قوية للذين يتبرمون من العمل ويحاولون الفرار منه لا وهي الأسباب، رسالة توضح أثر الإخلاص والصدق في إتقان العمل وسرعة التنفيذ ومواصلته بلا سأم ولا فتور.
    6- ويتوج تلك الصفات ويزينها حرص الشيخ الإمام على توحيد الكلمة ونبذ الخلافات والتعصب، وطريقه إلى ذلك حب صادق لولاة الأمر والنصح لهم من القلب ودعوة الناس إلى طاعتهم في المنشط المكره والتحذير من مخالفة ولاة الأمر والبعد عنهم، فعزهم عز الإسلام وأهله.. ولذلك كان وفاء حكام هذه البلاد المسلمة -حماها الله-

    كان وفاؤهم كبيراً ملحوظاً وما حضورهم للصلاة عليه وحزنهم لفقده إلا مظهراً واحداً من مظاهر تقديرهم للعلماء والمكانة الكبيرة التي يرونها لهم.. جزاء الله خادم الحرمين الشريفين وإخوانه خير الجزاء وثبتهم على الحق ونفع بهم الإسلام والمسلمين.
    إن في سيرة شيخنا الذي بكينا عليه دروساً وعبراً، وإنَّ من أبرز حقوقه علينا أن ندعو له من قلوبنا قبل ألسنتنا وحروفنا، وأن نكون صادقين فيما نقول، يا أحبتنا، إن الفقيد ينادي كل واحد منا: "هذا طريقي إن صدقت محبتي فاحمل سلاحي" وما سلاح الشيخ غير: الإيمان العميق، والثقة بالله والتوكل عليه، ثم هو مع ذلك العلم الشرعي المأخوذ من مصدريه كتاب الله تعالى وسنة محمد e، وهذا يا أحبتنا إرث لا يخص أبناء الشيخ وأقاربه فقط، بل إن لنا فيه نصيباً فهل نحظى به، لننال العز والتمكين في الدنيا والآخرة! رحمه الله الشيخ عبد العزيز بن باز وأجزل له المثوبة والأجر وجمعنا وإياه في جنات عدن إنه جواد كريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



    وغاب بدر الدجى
    بقلم: عبد العزيز بن عبد الرحمن الخريف
    أحد تلاميذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله-
    ماذا أقول وقد غاب كوكب منير من كواكب الدنيا؟ لقد أصابتني غصة، وفاضت دمعة حرى حينما سمعت نبأ انتقال والدنا وشيخنا الفاضل إلى دار البقاء إنه الشيخ العالم الجليل عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي وهب حياته وجاه وماله خدمة للعلم وتنويراً لطلابه وتبصيراً للعامة والخاصة وعوناً فيما يعتريهم من حيرة وحل مشاكل سواء دينية أو اجتماعية أو مادية، فوقته نهر جار يغترف منه القاصي والداني، أو غيمة ضافية تهمي على السهول والآكام:
    كالبدر من حيث التفت رأيته




    وضوؤه للعصبة السارين جدُ قريب


    ومجلسه -رحمه الله- معمور بذكر الله وتلاوته ما ينفع المسلمين مع إفادة المسلمين السائلين منهم من فتاوى وإرشادات دينية ومسلكية لا تسمع تمجيداً للدنيا ولا لشيء من زخارفها في حضرته. فهو قمة في حفظ الوقت والزهد في الحطام الفاني، بيته مأوى للأضياف والفقراء ولطلاب العلم يشاركهم في تناول طعام الغداء والعشاء

    وخاصة من الذين يفدون إلى هذه البلاد من أواسط وأطراف المعمورة، ولا سيما في مواسم الحج والعمرة يحدوهم الأمل في الالتقاء به ليزدهم تبصراً في دينهم وتصحيحاً لمعتقداتهم فأبوابه مفتوحة دائماً سواء على المستوى الرسمي أو الشخصي:
    إذا جئته لم تلق من دون بابه




    حجاباً ولم تدخل عليه بشافع!


    والبعض يأتون إليه طمعاً في عطفه ومساعدته لهم والتعريف بحالهم لدى المحسنين وولاة الأمور الذي لا يردون طلباً ولا شفاعة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز لمثل هؤلاء المساكين بل إنهم يفرحون ويبذلون بيد سخية رغبة في المثوبة والأجر من الوالي وكأني بلسان حال الشيخ يخاطب الوالي بترديد هذين البيتين:
    وأفضل الناس ما بين الورى رجلٌ




    تُقضى على يده للناس حاجاتُ


    واشكر فضائل صنع الله إذا جعلت




    إليك لا لك عند الناس حاجاتُ


    فالشيخ له مكانة عالية ومحبة صادقة في قلوبنا بل المسلمين عموماً، وقلَّ أن يجمع على محبة شخص، فنرجو أن يكون ذلك علامة رضا ومحبة من الله له:
    تخالف الناس إلا في محبته




    كأنما بينهم في وده رحم




    ونحن نغبط على مثل هذا العالم الفذ -تغمده الله بواسع رحمته- ويحسن بنا أن نذكر هذا البيت كتهنئة لتلاميذه ومن تتلمذ عليهم:
    سعدت أعيّن رأتك وقرت




    والعيون التي رأت من رآكا


    فتعدد محاسنه وفضائله ومكارم أخلاقه لا يسهل حصرها على مثلي، ولقد أحسن الشاعر ابن دريد حيث يقول:
    لا يأمن العجز والتقصير مادحه




    ولا يخاف على الإطناب تكذيباً


    ودت بقاع بلاد الله لو جعلت




    قبراً له فحباها جسمه طيباً


    كانت حياتك للدنيا وساكنها




    نوراً فأصبح عنها النور محجوباً


    وسيظل النور نور العلم والمعرفة ساطعاً بحول الله وقدرته على تعاقب الدهور والأزمان وعزاؤنا في ذلك كله أنه خلف ذرية صالحة، وتلاميذ بررة من خيرة العلماء الأفاضل، ونحن على يقين أنهم سيحذرون حذوه برحابة الصدر والصبر على ثقل المسؤولية المنوطة بهم، والتضحية بالوقت وبالمال لمن يستحقه من أبناء المسلمين سواء من الداخل أو الخارج، ونذكرهم بقول طرفة بن العبد:
    لعمرك ما الأيام إلا معارة




    فما سطعت من معروفها فتزود




    ونختم هذه الأسطر التي معظمها شواهد شعرية تنطبق على مثل شيخنا بهذين البيتين:
    فرب ضرير قاد جيلاً إلى العلا




    وقائده في السير عود من الشجر


    وكم كم كفيف في الزمان مشهر




    لياليه أوضاح وأيامه غررْ


    )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(.

    ```


    (*) الرياض: الاثنين 2صفر 1420هـ 17 مايو 1999م - العدد: 1184.



    البازيات الأربع

    بقلم: عبد العزيز بن عبد الرحمن المقحم
    إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، الحمد لله الذي أكرمنا بابن باز وعسى الله أن يأجرنا في فقده ويجزيه عن المسلمين خيراً ويخلفهم خيراً..
    الحزن ليس فيه مجاملات.. فحينما نبكي والد الجميع سماحة الشيخ ابن باز فلسنا نبكي رجلاً عادياً مات.. وحينما فقدنا ابن باز لم نفقد مجرد عالم نحتاج لعلمه.. وحينما نتذكر رحيل ابن باز نحسُّ بفراغ كبير لا ندري من يملؤه بعده!
    لقد ضمت مقبرة العدل بمكة المكرمة في واحد من قبورها كفناً ملؤه العلم الصحيح والعمل الكثير والكرم العجيب والتواضع الجم ومحبة الخير للمسلمين -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً-.
    كان عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- رجلاً فوق العادة.. جمع الله له خصالاً من الخير قلَّ ما يدرك غيره ثنتين منها معاً، ولعل أبرزها أربع لا يماري فيها من عرف الشيخ، الأولى: علم غزير، حتى إن غيره لا يتقدم بين يديه في الحلال والحرام والصحيح والضعيف.

    الثانية: كرم عجيب، قال عنه بعض من عرفه والله لو اجتمع ابن باز وحاتم الطائي لفاقه ابن باز في الكرم.
    الثالثة: مشاركة على كل الأصعدة، فالناس العاديون يملون من الهاتف الواحد وهو يستقبل المكالمات من هاتفين بجانبه لا يكفا عن الرنين من هنا تبدأ مشاركته من تحت ركبته إلى أقاصي العالم الإسلامي، وإلى كندا وأستراليا حيث يرسل لهم الفتاوى والدعاة والتبرعات وبينهما مشاركات من كل نوع.. ردود.. ندوات.. محاضرات.. فتاوى.. دروس.. مساعدات.. شفاعات.. حتى يستطيع قائل أن يقول كان ابن باز قبلة في ذلك يؤمها من قدر، ويوصي بها من عجز.. قد يكون هناك من لا يعرف حجم مشاركة ابن باز لكن اسأل عنها المساجد والمشاريع والأيتام والعاملين في الحقل الدعوي والإغاثي.
    الرابعة: لين جانب، لسان أرفق من يد الطبيب، ومنطق أرق من الديباج، لا يعرف الكلمة النابية ولا العبارة الفجة فضلاً عن العنف والمعاقبة حتى لم تنقل عنه كلمة واحدة يمكن أن تعد جارحة لمخطئ ولا لمصيب.. بل كان يقال له عن بعضهم إنهم وقعوا في عرضك يا شيخ ونالوا منك فلا يقول آتوني بهم، ولا يشنع بهم، ولا يدعو عليهم، ولا يسكت ويدعهم بل يقول: سامح الله الجميع.. سامح الله الجميع.. فأعجبُ كيف ينالون منه ثم يستغفر لهم!! سئل مرة في

    الحلقة فانطلق يجيب فصاح به رجل من الحضور: لا تكلم يا شيخ.. لا تكلم، هذا سيكتب وسينقل!! وربما سئل ابن باز ذلك السؤال مراراً قبل أن يولد ذلك المعترض، فما زاد على أن استجاب وقال يحتاج الأمر إلى مراجعة.
    كل واحدة من هذه الجزئيات التي ذكرت لو بسط نصيب الشيخ منها لملأ الأسفار، فلذلك نبكي والدنا الشيخ ابن باز لأنك متى تجد عالماً في معياره وأمثاله يعدون على أصابع اليد الواحدة من مليار مسلم، ثم إذا وجدت عالماً مثله فهل يكون لين الجانب بتلك الدرجة، ثم إذا وجدت عالماً كريماً ليناً فهل يكون مشاركاً للمسلمين بتلك الدرجة لقد كان ابن باز ذلك كله -رحمه الله-.
    وفوق ذلك لم تكن فضائل سماحة الوالد تلك الأربع فقط بل كان -رحمه الله- فيما نحسب ولا نزكي على الله أحداً- يضم عباءتُه على العلم والدعوة والكرم واللين ومحبة الخير للمسلمين ومشاركتهم والذكر والصلاة والصيام والتواضع وغيرها من المعالي التي يلفها في عباءته وينشرها حية ملموسة عبر تسعين سنة كل يوم من حياته يزيد فيها ولا ينقص منها فوضع له في الأرض قبول لم نشهد مثله فيما نعلم.. حتى قال بعض الشعراء:
    سبحان من جعل القبول منازلاً




    وحبا ابن باز منه أعلى منزل




    أفلا نبكي على رجل جمع الله له ذلك كله؟ أفلا نبكي من حمل لواء هذه المعالي كلها؟.
    لكن مهما شق علينا فراق والدنا فلن نبرح قول ربنا سبحانه: )تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ([(141) سورة البقرة].. والذي يعنينا الآن هو أن نقول ما الذي بلغ ابن باز هذا؟ إنه العلم والعمل!! أفلا يكون فينا من يطمع لمثل ذلك مخلصاً لله وحده؟ أو يربي أبناءه على ذلك؟! والله لو كان ابن باز طبيباً حاذقاً أو مهندساً بارعاً أو مخترعاً عبقرياً أو أياً ما يكون رجلٌ من مواقع الدنيا لم يبلغ ما بلغه من محبة الناس له وجزعهم على موته وشعورهم بفقده.. لكن ورثة الأنبياء شيء آخر، فهكذا أحب الناس الإمام أحمد بن حنبل وحزنوا لموته، وابن تيمية وابن عبد الوهاب وأمثالهم -رحم الله الجميع- وجمعنا بهم في دار كرامته وأكثر في المسلمين أمثالهم وسلك بنا وبكم سبيل الصالحين المصلِحين المصلَحين وذرياتنا والمسلمين.

    ```


    * الدعوة: العدد 1693 - 12 صفر 1420هـ، 27 مايو 1999م.









  7. #27
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    سماحة الشيخ ابن باز فقيد العالم الإسلامي

    عبد العزيز بن عبد الله العمار
    الوكيل المساعد لشؤون الدعوة
    قال تعالى: )وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(.
    نعم: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد مات علم من أعلام الإسلام في العصر الحار، مات إمام من أئمة أهل السنة والجماعة.
    نعم: لقد مات الشيخ عبد العزيز بن باز وصدق الله العظيم )وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(، اللهم اجعلنا ممن يريد ثواب الآخرة.
    لقد كان وقع النبأ على الجميع مفجعاً وأليماً، لقد مات الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وإنَّ في الديار حنيناً وفي الصدور أنيناً وفي العين عبرات وفي النفوس زفرات، فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا كما قال المصطفى e: ((إن العين


    تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون))، وإن الأمة الإسلامية لشيخها وعالمها وإمامها، إمام أهل السنة والجماعة لهذا العصر لمحزونون.
    إن خسارة البلاد بفقدان الرجال خسارة لا تعوض، ما لم يكن لها من الخلف من يقوم مقام السلف، فإن رجلاً بأمة وإن أمة برجل.
    إن العالم يبكي إن فقد واحداً من العلماء، فكيف لا يبكى الشيخ عبد العزيز بن باز وقد ندر مثله، وإننا لنسأل الله تعالى أن يعوض على الأمة الإسلامية من يقوم مقامه في العلم والدعوة والتربية ونشر الخير والأمر بالمعروف النهي عن المنكر، وإن المؤمن لا يعرف اليأس ولا القنوط، قال تعالى: )إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ(، ولا أريد هنا بهذه الكلمة القصيرة أن أشيد بشتى مآثر الشيخ -رحمه الله- تلك المآثر التي تستند على إيمان بالله راسخ وعلم واسع وقلب محب للخير، ونور يشع منه الإيمان في كل مكان.
    لقد مات الشيخ -رحمه الله- وهو أمة في فرد، وقد نفع الله به البلاد والعباد في أنحاء العالم كله، فقد كان يتحسس آلام الأمة وحاجاتها من الشرق والغرب، وما من بلد في أنحاء المعمورة إلا وقد امتدت يده المباركة لمساعدته، فتجد أثره أنى ذهبت، وأنى اتجهت، كان العالم كله أمامه يسأله عن أخبار المسلمين ويتابع أحوالهم، ويشد أزرهم ويجيب استفتاءاتهم.


    كان -رحمه الله- حريصاً على نشر العلم وتشجيع طلابه، وذلك من خلال دروسه ومحاضراته وكتبه ومن خلال الدعاة في أنحاء العالم الإسلامي ورسائله وعمله في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فقد رأيت كثيراً من الدعاة في أنحاء العالم الإسلامي يفتخرون بأنهم ممن تتلمذ على الشيخ ابن باز -رحمه الله- بل من لم يلق الشيخ يسأل عن فتاواه وآرائه.. وقد جعل الله في قلوب الناس له المحبة والقبول.
    وأما عن منهج الشيخ في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح، إنه يمثل بحق منهج أهل السنة والجماعة في الدعوة، وإننا في مثل هذا العصر في حاجة إلى أن نبرز هذا المنهج للدعاة وطلاب العلم لأنه منهج يقوم على الاعتدال والرفق، متوخياً في هذا منهج المصطفى e، ومنهج السلف الصالح من هذه الأمة.
    ولذا.. في هذه المناسبة كان لزاماً على طلاب العلم خاصة في الدراسات العليا أن يبحثوا هذا المنهج الفريد في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك المنهج الذي تميز به سماحة الشيخ -رحمه الله- .
    إنَّ منهج الإمام الشيخ في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى وقفة متأنية ودراسة دقيقة لإبراز هذا المنهج، وهذه دعوة للباحثين والمهتمين بتراث الشيخ الجليل.
    إنَّ الحديث عن الشيخ له جوانب متعددة عن تواضعه وكرمه


    ورحابه صدره وعطفه على الفقراء والمساكين، واهتمامه بقضايا الأمة الإسلامية وتتبعه لها. وأما عن علم الشيخ فإنه فريد زمانه، فهو علم قائم على الكتاب والسنة وعدم التعصب، فإن منهج الشيخ -رحمه الله- في التعامل مع ولاة الأمر بالثناء والشكر على ما يقومون به من أعمال جليلة والنصح والدعاء لهم بالتوفيق، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، إنَّ خسارة الأمة الإسلامية به خسارة عظيمة.
    وإني لأعزي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني والأسرة الكريمة والأمة الإسلامية وأسرة الشيخ وأهل العلم وطلابه.
    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعوضها خيراً، وأفضل ما يقوله الصابرون -إنا لله وإنا إليه راجعون-، فرحمه الله رحمة واسعة وعوض الأمة عنه خير العوض.
    وجزاه الله خيراً وتغمده برحمته وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    ```



    دروس تربوية من حياة ابن باز





    د. عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الرشودي
    وكيل عميد القبول والتسجيل بكليات البنات
    الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
    هذه الحياة مليئة بالعجائب والحوادث المحزنة والمفرحة، ولكن يبقى لبعض تلك الحوادث حق الأولوية والظهور، وإن خبر وفاة سماحة شيخنا الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الأسبوع المنصرم، كان بحق فاجعة كبرى على أمتنا الإسلامية بعامة، وحق لها أن تفجع لهذا المصاب العظيم، والنابه منا هو الذي يتلمس أبرز معالم التأثير في شخصية الباز العالمية، فهو رحمه الله منحنا درساً في حسن التعامل مع متغيرات الحياة الحديثة والجمع بين الأصالة بالتقيد بمنهج أهل السنة والجماعة، والمعاصرة بحسن الإفادة من مجالات التقنية الحديثة بتطويعها لصالح دعوته ومنهجه.
    كما أعطى درساً في بذل الخير للغير تقرباً لله -عز وجل- فهو لا ينتظر بمعروفه مع الناس منحة أو مدحاً، بل إنه يحذر كثيراً من المدح له والثناء عليه -رحمه الله- وإنما هدفه )إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً(، هكذا نحسبه وهو حسيبه.

    * الجزيرة: الثلاثاء 10 صفر 1420هـ، 25 مايو 1999م - العدد 9735.


    كما أنه أفادنا بدرس عظيم عن احتقاره لهذه الحياة وملذاتها بجانب ما أعد الله لعباده المتقين من النعيم المقيم، فالباز تسنم أعلى المناصب العلمية والاجتماعية في العالم الإسلامي أجمع، ومع ذلك لم يستهوه المنصب فيدل به على الآخرين، بل إنه اعتبر نفسه كآحاد الناس، إلا أنه فاقهم بالقول الصادق والعمل الصالح.
    وأعطى درساً في أهمية النفع المتعدي وتقديمه على الأعمال ذات النفع القاصر فهو -رحمه الله- يمضي سحابة نهاره وهزيعاً من ليله لتلبية حاجة المحتاجين ودفع الضرر عن المتضررين بقدر استطاعته.
    الباز منح الأمة درساً في أن الحياة لا مكان فيها للكسل أو الأنانية المقيتة فهو -رحمه الله- في سن التاسعة والثمانين من عمره وأعمى البصر، ومع ذلك يقوم بأعمال، ويوجه بتوجيهات لا يقوم بها عشرات الناس من الأقوى منه جسداً وأصغر منه سناً، فلقد أثبت -رحمه الله- للجميع أن المسلم يستطيع أن يبذل كثيراً ولو كان يصارع المرض على أبواب الموت، ولا أفشي سراً إن قلت بأنه مرت على مكتبي شفاعة منه -رحمه الله تعالى- قد وقعها بتاريخ 26 محرم 1420هـ.
    فأي عطاء ذلك العطاء من أجل أن يقف مع حاجات الناس وهو على سرير الموت وبين أروقة المستشفى، فيا لله ما أعظمه من إمام!!
    ومن المعالم التربوية في حياة ذلك الإمام:


    أن سلامة الصدر من الغل والحسد تمنح صاحبها الود الحميم حتى من شانئيه فهو -رحمه الله- لا يكنُّ بصدره إلا النصح والدعاء لكل واحد.
    وإن من يعرف النزر اليسير عن شخصية الباز التربوية يدرك حقاً ويعلم صدقاً، أن ما كتب عنه، وما رثي به إنما هو نقطة في بحر عطائه المتدفق لأمته رحمه الله تعالى.
    وقفة أخيرة:
    وماذا بعد رحيل الباز من بين أظهرنا، هل يكون حظنا منه فقط التعشق لأمجاده وذكرياته؟ أو النسيان له، ولأعماله بمجرد مرور أيام وأسابيع على وفاته؟.. لا وألف لا..
    بل إن الموقف الصحيح منا تجاهه يتلخص بما يلي:
    أولاً: اتخاذ حياته وأعماله نبراساً يحتذى به فهو قدوة في البر والخير للكبير والصغير والأمير والمأمور والذكر والأنثى على حد سواء.
    ثانياً: استشعار واجب الأمانة وضخامة العبء الذي خلفه -رحمه الله- لمن هم بعده من العلماء العاملين، والرعاة المصلحين الذين يتوجب في حقهم إكمال مسيرته الخيرية، ويا له من حمل تنوء به الجبال.
    ثالثاً: من أراد مجداً كمجده، ومكانة كمكانته في الدنيا بثناء الناس عليه ودعائهم له، وفي الآخرة إن شاء الله بالثواب العظيم،


    فالطريق مشرَّع أمامه، فليجد وليجتهد بإصلاح نفسه والسعي في إصلاح غيره وبذل الجهد في النفع المتعدي وليلتزم الصبر في مسيرته تلك فإن الله مع الصابرين.
    وكل من جد في أمر تطلبه




    ولازم الصبر إلا حاز بالظفر


    رابعاً: ينبغي أن يتميز المسلم بسعة الأفق فيما يأتي وما يذر فلا تحصره الحدود ولا تقيده التقاليد، بل عليه أن يكون عالمياً في تصوراته وأعماله وجهاده وجهوده.
    وفق الله الجميع لفعل الصالحات الباقيات.

    ```



    وداعاً... أيها الإمام



    د. عبد العزيز بن عبد المحسن التركي
    المشرف العام على مدارس المجد الأهلية بالرياض.
    لقد فجع العالم الإسلامي في يوم الخميس 27/1/1420هـ، بنبأ وفاة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، علامة زمانه الذي عرفه الصغار والكبار والرجال والنساء بل عرفه الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، وأحبه وأجله كل من لقيه أو سمع عنه، إنه الرجل العالمي في عصر الأقاليم والحدود والدول المتفرقة المختلفة، فهو رجل العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول واللغة، رجل العلم الذي نذر نفسه ووقته وجهده وماله لدينه، فهو رجل علم وصلاح، وفقه ودعوة، وجهاد ومجاهدة، وصبر وحلم، وكرم وسماحة، وشجاعة ومروءة، ولا نزكي على الله أحداً فهو إمام أهل السنة والجماعة في عصره.
    وإن العلم والحلم والدعوة والصبر والبذل والسخاء وحب الإحسان إلى الناس ومراعاة مشاعرهم قلّ أن توجد في هذا الزمان إلا في القلائل من أهل العلم. وشيخنا ممن جمعوا بين هذه الفضائل وغيرها كثير.


    إن سماحة الشيخ صاحب هم بل هموم عظيمة يخدم فيها دينه وأمته، وصاحب الهموم يشغل وقته وجهده ولسانه وقلمه وجاهه لتحقيق همه والوصول إليه وهو نصرة الدين وإنكار المنكرات ونشر العقيدة السلفية التي جاء بها المصطفى e وعليها سلف أمتنا الأتقياء الأبرار.
    فسماحة الشيخ -رحمه الله- يحمل هموم الأمة، ويحمل همَّ هذا الدين.
    1- فهو يسعى إلى إبلاغه، ودعوة الناس إليه، لذلك قد رصد وقته كله للعلم والدعوة إلى الله والعمل في سبيله، والشيخ يعتبر نموذجاً في زمانه في حفظه للوقت وحرصه على العلم، وصبره على الدعوة، فجميع مجالسه ذكر وتعليم ودعوة وحديث في أحوال المسلمين ومشاركتهم في السراء والضراء.
    2- وهو يحمل هم الدعوة إلى الله وإبراز أهميتها وفضلها وأثرها على الناس جميعاً، وأنها سبب لصلاح العباد وأمن البلاد وانتصار المسلمين، والقضاء على أهل البدع والمشركين، لذلك جند نفسه لهذا العمل وأرسل الدعاة على نفقته الخاصة إلى دول كثيرة من العالم، يدعو الناس للقيام بهذه الدعوة ولدعمها بالمال والكتب كل على حسب ما تيسر له.
    3- ويحمل همِّ العلم وتبلغيه للناس وتعليمه لهم. ولذلك نذر نفسه بل


    جعل مجلسه العام والخاص مجلس علم ودعوة، ودروسه اليومية والأسبوعية مستمرة في حِله وسفره، فكلما جاء على بلد لم يشغله السفر ومتاعبه عن الجلوس إلى طلاب العلم ولعامة الناس، يقرأ عليه في المجلس الواحد والدرس الواحد العديد من الكتب فنجد عنده عظيم الفهم وقوة التعليق وثاقب الحفظ. وامتاز الشيخ -رحمه الله- بذكاء حاد وحافظة قوية. حفظ كتب السنة كلها أو جلها وكذلك المسانيد، وغيرها من كتب السنة يأخذ بالدليل ولا يحيد عنه.
    4- يحمل همَّ الفتوى فهو يعلم أنه مسؤول عما يقول في هذا العلم وما يبلغه الناس، فهو يستقبل الفتوى ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً في مجلسه ومصلاه، في سيره وركوبه، يتزاحم الناس عليه لأخذ الفتوى ولم يسمع عنه أبداً تضجر ولا قلق ولا تذمر واعتذار، بل يقف أحياناً في الشمس حتى ينهي السائل سؤاله ويقضي حاجته، تأتيه الفتاوى من جميع أقطار المعمورة مهاتفة أو مكاتبة أو مشافهة، فيسعى للإجابة عليها مستدلاً في ذلك بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة.
    5- يحمل همَّ الإحسان إلى الناس ويسعى لقضاء حوائجهم المالية والاجتماعية وتفريج كربهم مهتدياً بقول النبي e : ((من فرّج عن مسلم كربة ممن كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) يأتيه الفقير يشتكي فيساعده، ويأتيه المظلوم يشتكي فيناصره، ويأتيه الجاهل فيعلمه، جمع الله به شتات أسر كانت متفرقة وأبناء مشردين


    فكان سبباً في لم شملهم.
    6- يحمل هم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسعى إلى ذلك بكل ما أوتي، يتصل بصاحب المنكر أو يكاتبه ويدعوه لترك المنكر ويخوفه بالله يحذره من غضب الله وانتقامه. لا يستهين بصغيرة ولا يغض الطرف عن كبيرة وهو يعلم أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار. يكاتب المسؤولين ويهاتفهم ويشافههم في أمر المنكرات الخاصة والعامة. ويحث الناس على إنكار المنكرات والكتابة عنها وعدم التساهل فيها، ويحثهم على الاهتداء بهدي الرسول الله e في ذلك وتوجيه القرآن في الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، والشيخ -رحمة الله عليه- يهتم بذلك وبالجهة المسؤولة لأنه يعلم أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان للمجتمع، وسبب لحفظ كيانه، وسبب لمنع العقوبة عن المجتمع، وسبب لقبول الدعاء ودفع البلاء وغيره.
    والشيخ وسيرته وعلمه وحلمه وكرمه يذكر بسير السلف الصالح من أمثال أحمد بن حنبل والشافعي والبخاري ومسلم وابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب الذين صاروا أعلاماً في العلم والدعوة إلى الله وإنكار المنكرات وإجلاء الحق للناس.
    والشيخ رحمه الله رحمة واسعة تعرفه الآيات والسور، وهو يرددها في جنح الليل خاشعاً لله باكياً وكأني بالشاعر إذا يقول:


    لو كان يبكي كتاب الله من أحدٍ




    لطول إلفٍ بكتك الآيُ والسور


    وتعرفه الأسحار وتعرفه المساجد في سيره إليها في جنح لليل وفي وسط النهار فهو إمام المصلين أو خلف الإمام تماماً. تعرفه السنة بصحاحها ومسانيدها حيث سجلت في صدره حفظاً وفهماً وتطبيقاً ودعوة إلى الله بها وعرفه الذِكر، وهو يردده صباحاً ومساءً تعظيماً لله وتوبة واستغفاراً. وعرفه المال وهو ينفق منه ويبذل منه بسخاء في مجالات الخير كلها. وعرفه الفقراء والمساكين حيث يتوجهون إليه لقضاء حوائجهم ومساعدتهم في أمورهم. وعرفه العلم والعلماء وعرفه الملوك والرؤساء وعرفه الأمراء والوزراء، رفعوه وقدروه وأجلّوه لعلمه وصدقه واحتسابه.
    جعل الله له القبول عند الناس برهم وفاجرهم. من حضر مجلسه لا يرفع صوته احتراماً وتقديراً. لا يأكل وحيداً بل مع الفقراء والضيفان الذين لا يخلو منهم منزله.
    إن عزاءنا في الشيخ أنَّ هذه الدنيا ليست دار بقاء ولا خلود، ولقد مضى قبله إمام المتقين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله e.
    ولقد قال أنس بن النضر -رضي الله عنه- يوم قيل عن رسول الله e أنه قتل يوم أحد، قوموا فموتوا على مثل ما مات عليه.


    وعزاؤنا أنه قادم على رب كريم يعطي الجزيل على العمل القليل.
    وختاماً أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ووالديّ وجميع المسلمين.
    إن أعزيك لا أني على ثقة




    من الحياة ولكن سنة الدين


    ليس المعزى بباقٍ بعد ميته




    ولا المعزي وإن عاشا إلى حين([1])



    ```



    * الجزيرة: الثلاثاء10 صفر 1420هـ، 25 مايو 1999م.

    * الجزيرة: السبت 14 صفر 1420هـ، 29 مايو 1999م - العدد 9739.









  8. #28
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    عرفته تلميذاً له وزاملته فرأيته جاداً
    ناصحاً حريصاً على اجتماع الكلمة



    عضو الإفتاء الشيخ ابن داود لـ"الرياض"
    قال فضيلة الشيخ عضو الإفتاء عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن داود لقد كانت علاقتي بسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -غفر الله له ورفع درجته وأصلح ذريته وجبر مصاب المسلمين- كانت علاقتي ومعرفتي به أستاذاً لنا في معهد الرياض العلمي عام 1372هـ واستمر بنا الحال معه غفر الله له نتلقى عنه الدروس في الفقه والتوحيد والحديث وغيرها ثم انتقل إلى كلية الشريعة عام 1373هـ وكنت أيضاً من جملة الطلبة حين ذاك واستمر بنا الحال على صلة به، صلة المعلم بأبنائه حتى تخرجت من الكلية عام 1378هـ واستمرت صلتي به ما بين وقت وآخر لأنه انتقل إلى الجامعة الإسلامية عام 1380هـ ولكن كان يحصل بعض اللقاءات في فترات متقطعة.
    وقال الشيخ ابن داود وطيلة هذه المدة استفدت من علمه وأخلاقه وتوجيهاته وفي عام 1411هـ انتقلت إلى الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء على وظيفة عضو إفتاء فكنت أعمل بجواره وتحت


    توجيهاته أستفيد من آرائه وكان نعم المعين والمشجع على العمل والمتحمل لما يصعب ويشق فغفر الله له وجزاه خيراً. وعن أبرز صفات سماحته يرحمه الله قال الشيخ ابن داود: لقد كان من أبرز صفاته طيلة هذه الصحبة الجد في العمل والنصح للمسلمين للحرص على اجتماع الكلمة والحلم والتواضع والرفق بالضعيف وقضاء حوائج المسلمين والرأي في العمل والدراسة ولم يكن يسمع في مجلسه قيل وقال ولا غيبة أو نميمة وبكل حال ففضائله ومزاياه كثيرة ولا أستطيع حصرها، ولعل ما يؤكد ما قلت محبة الناس له عموماً وهذه الآثار الطيبة التي صاحبت وفاته من الدعاء له من عموم المسلمين الرجال والنساء من يعرفه ومن لا يعرفه قال الله -عز وجل-: )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً(، نسأل الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرفع درجته في الفردوس الأعلى وأن يجمعنا نحن ووالدينا وذرياتنا وجميع المسلمين في دار النعيم ولا يحرمنا أجره وألا يفتنا بعده وأن يجبر مصاب المسلمين فيه وأن يوفق ولاة الأمر إلى ما فيه الخير وأن يرزقهم البطانة الصالحة.
    ويتذكر فضيلة عضو الإفتاء الشيخ عبد العزيز بن داود أبرز ما كان له من أثر بالغ في نفسه من توجيهات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقول: كنت أسير مع سماحته -يرحمه الله- من الجامع -جامع الإمام تركي بن عبد الله- إلى بيته فسألني عن تلاوة القرآن فقلت إنني أقرؤه من وقت لآخر لكن ليس لي حزب يومي فأشار علي بأن أتخذ


    لي حزباً يومياً من القرآن ولو قليلاً معللاً ذلك بأن الذي له حزب يومي من القرآن يختم القرآن، لكن الذي ليس له حزب معين قد يختم في وقت مبكر وقد تمر عليه شهوراً ولا يختم القرآن، ثم ضرب لي مثلاً قائلاً: الذي يقرأ من القرآن كل يوم جزءاً يختم في شهر والذي يقرأ جزأين يختم في خمسة عشر يوماً وهكذا. ويقول الشيخ ابن داود أذكر ذلك لأنها قد تفيد وينتفع بها المسلمون.

    ```



    إمام العصر ورؤيته للإعلام





    بقلم الدكتور: عبد القادر طاش
    فقدت الأمة برحيل إمام العصر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- نجماً مضيئاً من نجوم العلم والفقه والدعوة والإصلاح الاجتماعي. ولم يكن ذلك الإجماع الإسلامي على حبه وتقديره إلا تجسيداً للمكانة العالية التي كان يتبوؤها سماحة الشيخ في قلوب الناس وقد تجلت هذه المكانة في الحزن العميق الذي عم العالم كله شرقاً وغرباً فور إعلان نبأ وفاته. فهنيئاً لإمام العصر هذا الاعتراف العالمي بتقديره وحبه، ولينم قرير العين جزاء ما قدم لأمته.
    وكان لشخصية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز جوانب متعددة كان في كل واحدٍ منها إماماً يقتدى، وكان له في كل واحد منها توجيهات سديدة تنير طريق السالكين وتسهل عليهم أداء الواجب والقيام بأعباء الرسالة.
    والعلم من أهم المجالات التي اهتمَّ بها سماحة الشيخ وأولاها كثيراً من عنايته مجال الإعلام. ويتجلى ذلك في علاقته الوثيقة بوسائل الإعلام من إذاعة وصحافة فقد كان لصيقاً بها يمدها بعلمه ووسائله وتوجيهاته..
    وكان سريع التجاوب مع الإعلاميين يلتقي بهم، ويواليهم بالنصح


    والتوجيه، ويستجيب لإلحاحهم عليه بإجراء المقابلات أو الرد على الاستفسارات، وفضلاً عن ذلك كان يهتم بالمحاضرات والندوات التي تتناول قضايا الإعلام ويعلق عليها ويحث دائماً على الاستفادة من وسائل الإعلام وحسن تسخيرها لخدمة الإسلام.
    لقد كان سماحة الشيخ يتمتع بحس مرهف تجاه الإعلام، يدرك أهميته ودوره الفاعل والمؤثر وكان كلما التقى بالإعلاميين شديد التنبيه على خطورة الانحراف في وسائل الإعلام ودائم المطالبة بتنقيتها من المنكرات والمفاسد، ومشجعاً على حسن توجيهها إلى ما ينفع الناس ويفيدهم في دينهم ودنياهم.
    وأتذكر لقاءاتي الخاصة بسماحة الوالد -رحمه الله- عدة مرات، كان آخرها قبل ثلاثة أشهر تقريباً عند ما زرته في مكتبه بالرياض. تحدثت إليه عن قناة اقرأ والأمواج الهادرة من القنوات الفضائية المتعددة التي يجنح كثير منها إلى الهدم والتدمير والإسفاف وفساد الأخلاق.
    واستمع سماحته إلى حديثي باهتمام واستوضح عن بعض الأمور في القناة ثم دعا لي ولزملائي بالتسديد والتوفيق وذكرني باستحضار النية الصادقة والإخلاص لله تعالى في كل خطوة نخطوها وطلبت منه أن يزودني بنصائحه وتوجيهاته فلم يبخل -رحمه الله- عليّ وعلى زملائه فوجهنا بالحرص على تقديم ما يوافق كتاب الله وسنة رسوله e وما ينفع الناس ويصلحهم. ونصحني بالسعي الحثيث من أجل


    تنقيه القناة من المخالفات وتصفيتها مما يسئ إليها وعدم الانزلاق وراء منكرات القنوات الأخرى التي لا يرضى الله عنها.
    ولم يكتف سماحته بذل على قيمته البالغة، بل أكرمني بقوله أنه سيحث العلماء والدعاة وطلبة العلم على التعاون مع القناة، وطلبت إليه أن أجري معه لقاءً مصوراً فاعتذر بلطف وقال لي أنه لا يحبذ الظهور في التليفزيون ولكن لم يمانع من إجراء لقاء صوتي مع وكان هذا تمهيداً للكلمة الصوتية الغالية التي ظفر بها أخي وزميلي الدكتور أحمد بن سيف الدين وتشرفت القناة ببثها في برنامج "ملتقى الدعوة وإعادة بثها عدة مرات".
    وقد سبق لقائي الأخير مع سماحة الشيخ لقاءان آخران كان محورهما الرئيسي عن الإعلام أيضاً. أولهما كان في عام 1404هـ تقريباً، كنت حديث العودة من أمريكا بعد الدراسة فيها وأعمل أستاذاً بقسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ودعيت للمشاركة مع زميل كريم في ندوة هامة عن "الإعلام والدعوة" ضمن نشاطات التوعية الإسلامية. وعقدت هذه الندوة في المسجد الجامع الكبير، وحضرها جمهور غفير من طلبة العلم، وكان من عادة هذه الندوات أن يشرفها بالحضور سماحة الشيخ ويعلق عليها.
    وقد أعجب سماحته بما طرح في الندوة من أفكار وأراء، وبخاصة ما يتعلق منها بضرورة استثمار الجوانب الإيجابية في وسائل الإعلام.


    وتسخيرها لخدمة أغراض الدعوة والإصلاح الاجتماعي. وركز سماحته في تعليقه على هذا البعد وطالب الدعاة وطلبة العلم بالاهتمام بالإعلام والانخراط فيه والاستفادة منه.
    وبعد انتهاء تعليقه سأله سائل عن التليفزيون وهل يجوز اقتناؤه فكان جواب الشيخ حكيماً فلم يقل بالحل أو الحرمة وربط الحكم بكيفية الاستخدام. وقال إن التليفزيون جهاز يمكن أن يستعمل في الشر كما يمكن أن يستعمل في الخير، ودعا إلى تعاون الدعاة مع التليفزيون لنشر العلم وتبيين الحق وتثبيت القيم والفضائل بين الناس.
    ولكن السائل، وكان شاباً ممتلئاً حماسة واندفاعاً، أخذ يجادل سماحة الشيخ مبدياً الجوانب السلبية الكثيرة للتلفزيون وكان يلح على الشيخ أن يفتي بحرمة اقتناء هذا الجهاز ولكن الشيخ أبى وأصر على أن الحكم يتعلق بالاستخدام. وهذه نظرة منهجية واقعية تتيح لدعاة الإسلام توظيف هذه الوسائل لخدمة الدين وربط الناس بمبادئ الحق والخير والجمال.
    وكان لقائي الآخر مع سماحة الوالد رحمه الله في عام 1411هـ حيث أجريت معه مقابلة صحفية مطولة لصحيفة "المسلمون" عندما كنت رئيساً لتحريرها.. كان الوقت بعد معركة تحرير الكويت وإعادة الحق إلى أصحابه.. ذهبت إليه في مكتبه بمكة المكرمة وطرحت عليه أسئلتي فأجاب عنها جميعاً ونشرت المقابلة على صفحة كاملة.
    وكان للإعلام حضور بارز في تلك المقابلة تجسد في أمرين، أولهما:


    استجابته الكريمة بإجراء المقابلة لإدراكه أن هناك حاجة ماسة لتوضيح كثير من الأمور التي التبست على عامة الناس، بل وعلى بعض طلبة العلم أيضاً، في خضم تلك الفتنة التي أحدثها صدام حسين في عقول الكثيرين، ومن غير الإعلام يمكن أن يقوم بهذا الدور البالغ الحساسية لتوضيح الرؤية وإنارة البصيرة لترتاح الضمائر وتهدأ الخواطر؟
    أما الأمر الآخر: فهو سؤالي له عن دور الإعلام في المجتمع. سألت سماحته قائلاً: لقد ظهر في الأزمة الحالية "غزو العراق للكويت" وإنَّ لوسائل الإعلام دوراً خطيراً إذ يتابع الناس عن طرقها الأحداث، ويستقون منها الأخبار، ويكوِّنون الآراء، فهل من كلمة حول ذلك؟ وما دور العلماء وطلبة العلم في التعاون مع وسائل الإعلام؟
    فأجابني سماحته بقوله: (بلا شك أن وسائل الإعلام لها دورٌ عظيم، ولا شك أنها سلاح ذو حدين، فالواجب على القائمين عليها أن يتقوا الله ويتحروا الحق فيما ينشروا، سواء عن طريق الوسائل المرئية أو المسموعة أو المقروءة.
    والواجب أن ينشروا ويذيعوا عن أهل العلم والإيمان والبصيرة أما المقالات الضارة والمقالات الملحدة فينبغي الحذر منها وعدم نشرها.
    وعليهم أن يؤدوا الأمانة في ذلك فلا ينشروا إلا ما يقود الناس إلى الحق ويبعدهم عن الباطل).
    وأضاف سماحته في إجابته قائلاً: (والواجب على المسؤولين في


    وسائل الإعلام ألا يولوا في الإعلام إلا الثقات الذين عندهم علم وبصيرة وأمانة. إن وسائل الإعلام تحتاج إلى رجال يخافون الله ويتقونه ويعظمونه ويتحرون نفع المسلمين والمجتمع كله فيما ينشرون حتى لا يضل الناس بسببهم.
    ومعلوم أن من نشر قولاً يضر الناس تكون عليه العاقبة السيئة، كما أن من نشر ما ينفع الناس يكون له أجر من انتفع به، ونسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم ويصلح أحوالهم).
    أما بالنسبة لتعاون العلماء وطلبة العلم مع وسائل الإعلام فقد أجاب سماحته قائلاً: (هذا واجب، فيجب على العلماء وطلبة العلم أن يتعاونوا مع هذه الوسائل حتى يرشدوا الناس ويفقهوهم ويعلموهم، لأن هذه الوسائل يستفيد منها الملايين بدل أن يستفيد من خطبة المسجد المئات والألوف.. لذلك ينبغي على العلماء والأخيار أن يتعاونوا مع وسائل الإعلام فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم).
    إن النظرة الفاحصة لمنهج سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- في التعامل مع وسائل الإعلام تدلنا على أن الشيخ كانت له رؤية بعيدة وثاقبة بعيداً عن الجمود والهروب من الواقع.


    ويمكننا في هذه العجالة تلخيص مرتكزات تلك الرؤية البصيرة في أربعة أمور:
    أولها: إحساسه الواعي بأهمية الإعلام في عصرنا الحاضر.. وقد أدى هذا الإحساس إلى تقديره لخطورة الإعلام وإدراكه أنه أصبح أداة فعَّالة في التوجيه والتأثير.
    وثانيها: نظرته الواقعية لوجهي الإعلام السلبي والإيجابي فهو لم يتبن الرأي الذي يغلب الوجه السلبي للإعلام ويدعو إلى رفضه ومقاطعته.. بل كان واضحاً في التفريق بين الوجهين وبناء الحكم على وسائل الإعلام وفقاً لكيفية استخدامه وتوظيفه.
    وثالثها: إنه لم يكتف بتبيين وجهي الإعلام السلبي والإيجابي، بل خطا خطوة أخرى إلى الأمام بدعوته إلى حسن استثمار الوجه الإيجابي للإعلام، فضلاً عن تنبيهه الحازم على ضرورة تخليص الإعلام من الانحرافات وسوء استخدامها لإضلال الناس والإضرار بهم.
    ورابعها: الحث على انخراط الأخيار في وسائل الإعلام وعدم تركها لمن يريدون استغلالها في إفساد المجتمعات.. بل إنّه كان يدعو العلماء وطلبة العلم للتعاون مع وسائل الإعلام ويعد هذا التعاون واجباً عليهم.. وهذا موقف متميز يدل على عم التفكير وبعد النظر وسداد البصيرة.


    إنَّ منهج إمام العصر في التعامل مع الإعلام يحتاج إلى وقفة متأنية تستند إلى تحليل عميق لمحاضراته وكلماته عن الإعلام، وإلى رصد دقيق لمواقفه وإرشاداته وتوجيهاته وانتقاداته للإعلاميين.
    وهذه دعوة للباحثين والمهتمين بتراث سماحة الشيخ ليولوا هذا الجانب من شخصيته ما يستحقه من اهتمام علمي.

    ```



    عالمية الشيخ ابن باز -رحمه الله-





    أ. د. عبد القادر بن عبد الرحمن الحيدر
    لقد حزنت وذرفت بالدموع عيون الشيوخ والشباب والرجال والنساء وكل المسلمين في هذه الأرض المباركة وفي غيرها من بقاع العالم عندما سمعت نبأ وفاة الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، العالم الرباني، وقد أخذ الناس يعزي بعضهم بعضاً بوفاة الشيخ في كل مكان، بل تحول نقاش المجالس إلى تدارس سيرة وشخصية هذا العالم الرباني الفذ الذي يعد من أبرز علماء الإسلام في عصوره المتتالية، وقد وهب الله لفقيد الأمة خواص وصفات ميزه بها عن غيره، فأكسبه القبول وإكبار الناس له.
    لا زلت أتذكر البرامج الدينية المتلفزة التي يلقيها فضيلة الشيخ علي الطنطاوي الذي قال عن الشيخ -رحمه الله- لقد رزق شيخنا بالقبول التام من جميع مسلمي العالم، فهذه الدرجة من القبول أكبر دلالة على كونه إماماً وشيخاً وعالماً، فهذه الدرجة لم تأت من فراغ، بل إنّ ذلك لسماحته -رحمه الله- مع الخصال الطيبة التي قلما تتوافر مجتمعة أو بعضها في شخص واحد في زماننا هذا. فإن سألت عن العلم الشرعي فحسبك به عالماً بكتاب الله وسنة رسوله، فلقد سمعت


    من أحد طلبة العلم في الحديث عندما كنت في أمريكا أنه قال: كنت أتصور أن أحد العلماء المشهورين هو أعلم الناس بالحديث النبوي، حتى جمعني الله سبحانه وتعالى بسماحة الشيخ عبد العزيز في مجلس واحد في مكة المكرمة، فوجدت شيخ الحديث ما هو إلا طالب مبتدئ عند سماحته، وإن سألت عن الدعوة فسماحته أعظم من قدم للدعوة فلا تكاد تخلو منطقة في العالم ليس لسماحته يدٌ طيبة في دعوة أهلها والتأثير بهم، وقد تعجب عندما تذهب إلى بيت سماحته حيث تجده إنساناً معجزة في معرفة المسلمين والدعاة بأسمائهم وأوضاعهم وكأنه قد أقام بين ظهرانيهم (علماً بأنه لم يسافر) وهذا دليل على أن الدعوة تمشي في عروق دمه، بل هي غذاؤه الذي لا يمكن أن يجلس لحظة بدونه. وإن بحثنا عن إسهاماته في نشر العلم فإننا نرى أن غالبية المشايخ والعلماء قد تتلمذوا عليه، فنحن نعجب كثيراً من مقدرة الشيخ في إعطاء المحاضرات والدروس اليومية وذلك على الرغم من انشغالاته الكثيرة، فهو يضعنا نحن (الأساتذة والمدرسين) في الحرج والشعور بالتقصير لقلة عطائنا، كما أن سماحته -وإن كان زاهداً في الدنيا ومظاهرها- إلا أنه لم يزهد عن طلب العلم حتى عند لحظات موته.
    أما ما يخص الفتوى، فقد انتشرت فتاواه وكانت مطلب الناس وغايتهم، حيث أنه ييسر ولا يعسر وقد سهل طريق الوصول إلى معرفة الصواب بأيسر سبيل وأنجح أسلوب، كما أنه - وقد فتح الله على قلبه


    -رحمه الله- سرعة الاستنباط وحل المعضلات - هو بحق يستحق لقب (سماحة) كما أنه قريب كل القرب من أنفس الناس يعاملهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد اتّصف -رحمه الله- برحابة الصدر والحلم ولين الجانب وحسن المعاملة. وإن سألت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنك تجده من أكبر القائمين بهذا العمل، فهو الموجة الناصح المخلص الموفق الذي استطاع بحكم نيته وصدق مقولته وقبول الناس له أن يحل الكثير من المعضلات بأسلوب هادئ متزن.
    أما إن بحثنا عن الأمور الاجتماعية فإننا نجده إنساناً يحب الناس حباً صادقاً، ودائماً يكون بشوشاً يحب إسعاد ضيوفه، وهو بجانب ذلك شهم جواد كريم، فإن استطاع أن ينفس عن السائل بماله فلن يتردد أبداً وإلا فإنه يستخدم جاهه في الشفاعة والكتابة إلى من يلزم ويتابع ذلك بنفسه، فقد كان -رحمه الله- حلقة وصل بين السائلين وبين ولاة الأمر والمسؤولين، حيث يشكل لحمة التواصل بين المواطن والمسؤول.
    إنَّ كلَّ ما سلف من الصفات وغيرها مما ذكره غيري جعلت سماحته -رحمه الله- شخصية إسلامية عالمية مقبولة فقدها العالم الإسلامي ولكن لا بد لنا من وقفات:
    الوقفة الأولى: إنَّ كثيراً مما يقوم به شيخنا -رحمه الله- هي من


    فروض الكفاية التي أصبحت بعد رحيله من الواجبات في أعناق العلماء والدعاة المسؤولين وعامة الناس، فحتى نحتفظ الإرث العظيم الذي هو شرف لنا جميعاً، فإنه لا بد من دعم مشاريعه الدعوية التي قام بها من تمويل الدعاة والأيتام ونحوها، وقد يتطلب ذلك تشكيل مؤسسة خيرية تحمل اسم سماحته حتى يبقى ذلك من الأشياء المكملة لعمله في هذه الدنيا.
    الوقفة الثانية: لا بد من جمع سيرة حياة سماحته في كتب أو كتيبات وأشرطة سمعية ونحوها، لأنّ حياته تمثل منهجاً تربوياً للدعاة والمربين، كما أنه فخر لهذا البلد وأهله.

    ```



    * الرياض: العدد 11283.

    * جريدة المدينة - العدد 13175.


  9. #29
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    هكذا عرفت سماحة الشيخ ابن باز

    بقلم الشيخ/ عبد الكريم بن عبد المحسن التركي
    مدير عام الشؤون الإدارية والمالية في الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد عمل في دار الإفتاء عدة سنوات.
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
    فبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقى المسلمون في كل مكان نبأ وفاة والد الجميع سماحة الإمام العلامة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء -رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى في جنته- الذي كان علماً بارزاً من كبار علماء الأمة الإسلامية، جمع الله له العلوم الشرعية والعربية حتى صار مرجعاً لعلماء الأمة يصدر عنه العالم وطالب العلم في العلم الفتوى والدعوة والتدريس والتربية بالقول والعمل، فهو مجاهد في كل سبل الخير، قضى عمره المديد فيما يصلح الأمة ديناً ودنيا، ورزقه الله غزارة العلم في العقيدة والفقه والحديث والتفسير والفرائض والسيرة النبوية وعلم رجال الحديث، ومع هذا جمع الله له مكارم الأخلاق، فهو مدرسة

    علمية وتربوية في جميع أفعاله وأقواله على هدي الكتاب والسنة، فهو قمة في الصبر على الطاعة والحق وطلب العلم وبذله للناس ومضرب المثل في التواضع وحب الخير للآخرين وطهارة القلب وسلامة الصدر والحلم والكرم والصبر والاحتساب.
    والعمل الدؤوب المتواصل والغيرة على دين الله ومحارمه، وتطبيقه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشتى الوسائل وفي كل مكان وزمان وفي أي مناسبة مع الحث عليه ومتابعته وتوجيهه الدائم لرجال الحسبة والدعاء لهم. وحبه لخدمة الناس خاصة الضعفاء غير القادرين، فهو الوالد الحنون لكل مسكين وفقير وعاجز، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.
    يستقبل الناس ليل نهار في بيته وفي مكتبه وفي المسجد والشارع، مع حرصه الشديد على تطبيق السنة في السفر والحضر، وقد ضرب المثل الأعلى في حفظ الوقت والاستفادة منه فيما ينفع، فهو -رحمه الله- لا يضيع من الوقت شيئاً حتى أثناء ركوبه السيارة أو الطائرة أو حضور مناسبة، وعلى حد علمي فلا أذكر أنه تمتع بإجازة ولا ليوم واحد.
    ومعلوم أنه يعمل طوال الأيام بما فيها إجازة الأسبوع والعيدين، وقد يسرّ الله لي أن عملت تحت إدارته وإشرافه وتوجيهه الأبوي عدة سنوات فاستفدت من سماحته -رحمه الله- الشيء الكثير كغيري ولله الحمد.

    وهو قائد إداري ناجح بكل المقاييس وقدوة حسنة في التعامل الطيب مع الموظفين والمراجعين والمسؤولين على حد سواء. جعل الله ذلك في ميزان حسناته.
    وكما هو معلوم أن منزله مفتوح للجميع، ولا يأكل طعامه يومياً إلا مع ضيوفه، وقد اشتهر وذاع صيته في الداخل والخارج لاهتمامه بمتابعة أمور المسلمين في الداخل وفي الخارج وفي المراكز والجمعيات والأقليات الإسلامية وفي كل مكان.
    وقد أجمع المسلمون والمسلمات في الداخل والخارج على حبه الصغير والكبير الذكر والأنثى العالم والمتعلم والأمي، وقد أكرمه الله بالكثير والكثير من مكارم الأخلاق والتي لا تتوفر إلا في نوادر الرجال ومن بعض الشواهد الكثيرة على تميزه العظيم في هذا الجانب: مرة خرج معه سائل من جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض من الباب الجنوبي فوصل -رحمه الله- السيارة دون أن يكمل الرجل حاجته فطلب منه الشيخ -أن يركب معه في السيارة لإكمال موضوعه فارتبك ثم قال: أنا دخلت الجامع من الباب الشمالي وحذائي -أعزكم الله- هناك فقال سماحته ننتظرك حتى تأتي به وفعلاً انتظره حتى جاء وركب معه، فانظر يرعاك الله إلى هذا التواضع والحرص تبسّطه مع الجميع والحرص على قضاء حوائجهم.
    ومثال آخر: كلمه رجل من أمريكا في منزله بعد العشاء وتبين

    من حديث سماحته له أنه من أبناء الجاليات العربية هناك يستفتيه ويطلب المساعدة في الزواج، فلاحظ الشيخ بسرعة بديهته ودقة ملاحظته أنه محتاج، فحينها طلب منه رقم هاتفه وقال نتصل عليك الآن حتى لا يكلفك الاتصال، وفعلاً كلمه رحمه الله في الحال واستكمل الحديث معه، فسبحان من منحه هذا العطف والحنان على المسلمين والرفق بهم وحب مساعدتهم وغير ذلك كثير يصعب حصره في مثل هذه العجالة.
    أما حرصه على تطبيق السنن الفعلية والقولية والتي بعضها نسيها الكثير من الناس مع الأسف فدقته وذكره لها أمر عجيب، فمثلاً إذا جاء من السفر نهاراً أو ليلاً يقصد المسجد رأساً ويصلي النافلة ثم يذهب لبيته وأهله، كذلك حبه التيامن من كل شيء حتى ركوب السيارة يحرث على الركوب من الباب الأيمن ولا يعرف عنه أنه يوم من الأيام رفع صوته على أحد أو غضب على أحد فهو لا يغضب البته إلا عندما تنتهك محارم الله أو ذكر له منكر فهو يتأثر ويعمل ما في وسعه لإنكاره بالطرق المناسبة.
    وحفظه للمتون والأسانيد ودقته في ذلك أمر معروف لدى الكثير من العلماء وخاصة طلابه، ولديهم الشواهد الكثيرة في ذلك، فيذكر أحدهم أنه في أحد دروسه قبيل وفاته -رحمه الله- قرأ عليه أحد تلامذته تحقيق مسألة من ورق مصور من سنن الدارمي وسنن الدارقطني وقال القارئ هذا من سنن الدار قطني -خطأ منه- فرد عليه الشيخ وقال هؤلاء ليسوا

    رجال الدار قطني -أي رجال السند- فتأكد القارئ وإذا به يقرأ من أوراق سنن الدارمي سهواً منه، أما زهده في حطام الدنيا فحدث ولا حرج وشواهد ذلك واضحة جلية لجميع من عرف الشيخ.
    وقد فجع الجميع وحزنوا أشد الحزن لفقده، وما حصل من كثرة المصلين عليه في الحرم المكري الشريف والتزاحم في تشييع جنازته -رحمه الله- لهو من أكبر الأدلة على حب الناس له وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني -حفظهم الله ورعاهم- وأصحاب السمو الملكي الأمراء وأصحاب الفضيلة العلماء وأصحاب المعالي الوزراء وجمع كبير من المسلمين -حفظ الله الجميع ورعاهم وأجزل لهم الأجر والثواب، سائلاً الله أن يتغمده فقيد الأمة بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يعلي درجاته في الفردوس الأعلى وجميع المسلمين وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء لقاء ما قدم وبذل من خير وعلم ودعوة وإصلاح وأن يخلف على جميع المسلمين بخير وأن يحسن العاقبة للجميع وأن يوفق للاستفادة من سيرته، كما أسأله جل وعلا أن يحفظ لنا ديننا وولاة أمرنا وعلماءنا وأمننا ومملكتنا العزيزة من كل سوء ومكروه، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يجمع الكلمة ويوحد الصف ويثبت الجميع على الحق، إنه على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد.


    رحمك الله أبا عبد الله



    بقلم: د. عبد الله بن حافظ الحكمي*
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه الكرام إلى يوم الدين.
    رحمك الله أبا عبد الله اللهم في جنات عالية قطوفها دانية، اللهم اجعل مثواه في جنة الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. آمين.
    طلعت علينا شمس النهار وقد فارقنا شمس العلوم والمعارف قبل أن ينبلج نهارها ويشع ضوؤها، وحل يوم الخميس وقد ودعنا فيه زينة الأيام وإمام الزمان. يوم الخميس هذا اليوم الذي كان لا يختار السفر إلا فيه، أتم الله له الاختيار فكان سفره الأخير فيه، فإلى خير مستقر إن شاء الله. والحمد لله على ما قضى وقدّر.
    نذكر الوالد الحبيب بأعمال الخير التي قضى حياته فيها، وعطر تاريخ أيامه بأريجها، جهد دائب لا يعرف الإجازات ولا الاستراحات، منقطع لنشر العلم ونفع الخلق في ليله ونهاره، حتى السويعات الأخيرة

    من حياته، عمر مديد وعمل حسن، فليهنأ الوالد -أبو عبد الله- بالعمل الطيب والذكر الحسن. أجزل الله له الأجر، وأعظم له الثواب، وتقبل منه، وجزاه خير ما جزى به عبداً صالحاً.
    نذكر الوالد الحبيب ولن ننساه.
    نذكر مجالس الفتيا: يجيب كل سائل ويحل معضلات المسائل، ما رأيت أسرع منه إجابة، ولا أوقع على المقصود، جواب بلا إطالة، مقنع لا يُدفع. قد أحاط بالأدلة، وجمع الأقوال، فانقطعت بجوابه الحدد. قنع الناس بكلامه فلا تردد بعد قوله، ولا جهل بعد فتواه.
    أجمع على قبول قوله العلماء والعامة. فكان المرتضى عند الجميع. علم واسع، ورأى سديد، وعقل راجح، وفراسة صادقة. إن علم أجاب، وأن أشكل عليه الأمر لجأ إلى الله داعياً ذاكراً مسبحاً مستغفراً متضرعاً أن يلهمه الصواب، فنعم العالم الورع التقي الزاهد.
    نذكر المساجد التي سعى في بنائها بالتعاون مع ولاة الأمر وأهل الخير التي تعد بالمئات في داخل المملكة وخارجها. كان آخرها في يوم وفاته على مكتبي ثلاثة مساجد قد بدأ -يرحمه الله- في إجراءات تعميرها. حرص على ذلك، وفرّغ لهذا العمل موظفاً يتابع معاملاتها في مكتبه الخاص. ووقتاً يدرس أوراقها فيه.
    نذكر حرصه على إعمارها بحلقات العلم التي أقامها فيها جلّ حياته. يبدأ درسه بعد صلاة الفجر إلى أول الضحى، دروس متعددة

    تعلو على دروس الجامعات والمدارس العليا في عددها ومستواها. هو الشيخ والمعلم فيها.
    نذكر حقه على أداء الصلاة فيها جماعة. وعدم التهاون، ولن ننسى كلما ردد المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح. دعوته الدائمة إلى أجابته: البدار البدار، الإسراع. أذكر وصيته يوم جئت أقرأ ورقة فور انتهاء المؤذن من الأذان فسأل: لم أسمع الأذان، هل أذَّن؟ فقلت: الآن أذَّن. فقال: أتعمل وقد أذن، الصلاة الصلاة.
    نذكر مواعظه في المساجد تتردد فيها، الحث على الخير، والترغيب فيه، والدعوة إلى كل عمل صالح، والتحذير من كل شر ومنكر، وعظ مؤثر، ونصيحة مشفق تلامس شغاف القلوب لا لبلاغتها ولكنه الصدق في النصيحة. ومن لم يسمع منك الوصية الخالدة، جماع كل وصية (يا عبد الله عليك بتقوى الله) هي بدء كل موعظة وختامها (يا عبد الله عليك بتقوى الله).
    جعلنا الله ممن انتفع بعلمه وكان لدعوته سامعاً مطيعاً.
    نذكر المدارس التي شارك في تأسيسها في مختلف بقاع الأرض، والمدارس التي ساهم في استمرارها، والمدارس التي سعى في إعانتها، والمدارس التي جعل لها مقررات سنوية، أو تحمَّل فيها رواتب بعض المدرسين.. أذكر واحداً من أهم أعماله التي حرص عليها واهتم بها

    تلك هي رعاية دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة أشرف على عملها، وكفل طلابها، وأقام لها المباني الحديثة، وعين فيها المدرسين الأكفاء، ووفر ميزانيتها، وحرص على تميزها واستقلالها حتى غدت شهادتها العالية تعادل الشهادة الجامعية، وطلابها من مختلف بلاد الدنيا. الشرط المهم في قبولهم الرغبة في طلب العلم والدعوة إلى الله.
    نذكر الصفات العالية، نذكر الأخلاق الفاضلة، نذكر التعامل السامي، نذكر العلم، نذكر الحلم، نذكر التواضع، نذكر الشجاعة في قول الحق، نذكر الكرم، نذكر الجود، نذكر السخاء الذي ليس له حدود. نذكر العطف على الأيتام، نذكر العطف على الفقراء والمساكين، نذكر العطف على الغرباء المقطوعين، نذكر العطف على من ضاقت بهم الحيل وانقطعت بهم السبل وسدت في وجوههم الأبواب. فوجدوا في بابه باب الله خير ملجأ ومعين، فكانت شفاعته، وكانت صلته، وكان بره.
    الوالد الحبيب: أبكيه وقد كثر الباكون حولي. العيون تدمع والقلوب تحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. إنا لله وإنا إليه راجعون.
    أبكيه ويبكيه طلبة العلم: هم جلساؤه وأبناؤه وأقاربه، قد قدّم الأنس بهم على الأنس بالأهل والأولاد، وهب وقته لهم. فصدروا منه عن مورد عذب زلال. جنوا من علمه أنفع علم وأقوم سلوك. علم شرع قد وثقت أحكامه بالآيات القرآنية، وأيدت بالأحاديث النبوية الصحيحة. أقام متونها، وصحح أسانيدها، فعلمه اليقين لا الشك، والنور لا الظلام، والحقيقة لا

    الحيرة من عقل واعٍ، وقلب مخلص قد ربط نيته وتوجيهه بالله مولاه، فأجرى على لسانه الحق في جل أموره واستجاب دعاءه في إصابة الحق في القول والعمل في غالب شؤونه.
    أبكيه ويبكيه الدعاة إلى الإسلام في كل مكان: نصرهم، وآزرهم، بذل الجهد في توجيههم إلى المنهج السليم في الدعوة بقوله وعمله، وقد كفى كثيراً منهم مؤونة الحاجة بما رتب لهم من الإعانات، وسعى لهم في إجابة ما يطلبون من المعينات.
    أبكيه ويبكيه الفقراء والمساكين -أبا المساكين- سعى في رفع ماناتهم، وفك كربتهم، وقضاء ديونهم، وعلاج مريضهم، رحمهم وألان لهم الجانب، فامتلأت دواوين مكتبه بطلباتهم، يخصص لها الوقت الطويل يدرسها ويبذلك الجهد في نفعهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. فكم من مدين كان سبباً في قضاء دينه، وكم من فقير رفع عنه ألم الحاجة، وكم من مسكين فرج كربته، بسط لهم مائدته، وأوسع لهم في مجلسه، حتى قال أفريقي فقير رث الثياب جاء يسأل عنه في موسم الحج الأخير. يسأل: أين الشيخ؟ فقيل له: لم يستطع الحج، ماذا تريد؟ فقال: أنا لا أريد منكم شيئاً، ولكني مسكين والشيخ أبو المساكين.
    أبكيه ويبكيه كل مواطني المملكة رجالاً ونساء. شباباً وشيباً أحبوه الحب كله تربوا على علمه، داوم على نصحهم بكل خير، وتوجيههم

    إلى كل فضيلة. فكان الحزن لفقده عظيماً وكان البكاء الصادق وكان الحزن وكان الأسى.
    أبكيه ويبكيه المسلمون معي في كل مكان: اهتم بأمرهم، ناصح قادتهم، ذكر عامتهم بما ينفعهم، كان السباق في كل خير يصل إليهم، كلما سمع هيعة كان من أوائل الواصلين، يذكره المسلمون في مصر والشام وفلسطين، يذكره المسلمون في الصومال والجزائر والكويت، يذكره المسلمون في الفلبين، يذكره المسلمون في كشمير، يذكره المسلمون في أفغانستان، يذكره المسلمون في البوسنة، يذكره المسلمون في كوسوفا. يذكره المسلمون في كل مكان، ينصر قضاياهم، ويهب لنجدتهم بما أوتي من جاه وكلمة مسموعة ودعوة مطاعة.
    الوالد الحبيب: هل أستطيع البوح في هذه الكلمة بما في القلب من مشاعر الحب من لواجع الأسى والحزن من ألم الفقد. معذرة فللكلام حدود وأنا في كلا الحالين متهم، من عرفه حق المعرفة متهم بالتقصير. وممن جهل قدره متهم بالمبالغة في الوصف وهو مخطئ في ظنه، ومعذرة إن خانني التعبير فالمصاب جلل والخطب فادح.
    الوالد الحبيب: خمسة وعشرون عاماً قضيتها معه أنعم بقربه وحديثه، وأحظى بتوجيهه، واسعد بخدمته فكيف أختزلها في بضعة سطور.
    خمسة وعشرون عاماً: كان لي فيها الوالد بعد اليتم من الوالد فنعم الخلف.

    خمسة وعشرون عاماً: لم أره فيها إلا ساعياً في سبيل الخير، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصحاً لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. مجيبا للسائل مغيثاً للملهوف، معيناً لذي حاجة.
    خمسة وعشرون عاماً: أشهد شهادة صدق لم أسمع منه كلمة جارحة ينتصر بها لنفسه، أو يؤنب بها أحداً من الخلق إلا في حق قضى الشرع به.
    خمسة وعشرون عاماً: لم يعنف أو يزجر، إن رضي عن عملنا دعا لنا بالأجر والثواب، وإن لم يرض دعا لنا بالهداية والصلاح. إن ألح شخص أو اشتط في طلب لم يزد عن أن يقول له (سبّح).
    فكم كان عظيماً في أخلاقه، وكم كان عظيماً في علمه، وكم كان عظيماً في تعامله في قوله في فعله، من حين عرفته إلى أن فقدناه وهو خير معلم وخير موجه. ولا زالت تترد في مسامعي كلمته الأخيرة في آخر لقاء وآخر وداع وأنا أساله هل يوجه بأمر أو يوصي بعمل نجريه فقال: (نعم وصيتي تقوى الله) فإلى رحمة الله أبا عبد الله.
    الوالد الحبيب: أأعزّي أم أُعزّى فيه.
    فالعزاء العزاء ولاة الأمر: عظم الله أجرك خادم الحرمين في فقيد البلاد والعباد، وأحسن الله عزاك سمو ولي العهد في شيخ الإسلام، وجبر الله المصيبة سمو النائب الثاني في إمام الفتيا والعم. والعزاء لكم

    جميعاً أفراد الأسرة المالكة من عرفتم للشيخ قدره، كان الناصح وأنتم المستجيبون وكان المشير وكنتم المقدرون. وفَّى ووفيتم. فجزاكم الله خير الجزاء على حبكم للشيخ وإجلاله وأحسن الله عزاءكم فيه.
    والعزاء العزاء الصبر الصبر أبناء الشيخ عبد الله وعبد الرحمن وأحمد وخالد وأهل بيته الكرام في فقيد الجميع، والعزاء العزاء آل الباز، والعزاء لكل من أحب الشيخ واستفاد من علمه، والعزاء للمسلمين عامة في إمام المسلمين وفقيد العلم والدين. اللهم اجبر مصيبة الجميع فيه، واخلفه على المسلمين بالخلف الحسن إنا لله وإنا إليه راجعون.
    اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أدخله الجنة، وقه من عذاب النار ومن عذاب القبر، اللهم تقبل منه ما قدم من صالح الأعمال.
    اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا وله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    ```


    السيرة العطرة والذكر الحسن




    بقلم الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن البعادي
    الباحث العلمي برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالرياض
    الحمد لله ولي المتقين. يأجر الصابرين. أحمده سبحانه وأشكره وبه أستعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله e وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
    ففي يوم الخميس السابع والعشرين من شهر الله المحرم عام ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة انتقل إلى رحمة الله تعالى سماحة والدنا وشيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عن عمر يناهز التاسعة والثمانين عاماً قضاها يرحمه الله في خدمة الإسلام والمسلمين تعليماً وإفتاءً ودعوة وإرشاداً وتأليفاً وفي مجال القضاء.
    عرفته الكليات والمعاهد الدينية والجامعة الإسلامية والمعهد العالي للقضاء ورئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ورابطة العالم الإسلامي

    وما يتبعها كمجمع الفقه الإسلامي والمجلس الأعلى العالمي للمساجد، حيث كان يتولى رئاستها.
    وعرفته بيوت الله (المساجد) داعياً إلى الله سواء عن طريق المحاضرات والندوات أو الدروس العلمية الشرعية والمواعظ وكان يرحمه الله إماماً لجامع الإمام تركي بن عبد الله رحمه الله بالرياض لعدة سنوات وله به وبغيره حلقات ودروس علمية يحضرها جم غفير من طلبة العلم ومن المستمعين وإذا صلى بالناس العصر قرأ حديثاً من أحاديث رسول الله e وشرحه شرحاً وافياً، ورغم تقدمه في السن -يرحمه الله- فإنه يزداد نشاطاً وحيوية في أداء الأعمال الإدارية والإشراف على الفتاوى والبحوث العلمية ورئاسة دورات مجلس هيئة كبار العلماء.
    وكان -يرحمه الله- مرجعاً معتمداً في الفتوى والأحكام الفقهية يرجع إليه المسلمون ويطمئنون إلى ما يصدر عنه من فتوى وكذلك يرجع إليه العلماء وطلبة العلم وله مشاركات في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة بالأحاديث والفتاوى وشرح بعض كتب الحديث والفقه والعقيدة وعمله يرحمه الله متواصل ليلاً ونهاراً سواء في مكتبه الرسمي بالإفتاء أو في بيته ويستقبل المستفتين والمراجعين والمحتاجين لشفاعته لدى المسؤولين، وهاتف منزله ومكتبه الرسمي لا يتوقفا، حيث يتصل به الرجل والمرأة والكبير والصغير وبابه مفتوح حتى أثناء تناوله لطعامه فمائدته يجلس عليها المسلمون على مختلف فئاتهم

    وطبقاتهم وجنسياتهم وليس فيها أي تكليف. يبادلهم الحديث المحب إلى النفس ويسألهم عن صحتهم وأولادهم وأحوالهم وقضاياهم وهمومهم ويسعى في حلها وهو واسطة خير وسند ومعين بعد الله لكثير من الفقراء والمحتاجين والمساكين فيكتب إلى ولاة الأمر وإلى الأغنياء والموسرين فكم سد خلة كثير من الفقراء والمحتاجين إما بمساعدة مالية أو شراء مسكن أو مساعدة مالية للزواج أو نحو ذلك.
    وهو يرحمه الله لا يفتر لسانه عن ذكر الله وحمده وشكره واستغفاره وتلاوة كتابه العزيز قائماً وقاعداً ويكثر من صيام التطوع وصلاة التطوع.
    ولقد شرفت بحضور بعض مجالسه في البيت والعمل فكانت عامرة بالتقوى وعمل الخير والبر لا تسمع فيها إلا ما يرضى الله سبحانه وتعالى.
    إنَّ فقد هذا العالم السلفي الفذ والفقيه المتبحر المجتهد والعابد المجتهد لمحزن لكل مسلم في هذه البلاد وغيرها فقد وضع الله له القبول والمحبة في نفوسهم. وفي الحديث: ((إذا أحب الله عبداً وضع له القبول في الأرض)).
    إننا وإن عز علينا فراقه نؤمن بقضاء الله وقدره ونمتثل لحكمه النافذ بقوله سبحانه: )كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ( الآية، وقوله تعالى: )كُلُّ

    مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ.وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ( وقوله سبحانه: )وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً(، وقوله جل وعلا: )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(.
    ونسأله سبحانه أن يجعلنا من الصابرين لنكون أهلاً لوعد الله الحق )وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(.
    وإني إذ أعزي نفسي في فقد والد الجميع وشيخهم لأعزي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله والأسرة المالكة الكريمة كما أعزي أسرة الشيخ عبد العزيز بن باز وكافة أسرة آل باز الكرام وأصحاب الفضيلة العلماء أعضاء اللجنة الدائمة وأعضاء الإفتاء وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آله الشيخ مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وأعضاء هيئة كبار العلماء ومعالي أمينها العام وأصحاب الفضيلة القضاة في المملكة وطلبة العلم، وأسأل الله أن يغفر له ويتغمده بواسع رحمته ورضوانه ويسكنه فسيح جناته ويجزيه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ويثيبه ويعظم له الأجر لقاء ما قدّمه من أعمال جليلة وجهود مشكورة للإسلام والمسلمين وأن يجمعنا به في دار

    كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ويرزقنا الصبر والاحتساب وأن يأجرنا في مصيبتنا )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(.


    * الدعوة: الخميس 19 صفر1420هـ، الموافق 3 مايو 1999 - العدد 1694.

    * مدير عام مكتب المفتي العام بالمملكة.

    * الرياض: 29 صفر 1420هـ، الموافق 16 مايو 1999م - العدد 11683.

    * الدعوة: العدد 1692 - 5 صفر 1420هـ، 20 مايو 1999م.








  10. #30
    الصورة الرمزية ronya
    ronya غير متواجد حالياً مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    8,780
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2015
    على الساعة
    03:55 PM

    افتراضي

    سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
    وقبس من مآثره وسجاياه





    بقلم: أ. د. عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان
    ما أقسى الألم وما أشد لوعة الفراق؛ حين يرزأ المرء بفقد عزيز عليه، ويتمالكه الأسى والحزن لفراقه وموته، غير أن مما يهوّن فداحة الخطب هو أن المؤمن يدرك أن قضاء الله نافذ، وإذا حلّ الأجل فلا مردّ له، والموت حق، وهو سبيل كل حيّ ولا بد من الرضا بقضاء الله وقدره.
    تواردت -في خاطري- هذه الكلمات؛ حين ترامى إلى سمعي نبأ وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله باز، المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي -يرحمه الله- وقد وافته المنيّة، وانتقل إلى رحمة الله فجر يوم الخميس الموافق 27/1/1420هـ.
    ولقد فقدت الأمة الإسلامية بفقده عالماً فاضلاً سادت شهرته الآفاق، وذاع صيته في مشارق الأرض ومغاربها علماً وعملاً، وخلقاً سامياً وورعاً وزهداً، وكرماً دونه الكرم الحاتمي، وحباً في الخير،


    وإخلاصاً لله في كل شيء، وحرصاً على الدعوة إلى الله وتبصير المسلمين بأمور دينهم، ودعماً لكل عمل بناء مثمر في خدمة الإسلام والمسلمين، وتجنباً لكل ما يسخط الله، وتعلقاً بكل ما يقرب إلى مرضاته.
    ولا غرو فهو من العلماء الذين هم مصابيح الدجى، وبنور علمهم المستمدّ من هدي الكتاب والسنة تشرق حياة الناس بما يشع من فكرهم وعلمهم المستنير؛ وهم ورثة الأنبياء، وأهل خشية الله والسعي إلى مرضاته؛ تضع الملائكة أجنحتها لهم، وتغشاهم الرحمة في مجالسهم، ويذكرهم الله -سبحانه وتعالى- في الملأ الأعلى.
    نعم هو من هؤلاء العلماء؛ لأنه عالم جليل يستهدي بنور الله، ويقتبس من مشكاة النبوة، ويستقي من معين السلف الصالح، أمضى عمره كله في خدمة الإسلام وقضايا المسلمين: متعلماً وعالماً وموجهاً ومرشداً.
    ومن يتأمل مسيرة حياته المباركة على ما يقرب من تسعين عاماً يجدها زاخرة بمآثر وسجايا جليلة وعظيمة في ميادين العلم والخير والتقوى والصلاح، التوجيه والإفتاء والدعوة إلى الله، والكرم والسماحة والتفاني في خدمة الإسلام والمسلمين، والتواضع، ومكارم الأخلاق، ومؤازرة الدعاة في العالم كله، وهي مآثر وسجايا يقف أمامها أرباب البيان والفصاحة عاجزين عن إيفائها حقها من الإشادة والذكر.


    ولقد سعدت وتشرّفت بلقائه والاجتماع به مرات عديدة في داره العامرة بالمدينة المنورة، يوم أن كان نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية ورئيساً لها، وحضرت بعض دروسه في المسجد النبوي، وسمعت بعض محاضراته ولقاءاته العلمية، وغمرني بكرمه ولطفه كلما زرته في الرياض، حيث يلح -كعادته- يرحمه الله على تناول طعام الغداء معه، وسمعت عنه خلال الكثير من طلابه والمقربين منه، كما قرأت بعض ما نشر في "مجلة البحوث العلمية والإفتاء وما صدر عنه من فتاوى".
    * * *
    ولعلّي، من خلال ذلك، أوفّق في إيراد بعض ما يحضرني من مآثره وسجاياه، وهي كثيرة، وما قدح في ذهني منها ليس سوى قبس أو غيض من فيض، وهي على النحو الآتي:
    1- التقوى والورع والزهد، وتعظيم أمر الله ونهيه، واستقرار خوف في قلبه، واستشعاره لذلك في كل حين، وفي كل حركاته وسكناته، والحرص التّام على الالتزام بهدي الإسلام قولاً وعملاً منطلقاً في ذلك من وعيه التام بتوجيهات كتاب الله، وهدي النبي e وما عليه السلف الصالح، وهو نموذج صادق لجيل العباد والصالحين والزهاد والعلماء العالمين ممن نقرأ سيرهم في تاريخنا الإسلامي المجيد، منذ عهد الرسول e إلى يومنا هذا.
    * * *


    2- الإخلاص لله سبحانه وتعالى في كل ما يعمله أو يقدم عليه أو يصدر عنه من قول أو عمل لا يقصد به إلا وجه الله، وطلب المثوبة والأجر منه، وفي ذلك يكمن سرّ تفانيه في عمله الدؤوب لخدمة الإسلام والمسلمين، والحرص على كل ما يعلي شأنهم، ويرفع مكانتهم، وكل ما يحقق الاستقامة على النهج القويم من الالتزام بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء؛ التي توصل إلى النهج السوي في ظلمات التيارات الفكرية والمذاهب المتعددة التي يموج بها عالم اليوم.
    وفي هذا الإطار ساند وآزر ودعم المراكز الإسلامية؛ التي تقوم بواجب الدعوة إلى الله داخل المملكة وخارجها، وفي جميع أنحاء العالم بجهده وعمله وعلمه وتوجيهه ودعمه المادّي والمعنوي، وحرصه على إرسال الدعاة المؤهلين إلى مناطق عديدة من العالم؛ بقصد نشر الدعوة الإسلامية، وتبصير الناس بأمور دينهم في مناطق كثيرة يسود فيها الجهل بالدين، ويفتقر أهلها إلى مبادئ الإسلام، وقد يستغلهم أهل المذاهب والدعوات المنحرفة.
    وله مواقف مشهودة في هذا الصدد لا تعدّ ولا تحصى كثرة؛ سواء أكان ذلك بجهوده الذاتية، أم من خلال إدارة الدعوة، أو رابطة العالم الإسلامي.
    * * *


    3- الاعتماد على كتاب الله وسنة رسوله e في كلّ ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، فمن معينهما الثر يغترف، وعلى ضوء نورهما الوهّاج يسير، وبكل توجيه منهما يلتزم، ويحث دائماً وأبداً على الالتزام بنهجهما السوي، والتمسك بما جاء فيهما من توجيهات وهدي يحقق سعادة الدارين.
    * * *
    4- الدراسة الواعية والنهج الحكيم لكل ما يصدر عنه من أقوال وفتاوى وآراء؛ بحث يدقق النظر، ويعمل الفكر، ويتحرّى الدّقة والصواب، ويلجأ إلى الاجتهاد فيما يستجد من أمور في حياتنا المعاصرة، ولا يخرج في ذلك عن حدود ما يفتح الله به عليه في ضوء مصادر التشريع وأدلته المعروفة، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من العلماء والعملين، والمتبحرين في العلم، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو في غضون ذلك يحرص على اختيار الحق في المسألة بدليله، والعضّ بالنواجذ على ما كان عليه السلف الصالح من مراعاة القواعد العامّة للشريعة، ومفاهيم الأئمة، ومقتضيات الأحوال لواقع حدوث المسألة زماناً ومكاناً وحالاً بما لا يعارض نصاً من كتاب أو سنة. [انظر ابن باز الداعية والإنسان ص72].
    * * *


    5- الهمّة العالية والحرص الشديد على أمور المسلمين في كل ما يعرض لهم من مشكلات تستوجب تبصيرهم بأمور الدين، ويخصص لذلك جلّ وقته في مقر عمله، وفي منزله، فإذا ما جئته في أحدهما تجد أمامه أكداساً من الأوراق، أو عشرات من الأشخاص قد يتجاوزون الخمسين، وكل ذلك يحتاج إلى نظر وتوجيه وإفتاء بما يفتح الله به عليه من علم، وهو -يرحمه الله- أمام هذا الحشد من الأوراق والأشخاص يعطي كل ذي حق حقه، فتراه حيناً يتناول خطاباً من أمامه فيجيب عليه، وحيناً يستمع لمن جاء مستفتياً، وبعضهم أصحاب مشكلات قد لا يجدون لها حلاً عند غيره، والكلّ يسمع منه ويجد الجواب الشافي بتوفيق الله وعونه، ويتخلّل المجلس رنين أكثر من هاتف تأتي عبرها الأسئلة والاستفسارات العائدة حول قضايا شرعيّة تحتاج إلى بيان وإيضاح.
    وكان -يرحمه الله- يحرص على إشاعة العلم النافع، والتوجيه السديد بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مقام يستوجب ذلك، ولكلّ من يقصده مستفتياً، أو مسترشداً برأيه النير، وعلمه الغزير.
    * * *
    6- الالتزام بالسماحة والتيسير على الناس، وعدم التشديد فيما يفتي به تجاه بعض المواقف التي تستلزم ذلك بمقتضى الشرع، مستنداً على أساس مكين من العلم بنصوص الشريعة وفهم مرادها، وما يقوله أهل


    العلم الموثوقون، وفتاواه المنشورة فيها الشيء الكثير مما يتعلق بالعبادات كالحجّ أو الأحوال الشخصية كالطلاق، وخاصة الطلاق بالثلاث في لفظ واحد، إذ كان يفتي في ذلك على أنه طلقة واحدة، بعد أن يتحرّى عن حال الواقعة، ويسمع من الطرفين المعنيين، وكان في ذلك رفع للحرج عن كثير من الناس، وحلّ لمشكلات صعبة قد تقوّض بعض البيوت، وتشتّت شمل بعض الأسر.
    * * *
    7- شمول نظرته وفتاواه لما يعجّ به عصرنا الحاضر من مشكلات، ويموج به من محن وكوارث، وما يطرأ في من مستحدثات تستوجب منه تبصير الناس تجاهها بما ينير لهم الطريق، ويبصّرهم بوجه الحق، ويحثّهم على الخير، وهو يتابع بدقة أحوال الإسلام والمسلمين في العالم ويتألم لما آل إليه حال بعضهم من الضياع والجهل وسوء المآل وكانت له مواقف صلبة بفكر واع، ونظر ثاقب، تجاه المذاهب والتيارات الفكرية والثقافية الهدامة ينبري لها بالحوار البنّاء، والتوجيه السديد؛ حتى يتنبه المغترون بها لمكان الخطر، فيثوبون إلى رشدهم.
    * * *
    8- له أثر كبير في تكوين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، منذ نشأتها، بذل لها الشيء الكثير من جهده ووقته وخبرته وعلمه وحكمته؛ حتى تنهض لتحقيق أهدافها المرجوّة منها في خدمة الإسلام


    والمسلمين في شتّى أصقاع الأرض، عن طريق تعليم أبناء المسلمين في كل مكان أو بقعة من العالم، وتزويدهم بالعلم الشرعي على أسس علميّة صحيحة تعتمد على الكتاب والسنّة، وهدي السلف الصالح، وكانت جهوده -يرحمه الله- هي الأساس المتين لهذه الجامعة الكبيرة في أهدافها وفي ما تقدمه لأبناء العالم الإسلامي من نفع عميم، كما أضفى عليها من شخصيته ومكانته الشيء الكثير.
    * * *
    9- تقدير العلماء وطلبة العلم، وحبّهم والتعاطف معهم، ومن نماذج تقديره ما عرف عنه في بعض المجالس التي تجمعه ببعض العلماء، وتطرح عليه بعض الأسئلة، فتراه لا يبادر بالإجابة، وإنما يتلمّس أولاً الإجابة ممّن يأنس فيهم القدرة على الإيضاح والبيان في المسألة، على الرغم من غزارة علمه، وهو نهج عرفناه عند كثير من علمائنا المشهورين.
    ومن تقديره لطلاّبه أنه -يرحمه الله- كان يستوضح منهم في بعض ما يبلغه عنهم، فإذا وجد لديهم من العلم ما يسانده الدّليل من الكتاب والسنة قبل ما لديهم ودعا لهم بالتوفيق، ولم يكن ممّن يتعصب لرأيه، بل إنه كان يأخذ بما يستبين له فيه وجه الحقّ والصواب.
    * * *


    10- التواضع الجمّ مع الناس جميعاً على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم من ملوك وقادة وأمراء ووزراء، وفقراء وجهّال، ولا يتعامل مع المغرضين من منطلق الثأر للنفس في مواجهة بعض محاولاتهم للنيل من شخصه الكريم بالتجريح، أو المغالطة في نقد ما يصدر عنه -يرحمه الله- من علم وتوجيه نافع، بل يوكل أمرهم إلى الله، ويردّ على من يتجرأ على الحقّ منهم رداً علمياً مدعماً بالحجة والبرهان الساطع من الكتاب والسنّة، داعياً لهم بالهداية والرشد.
    * * *
    11- الصّبر، وتحمّل المشاق، ونسيان ذاته في سبيل راحة الآخرين وتحقيق ما يتطلعون إليه من حوائج ومساعدة بالإفتاء والتوجيه والنصح، والتعليم، أو بمد يد العون للمحتاج منهم، كما يتضح من برنامجه اليومي الزاخر بالدروس والإفتاء والمحاضرات والأعمال الرسمية وغير الرسمية، ويواصل ذلك ليلاً ونهاراً بين مكتبه ومنزله.
    بل إنه في فترة مرضه كان يخرج أحياناً من المستشفى إلى مكتبه أو منزله، ويتجه إلى مجلسه ليواصل عمله الذي نذر نفسه له مع أنه بحاجة ماسّة إلى الراحة، ولم يكن يقعده عن ذلك سوى المرض الشديد، أو أخذ قسط من الراحة، والنوم لسويعات محدودة قد تكون أقل من كفايته، وهو يجد في ذلك متعته وراحته لأن ما يقوم به عمل لله يرجو به ثوابه والجزاء عنده -سبحانه وتعالى- مما يزيده...
    * * *
    12- ينصت باهتمام لما يقال من آراء، وما يطرح من قضايا ومسائل فيما يحضره من ندوات، ومحاضرات، وجلسات علمية في رابطة العالم الإسلامي، أو مجمع الفقه، أو هيئة كبار العلماء وغير ذلك من الجهات المعنية بالعلم، وغالباً ما تبدر له بعض الملحوظات حول ما يقال فيبدي ما يراه بأدب جمّ دون تبرّم أو استعلاء، أو تطاول، معتمداً في ذلك على هدي الكتاب والسنة.
    * * *
    13- كانت صلته بولاة الأمر مبنيّة على التقدير والاحترام المتبادل بينه وبينهم، والالتزام بمنهج الإسلام في الحثّ على طاعتهم، والالتفاف حولهم، ونبذ كل ما يدعو إلى الفرقة والنزاع والشقاق، ومناصحتهم بمقتضى توجيه الشريعة الإسلامية السمحاء، التي تدعو إلى الرفق والبيان والقول اللين، بعيداً عن التشهير والإثارة، وكل ما يؤدي إلى إشاعة البلبلة والفرقة واختلال الأمن.
    والجدير بالذكر أنه -يرحمه الله- يجد لدى ولاة الأمر كلّ تقدير واحترام، وله في نفوسهم المكانة الكبيرة، والإصغاء لما يقوله بالرضى والقبول، ولا أدلّ على ذلك من المشهد الرائع الذي رأيناه من خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، والنائب الثاني، وجميع إخوتهم وأبنائهم -يحفظهم الله- حينما توافدوا من أنحاء المملكة


    ليشهدوا الصلاة عليه في المسجد الحرام، ويشتركوا في تشييع جنازته ودفنه -يرحمه الله- ولا غرابة في ذلك فهم يسيرون على نهج والدهم المؤسس الملك عبد العزيز -يرحمه الله- في تقدير العلم والعلماء.
    * * *
    14- يشدّ السامعين إليه بحسن حديثه، ووضح عباراته، وإشراق بيانه، وسمو أفكاره، وقوة حججه، وسلامة مقصده؛ ذلك لأنه حديث نابع من قلب يعمره الإيمان، ونور القرآن، وهدي النبي e، فلا بد أن يستقر حديثه في أعماق قلوب السامعين.
    * * *
    15- أسلم على يديه عدد كبير من أهل الديانات الأخرى بفضل الله، ثم بفضل ما له من نشاط دعوي يتّسم بالوعي التام، والإدراك الكامل لحقيقة الدعوة، وأساليبها ومناهجها التي تتلاءم مع واقع المدعوين.
    * * *
    16- نهض بأعباء جمّة رسمية وغير رسمية، منها: القضاء، والتدريس، ورئاسة الجامعة الإسلامية، ورئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء


    المكرّمة، إلى جانب عضويته في العديد من الهيئات العلمية، والمؤسسات الدعوية. وقد أمدّه الله بعونه وتوفيقه للقيام بهذه المهامّ الجسام على الوجه الأكمل.
    * * *
    رحم الله سماحة الشيخ ابن باز، فقد كان محل الثقة والحب والتقدير من الناس في جميع أنحاء المملكة، وامتدّ ذلك إلى الكثير من أبناء العالم الإسلامي، وقد احتل هذه المكانة بفضل الله، ثم بعلمه وخلقه، وتقواه وزهده وورعه، وسلوكه، مما تحدّثت عنه سابقاً.
    ويشهد لذلك ما أصاب الناس من حزن لفراقه، وما كان من الآلاف المؤلّفة منهم حين توافدوا إلى المسجد الحرام ليشهدوا الصلاة عليه، ويا له من مشهد مهيب ينطق بفيض من الحب والتقدير لمن نذر نفسه لخدمة الإسلام والمسلمين إلى جانب الحزن العميق على فقيد الأمة الإسلامية.
    وهكذا شأن العلماء العاملين المخلصين الذين يستقرون في قلوب الناس بمآثرهم وسجاياهم السامية النابعة من هدي الإسلام قولاً وعملاً.
    وفي ختام هذه الأسطر لا بدّ من القول إنَّ الحديث عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- ذو شجون يبدأ ولا يكاد ينتهي، ولا يزال يختلج في النفس الشيء الكثير عنه، ولعلّ فيما تيسر ذكره من مآثر الشيخ وسجاياه بياناً لأهمية العلم ومكانة العلماء، وما هم عليه


    من نهج يستوجب البيان والذكر وتقدير العلم وأهله، إلى جانب الإفادة من نهجهم في حياتهم العلمية والعملية، وما أحوجنا إلى أن نقلب النظر في سير العلماء ليستفيد اللاحقون من نهج السابقين ما يصحح مسار حياتهم، ويضعهم في الطريق الصحيح لتحصيل العلم وتعليمه والإفادة منه في الحياة العمليّة؛ على أسس صحيحة تتفق مع مقتضى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
    والله أسأل أن يتغمد الشيخ بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنّاته، وهو القادر على أن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ```



    سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز





    بقلم: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
    نحمد الله سبحانه وتعالى، ونثني عليه، ونشكره على عظيم نعمه، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
    *فإن خطب المسلمين جلل، ومصابهم فادح في فقد سماحة شيخنا ووالدنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
    لقد كان -رحمه الله- طوداً شامخاً في العلم والزهد والتقوى، وحب الخير للناس، له في كل ميدان من ميادين العلم الصالح يد تذكر فتشكر، نمط فريد من أنماط العلماء العاملين الصالحين يذكر الإنسان بأئمة علماء السلف، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ورثوا علم النبوة، تحملوا الأمانة، وجاهدوا في أدائها على خير ما يكون الجهاد، نذروا أنفسهم لنشر دين الإسلام والدعوة إليه، والذب عنه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقامت الحجة بهم على الناس، ورأى الناس فيهم من الصفات والعزم والحزم والتقوى، والعمل الصالح


    ابتغاء مرضاة الله، ما ثبت الدين في النفوس والمجتمعات، وأبرز خيرية أمة محمد e ، التي أخبر الله تبارك وتعالى عنها بقوله: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(.
    كانت الدعوة إلى كتاب الله وسنة نبيه e والصبر على ذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ديدنهم اتباعاً لقول الله: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(.
    نسأل الله أن يتغمد فقيدنا برحمته، وأن يكتب له أجر جهاده وعمله وآثاره العظيمة في مختلف ديار المسلمين، وأن يجعله من أولئك الأئمة الأعلام، لقد كان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في عصره إماماً جدد في نفوس كثير من العلماء والدعاة الكثير من القضايا التي جددها أسلافه من أهل العلم، وبخاصة ما قام به الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في العصر الحديث وفي جزيرة العرب على وجه الخصوص. وقد بارك الله في علمه فانتفع به خلق كثير سواء أكان ذلك في حلقات التدريس أم في المحاضرات أم في الجامعات والمدارس والهيئات أم في نصحه وإرشاده في كل مناسبة، أم في برامج الإذاعة أم فيما ينشر في الصحافة أم في منزله العامر أم في مقر عمله.


    كما بارك الله في وقته وجهوده وجميع أموره، لا يدخر جهداً في التوجيه والنصح والإرشاد، محب لولاة الأمر، ناصح لهم، عون لهم على كل خير، سالك الطريق الوسط لا إفراط ولا تفريط.
    وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- حريصاً كل الحرص على اتباع الكتاب والسنة، وبخاصة في قضايا المعتقد، توحيداً لله سبحانه في ذاته وصفاته وأعماله وأفعاله، وعبادته، والداً لطلاب العلم وبخاصة منهم أهل الحاجة، والغرباء، بابه مفتوح ونفسه مفتوحة، متواضعاً، محباً للخير، باذلاً له، حريصاً على المؤمنين، كباراً وصغاراًً.
    مدركاً لأهمية هذه البلاد "المملكة العربية السعودية" وموقعها المتميز في نشر الإسلام والدعوة إليه، ومثنياً في كل مناسبة على ما يقوم به ولاة الأمر فيها، من عمل صالح، وبذل مستمر في إنشاء المساجد، وطبع الكتب وتعليم الناس الخير، وعون المسلمين في كل مكان، وقبل ذلك وأهم منه حرصهم على تنفيذ أوامر الله وتطبيق شرعه، مواقفه -رحمه الله- مشهودة في الذود عن الدين وأهله وعن المملكة وأهدافها، وما قامت به من أجل نصرة الدين، والدعوة لتوحيد الله، وإخلاص العبادة له.
    عرفت سماحته منذ خمسة وأربعين عاماً، تتلمذت عليه، واستفدت من نصحه وتوجيهه، وقويت صلتي عندما توليت إدارة


    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فكان -رحمه الله- حريصاً على الجامعة ورجالها، يسأل عنه وعن مشروعاتها ويحضر مناسباتها، وقل أن يعقد مؤتمر أو ندوة فيها إلا وهو في مقدمة الحاضرين والموجهين والمعنيين.
    وبعد انتقالي منها إلى وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، كان شديد الصلة بالدعوة والدعاة، يسأل عنهم ويعينهم، ويسعى لحل مشكلاتهم، يهتم بالمساجد والأئمة والجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، ولا أذكر أني طلبت منه رأياً أو عوناً أو إسهاماً في مجال خير ينفع الناس، ويسهم في ربطهم بالكتاب والسنة إلا وكان مستجيباً بما يستطيع، ناصحاً، مخلصاً، فجزاه الله أحسن الجزاء، وأكرمه لقاء ما قام به في سبيل الإسلام والمسلمين.
    سيبقى الخير -بإذن الله وعونه- في أمة محمد e وستقوم الحجة على الناس بوجود العلماء والدعاة أمثال سماحته -رحمه الله- وفي بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، لما حباه الله به من مزايا وما وفق قادتها وولاة الأمر فيها من الاهتمام بالعلم والعلماء، والدعوة إلى الله ومناصرة المسلمين والذب عن قضاياهم.
    من الصعوبة بمكان أن يفي المتحدث أو الكاتب بالجوانب العديدة، والصفات الحميدة التي كان يتصف بها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وليس هذا هو الهدف من كتابة هذه الأسطر، وإنما


    الهدف أن نعرف أهمية العلم والعلماء في حياتنا، وأن نقدر العلم وأهله، ففيه تحيا النفوس، ويقوى الإيمان، ويزداد العمل الصالح، وتبقى الآثار الحميدة، ويبتعد الناس عن الأهواء والبدع والخرافات، ويستقيموا على صراط الله المستقيم، الذي دعا إليه خاتم الأنبياء والمرسلين، ومن تبعه بإحسان من أهل العلم والإيمان.
    وأن ندرك أن فضل الله عظيم على أمة محمد e وأن هدايته وتوفيقه هما السبب فيما يُحصِّل الإنسان من علم وتقوى وعمل صالح، وأن العالم بقدر ما تصلح نيته وتستقيم سريرته ويقتفي من سبقه ممن لازم الكتاب والسنة، بقدر ما يكتب له القبول، ويكثر خيره ونفعه.
    إن لسماحة والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رصيد كبير في هذا، وله على طلاب العلم واجب كبير في الدعوات الصالحات له، والبر به والإحسان إليه، بعد أن انتقل من هذه الدنيا الفانية نسأل الله أن تكون له خيراً ورحمة وفضلاً واسعاً، كما نسأله أن يجبر كسر المسلمين في مصابهم، وأن يجعل في عقبه الخير والصلاح والبر، اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واجمعنا به في دار كرامتك، واكتب له ما تكتب لعبادك الصالحين، وأئمة الدعوة المهديين، وعوضنا والمسلمين خيراً، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله وسلم على نبي الهدى، نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وأصحابه.



    حدث وحديث





    بقلم د/ عبد الله بن عبد المحسن التويجري
    روى الشيخان عن أنس -رضي الله عنه- قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي e: ((وجبت)) ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال النبي e: ((وجبت)) فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : ما وجبت؟ فقال: ((هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)).
    وفي رواية للبخاري عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض -فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه- ، فمرت بهم جنازة فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر -رضي الله عنه- : وجبت، ثم مر بأخرى فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر -رضي الله عنه-: وجبت، فقال أبو الأسود: فقلت وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي e: ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة)) فقلنا: ثلاثة؟ قال: ((وثلاثة)) فقلنا، واثنان؟ قال: ((واثنان)) ثم لم نسأله عن واحد.
    أحبتي في الله ورد هذا الحديث على ذهني وأنا أسمع ذلك الثناء العاطر الذي استفاض على ألسنة الناس، خواصهم وعوامهم على سماحة الإمام القدوة الرباني شيخنا، عبد العزيز بن عبد الله بن باز طيب


    الله ثراه وقدّس روحه، وكيف اتفق على ذلك الثناء الصالح والطالح، الأحمر والأسود والقريبون من الشيخ يعلمون أن قدر الشيخ أكثر بكثير مما سطرته الأقلام ونطقت به الألسن في وصفه فهو بحق بقية من بقايا السلف كتب الله أن يعيش في هذه العصور المتأخرة. والأمة الإسلامية بموته لم تفقد علماً جماً وحسب، بل غربت عنها شمس طالما أشرقت بالنور والخير في أرجاء المعمورة، سيفقدك يا شيخنا يتامى وأرامل طالما كفكفت دموعهم ومسحت على رؤوسهم وفقراء ومساكين طالما استأنست بالجلوس والأكل معهم على مائدتك العامرة يومياً، فأنت -رحمك الله- مباركاً أينما كنت، طبت حياً وميتاً، نشهد أنك كنت أمة في رجل، قد جمع الله فيك من سجايا الخير قلما تجتمع في مثلك، ونحسب أنك سترى عند لقاء ربك قرة عينك، وما نعلمه أنك على نهج النبي e وصحبه البررة الأخيار سلكت سبيلهم ولهجت بذكر أحاديثهم وأخبارهم، تدمع عيناك كلما عرضت لسيرهم دموع الشوق إلى لقائهم ومرافقهم، فهنيئاً لك شيخنا المبارك، فقد روى الشيخان عن أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل النبي e فقال: متى الساعة؟ فقال: ((وما أعددت لها؟)) قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: ((أنت مع من أحببت)) قال: أنس فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي e: ((أنت مع من أحببت)) قال أنس: فأنا أحب النبي e وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بمحبتي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم.
    اللهم اجمعنا بشيخنا في دار كرامتك ومستقر رحمتك إنك سميع مجيب.



    علاقتي بالوالد عبد العزيز بن باز





    بقلم: عبد الله عمر نصيف
    نائب رئيس مجلس الشورى
    لقد عرفت الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز منذ كنت طالباً في المرحلة الإعدادية عند زيارته لجدي الشيخ محمد بن حسن نصيف -رحمه الله- في منزله في جدة أو لقائه مع جدي في المدينة المنورة عندما كان الشيخ رئيساً للجامعة الإسلامية ثم بسماعي لبعض دروسه ومحاضراته في مراحل لاحقة.
    ولقد لفت نظري علمه وتواضعه وإجماع الناس على احترامه وتقديره، وقد تأثرت بحادثة وقعت عندما ألقى الشيخ محمد متولي الشعراوي محاضرة في المدينة المنورة عام 1392هـ أقيمت بمناسبة تأسيس الندوة العالمية للشباب المسلم، وكنت مرافقاً لضيوف الندوة عند زيارتهم للمدينة بعد انتهاء البرنامج الأساسي في الرياض، فقد تحدث الشيخ الشعراوي لمدة ساعة ونصف الساعة على الأقل عن مكانة المرأة في الإسلام، وبعد انتهائه من المحاضرة علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على إحدى عشر مسألة وردت في المحاضرة رتبها حسب موقع ورودها في المحاضرة وناقشها بموضوعية علمية وفي كتاب


    الله وسنة رسوله e مما أثار إعجاب الحاضرين بكل الملكات التي مكنت الشيخ من القيام بذلك.
    ولقد عايشت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في رئاسته لعشرة اجتماعات للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ومثلها للمجلس الأعلى للمساجد بالرابطة وستة اجتماعات لاجتماع المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي وغير ذلك من اللقاءات والندوات والمؤتمرات التي أقيمت في الرابطة أو خارجها خلال عقد من الزمان أو يزيد، فكان حفظه الله مثالياً في مقدرته على إدارة الجلسات وضبطها والتعليق على الكلمات باقتدرار وتواضع وتوجيه النقاش لكي يكون إيجابياً منتجاً مع إنزال الناس مكانتهم، وتحمل من يشتط منهم في الرأي أو يحتدم في النقاش دون تجريح أو انتقاد في غير محله مع احترام الآراء وإعطائها حقها من النقاش بسعة صدر وطول بال وإعطاء أقوال العلماء من سلف الأمة وأئمتها مكانتها اللائقة دون تعصب لمذهب دون الآخر، بل كان يؤكد أكثر من مرة أن مجالس رابطة العالم الإسلامي تمثل المسلمين في كل مكان باختلاف مذاهبهم الفقهيه ومدارسهم العلمية، وهذا يجب أن يوضع في الاعتبار، وأن الترجيح يجب أن يكون للرأي المدعم بالنص من الكتاب والسنة والإجماع.. كذلك فإني ترددت على منزله العامر عشرات المرات.. فالمنزل مفتوح للقاصي والداني والمائدة ممدودة باستمرار لكل الحاضرين والدعوة مفتوحة لكل زائر من خارج البلاد وداخلها كما أن أصحاب الحاجات من طلبة العلم وأبناء


    السبيل وغيرهم يملأون رحبات الدار ليلاً ونهاراً لا يجدون من الشيخ إلا كل رحابة صدر وحسن استقبال وسعي حثيث لتحقيق المطالب وتفريج الكربات والشفاعة الحسنة لدى أولي الأمر والمسؤولين أو على رجال الأعمال والمحسنين، ورغم كل الزحام وكثرة الواردين فلم يتخلف الشيخ عن الرد على فتاوى الناس واستفساراتهم حضورياً أو هاتفياً أو بالبريد في كل يوم، كما أنه كان يخلو إلى نفسه للعبادة وقراءة القرآن أو الاستمرار في طلب العلم حسب تعبيره بقراءة الكتب والاستزادة من العلم والمعرفة، فوقته كله لله -عز وجل- ليس له فيه لحظ نفسه نصيب، فقد زهد في الدنيا وسعى لما عند الله مما هو خير وأبقى.
    وبعد.. فهذا قليل من كثير وغيض من فيض استطعت أن أعبر عنه في هذه المقدمة المتواضعة.. لقد تعلمت منه الشيء الكثير.

    ```



    * البلاد: السنة 69 العدد 15651 - الخميس 12 صفر 1420هـ.

    * الرياض: الجمعة 28 محرم 1420هـ، الموافق 14 مايو 1999م - العدد 11281.

    * جريدة المدينة: الأربعاء 4 صفر 1420هـ.


صفحة 3 من 4 الأولىالأولى ... 2 3 4 الأخيرةالأخيرة

سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 16-11-2010, 03:48 PM
  2. شرح كتاب الطهارة من الروض المربع الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله الدي يقرا
    بواسطة ابو ياسمين دمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-05-2009, 06:23 PM
  3. التعليق على تفسير ابن كثير الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمها هدية لجميع اخواننا
    بواسطة ابو ياسمين دمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-05-2009, 06:20 PM
  4. شرح كتاب الطهارة من الروض المربع الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله الدي يقرا
    بواسطة ابو ياسمين دمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-04-2009, 12:56 PM
  5. الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله آل باز -رحمه الله
    بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى منتديات الدعاة العامة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 17-10-2005, 01:42 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر

سيرة وحياة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وما قيل فيه من شعر ونثر