الغزالي.. قلب رقيق ولسان بالحق طليق



مسعود صبري*



يفرد هذا المقال الحديث عن صفات الشيخ الغزالي وأخلاقه وجهاده، وما عُرِفَ عنه من سلوك في حياته، وإن كان الشيخ قد كتب "خلق المسلم" -وهو من أجود وأروع ما كُتب في الأخلاق حديثا- فإني أحسب أننا بحاجة لمعرفة خلق صاحب "خلق المسلم".

فقد تميز الشيخ بصفات كثيرة، قَلَّ أن تجدها في أقرانه، وربما كانت تربية الشيخ في بيت أبيه الصالح، والتحاقه بجماعة الإخوان المسلمين، وتأثره بشيوخه من علماء الأزهر، وطبيعة المرحلة التي عاشها؛ من الملكية، والاحتلال الإنجليزي، والثورة، والحكم الدكتاتوري والاعتقالات وغيرها من أحداث كان لها كبير الأثر في صفاته المكتسبة، بالإضافة إلى صفاته الشخصية الثابتة الموروثة.

ومن أهم الصفات التي تميز بها الشيخ الغزالي، رحمه الله:

الإنصاف ورد الفضل لأهله

فكان دائمًا ما يذكر أهلَ الفضل بالفضل، ولو اختلف معهم، وكثيرا ما يذكر فضل شيوخه عليه، وتأثره بهم؛ فهو يقول مثلا عن الشيخ البنا رحمه الله:

"وإني أعترف -رادا الفضل لأهله- بأني واحد من التلامذة الذين جلسوا إلى حسن البنا، وانتصحوا بأدبه، واستقاموا بتوجيهه، واستفادوا من يقظاته ولَمَحَاته" (في موكب الدعوة، ص: 11).

ويقول عن انتسابه لجماعة الإخوان:

"انتسبت لجماعة الإخوان في العشرين من عمري، ومكثت فيها قرابة سبع عشرة سنة، كنت خلالها عضوا في هيئتها التأسيسية، ثم عضوا في مكتب الإرشاد العام. وشاء الله أن يقع نزاع حاد بيني وبين قيادة الجماعة، انتهى بصدور قرار يقضي بفصلي، وفصل عدد آخر من الأعضاء. وبعد عدة شهور من ذلك الحدث صدر قرار حكومي بحل الجماعة كلها، والإجهاز على جميع أنشطتها.

وأريد أن أكون منصفا؛ فإن الزعم بأن جميع الإخوان أشرار سخف وافتراء، والزعم بأن الجماعة كلها كانت معصومة من الخطأ غرور وادعاء" ( قذائف الحق، ص: 71).

التجرد

وتميز الشيخ الغزالي بالتجرد وعدم الانحياز في كثير من آرائه، وخاصة مع الأشخاص، فليست معايشته لفلان تجعله يغض الطرف عن أخطائه، ولا عداوته لأحد تجعله ينسى مكانته، وما قدمه من خير.

فهو كثيرا ما يذكر الانحلال الغربي، ومع هذا يذكر أن القوم أصدق منا في كثير من الأمور، وأن ما توصلوا إليه كان نتيجة تخطيط وجهد وتعب، وشورى وديمقراطية يعيشونها.

ويوضح موقفه من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة، فيقول: "إن النهضة الإسلامية الجديدة إذا كانت تراجعت في ميدان السياسة، فإنها نجحت نجاحًا محمودًا في ميادين أخرى، وأستطيع القول: إن بذورها العقلية والعاطفية قد أثمرت وازدهرت في جولات كثيرة، صنعت بجهدها الفردي شيئا طائلا بما يرضي الله، وينفع العباد.

على أننا إذا نوهنا بقيمة التوجيه الصحيح في تكوين الأجيال الجديدة، فيجب أن نكشف الغطاء عن فريق من الدعاة الذين تكلموا عن الإسلام، واشتغلوا بعرض تعاليمه؛ فكان أسلوبهم في الفهم والعرض عونا على إنجاح الحركات المناوئة له، وإمدادها بقوى دفعتها إلى الإمام.

هذا الفريق إن كان مخلصا فيما صنع فهو يعيد إلى الأذهان قصة الدابة التي قتلت صاحبها، وهي تدفع عنه. وإن كان مغرضا يبطن للإسلام غير ما يظهر، أو يضمر لدعاته الأوفياء غير ما يجب؛ فالويل له من الله ومن الناس" (في موكب الدعوة، ص: 13-14).

الجمع بين الرقة والسَّوْرة

وقد عُرف عن الشيخ أنه كان رقيق القلب، أما التحدي فيثير فيه الغضب، ولعل هذا مما أثار عليه حفيظة الكثيرين؛ فمعظم الآراء التي كتبها قال بها غيره، غير أن غيرته على الإسلام، وخوفه من إبرازه في صورة غير لائقة جعلته يخرج عن الحد المطلوب في بعض الأحايين؛ فيصف بعض الآراء الفقهية بأنها فقه بدوي، أو أن هذه تقاليد عبس وذبيان، أو يصف البعض بالبَلَه، ويصف آخر بالغفلة أو الحماقة، وغير ذلك.

ومع هذا فقد كان الشيخ سريع الدمعة، فربما قرأ آية من كتاب الله أثرت في مسيرته، أو حديثا نبويا يرشده إلى تغيير سلوكه، أو بيتا من الشعر تُمَجَّد فيه حضارة الإسلام، فيكاد يبكي على ما ضاع من حضارة الإسلام.

وربما نظر لرجل بائس الحال في الطريق فيرق حاله له، ويصب اللوم على حكام المسلمين لتقصيرهم في حق شعبهم، إلى غير ذلك.

وقد عبر الشيخ عن رقته وسورته في كثير من المواقف، فيقول: "وقد كنت حريصا على الصمت الجميل يوم عرفت أني سأعمل للإسلام وحدي، بيد أن أحدا من خلق الله اعترضني ليقول لي: إن تكلمت قُتِلت! فكان ذلك التهديد هو الحافز الفذ على أن أتكلم وأطنب.

إن اللفظة الرقيقة تطوي عنقي فأستسلم، أما التحدي فإنه يهيج في طبيعتي غرائز الخصام.

وقد يرى القارئ فيما كتبته هنا، أو فيما كتبته هناك، أو فيما كتبته من قبل خطأ في فكرة، أو جورا في عاطفة، يجب ألا تغالي!! ليكن ذلك كله أو شيء منه. فهذه نفسي، وهذه صحائفي، وأرجو ألا أتملق إلا ربي، وألا أهتم لأحكام الناس" (في موكب الدعوة، ص: 253).

أدبه مع العلماء

وقد كان الشيخ الغزالي مقدرا لعلماء الأمة، ينهل من كل ما يراه خيرا، ويكاد يُجَنُّ حين يسمع مَن لا فقه له ولا علم يطعن في أحد الأئمة، بل ربما وصل إلى حد الإسفاف له؛ حفاظًا على مكانة الأئمة في الأمة!!

وكان يرى أن عدم احترامنا لعلمائنا من دعائم سقوط حضارتنا، ويشيد بأن الأمم الأخرى تحترم أصحاب نظريات فارغة.. فما بالنا لا نحترم سادة الأمة من العلماء؟

ومع اختلافه في بعض الآراء مع بعض العلماء فإنه كان يُنزل كل إمام منزلته، ويعطيه قدره الذي يستحقه، فيقول: "مع أني أميل أحيانا إلى الفقه الحنفي، فإني جانح بفؤادي وإعجابي إلى الشافعي وهو يقول عن علمه: وددت لو انتشر هذا العلم دون أن يعرف الناس صاحبه! ليتنا نُرزَق هذا الإخلاص.

ومع ضيقي بتساهل صاحب المسنَد في إيراد بعض المرويات؛ فإني أتبعه بإعزاز عميق وهو يتكبر على الدنيا، ويستعف عن مآربها، ويستصغر المال والجاه والحكم وهو يدرس للناس.

إن هؤلاء الأئمة الكبار شيوخنا جميعا عن جدارة، والبحث العلمي بصوابه وخطئه لا يعكر ما يجب للعلماء من توقير" (تراثنا الفكري، ص: 174، وانظر أيضا: قذائف الحق: 108-109).

ولم يكن تقدير الشيخ الغزالي موقوفا على أئمة الشرع الحنيف، بل هو يقدر كل إمام في فنه، ولا يعني تقديره له أنه يسلم له الزمام في كل شيء، غير أن نقده له لا يجعله يبخس حقه.

يقول الشيخ: "اطلعت على مجلة أحبها، فقرأت فيها لَمْزًا للأديب الحر المصلح عبد الرحمن الكواكبي، وتفسيقًا لرجلين من بناة النهضة الإسلامية الحديثة، وأنا أحد تلامذة المنار وشيخها محمد رشيد، وأستاذه الشيخ محمد عبده.

وأنا أعرف أن المتنبي -غفر الله له- كان يحب المال إلى حد البخل، ويحب الإمارة إلى حد الجنون، ومع ذلك أطرب لشعره، وأستجيده وأستزيده، وإذا لم يكن أميرًا لشعراء العرب؛ فهو من قممهم.

إنني لا أجعل عيبا ما يغطي مواهب العبقري، ثم لحساب مَنْ أهدم تاريخنا الأدبي والديني؟ ولمصلحة مَن أشتم اليوم علماء لهم في خدمة الإسلام وكبت أعدائه كفاح مقدور؟

ومَن يبقى مِنْ رجالنا إذا أخذت تاريخ الشيخين أبي بكر وعمر مِنْ أفواه غلاة الشيعة، وتاريخ علي بن أبي طالب من أفواه الخوارج، وتاريخ أبي حنيفة من أفواه الإخباريين، وتاريخ ابن تيمية من ابن بطوطة وابن فلان، وتاريخ محمد بن عبد الوهاب من أفواه الترك .. إلخ.

وددت لو أُعنت على محاكاة أبي حامد الغزالي مؤلف "لجام العوام عن علم الكلام"؛ فألفت كتابا عنوانه "إلجام الرعاع والأغمار عن دقائق الفقه ومشكل الآثار"؛ لأمنعهم عن مناوشة الكبار، وأشغلهم بما يصلحون له من أعمال تناسب مستوياتهم، وتنفع أممهم بهم" (علل وأدوية، ص: 81-82).

وفي موقفه من الإمام ابن تيمية يظهر احترامه للإمام الأعظم، ويظهر تقديره له وإنصافه، مع عدم الإغفال عما وقع فيه من خطأ؛ فهو يقول: "وما يأخذه الكاشحون على أبي الحسن يؤخذ مثله على ابن تيمية عندما توقف في نفي الجسمية عن الله؛ فلا يثبت ولا ينفي، وهذا خطأ، وكان ينبغي أن يلتزم بقوله تعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشورى: 11)، فيجزم بالنفي! كما يؤخذ عليه -أيضا- نفيه للمجاز في القرآن وفي اللغة العربية كلها، إن علماء اللغة وأدباءها وشعراءها يبتسمون من هذا النفي الغريب.

ولكن هذه الهنات لا تنال من قدر إمام شامخ كبير العقل، راسخ اليقين، شديد البلاء في نصرة الإسلام ورد أعدائه" (سر تأخر العرب والمسلمين، ص: 90، طبع دار الريان للتراث).

الجرأة في الحق والجهاد الدائم

كانت الحالة السياسية والاجتماعية التي عاشها الشيخ توجب عليه -مع ما تميز به من صفات- أن يكون صاحب الجهاد بالكلمة والقلم، وكل ما يمكن فعله من أنواع للجهاد ممكنة؛ فقد كان يحرك الشعوب لرفع الظلم عن نفسها، وأن تسعى إلى إزالة الفساد عن أوطانها، وأن تدافع عن الوطن المغتصب، وقد كانت رؤيته للحكام الذين تربعوا على عرش مصر خاصة والعالم العربي عامة تتصف بالوضوح الشديد، وعدم المواربة أو المداهنة؛ فيصف كل إنسان بما يستحق من مدح أو ذم.

فقد كان مجاهدا للنظام الشيوعي، ساعيا لإقصائه عن حياة المسلمين، فقد كتب "الإسلام والزحف الأحمر" في وقت محنة عصيبة، ويحكي عن ذلك فيقول: "ولا بأس أن أقصَّ محنة مرت بي؛ فقد ألفت كتابي: الإسلام في وجه الزحف الأحمر خلال أيام عصيبة، كان صوت الشيوعية عاليا، وكان السلطان معها، وكان التجهم لها خرابًا للبيت، وطريقا إلى السجن.

ونظرت إلى صحائف الكتاب في يدي قبل أن أدفع به إلى مطبعة بعيدة، وقلت: ربما كان موتي في هذا الكتاب! ولكن نفسي قالت لي: بئست الحياة أن تبقى بعد أن يموت دينك، فمضيت في طبع الكتاب، وليكن ما يكون!

وشاء الله أن يخرج الكتاب بعدما هوي الصنم، وأصيب أتباعه بنكسة موجعة! فحمدت الله أن ناصرت الحق في محنته، ثم لم أُصَبْ بأذى! وقررت أن أستمر في جهادي مستندًا إلى الله وحده" (كنوز من السنة، ص: 38-39، طبعة نهضة مصر).

وقد كان صاحب مواقف مشرفة ضد الفساد الملكي الذي أزرى بالبلاد، وكاد أن يأخذها إلى الهاوية، فيقول: "إنه من فضل الله علينا أن رفضنا السير في موكب العبيد، وأننا شننا حربا ضارية على الفساد الملكي، وحواشيه وذيوله وظاهره وباطنه، وجرأنا العامة على النيل منه، والتهجم عليه. ولئن كانت ثورة الجيش قد أفلحت في اكتساح هذه المساخر فإن ذلك بتوفيق الله، ثم بما نشرنا في طول البلاد وعرضها من أفكار حرة ضد الاستبداد والفوضى" (في موكب الدعوة، ص: 113-114).

ويقول في موطن آخر: "في هذا الكتاب مقالات أحارب بها الوهن، الوهن الذي أطمع الأعداء في استذلالنا، وجرَّأ الخالية والعاطلة أن تلطمنا، وقد كتبتها أشعل بها الحماس ضد المغيرين على تراث الإسلام في كل مكان، وأغري الأمة أن تواصل كفاحها الواجب حتى يخرجوا.

ولما كانت الوثنيات السياسية في ربوع الإسلام تكأة خبيثة لهذا العدوان الكافر، فإني لم أهادنها طرفة عين، وقد كان كتابي: الإسلام والاستبداد السياسي حلقة من سلسلة كتب هتكتُ فيها أستار الإقطاع المدبر، وحذرت الشعوب مغبَّة الاستسلام له من أحوال المجتمع والدولة.

وقد بُلينا في ميدان الجهاد بنفر يتهيبون الأوضاع الباطلة كما يتهيب العميان المسير على شاطئ البحر، ويتهربون من مغارم البطولة كما يتهرب الأطفال المناظر المهولة! فما الذي أقحمكم إذن في ساحة لستم لها؟ وما تعنِّيكم أمرًا فوق ما تطيقون؟!

غير أن هؤلاء الخوَّارين -الذين وقع في أيديهم زمامنا- تعقبوا جهادنا ضد الفساد، يريدون أن نرجع فيه بخفَّي حنين؛ فلا هم عملوا، ولا هم تركوا غيرهم يعمل، ولا هم رضوا بمنزلة القاعدين التي استحقوها بتراخيهم. لقد استحبوا أن يعيشوا لصوص أمجاد في ميدان الجهاد. وسرقة المجد كسرقة المال، أمر تستنكره الشرائع، وتأباه الطباع السليمة (في موكب الدعوة، ص: 4-6).

لما حاول الرئيس جمال عبد الناصر أن يمحو من الدستور كون مصر دولة إسلامية وقف هو (الشيخ الغزالي) والشيخ أبو زهرة -رحمهما الله- كأسدين هصورين ضد هذا الخَبَل، وكان لهما ما أرادا؛ مِنْ أن تظل مصر دولة إسلامية.

وفي موقفه من جمال عبد الناصر يتعجب الشيخ من هذا الرجل؛ فقد كان مِمَّن انتسب إلى الإخوان، وكان معاشرا للشيخ وإخوانه، لكن طرأ عليه ما لم يعرفه الشيخ؛ فهو يتعجب من منح جمال عبد الناصر لـ"سوكارنو" رئيس إندونيسيا الأسبق -وهو معروف بعدائه للإسلام- "العالمية الفخرية" من الأزهر الشريف، حيث يقول: "والحق أني حائر في فهم جمال عبد الناصر، لقد كنت -كما يعلم الناس- من جماعة الإخوان المسلمين، وأقر أن جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين بايعا في ليلة واحدة على نصرة الإسلام، ورفْع لوائه، وقد كنت قريبا من مشهد مثير، وقف فيه جمال عبد الناصر أمام قبر حسن البنا يقول: نحن على العهد وسنستأنف المسيرة"!

كان ذلك عقب قيام الثورة بأشهر قلائل، وقد وضع كتاب "مسلمون كبار"، كمجموعة مقدمات للرسائل التي كانت تصدر تحت عنوان "اخترنا لك" أمضاها جمال عبد الناصر، وفيها أشرف ما يؤكده زعيم مسلم نحو أمته ودينه.

لا أدري ما حدث بعد ذلك؟ إنه تغير رهيب في فكر الرجل وسيرته، جعله في كل نزاع بين الإسلام وطرف آخر ينضم إلى الطرف الآخر:

انضم إلى الهند في خصومتها المُرّة ضد باكستان المسلمة.

انضم إلى الحبشة في عدوانها الصارخ على إرتريا.

انضم إلى تنجانيقا وأغضى عن المذبحة الشنعاء التي أوقعتها بشعب زنجبار المسلم، ورحَّب أحَرَّ ترحيب بـ"نيريري" الذي يتظاهر بالاشتراكية، وهو قسيس كاثوليكي.

انضم إلى القبارصة اليونان في نزاعهم مع القبارصة المسلمين، وجعل الأزهر يستقبل "مكاريوس" عدو الكيان الإسلامي للأتراك.

كان أسدًا هصورًا في قتال اليمن، وحَمَلا وديعا في قتال اليهود، حتى جعل اليهود -وهم أحقر مقاتلين في العالم- يزعمون أنهم لا يُقْهَرون في حرب.

سريع إلى ابن العم يلطم خده وليس إلى داعي الندا بسريع

ولقد ساند "البعث العربي" الحاقد على الإسلام، ورفض مساندة أي تجمع إسلامي، واخترع حكاية القومية العربية لتكون بديلا عن العقيدة الإسلامية.

ومن الإنصاف أن نقول: إن عددا من رجال الثورة لم يكونوا راضين عن هذا الاتجاه الخاطئ" (قذائف الحق، ص: 140-141).

ومن المواقف الجهادية للشيخ الغزالي حين وضع عبد الناصر الميثاق الوطني قيام الشيخ معترضا على الجانب العلماني واليساري منه، فانبرى الرسام الكاريكاتيري الذي يقال إنه شيوعي "صلاح جاهين"، ورسم نصف صفحة في جريدة الأهرام، ساخرا من الشيخ وعمامته، وهنا خرجت الجماهير الغفيرة المسلمة غاضبة، وقامت بتحطيم واجهة مبنى جريدة الأهرام، واضطرت الجريدة إلى تقديم اعتذار، كما قدم الرسام اعتذاره بتدخل من الدولة خوفا على حياته من غضب المسلمين.

وفي عهد الرئيس السادات أراد تغيير قوانين الأحوال الشخصية، والافتيات على حقوق الرجل الشرعية، وتقييد تعدد الزوجات، فقام الشيخ يخطب منددًا بهذا المشروع، وقامت الجماهير بمظاهرات تطالب بإلغاء هذا القانون، وقد كان لهم ما أرادوا. (الشيخ محمد الغزالي، تاريخه وجهوده وآراؤه، للدكتور عبد الحليم عويس، ص: 9، وانظر: العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالي، ص: 191-192).

ومن جهاد الشيخ ما لاقاه من اضطهاد وعنت، بل وحبس وتعذيب، فقد اعتقل الشيخ في زمن حكومة إبراهيم عبد الهادي باشا، ومكث في سجن الطور سنة، وكان سجنه قبل الثورة وبعدها، وقد حكى ما حدث له تفصيلا في المعتقل، وذلك في كتابه "قذائف الحق" (قذائف الحق، ص: 98-108).

شهادته في قضية فرج فودة

والكاتب فرج فودة من الكتاب العلمانيين الذين كانوا يدعون صراحة إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أن تحكيم الشريعة من الرجعية؛ لأن الزمن تغير، والأحوال تغيرت، وكان يدعو إلى أن تكون الدولة مدنية بعيدة عن الدين.

وقام بعض الشباب باغتيال فرج فودة، وكان لزاما على المحكمة أن تقول كلمتها فيهم، بعد أن قال محاموهم بأن فرج فودة مرتد عن الإسلام، والمرتد يُقتَل في الإسلام.

واستدعت المحكمة الشيخ الغزالي، وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتياتا على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة.

فقامت الدنيا ولم تقعد بعد شهادة الشيخ الغزالي، واتُّهم الرجل بألسنة حداد أشحة على الخير مِنْ أناس لم يستقر الإيمان في قلوبهم، فضلا عمن يعادي منهج الإسلام.

وذهب وزير إلى بيت الشيخ، وطلب منه أن يصرح أو يكتب مقالا يفسر به موقفه من قضية فرج فودة، لكن الشيخ أصر على موقفه، وعاد الوزير مرة ثانية يلح على الشيخ، فأجابه: أنا لم أكتب مقالا في صحيفة، ولا ألقيت خطبة في جامع، ولا محاضرة في جمعية، ولكني استدعيت للشهادة أمام محكمة، فشهدت بما أعتقد أنه الحق الذي أدين الله به وألقاه عليه، فإذا كان في شهادتي بعض الغموض فلتدعني المحكمة مرة أخرى، وأنا أشرح لها موقفي (الشيخ الغزالي كما عرفته، ص: 271-275، للدكتور يوسف القرضاوي. وانظر: أحكام الردة والمرتدين من خلال شهادتي الغزالي ومزروعة، ص 298-300، للدكتور محمود مزروعة، طبعة خاصة بالمؤلف 1414هـ).

وهكذا كانت شخصية الشيخ وصفاته الحميدة التي تعتبر امتدادا لتاريخ سلفنا الصالح. ولو جاز للأمة أن تبكي موتاها، فما يكفي الأمة أن تمكث السنين بكاء على شيخ الإسلام محمد الغزالي، فإنا نحسبه امتدادًا لمدرسة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد أحبه وتشرب منه، ووهب حياته لخدمة دينه، فرحمه الله رحمة واسعة، وعوَّض الأمة عنه خيرا.




*محرر بالقسم الشرعي بموقع " إسلام أون لاين "